الاثنين 23 ربيع الأول 1439 هـ :: 11 ديسمبر 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

ذكاء أهل الإيمان


عناصر المادة
ذكاء المؤمن وفطنته
ذكاء وفطنة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم-
ذكاء وفطنة أبي بكر الصديق
ذكاء وفطنة قضاة وعلماء المسلمين
تعامل المسلم الفطن مع أحكامه الشريعة
ذكاء وفطنة الدعاة في الدعوة إلى الله

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ذكاء المؤمن وفطنته
00:00:48

عباد الله: "المؤمنُ كيسٌ فطنٌ" وهذه الحكمة والفطنة مهمة في تعامل المسلم مع أحكام الشريعة، ومع الناس من حوله،

وقد كان لأنبياء الله -تعالى- من الفطنة النصيب الأعظم، ولما جيء ليعقوب -عليه السلام- بقميص مصبوغ بدم، ليس فيه أثر تمزيق، ولا خمش، وقالوا له: "تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب؟ {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا}.

[يوسف: 18]؛ لأنه عليه الصلاة قد علم بفطنته، كما قيل عنه: "إني لأعلم أن الذئب ليس حليمًا"، ولما وردت على داود -عليه السلام- مسألة الحرث -البستان- والغنم التي نفشت في ذلك الحرث، كما قال الله: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [الأنبياء: 78]. وتأمل في قوله: نَفَشَتْ لتعلم أنه لا يوجد كلمة أخرى تقوم مقامها في التعبير عما حدث في تلك الواقعة، دليلاً على دقة النص القرآني وبلاغته: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ فأتلفت، وأكلت، وأفسدت، في كله: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [الأنبياء: 78]. فقضى داود -عليه السلام- في البداية: أن لصاحب الحرث الغنم، مقابل ما حصل من الإتلاف، فلما خرج على سليمان -عليه السلام-، فسألاه، قضى فيها بأن يأخذ صاحب البستان الغنم، فيستفيد من لبنها وصوفها، ويأخذ صاحب الغنم البستان، فيعيده كما كان، فإذا عاد إلى ما كان عليه، أخذ صاحب الغنم غنمه، وصاحب البستان بستانه: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء: 79].
وكما دخلت أختان، كان لكل واحدة منهما رضيع، فخرجتا إلى البادية، فعدا الذئب على ابن إحداهما، فأخذه، فاختصمتا في الثاني، فقضى به داود للكبرى، قيل: لأنه كان في يدها، فلما خرجتا على سليمان -عليه السلام- فعلما، قال: هات السكين أشقه بينكما؟ فقالت الصغرى: لا هو ولدها يرحمك الله، فقضى به للصغرى [رواه البخاري: 3427، ومسلم: 4592]. فتكلمت الأمومة الحقيقية لصاحبة الولد الحقيقية، نطقت بإنقاذ الولد، ولو لم يكن عندها، فعلم أنه ابنها، فقضى به لها.

ذكاء وفطنة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم-
00:04:35

وهكذا كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- له النصيب العظيم من هذه الفطنة قبل النبوة، لما قضى في رفع الحجر، في ذلك الثوب، من أركانه من قبل المتنازعين، ثم وضعه بيده الشريفة في موضعه، أو كان بعد النبوة، وقد صارت المواقف التي فيها الفطنة متكاثرة، كما فعل لما دخل مكة وهي تحت سلطان المشركين على صلح حصل، وكان الكفار قد قالوا عن الصحابة: وهنتهم حمى يثرب! واجتمع الكفار فوق الجبل من جهة الحِجر أنفة أن يختلطوا بالمسلمين، وعنادًا، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه: بأن يرملوا، مع ما فيهم من الإجهاد والتعب حقيقة، من الأركان الثلاثة ما بينها للكعبة، وأن يمشوا مستبقين أنفسهم في راحة ما بين الركنين؛ لأن الكفار لا يرونهم في هذه جهة، ففعلوا ذلكن فقال الكافر: هؤلاء الذين قلتم وهنتهم حمى يثرب؟! [انظر الحديث في البخاري: 1602، ومسلم: 3118]. فكان في ذلك من الحرب النفسية عليهم ما كان.

ذكاء وفطنة أبي بكر الصديق
00:06:24

وكان للصديق الفطنة العظيمة، لما خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر حياته خطبة أخبرهم فيها أن عبدًا خيره الله بين البقاء في الدنيا، وبين ما عنده، فاختار ما عند الله، فبكى أبو بكر من بين سائر الصحابة، فقالوا: ما يبكيه؟ أن قال: إن عبدًا خيره الله بين البقاء في الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله فلما علموا بعد ذلك أن هذا هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كان قد أعلمهم دنو أجله [انظر الحديث في البخاري: 3904، ومسلم: 6320] ففطن لها الصديق -رضي الله عنه- وهو الذي كان في الهجرة يمشي تارة بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتارة خلفه، فسأله عليه الصلاة والسلام، قال: أذكر الرصد فأمشي أمامك، وأذكر تتبعهم من خلفك، فأمشي وراءك رضي الله عنه [انظر القصة في: مستدرك الحاكم: 4268، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، لولا إرسال فيه، ولم يخرجاه" وقال الذهبي في تعليقه على التلخيص: "صحيح مرسل"].

ذكاء وفطنة قضاة وعلماء المسلمين
00:07:37

وعلى ذلك قضاة المسلمين وعلماؤهم، فلما جاءت امرأة إلى الخليفة، تقول: زوجي رجل صالح، مجتهد في العبادة، يقوم الليل، ويصوم النهار، فأثنى عليه، وأثنى عليها لثنائها على زوجها، وكان ذلك الفِهم الفطن في المجلس، قال: يا أمير المؤمنين قد أبلغت في الشكوى؟ قال: اشتكت من؟ قال: زوجها، يعني أنه لا يقربها، وليس عندها ولا حولها، قال: كما فطنت لمسألتها، فاقض بينهما، قال: فرضتُ أن له أربع نسوة، وأن لها ليلة من أربعة، فإذا اجتهد في الثلاث في العبادة، فلا بدّ أن يكون عندها الرابعة، يلبي حاجتها، فبعثه قاضيًا إلى البصرة [انظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص: 37].

تعامل المسلم الفطن مع أحكامه الشريعة
00:08:48

والمسلم يفطن لأحكام الله -تعالى-، ويعرف ماذا أراد الله، فإذا لاحظ -على سبيل المثال- قوله عليه السلام في الأولاد، في الأبناء: مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرقوا بينهم فى المضاجع [رواه أبو داود: 495، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 509] أن الشرع أراد شيئًا من وراء هذا، ولما قال عليه الصلاة والسلام: لو تَرَكْنَا هذا الباب للنساء؟! قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات [رواه أبو داود:462، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 483] ما دخل منه، وقال عليه الصلاة والسلام للنساء: ليس لكن أن تحققن الطريق [رواه أبو داود: 5274، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 929] يعني في وسطه، يمشين في جوانبه، ولما قال الله: وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ[النــور: 31]. وقال: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النــور: 31]. وقال: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ[الأحزاب: 32]. وقال: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: 33]. وقال عليه الصلاة والسلام: ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما  علم المسلم مقاصد الشريعة بفطنته، فحافظ على أهله، وألزم زوجته وبناته حكم الله، وفرق بين الأولاد في المضاجع، وحرص على العرض.
اللهم إنا نسألك أن تفقهنا في دينك، وأن ترزقنا اتباع سنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-، أحينا عليها، وأمتنا عليها، يا رب العالمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ربنا وخالقنا وإلهنا سبحانه، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأنعم ولطف، وأعطى ووهب، فله الشكر على ما أعطى ومنَّ سبحانه وتعالى، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، البشير والنذير، والسراج المنير، سيدنا وحبيبنا وقدوتنا وأسوتنا، محمد بن عبد الله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله، وذريته الطيبين، وأزواجه، وخلفائه الميامين، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله:

ذكاء وفطنة الدعاة في الدعوة إلى الله
00:11:32

ومن الفطنة العظيمة ما يكون في الإجابات في أثناء دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، ولما ذهب القاضي أبو بكر -رحمه الله- إلى الروم ليحاورهم، وكانوا في مجلس عظيم، فيه راهبهم الأعظم، وحبرهم الأكبر، وصاحب صليبهم المعظم، فبدأ به، فقال: كيف حالك وحال أهلك وأولادك؟ فنخروا في المسجد نخرًا عظيمًا، وقالوا: ويلك! وقر صاحبنا! فوق مستوى الشهوات! لا يليق به أن يتزوج! وأن يكون له أولاد! هكذا أحبارنا ورهباننا؟ قال: ويلكم! نزهتم صاحبكم عن الزوجة والولد! ولم تنزهوا ربكم عن الزوجة والولد؟! فبهتوا، فسألوه، وقد أعدوا له الأسئلة: ما حال زوجة نبيكم تلك التي قيل: إنها كانت مع رجل أجنبي في سفر؟ قال: قد برأها الله كما برأ مريم من فوق سبع سماوات، غير أن مريم كان لها ولد، وعائشة لم يكن لها ولد، فبهتوا، ثم قالوا: لم تتزوجوا من نسائنا ولا نتزوج من نسائكم؟ قال: نحن نؤمن بنبيكم، فنتزوج من نسائكم، فإذا  آمنتم بنبينا، زوجناكم من نسائنا.
وهذه قصة وقفت عليها بنفسي من راويها الذي شارك فيها، فيها فطنة جواب مسلم لغير مسلمة كانت سببًا في نجاح عظيم، قال: كانت امرأة في بلد أوربي، عجوز نصرانية ثلاثة وتسعين سنة، تسكن في عمارة، وجارها مسلم، فكان هذا الشاب إذا رآها دخلت بأغراض نزل فحملها لها، وأوصلها وأعانها وساعدها، وربما نظف لها بيتها، فقالت له مرة: أنت تأخذ أجرة على هذا؟ أحد يعطيك أجرة؟ قال: نعم، فظنت أنه ولدها العاق الذي رماها، وتخلى عنها، كلف بمال هذا المسلم ليرعاها، فلما فعل لها خدمة كبيرة يومًا، قالت: من الذي يعطيك الأجرة؟ قال: الله، لم يقل ذلك في البداية، قالت: من هو؟ عرفني به؟ فأتى لها بما تسمع وتقرأ في التعريف بالله، وكتابه، ونبيه، ودينه، قال الذي يروي القصة: فجاءتنا في المركز الإسلامي صلاة العصر، وأعلنت إسلامها، وفي صلاة العشاء أصابتها وعكة مفاجأة، ففارقت الحياة، فماتت على الإسلام، بحسن معاملة وفطنة جوابٍ من مسلم، أنقذها الله به من النار، قال: فلما سمع ولدها بموتها جاء يسعى، ودخل البيت، وأخذ المال، وشرع يبيع الأغراض والأجهزة والأثاث، فلما أردنا أن نأخذ أمه لنغسلها ونكفنها، وندفنها في مقبرة للمسلمين، رفض، قال: أبدًا هذه نأخذها لتدفن حسب طريقتنا في مقبرتنا، وقال: وصار الشد والجذب، وقلنا: أسلمت؟ قال: لا، ورفض، وصار بيننا وبينه صراع، فقال في الآخر: أنتم جادون أنكم تريدونها؟ فقلنا: نعم، قال: أبيعكم إياها؟ كم تريد؟ قال: خمسة آلاف يورو، قال: فتقاطرنا، وجمعنا المال من هنا وهنا، وأعطيناه إياه، وأخذنا أختنا في الله، ففعلنا بها ما أوجبت الشريعة، وباع الكافر أمه.

عباد الله: ديننا عظيم والله الذي لا إله إلا هو، ماذا يفعل بالبر؟ وماذا يفعل من غيره بالعقوق؟ وما خالف ديننا من أهله إلا من شرد.

اللهم إنا نسألك أن تحيينا مسلمين، وأن تميتنا مسلمين، وأن تلحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين. اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، اللهم أخرجنا من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا، اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب، ادخلنا الجنة بلا حساب، يا سريع الحساب، يا وهاب. اللهم اعتق رقابنا من النار، اللهم استر عيوبنا، واقض ديوننا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، واجمع على الحق كلمتنا، وأغث المسلمين، يا رب العالمين، وارفع الضر عن المكروبين، يا رحيم. ىمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، واجعل بلدنا هذا آمنا، مطمئنا وسائر بلاد المسملين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.