الأربعاء 15 صفر 1440 هـ :: 24 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

منظار التوحيد


عناصر المادة
الإسلام دين التوحيد
بُعد كثير من الناس عن التوحيد
منزلة التوحيد وأهميته
النظر للواقع من خلال التوحيد
محاربة الأنبياء للأوثان والأصنام
عودة الشرك للأمة وبعض مظاهر ذلك
جهود العلماء في تصحيح العقائد
مناظرات العلماء لأهل البدع والخرافات
بناء التحالفات والنصرة على التوحيد
منظار التوحيد في الجهاد والحروب
منظار التوحيد في الحياة الاجتماعية
مفاسد البعد عن منظار التوحيد
العلم يقتضي العمل
دور العلماء في حكم تولي الكافرين:
عدم الاغترار بالمظاهر
منظار التوحيد في الأزمات المالية
منظار التوحيد للآثار والفنون
منظار التوحيد في الأدب والشعر
التوحيد يوصل إلى النور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
وبعد:
الإسلام دين التوحيد
00:00:17
 فإن أبرز معالم هذا الدين الحنيف، وأظهر عنوان عليه: أنه دين التوحيد، بعث الله محمداً ﷺ بالإسلام، الذي هو دين جميع رسل الإسلام العام التوحيد، كما بعثه بهذا الإسلام الخاص وهذه الشريعة الخالدة، وأنزل عليه هذا الكتاب الذي نسخ سائر الكتب، أرسله الله رحمة للعالمين، لما فشا الشرك في العالم وانتكست قريش والعرب كلها ووقعت في ظلمات الشرك والضلال، حتى صارت الكعبة التي بناها الخليل على التوحيد مجمعاً لأصنام أهل الجاهلية، حتى بلغت الأصنام نحواً من ثلاثمائة وستين صنماً، تحيط بالكعبة فلا يطوف أحد ببيت الله الحرام إلا وكانت في مطافه.
وكلما ازداد الناس بعداً عن الوحي ازدادوا بعداً عن التوحيد وإغراقاً في الشرك، وهذا هو الحال الذي كانت عليه العرب، مع أنهم أبناء إسماعيل ابن الحنيف المسلم وهو الحنيف المسلم.
لقد عمت الجاهلية الأرض، وأطبق ظلام الشرك في جنباتها، ولم يبق فيها من نور الوحي والرسالة إلا بصيص خافت، لا يبصره إلا الفرد بعد الفرد من أفذاذ الناس، فروى الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- عن عياض المجاشعي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال ذات يوم في خطبته:  ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب [رواه مسلم: 2865].
هكذا كان شأن الناس كلما قلت في أيديهم آثار النبوة أتتهم الشياطين فتخطفتهم واجتالتهم عن التوحيد، وهوت بهم في مهاوي الشرك، قال الله -تعالى-: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحـج: 30 - 31].
بُعد كثير من الناس عن التوحيد
00:03:03
 ونحن اليوم في غمرة بعد كثير من الناس في العالم الإسلامي عن التوحيد، فضلاً عن الكفرة والمشركين في أنحاء العالم الأخرى، وظهور طوائف من أهل البدع الذين يقوم دينهم على الشرك ينشرونه في العالم شرقاً وغرباً، والتلبيس الذي حصل على الناس في قضايا مخالفة للتوحيد، حتى أصبحت دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- غريبة عند الكثيرين، بل يريدون أن يخلعوا لباسها ويتبرؤوا منها.
ولما كانت طوائف من المنافقين تريد أن تجتال الناس عن دينهم، وأن توقعهم في ألوان من التسوية بين الحق والباطل، والخروج عن الملة الحنيفية والشريعة المحمدية، ودعوة التوحيد، والخلط بين الشرك والتوحيد، والحق والباطل، والإسلام والكفر، والسنة والبدعة؛ كان لزاماً علينا جميعاً أن نذكر أنفسنا بالتوحيد، وأن نعود إلى التوحيد، وأن نفيء إلى ظلاله، وأن نبينه، وأن ننظر إلى الواقع من خلاله.
منزلة التوحيد وأهميته
00:04:25
 فكيف يكون نظرنا للواقع من خلال التوحيد وتحليل الواقع بناءً على التوحيد، واتخاذ الموقف من الواقع بناءً على التوحيد، وأن تكون خطواتنا، مجيئنا ورواحنا بناءً على التوحيد؟
هذا أصل الدين الذي لا يقبل الله غيره، أرسل الله به الرسل، وأنزل الكتب، وهو سر القرآن، ولب الإيمان.
هو أساس الخلق والأمر: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [النحل: 3] بالتوحيد.
فهو النهج الذي يسير عليه الكون: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ  [الإسراء: 44].
التوحيد هو الغاية التي خلق الله الجن والإنس من أجلها: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات: 56].
هو دعوة جميع الرسل: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ  [النحل: 36].
هو الذي أوجبه الله على عباده:وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ  [الزمر: 65] فإن جاؤوا به خالصاً فازوا، وإن زاحموه بالشرك هلكوا.
التوحيد هو الذي يثمر الأمن في الدنيا والآخرة: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ  [الأنعام: 82].
التوحيد الذي هو سبب دخول الجنة: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة: 72].
هذا التوحيد الذي يمنع صاحبه من الخلود في النار، وهو شرط لقبول العمل أيضاً: فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا  [الكهف: 110].
وكل عمل لا يقوم على التوحيد فلا وزن له: مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ [إبراهيم: 18].
هذا التوحيد الذي يكفر الخطايا ويحط السيئات: ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة  [رواه مسلم: 2687].
به تنال شفاعة الرسل: أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله [رواه البخاري: 99].
هذا التوحيد شامل لكل الحياة، ويريد أعداء الله أن يقولوا اليوم: ما للدين والاقتصاد، ما للدين والاجتماع، ما للدين ولعلم النفس، ما للدين.. وما للدين..، ويريدون أن يحصروه في مسجد ومنبر، وشهر صيام، وموسم حج، ولا يريدونه أن يدخل في ميادين الحياة، وقد قال ربنا: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام: 162- 163]،  وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ [الأنعام: 153].
هذه الصبغة التي يجب على العبد أن يصبغ بها نفسه دائماً: صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ [البقرة: 138].
الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة وفي جميع الأوقات وفي جميع الأماكن يجب أن تكون الصبغة التامة التوحيد.
هذه الصبغة الحنيفية التي صبغت القلوب بمعرفة الله، ومحبته، والإخلاص له، وعبادته لا شريك له.
النظر للواقع من خلال التوحيد
00:08:07
 من خلال التوحيد ننظر إلى الواقع، من خلال التوحيد نزن ونقيس الأمور، من خلال التوحيد تصدر عنا الأفعال ونبني المواقف، من خلال التوحيد نعرف الاتجاهات، من خلال التوحيد نعرف نقف مع من، الولاء لمن، والعداء لمن، هذه القضية العظيمة التي ينبغي أن يكون حتى عطاؤنا ومنعنا فيها بناءً عليه: من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان [رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 380].
ولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، كما يقول الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "فلا يبقى في قلوبهم غيره، ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في قلوبهم" [جامع العلوم والحكم: 2/346].
العالم اليوم يموج بالأفكار، بالأطروحات، بالمذاهب، بالأديان، بالملل بالنحل، بالعقائد بالمناهج بالطرق، فكيف تنظر إلى الواقع -يا عبد الله-؟ وبناءً على ماذا تقوم وتقيم الأفراد والجماعات والأمم والمجتمعات؟ نظرتك مبنية على ماذا؟ تخطئة وتصويباً، وموالاة ومعاداة، مخالفة وموافقة، بناءً على ماذا تسر وتحزن؟، بناءً على ماذا ترضى وتسخط؟ بناءً على ماذا تعطي وتمنع؟ بناءً على ماذا توافق وتخالف؟
يجب أن يكون الأمر بناءً على التوحيد.
محاربة الأنبياء للأوثان والأصنام
00:10:08
 نحن نرى اليوم من يريد أن يعيد ملة عمرو بن لحي الخزاعي مرة أخرى إلى جزيرة العرب، وإلى أنحاء العالم الإسلامي، وأن تعبد اللات والعزى مرة أخرى، وأن تقوم مشاهد الشرك والوثنية والأضرحة، وأن تعظم المشاهد والقبور، وأن يغالى في هؤلاء الموتى، وتصرف لهم أنواع العبادات من دون الله.
هنالك من يريد أن يعمم على المسلمين مناهج الشرك والوثنية، والبدعة والضلالة، يريدونها مرة أخرى أوثاناً وأصناماً، وتعظيماً للبقاع والمشاهد، وبعثاً للأضرحة والقبور والمزارات، يريدونها وثنية جاهلية وخرافة شركية، وقد قال الله -تعالى-: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ [الأنبياء: 51 - 58].
إذاً،  آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ  من قبل موسى وعيسى ومحمد ﷺ، وأريناه ملكوت السموات والأرض، واجتمع له الدليل السمعي والدليل العقلي، وعرف بفطرته التي فطره الله عليها من هو رب السموات والأرض، من هو رب بني آدم والملائكة والجن والبهائم والسموات والأرضين، بعقله الصحيح مع ما عرفه من دعوة الأنبياء من قبله، فهذا الخليل آتاه الله رشده من قبل، ووجهه هذه الوجهة، وجعله حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، وأنزل عليه الصحف، صحف إبراهيم.
والخليل الثاني محمد ﷺأعاد سنة إبراهيم في تحقير الأوثان والأصنام؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمائة صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد [رواه البخاري: 4287، ومسلم: 1781].
فكان أهل الجاهلية يشركون به، فدعاهم إلى توحيده، كانوا يشركون بالله، فدعاهم نبي الله إلى توحيد الله، وجاءت الآيات على لسان هذا النبي الكريم: وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا [الإسراء: 67].
كانت هذه الآيات تبني قواعد التوحيد في النفوس: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [النمل: 59 - 63].
عودة الشرك للأمة وبعض مظاهر ذلك
00:14:46
 هكذا صار الميزان، ولكن مضى على التوحيد ما مضى، وعادت الأمة مرة أخرى إلى أنواع من الشرك، في آخر عهد النبي ﷺ يئس الشيطان أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولم يبق عنده إلا باب التحريش، لكن بعد ذلك، وبعد ما مضى خلفاؤه، وبدأ النقص يدخل على الأمة، بدأت الفرق، وبدأت البدع، وبدأت الضلالات، وعاد الناس إلى أنواع من الشرك تدريجياً، ولما انتهت القرون الثلاث الأولى، فشا ما فشا، ووصل الأمر في عصور من الانحطاط إلى ألوان من الشرك والبدع، حتى قال الشوكاني -رحمه الله-: "روي لنا أن بعض أهل جهات القبلة وصل إلى القبة الموضوعة على قبر الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذي بين فرآها وهي مسرجة بالشمع والبخور ينفخ ويُنفخ في جوانبها، وعلى القبر الستور الفائقة، فقال عند وصوله إلى باب الضريح: أمسيت بالخير يا أرحم الراحمين" [الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد: ].
فلا إله إلا الله والله أكبر ماذا فعل الغلو بأصحابه، لا إله إلا الله والله أكير ما أشد ما حل بالمسلمين، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا لها مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتاباً وسماه: مناسك حج المشاهد"، خطوات عملية لإتيان الضريح والقبر، وكيف تحج إلى صاحب القبر، وتطوف به سبعاً، وتحلق رأسك، ثم تنحر عنده، قال ابن القيم: "وسماه: "مناسك حج المشاهد" مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عباد الأصنام" [إغاثة اللهفان: 1/197].
هذا الضال الملقب بالنعمان المفيد من غلاة الاثني عشرية.
وبعضهم يفضل هذه الأماكن، وهذه القبور على بيت الله الحرام، وعلى غيره من المساجد، وأن لهذه القبور مزايا ليست لبيت الله الحرام، حتى قال أحد شعراء الرفض يفضل القبر المكذوب بكربلاء، يقول:
هي الطفوف فطف سبعاً بمبناها *** فما لمكة معنى مثل معناها
أرض ولكن ما السبع الشداد لها *** دانت وطـأطأ أعلاها لأدناها
[المنتقى من منهاج الاعتدال للذهبي: ].
يعاملون المشاهد معاملة البيت الحرام، حتى قال الإمام الصنعاني في كتابه: "تطهير الاعتقاد": "وكذلك تسمية القبر: مشهداً، ومن يعتقدون فيه ولياً، لا يخرج عن اسم الصنم والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين للأصنام، ويطوفون بها طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويستلمونها استلامهم لأركان البيت، ويخاطبون الميت بالكلمات الكفرية: على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها، وكل قوم لهم رجل ينادونه، فأهل العراق والهند يدعون عبد القادر الجيلاني، وأهل التهائم لهم في كل بلد ميت يهتفون باسمه، يقولون: يا زيلعي يا ابن العجيل" شوف هذا الوقت الذي كان مقارباً للوقت الذي خرج فيه الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- كان أهل مكة والطائف في ذلك الوقت، يقولون: يا ابن العباس، فجاءت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لتطهر نجد والحجاز وتهامة، وغيرها من دعوة الوثنية، قال: "وأهل مصر يقولون: يا رفاعي يا بدوي، والسادة البكرية وأهل الجبال يقولون: يا أبا طير، وأهل اليمن: يا ابن علوان، وفي كل قرية أموات يهتفون بهم وينادونهم ويرجونهم لجلب الخير ودفع الضر، وهذا هو بعينه فعل المشركين في الأصنام [تطهير الاعتقاد، ص: 62].
لما أغار التتر على بلاد الشام وصلت القضية بهؤلاء القبوريين أن يخرجوا ويستغيثوا بالموتى ويقولون:
يا خائفين من التتر *** لوذوا بقبر أبي عمر
لوذوا بقبر أبي عمر *** ينجيكم من الضرر
بدع ضلالات، دنسوا التوحيد، أفسدوا الدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ولم يكن في العصور المفضلة مشاهد على القبور، وإنما ظهر ذلك وكثر في دولة بني بويه، وهؤلاء من أهل الرفض، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب كان بها زنادقة كفار، مقصودهم تبديل دين الإسلام، وكان في بني بويه من الموافقة لهم على بعض ذلك ومن بدع الجهمية والمعتزلة والرافضة ما هو معروف لأهل العلم فبنوا المشاهد المكذوبة"، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "كمشهد علي -رضي الله عنه- وأمثاله، وصنف أهل الفرية الأحاديث في زيارة المشاهد، والصلاة عندها، والدعاء عندها، وما يشبه ذلك، فصار هؤلاء الزنادقة وأهل البدع المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد" [مجموع فتاوى ابن تيمية: 27/167].
غابت حقائق الكتاب العزيز، وغابت أنوار السنة عن هؤلاء، فلجئوا إلى الأموات والقبور بالخرافات والضلالات، وقد نعى الله على العرب في الجاهلية فعلهم في الشدة مقارنة بفعلهم في الرخاء: قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: 63 - 64].
وهذا الذي قاد عكرمة بن أبي جهل للإسلام، وقد كان نافراً هارباً من مكة مشركاً، عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلى أربعة نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح ، فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث، وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عماراً، وكان أشب الرجلين فقتله، قتل عبد الله بن خطل، وأما مقيس بن صبابة فأدركه ناس في السوق فقتلوه، وأما عكرمة فركب البحر فأصابتهم عاصف، فقال أصحاب السفينة، أصحاب السفينة ناس من المشركين، لكن عندهم خبرة بالبحر وما الذي ينجي في البحر، وما الذي لا ينجي في البحر، فقال أصحاب السفينة وعكرمة في السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً، أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا، في هذا الموضع، لعب الموج، واشتدت الريح، وبلغت القلوب الحناجر، قال عكرمة: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللهم إن لك علي عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً ﷺ حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً كريماً، فجاء فأسلم [رواه النسائي: 4067، وصححه الألباني: ].
هذه الفطرة السوية التي كان عليها زيد بن عمرو بن نفيل من أيام الجاهلية، فروى البخاري في صحيحه، عن سالم: أنه سمع أباه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يحدث عن النبيﷺ أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، قبل أن ينزل على النبي ﷺ الوحي، فقدمت إلى النبي ﷺ سفرة، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه، وأن زيد بن عمرو هذا الموحد في الجاهلية كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماءً، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله.
ورحم الله الشاعر النابغة الجعدي الصحابي الذي عمر حتى أدركه الإسلام، فقال قبل أن يدخل في الإسلام:
الحمد لله الذي لا شريك له *** من لم يقلها فنفسه ظلما
المولج الليل في النهار وفي الليل  نهاراً يفرج الظلما
الخافض الرافع السماء على الأرض  *** ولم يبن تحتها دعما
الخالق البارئ المصور في الأرحام  *** ماء حتى يصير دماً
ثمت لا بد أن سيجمعكم *** والله جهراً شهادة قسماً
فأتمروا الآن ما بدا لكم *** واعتصموا إن وجدتموا عصما
في هذه الأرض والسماء *** ولا عصمة منه إلا لمن رحما
جهود العلماء في تصحيح العقائد
00:26:09
توالت جهود العلماء الربانيين لتصحيح عقائد الناس، في كل وقت توجد فيه كوارث ومصائب وإخلال بالتوحيد وانتشار للشرك والوثنية والبدع والضلالات يبعث الله من المجددين، ومن ينبتون في الإسلام جيلاً وخلقاً، وأئمة هدى، يبعثهم لطاعته سبحانه، ويستعملهم في مرضاته، في إنكار الشرك، وإعلان التوحيد، يبينون للناس سبل الهدى، ويردون من ضل إلى الحق، ويحذرونهم سبل الردى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه، يجيبون عن الشبهات، ويكشفون العمى، ويفندون الضلالات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الرد على القبوريين: "ليس معهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، يقول: وكان بعض المشايخ الذين أعرفهم، وله فضل علم وفضل وزهد، إذا نزل به أمر خطى خطوات إلى جهة الشيخ عبد القادر" يعني: أين قبر الشيخ مثلاً في الشرق، صارت المشكلة هنا يخطو خطوات نحو الشرق، "خطى خطوات إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودات، وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أو سنة، أو قول عن الصحابة والأئمة، وكل ما كان القوم أعظم جهلاً وضلالة، كانت هذه الأحوال الشيطانية عندهم أكثر [الرد على البكري: 2/479].
ولما بين حال أولئك الغلاة، الذين يطلبون حاجاتهم عند القبور، وربما كان صاحب القبر كافراً أو منافقاً، يقول شيخ الإسلام: وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون في العبيديين أنهم أولياء الله -تعالى-، والعبيديون مشركون، بنو عبيد القداح، فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة، وخيار من فيهم الرافضة، أحسن العبيديين هذه الطائفة، جعلوا يتعجبون، ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي بها مغل، يعني: وجع وداء في البطن وإمساك إلى قبورهم، إلى قبور العبيديين، فتشفى عند قبورهم، فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم، وطلبت طائفة من سياس الخيل، فقلت: أنتم بالشام ومصر، إذا أصاب الخيل المغل، أين تذهبون بهم؟ فقالوا: في الشام نذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية، وأما في مصر فنذهب بها إلى دير هناك للنصارى، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف، وهم يظنون أن العبيديين شرفاء؛ لأنهم ادعوا مناصرة آل البيت، فقلت لسياس الخيل: إذا أصابها المرض هذا في البطن، هل تذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين؟ قالوا: لا، فقلت لأولئك للأولين: اسمعوا إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين، وبينت لهم سبب ذلك، فقلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم، والبهائم تسمع أصواتهم، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح:فإذا سمعت ذلك فزعت، فبسبب الرعب الذي يحصل لها، تنحل بطونها فتروث، فإن الفزع يقتضي الإسهال، فيتعجبون من ذلك، قال شيخ الإسلام: وهذا المعنى كثيراً ما كنت أذكره للناس.
كفى بأناس ضلالاً أن يلجئوا في قضاء حاجاتهم إلى قبور المشركين والضالين، وينادون حتى نسائهم عند الولادة: يا فلان يا فلان يا علي يا فلان، قال: إن قوماً من الموحدين مروا على قوم من المشركين هؤلاء، وقد غرزت سيارتهم في الصحراء، وهم يدفعون ويقولون الساعة اثنين في الليل، يقولون: يا عمر يا عمر، فاستغرب الموحدون، فقالوا لهم: ليس هذا الذي تدعونه عادة، فلماذا؟ قالوا: ذاك ما نحب نزعجه في هذا الوقت.
إذا كانت القضية وصلت لدرجة أن صديقين يعملان حطابين، وعندهما حمار يقومان بتحميل الحطب عليه، وبيعه على أهل المدينة، وبعد مدة من الزمن عجز الحمار ومات، فأخذا يبكيان عليه بشدة؛ لأنه كان يعينهما على معيشتهما، وقاما بدفنه، ويبكيان عند قبره، ومر بهم مجموعة من أهل البلد، وشاهدوا الحطابين يبكيان، فسألوهما عن هذا، ومن هو المتوفى، فخجلا أن يقولا: إنه الحمار، فقالا: هذا قبر رجل تقي صالح، وله أعمال خيرة في حياته، قالوا: نحوا عنه، وبنوا عليه قبة وضريحاً، وجعلوا يأتونه، وجعلا هذين الحطابين سادنين للقبر، باعتبار المعرفة بذلك التقي الولي النقي، فكانا يشرفان على القبر، ويتلقيان الهدايا من الزائرين، حتى وصلت المحصلة مائة شهرياً، وفي يوم من الأيام أراد أحدهما أن يزور أهله في بلد أخرى، فذهب وغاب شهراً، ثم رجع إلى الوظيفة، وصديقه يتولى الأمور، ويستلم المبالغ من الزوار، فلما رآه قال: كيف المحصلة؟ كيف اليومية؟ قال: الزوار صاروا قليلاً، والدخل لا يتجاوز عشرة في اليوم، فاستغرب الحطاب من كلام صديقه، وأحس بأن هنالك مكراً وسرقة؛ لأنه الآن سيتم الحساب على المدة الماضية، والدخل بالنصف، فقال له: معقول، كيف هذا الكلام؟ احلف، قال: أحلف لك بقبر هذا الرجل الصالح؟ قال: كيف تحلف لي؟ ما حنا دفناه سوى.
وإذا كان العامة والضلال يتعلقون أحياناً بقبر يظنون فيه صالحاً، وأنه ينفع فما عذر من يتعلق بوثن من أيام الجاهلية، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي -رحمه الله- في تاريخه: رأيت جماعة من أهل مصر يعتقدون أن الشمس إذا كانت في الحمل، في برج الحمل، وتوجه أحدهم إلى أبي الهول، وبخر أمامه ووقف، وقال ثلاثاً وستين مرة كلمات يحفظونها، ويقول بعدها: يا أبا الهول افعل كذا، أن هذا يحصل، وأخبرني الشيخ فتح الدين بن سيد الناس أن الشيخ قطب الدين محمد بن أحمد بن علي القسطلاني المتوفى سنة 686هـ، كان يتوجه إلى أبي الهول الذي عند أهرام مصر، وهو رأس الصنم الذي هناك، ويعلو رأسه باللالكة نوع من الأحذية، ويقول: يا أبا الهول افعل كذا، افعل، قال الصفدي: وكأن الشيخ قطب الدين -رحمه الله-، كان يفعل ذلك إهانة لأبي الهول وعكساً لذلك المقصد الفاسد [الوافي بالوفيات: 2/94].
من هذا المنطلق عمد كثير من أهل العلم إلى السعي في هدم المشاهد والأضرحة، والاستعانة بالصالحين من أهل السلطان، قال ابن كثير -رحمه الله- في حوادث سنة 236 للهجرة: فيها أمر المتوكل، وكان ناصراً لأهل السنة بهدم قبر الحسين بن علي بن أبي طالب، وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهبنا به إلى السجن [تاريخ ابن كثير: 10/347].
وقال أبو شامة: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبيناني أحد الصالحين ببلاد إفريقية في المائة الرابعة، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب: أنه كان إلى جانبه عين تسمى: عين العافية، كانت العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، ومن تعذر عليه نكاح أو ولد أو امرأة كذلك، قالت: امضوا بي إلى العافية، قال: أبو عبد الله، فإنا في السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها، وأذن الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأساً، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن [الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص: 27].
وذكر ابن كثير -رحمه الله- في حوادث سنة 418 للهجرة عن محمود بن سبكتكين، عندما دخل بلاد الهند، وأراد كسر الصنم الأعظم المسمى: سومنات، وكانت الهنادكة يفدون إليه من كل فج عميق، كما يفد الناس إلى الكعبة، فبذل له الهنادكة الهنود أموالًا طائلة ليترك لهم صنمهم الأعظم، فأشار عليه من أشار بأخذ الأموال وإبقاء الصنم، فقال: حتى أستخير الله -عز وجل-، فلما أصبح قال: إني تفكرت في الأمر فرأيت أنه إذا نوديت يوم القيامة: أين محمود الذي كسر الصنم؟ أحب إلي من أن يقال: أين محمود الذي ترك الصنم لأجل الدنيا، ثم عزم فكسره رحمه الله، فوجد فيه مخبأً من الجواهر واللآلئ والذهب والنفائس ما يزيد على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة [البداية والنهاية: 12/28].
وذكر ابن غنام في تاريخه ما فعله الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مع عثمان بن معمر من هدم القباب وأبنية القبور، قال: فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومعه عثمان بن معمر، وكثير من جماعتهم إلى الأماكن التي فيها أشجار تعظم، وأبنية قبور تعظمها العامة وقباب، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة -القبر يرفع شبر عن الأرض لتمييزه عن ما حوله لئلا يوطأ ويهان فقط- وعدلوها على السنة، قال ابن غنام: وكان الشيخ هو الذي هدم قبة زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه [تاريخ ابن غنام: ].
يقول العلامة النعيمي في كتابه: معارج الألباب، حاكياً عن بعض القوم، ومن ذلك: أن رجلاً سأل من فيه مسكة عقل: كيف رأيت الجمع لزيارة ضريح الشيخ؟ قال: لم أر أكثر منه إلا في جبل عرفات، إلا أني لم أرهم، يعني هؤلاء الناس عند قبر الشيخ، لم أرهم سجدوا لله سجدة قط، ولا صلوا مدة الأيام فريضة، يعني يقيمون عند القبر ولا مرة رأيتهم صلوا، فقال السائل: قد تحملها عنهم الشيخ، قال النعيمي: وباب قد تحمل عنهم الشيخ مصراعاه ما بين بصرى وعدن، قد اتسع خرقه، وتتابع فتقه، ونال رشاش زقومه الزائر والمعتقد، وساكن البلد والمشهد.
مناظرات العلماء لأهل البدع والخرافات
00:40:24
 وقد تعددت مناظرات أهل العلم وأجوبتهم المسكتة لأهل البدع والخرافات في عامة أبواب التوحيد، ومن المعاصرين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- ذهب إلى رجل يدعي علم الغيب، فنصحه الشيخ فأبى، فقال له الشيخ: طيب، أريد أن أسألك سؤالاً؟ قال: ما هو؟ قال الشيخ: كيف تدعي علم الغيب، ولا تعرف ما هو السؤال؟
وقد ناظر أحد علماء أهل السنة عبد الرحمن العياف أحد مشايخ الإثني عشرية، فقال له: هل أنت اثنا عشري؟ قال: نعم، قل عد الأئمة الإثني عشر، فعدهم مبتدئاً بعلي بن أبي طالب حتى أتم ذكرهم، فقال الشيخ: هل النبي ﷺ إمام أم لا؟ فارتبك وقال: هو نبي، قال: لا تحد عن السؤال، هل هو إمام أم لا؟ يعني نحن نعتقد أن النبي ﷺإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، فجعل وجه ذلك المبتدع يتقلب لونه ويتغير، ثم صرخ ونفض ثيابه، وقال: أنا لست بعالم، أنا لست بعالم، وأدبر، لأنه لو قال: النبي ﷺ ليس بإمام، إذاً، يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: 71] من هو إمام أهل التوحيد وهذه الأمة؟ هو محمد ﷺ، وإذا قال المبتدع: النبي ﷺ إمام صاروا ثلاثة عشر، وما صاروا اثني عشر، فبهت الذي كفر.
وقد روى ابن عدي وغيره عن عباد بن عباد قال: أتيت يونس بن الخباب بمنى وهو يقص، فسألته عن حديث القبر، فحدثني به، ثم قال: إن فيه شيئاً قد كتمته المرجئة الفسقة، قلت: ما هو؟ قال: يسأل من وليك، فيقول: وليي علي، فقلت: ما سمعت بهذا قط، شوف الآن يعني هم يدعون وصلت القضية للكذب أنهم يدعون أن من أسئلة القبر: من ربك؟ ما دينك؟ ومن نبيك؟ ومن وليك؟ قلت: ما سمعت بهذا قط، قال: من أين أنت؟ قلت: من أهل البصرة، قال: أنتم تحبون عثمان الذي قتل بنتي رسول الله ﷺ، قلت: قتل واحدة، فلم زوجه الأخرى؟ فبهت ذاك ولم يجد جواباً، وقال: أنت عثماني خبيث، يعني هذا كل الذي عنده.
وفي قوله تعالى: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا [الزمر: 33 - 35]، قال شيخ الإسلام: وفي هذا حكاية ذكرها بعضهم عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر غلام أبي بكر الخلال: أن سائلاً من المبتدعة سأله عن هذه الآية: وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ من هو؟ قال: نزلت في أبي بكر، قال السائل: لا، بل في علي، فقال أبو بكر بن جعفر: اقرأ ما بعدها، لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا فبهت ذلك الرجل [ينظر: منهاج السنة: 7/189]؛ لأن علياً عندهم معصوم، ما يعمل سوءاً قط، فكيف يكفر أسوأ الذي عمل؟ ما عنده حاجة يكفر عنه.
وقد دخل أحد رؤوس المعتزلة، المعتزلة طبعاً يقولون: بأن كل واحد يخلق فعله بنفسه، إن الله لا يخلق أفعال العباد، تعالى الله عن قولهم، يقولون: الله ما يخلق أفعال العباد، أنت تخلق فعلك بنفسك، طبعاً أصحاب نظرية الكتاب هذا الذي طلع وصار فيه رجة: خرافة السر، مبني على النظرية هذه، على عقيدة المعتزلة والقدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعله بنفسه، وأنت تخلق ما تشاء إذا ركزت تخلقه، الكلام الآن أن أحد رؤوس المعتزلة دخل على أحد علماء السنة، طيب ويتحدى، فرفع المعتزلي إحدى رجليه، ثم قال: أنا خلقت هذا الرفع، فقال له العالم السني: اخلق الثاني وارفع الرجل الأخرى، فبهت المعتزلي.
 وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ [إبراهيم: 35].
القضية خطيرة، حتى أن إبراهيم الخليل خشي على نفسه وعلى ذريته من عبادة الأصنام.
ولا بد من القيام لله بالتوحيد، وسؤال الله الثبات عليه، والاستمرار في الدعوة إليه، وانتهاز الفرص لذلك، قال الجبرتي -رحمه الله- في ترجمة الشيخ مصطفى العقباوي نسبة إلى مية عقبة في الجيزة بمصر: وكان إنساناً حسن الأخلاق مقبلاً على الإفادة والاستفادة لا يتدخل في ما لا يعنيه، قانعاً متورعاً متواضعاً، ومن مناقبه: أنه كان يحب إفادة العوام، حتى إنه كان إذا ركب مع المكاري يعلمه عقائد التوحيد [تاريخ الجبرتي: ].
بناء التحالفات والنصرة على التوحيد
00:46:11 
التوحيد نحن ننظر من خلاله إلى الواقع، منظار التوحيد يكشف لنا الحقائق في التحالفات في السياسات في الاتجاهات.
منظار التوحيد يكشف لنا اتجاهات هؤلاء الناس؛ لأن التوحيد مبني على تفرد الله -عز وجل- بالحكم والعبادة، لا يعبد إلا هو سبحانه وتعالى، ولذلك كل حكم خرج عن حكم الله وشرعه فهو جاهلي لا قيمة له: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة: 50]، لا يصح لأحد إيمان وتوحيد حتى يسلم بأحكام الله:فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا[النساء: 65] بل لا بد من اعتقاد أن الخير والبركة مرهونة بإقامة حكم الله: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم [المائدة: 66] لكن انحرفوا عن التوراة والإنجيل، وتركوا التوراة والإنجيل، وأعرضوا وحرفوا التوراة والإنجيل.
منظار التوحيد يكشف لك الأشياء على حقيقتها، من أين تنطلق في النصرة؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ [الصف: 14] تنصر من؟ نصرة الله ونصرة رسوله ﷺ، تقف مع من؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: 119].
أما التنقلات من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، ومن الشيوعية إلى الليبرالية: الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء: 141] يلقون المسلمين بوجه والكفار بوجه، ويريدون أن يمسكوا العصا من الوسط بزعمهم وأن يكونوا حكماء، ولكنهم يتلوون كالديدان والثعابين.
إن بطانة السوء وكتيبة النفاق ليس لها من التوحيد حظ؛ لأنها تميل على حسب الأطماع والترغيب والترهيب، هؤلاء المفتونون بالكفرة بوصلتهم متوجهة إليهم، يريدون أن يرضوهم بأقوالهم وأفعالهم، وأن يلتمسوا موافقة أهواءهم، وأن يقلدوهم وأن يسيروا بالمسلمين في اتجاههم، على حسب الأحوال يتلونون، تاريخهم مليء بالمتغيرات، كانوا في جهة فصاروا إلى أخرى، فتحولوا إلى ثالثة.
يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن *** وإن لقيت معدياً فعدنان
هؤلاء يقولون القول تارة ونقيضه أخرى، يقفون مع الأمر أحياناً وضده في أحيان أخرى، أحياناً في مقام واحد تجد التناقض، ومثلهم كمثل نديم الباذنجان، فمن هو نديم الباذنجان؟
يقول أحمد شوقي:
كان لسلطان نديم وافي *** يعيد ما قال السلطان ويكرره- يعيد ما قال بلا اختلاف-
وقد يزيد في الثناء عليه *** إذا رأى شيئاً حلا لديه
وكان مولاه يرى ويعلم *** ويسمع التمليق لكن يكتم
فجلسا يوماً على الخوان *** وجيء في الأكل بباذنجان
فأكل السلطان منه ما أكل ***  وقال هذا في المذاق كالعسل
قال النديم صدق السلطان *** لا يستوي شهد وباذنجان
هذا الذي غنى به الرئيس  *** وقال فيه الشعر جالينوس
يذهب ألف علة وعلة *** ويبرد الصدر ويشفي الغلة
قال يعني السلطان:
ولكن عنده مرارة *** وما حمدت مرة آثاره
قال نعم مر وهذا عيبه *** مذ كنت يا مولاي لا أحبه
هذا الذي مات به بقراط ***  وسم في الكأس به سقراط
فالتفت السلطان فيمن حوله *** وقال كيف تجدون قوله
قال النديم يا مليك الناس *** عذراً فما في فعلتي من باس
جعلت كي أنادم السلطانا  *** ولم أنادم قط باذنجانا
لا بد أن يثبت المسلم على الطريقة المحمدية، والشريعة المرعية، والملة الحنيفية؛ التوحيد، لا يغير ولا يبدل، مهما مالت الأمور، وتغيرت الأحوال، وقوي من قوي، وضعف من ضعف، وصعد من صعد، ونزل من نزل، المؤمن على التوحيد، موقفه واضح لا يبدل ولا يغير.
وفي عالم السياسات اليوم تجد بعض الناس يميل مع القوي، يغير ويبدل، يغير نحلته وملته ودينه ومنهجه، لماذا؟ أين الوفاء للإسلام؟ أين الوفاء لهذا الدين؟
عندما يكون صاحب عقيدة التوحيد لا يقبل المساومة في مسألة التوحيد، فإنه سيتبع التوحيد مهما حصل، حتى لو فقد مزايا دنيوية.
لما رأى المعتمد بن عباد وكان من ملوك دول الطوائف بالأندلس، رأى ما حل بالمدن من حوله، وسقوطها الواحدة تلو الأخرى، في يد ألفونسو ملك النصارى، رأى أن يستنجد بالإمام الصالح يوسف بن تاشفين -رحمه الله- من المغرب، فقال له أحد وزرائه: لكنه إذا أنجدك أخذ ملكك، إذا أنجدك ودخل معك وتغلب على ملك قشتالة، يكون هو الأقوى، فسوف يسحب منك الملك، فقال المعتمد بن عباد كلمته المشهورة: لأن أكون راعي إبل عند ملك من ملوك المسلمين خير لي من أن أرعى الخنازير عند ملك قشتالة؛ لأن أكون راعي إبل عند يوسف بن تاشفين أحب إلي من أن أكون راعي الخنازير عند ألفونسو، وهكذا حصل فعلاً، وكان فيها خير للمسلمين.
إذاً، المواقف، ومع من تقف، ومن تناصر، ومن تحالف، وفي أي صف تكون، مبنية على التوحيد.
أما قضية أنه واحد يعني يتحالف مع مشرك ضد مشرك آخر، ويقف مع كافر ضد مشرك، ويتنقل من شرك إلى شرك، ومن كفر إلى كفر، والله ما فيها خير: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النــور: 55]، فالمواقف يجب أن تبنى على التوحيد.
هذا القتال في سبيل الله كتب على المؤمنين، وهو كره لهم، لكن وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ [البقرة: 216] فهو على ما أمر الله، سواء تشتهيه النفس أو ما تشتهيه النفس، قيل للمسلمين في مكة: كفوا أيديكم، كفوا أيديهم، قيل لهم في  المدينة: جاهدوا، جاهدوا.
أراد أحد المشركين أن يلتحق بالنبي ﷺ، فأمره أن يسلم أولاً، لحقه، قال: ارجع، فلن أستعين بمشرك [رواه مسلم: 1817] معيار الخطأ والصواب والحق والباطل، هذا هو التوحيد.
منظار التوحيد في الجهاد والحروب
00:56:12
 إنه منظار في الجهاد والحروب، لماذا القتال؟ لإعلاء كلمة الله: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ  يعني حتى لا يكون شرك  وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه [الأنفال: 39]، فما الفائدة أن نقاتل كافراً ونرتمي في أحضان مشرك؟ ما في فائدة أبداً. ما الفائدة أن نقاتل يهودياً ونرتمي في أحضان مشرك؟ ولذلك البراءة من كل الكفار والمشركين والوقوف مع التوحيد، وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه ، من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا  لا شرك ولا وثنية فهو في سبيل الله [رواه البخاري: 123، ومسلم: 1904]، أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله [رواه البخاري: 25، ومسلم: 22].
إذاً، غرض القتال في الإسلام إعزاز الدين وقهر المشركين.
لا إله إلا الله منهج حياة، وكلمة لها نواقض، وهي مفتاح، وهي منهج، لها شروط: فقد عصم مني نفسه وماله [رواه البخاري: 2946، ومسلم: 21] إذا قالها بحق؛ لأن تقاليد أهل الجاهلية تحمل على مناصرة العشيرة والقريب.
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم *** طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا
ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردي، فهو ينزع بذنبه [رواه أبو داود: 5117، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في مشكاة المصابيح: 4904].
التوحيد هو المنظار الذي يرى به ما يتعلق بكل الناس وبالحقوق وبالواجبات وبالنصرة.
ولئن كانت النفوس بطبيعتها تحب الحياة وتكره الموت، فإن رضوان الله، وإقامة شرعه وتوحيده تخرج المؤمن من أهله وماله، ليبذل روحه رخيصة في سبيل مرضاة ربه، كما قال الشاعر الصحابي النابغة الجعدي لزوجته وهو خارج للجهاد:
يا ابنة عمي كتاب الله أخرجني *** كرهاً وهل أمنعن الله ما فعلا
فإن رجعت فرب الناس يرجعني *** وإن لحقت بربي فابتغي بدلا
ما كنت أعرج أو أعمى فيعذرني *** أو ضارعاً من ضنى لم يستطع حولا
إذا لحقت بربي فابحثي عن زوج آخر، أما أنا لا أعرج ولا أعمى ولا نحيل هزيل ما عندي عذر.
وكذلك ابن رواحة -رضي الله عنه- يقول:
أقسمت يا نفس لتنزلنه *** طائعة أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة *** .....................
الصوت
.........................**** مالي أراك تكرهين الجنة
قد طالما قد كنت مطمئنة  **** هل أنت إلا نطفة في شنة  
جعفر ما أطيب ريح الجنة.
منظار التوحيد في الحياة الاجتماعية
00:59:35
 التوحيد هو المنظار، حتى الذي ننظر به من خلال حياتنا الاجتماعية، إننا نعيش اليوم في وسط أفكار متباينة وقوة متصارعة، ومصالح متقاطعة وفلسفات شتى وتقارب وتباعد، فمن هم القوم الذين أنت تقترب منهم وتبتعد عنهم وتحبهم وتكرههم؟ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة: 22] كلما كان الشخص أقرب إلى الله، كلما كنت يا عبد الله أقرب إليه وأكثر له محبة.
أصل التوحيد الولاء للمؤمنين والبراءة من المشركين، حب المؤمنين وبغض الكفار والمنافقين.
أصل التوحيد إخلاص لله وتعبد له عز وجل.
الموحد يبني علاقاته مع الناس قرباً وبعداً بحسب توحيدهم: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ  [الممتحنة: 4].
هذا نوح مع ولده: وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود: 45 -  46].
لا نسب بين المسلم والكافر، يقول على بن أبي طالب -رضي الله عنه- للنبي ﷺ لما مات أبوه، أبو طالب، يقول علي: "إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟" مشرك ندفنه؟ قال النبي ﷺ: اذهب فوار أباك ولا تحدثن حدثاً حتى تأتيني فواريته ثم جئت فأمرني فاغتسلت ودعا لي [رواه أبو داود: 3214، والنسائي: 2006، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 161].
كيف يصف أباه؟ "إن عمك الشيخ الضال قد مات".
يقول ﷺ: ألا إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين [رواه البخاري: 5990، ومسلم: 215] لماذا؟ لأنهم ما أسلموا، مع أنهم من أقاربه.
مفاسد البعد عن منظار التوحيد
01:01:52
 الآن ماذا يقول القوميون هؤلاء الملوثون أصحاب الفكر المنحرف يصدرون ويلقون المحاضرات، هؤلاء الذين يسمون بأرباب الفكر العربي، والمفكرون العرب، يقول شاعر الضلالة الخوري:
هبو لي ديناً يجعل العرب أمة *** وسيروا بجثماني على دين برهم
بلادك قدمهما على كل ملة *** ومن أجلها افطر ومن أجلها صم
سلام على كفر يوحد بيننا *** وأهلاً وسهلاً بعده بجهنم
هذا مذهبهم، ما هو مهم نجتمع على أي دين، المهم العرب يتوحدوا، ولو على دين الهنادكة، يقول:
هبو لي ديناً يجعل العرب أمة *** وسيروا بجثماني على دين برهم
لو صرنا براهمة، المهم نتحد.
عبد الرحمن الكواكبي الضال يقول مخاطباً غير المسلمين : ادعوكم إلى تناسي الإساءات والأحقاد وما جناه الآباء والأجداد، فهذه أمم أستراليا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق الاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري، وقال: دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم الآخرة فقط، دعونا نجتمع على كلمات سواء ألا وهي: فلتحيا الأمة فلنحيا طلقاء أعزاء، شوف هو ينادي يعني ينادي غير المسلمين، يقول: خلاص تعالوا نتحد ننسى الأحقاد، وننسى كل شيء، ونخلي الأديان هذه للآخرة، الدنيا كلنا حبايب وكلنا أصحاب كلنا تمام، هذا هو المذهب الضال، إذا ما كان بمنظار التوحيد، هذا هو النتيجة.
العلم يقتضي العمل
01:04:01
 العلم في هذا الدين يقتضي العمل، ولا بد من العمل، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: "فالله فالله إخواني تمسكوا بأصل دينكم أوله وآخره أسه ورأسه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين، واكفروا بالطواغيت عادوهم وأبغضوا من أحبهم أو جادل عنهم أو لم يكفرهم أو قال: ما علي منهم أو قال: ما كلفني الله بهم، فقد كذب على الله وافترى، بل كلفه الله بهم، وفرض عليه الكفر بهم، والبراءة منهم، ولو كانوا إخوانه وأولاده، فالله الله تمسكوا بأصل دينكم لعلكم تلقون ربكم لا تشركون به شيئاً"، انتهى كلام الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-.
دور العلماء في حكم تولي الكافرين:
01:05:00
 لما تواجه المسلمون في تاريخهم الطويل مع أعدائهم برز دور العلماء، هذا الإمام أحمد -رحمه الله- يبين قضية حكم تولي الكافرين، والحكم على الشخص من موقعه، أين يقف؟ مع من؟ قيل لأحمد -رحمه الله- عن بابك الخرمي، لما خرج على المسلمين وحاربهم وهو بأرض المشركين، إذاً هو عند المشركين، وجاء من بلاد المشركين، خرج على المسلمين، خرج إلينا يحاربنا وهو مقيم بأرض الشرك، أي شيء حكمه؟ قال: إن كان هكذا فحكمه حكم الارتداد، يعني هو إن كان أصلاً مسلماً، لكن ما دام لجأ إليهم، واحتمى بهم، ثم جاء من عندهم يقاتل المسلمين، هذا مرتد.
وعندما هجم التتر على أراضي الإسلام في بلاد الشام، أفتى شيخ الإسلام بردة من قفز إلى معسكر التتر من بعض المنتسبين للإسلام، لما ذهب وتحالف معهم.
الغبش لما يكون المنظار ليس بمنظار التوحيد، الخلل الذي يجعل الإنسان يضطرب ويتحلل من الثوابت، يترك الأسس، يغفل عن أساس القضية، الملة التوحيد السنة، ما تميز التوحيد من الشرك مصيبة، ما تميز السنة من البدعة مصيبة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [المائدة: 51] الكفر ملة واحدة.
ويجب أن ينصر الإنسان، يجب أن ينصر من كان مع الله، أما هؤلاء المشركين:فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ[المائدة: 52]، ولذلك:
كل العداوات ترجى مودتها *** إلا عداوة من عاداك في الدين
وعندما يكون التوحيد منظاراً للعبد، فلا يمكن أن يزكي الإنسان كافراً، ولا يقبل الله عملاً من كافر، مات على الكفر، ولا يمكن لمسلم عنده منظار التوحيد أن يقول عن واحد مات على غير ملة الإسلام: المجاهد، المرحوم، المغفور له، بكت عليه السماء، إلى جنة الفردوس، أيتها الروح المطمئنة، يا أيتها النفس المطمئنة، على من؟ على كافر: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [الفرقان: 23] قالت عائشة: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين ،فهل ذاك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين [رواه مسلم: 214].
عدم الاغترار بالمظاهر
01:07:53
 ويجب ألا نغتر بالمظاهر؛ لأن منظار التوحيد ما يقف عند الظاهر، وإنما ينفذ إلى الحقيقة والباطن، لما مر رجل صاحب شارة حسنة، يعني هيئة حسنة، وملبس حسن، راكب على دابة فارهة، قالت أم ترضع ولدها: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الطفل الثدي، وأقبل إليه ونظر إليه، وقال: اللهم لا تجعلني مثله، انطق الله هذا الغلام الرضيع، ما هو السبب؟ قال ﷺ: إن ذاك الرجل كان جباراً [رواه البخاري: 3436، ومسلم: 2550]، وفي رواية: أما الراكب فإنه كافر  [رواه البخاري: 3466].
وفي رواية لأحمد يقول الغلام لأمه لما تعجبت: "يا أمتاه إن الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة" [رواه أحمد: 8071]، وفي لفظ: "إنك دعوت ربك أن يجعلني مثل رجل من أهل النار[رواه أحمد: 9135]. ولذلك أهل الدنيا يقفون مع الخيال الظاهر، وأهل التوحيد مع الحقيقة وحسن السريرة، يؤتى برجل عظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، ليست القضية ظاهر فقط.
منظار التوحيد في الأزمات المالية
01:09:26
 منظار التوحيد، لما تأتي الأمور المدلهمة في عالم الأزمة المالية، ونرى يعني الكوارث العظيمة، تعلن إي آي جي شركة تأمين بالأمس عن خسائر أكثر من تسعة وتسعين مليار دولار كأكبر خسارة شهدتها شركة عالمية في التاريخ، وانهيارات متواصلة للمصارف، وضخ أموال بلا نتيجة ترى، وخمسة ونص مليون عاطل في نيويورك يعيشون على المساعدات، وجنرال موترز تقول بأن فروعها في أوروبا ستغلق، ومصانعها تنهار، وأنها على وشك الإفلاس، وورائها ستفلس ستغلق مصانع كثيرة جداً، والبطالة ستزداد، ويوبي إس السويسري أيضاً إلى القاع، ثم يعلنون بأن ألفين وتسعة كله كوارث ما في أمل بأن تتحسن الأمور، ويخرج أوباما ليقول: المسألة يبغى لها عشر سنين.
وتغلق متاجر تجزئة وتنهار مصانع وتلغى وظائف، ويعني من السيئ إلى الأسوأ، يقول المسلم وهو يرى هذا، تداعيات إفلاسات وإلغاء وظائف: ماذا سنفعل ؟ أين نتجه ؟ كيف سنأكل ؟ ما هو مصدر الدخل ؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21 - 22].
منظار التوحيد يقول لك في هذه الحالة: وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ  [الذاريات: 22].
منظار التوحيد يقول لك إن المال في العالم ينفد: مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ  [النحل: 96].
منظار التوحيد الذي ينظر إلى المال على أنه مال الله، ونحن مستخلفون فيه ومسئولون، وعلى صاحب المال أن يزكي منه وينفق.
منظار التوحيد هو الذي يمنعك من الربا والغش والسرقة والاحتكار والنهب والنصب والاقتراض والإقراض بالربا.
منظار التوحيد هذا هو الذي يجعل للواحد يطمئن بالله، ويتوكل على الله، ويرجو رحمة الله، ويدعو الرزاق ذا القوة المتين، ويلتمس ما عنده، ولا يخشى على أولاده الضيعة، لأن لهم رباً -سبحانه وتعالى-.
هزت الصين واحدة من أفظع حالات قتل الأطفال الرسمي حيث قام مسئولون من إحدى إدارات تنظيم الأسر بإغراق مولود سليم أمام أنظار والديه، في قرية كايديان بإقليم هوباي الذي نفذت فيه سياسة تحديد عدد الأطفال بمولود واحد، اللي يجيب ولد ثاني نغرقه أمام والديه، قال تعالى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  [البقرة: 268].
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك ، قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال:  وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك [رواه البخاري: 4477، ومسلم: 86].
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ ولا خشية إملاق: نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام: 151]، و نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم [الإسراء: 31].
هذا منظار التوحيد الذي يجعل الإنسان يقدم على الزواج وهو واثق بالله:وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ[النــور: 32]،  إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ، فلا يمنعكم ما تتوهمون من الفقر بسبب كثرة العائلة، والله وعد المتزوج بالفرج، أنفق يا ابن آدم أنفق عليك  [رواه البخاري: 5352].
رأينا كيف تأثر الناس بالخسائر والأزمات، وحصل في العالم ما حصل من الانتحار والإصابة بالاكتئاب والقلق والصدمات العصبية والأمراض النفسية والجلطة، وأمراض القلب والعديد من أمراض الجهاز العصبي إثر انهيار البورصات، إحصائية أمس تقول: سبع وعشرين في المائة من الأمريكيين لا ينامون في عدد من الليالي من جراء الأزمة، ليش؟ الذي ليس عنده ركن ركين يأوي إليه يتعذب، أما  الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ يعني بشرك  أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ  [الأنعام: 82].
وكان من دعاء النبي ﷺ: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وضلع الدين، وغلبة الرجال [رواه البخاري: 2893].
تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، هياكل الديانة هذه الغربية بما فيها من باحات الرقص، ودور السينما، وأماكن توليد الطاقة، وأبطال الطيران يعبدون البنك المركزي ستة أيام في الأسبوع، ويتوجهون في اليوم السابع إلى الكنيسة، يقول جون ديوي: نحن نعيش من ناحية دراسة طبائع البشر في حضارة مالية أو نقدية، عقائدها وطقوسها هي السائدة، فالمال وسيلة التعامل والتبادل وأنت تسوى على حسب رصيدك في البنك، وهؤلاء الذين يخضعون لإلههم المعبود، إله المال، ويؤثرون  الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: 16 - 17].
منظار التوحيد للآثار والفنون
01:16:01
 منظار التوحيد هو الذي يجعل الإنسان يقوم التخصصات والمناهج والفنون على أساس التوحيد، يعني يجتمع مجموعة وحول مدافن وأماكن أثرية ويدخلون ويخرجون يحفرون، فيخرج أحدهم بشيء ملفوف وهو يخشى عليه أشد الخشية، أيش هذا ؟ يقول: هذا لا يقدر بثمن، وعبارة عن ماذا؟ تمثال من ذوات الأرواح، ما حقه في الشرع؟ أن يكسر ويتلف، يقول: لا يقدر بثمن، انتبهوا، أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله، لعن الله المصورين، إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وإذا أنت عندك منظار التوحيد سترى أن هذا يتلف، واللي ما عنده منظار التوحيد يقول: هذا لا يقدر بثمن، هذه تحف تحف، هي أيش هي؟ هي أصنام صغار، تماثيل ذوات أرواح، بس يقول لك هذا عمره ألفين سنة، أيش يعني ألفين؟ إذا كان هذا معبودات من دون الله، شرعاً تكسر تحطم تتلف، الموحد لا يعبأ بالآثار الجاهلية من هذا النوع، ممكن تقول: والله هذه أوانٍ فخارية، هذه أشياء تراثية قديمة ماشي ليست من ذوات الأرواح، لكن المصورات من ذوات الأرواح، ما قيمتها شرعاً؟
عن أبي الهياج الأسدي قال لي علي بن أبي طالب: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" [رواه مسلم: 969].
النبي ﷺ لما مر على ديار ثمود في الحجر بين المدينة وتبوك، ماذا فعل؟ عن نافع عن عبد الله بن عمر: أخبره أن الناس نزلوا مع رسول اللهﷺ على الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا، يسكبوه في الأرض، ويعلف الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة [رواه مسلم: 2981]، فنهى النبي ﷺ عن استعمال الماء الذي في ديار ثمود؛ لأنه ماء قوم معذبين، وأمر بأن يراق، وحتى العجين الذي عجن بذلك الماء يطعم للدواب، ما يجوز أن يأكلوا منه، هذه ديار القوم المعذبين، وحتى لا تهتز النظرة للعصاة والمعاصي وأهل المعصية والمشركين، فإن الله أهلكهم، وقال عليه الصلاة والسلام: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبكم مثل ما أصابهم  ثم زجر فأسرع حتى خلفها [رواه مسلم: 2980].
لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم، وهذا يريد يدخل الكاميرا، وهذا يصور، وهذا يبتسم، وهذا رايح فندق كذا، ووجبة طعام ومقهى، أين هؤلاء؟ ديار القوم الذين ظلموا أنفسهم، هذه حلت بها اللعنة؟ أهلك الله أهلها بالصحية، قال ابن القيم: "من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها، ولا يقيم بها، بل يسرع السير، ويتقنع بثوبه، حتى يجاوزها، ولا يدخل عليهم إلا باكياً معتبراً".
وهؤلاء اليوم يريدون أن يعملوا مزاراً لقبر أمنا حواء، ويعملون أنواعاً وطقوساً من الوثنية عند غار حراء وغار ثور، ويحولوا الآثار ومنها آثار مزيفة يعني ما لها أصل في التاريخ الإسلامي، ولكن يقولون: هذا مسجد، هذا مبرك ناقة كـذا، هذا مكان شجرة كـذا، هذا..، واختراعات ليعملوها مزارات، ويأتون بالوفود من الحجاج والمعتمرين بعضهم، ليذهبوا إليها ويقيموا شعائر عندها، ويعملوا عبادات فيها، ويخصوها بأمور تعظيم البقاع: لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد [رواه البخاري ومسلم ].
منظار التوحيد في الأدب والشعر
01:20:48
 الذي ينظر بمنظار التوحيد -أيها الإخوة والأخوات- لما يقرأ في الكتب، كتب الأدب، كتب الشعر، الروايات والقصص، يقبل ما وافق التوحيد، وينبذ ما خالف التوحيد؛ لأن فيها أشعار فيها إلحاد.
هذا عمر الخيام الشاعر الفارسي يقول:
لبست ثوب العيش لم أستشر.
يعني معناها يعني هو أيش كان يرجو إنه يعني رب العالمين يستشيره تبغى تجي على الدنيا ولا ما تبغى تجي.
لبست ثوب العيش لم أستشر *** وحرت فيه بين شتى الفكر
وسوف أمض الثوب عني *** ولم أدرك لماذا جئت أين المقر
شوف إلحاد.
نمضي وتبقى العيشة الراضية *** وتنمحي آثارنا الماضية
فقبل أن نحيا ومن بعدنا *** وهذه الدنيا على ماهيه
يعني كأنه شوف سبحان الله الدهرية ما هي عقيدتهم؟
يقولون: الدنيا ستستمر إلى الأبد، ما فيه بعث ولا نشور.
ومنهم من يرى إن الدنيا تعود كل ستة وثلاثين ألف سنة، وخلصت تخلص خلاص تفنى، تجي دنيا ثانية تجلس ستة وثلاثين ألف سنة، ودنيا ثالثة وهكذا..
الدهرية أنواع، هذا شعر، ويقدس الشعر، والقصائد هذه، وتعمل لها رسائل وأشياء وتنفخ هي وأصحابها، ملاحدة.
أين هذا من قول ذلك الشاعر:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل
 أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد [رواه مسلم: 2256]كما قال ﷺ.
أثنى على شعر أمية بن أبي الصلت، لماذا؟ يقول ﷺ: كاد ابن أبي الصلت أن يسلم [رواه مسلم: 2256].
عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله ﷺ يوماً، فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ ، قلت: نعم، قال: هيه ، هات، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه ، ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه ، حتى أنشدته مائة بيت [رواه مسلم: 2255]، لماذا استحسنه وسمعه؟ لأن في شعر أمية بن أبي الصلت إقراراً بالوحدانية والبعث مع إنه كان في الجاهلية.
إذاً، ما يسمى بالأدب العربي المعاصر، أو روايات الأدب العربي في بعضها إلحاد وكفر وزندقة، والقول بأزلية العالم، ونسبة الخلق إلى غير الله، والسخرية بالخالق، والحيرة والشك في الوجود والحياة والبعث، واعتبار الحياة عبث، ومعاداة السماء، نفي وجود القدر، موجودة هذه في الروايات في الأشعار في كتب الأدب بعض كتب الأدب العربي، ونفي قدرة الله، وجعل القدر خرافة، والاعتراض على قدر الله، وجعل الإيمان بالقدر سبباً للتخلف والتحجر والهمجية والرجعية، ونسبة التقدير والقدر إلى غير الله، والسخرية بالغيبيات، وتقديس الإلحاد والكفر والوثنية والماركسية، ونحل أهل الزندقة.
الذي عنده منظار التوحيد لا يضل بإلحاديات الغرب ولا وثنيات الشرق، ما تنطلي عليه هذه الموجة من الدورات، يسموها دورات، وفيها مدربون، وهذه الطاقة، وهذه يونق ينق، وهذه كذا، وثنيات شرقية بعضها فيها من إلحاد الغرب مع وثنيات الشرق، ودورات وبفلوس، وفيها مدربون، ما في منظار توحيد، فتروج الأشياء.
الذي ما عنده منظار التوحيد ممكن يقرأ في كتب تنشر على أنها كتب مثقفين فيها نظريات الحالة المستديمة، أن الكون في حالة سكون واستقرار وعدم تغير، وأنه مصنوع مثل الساعة الدقيقة التي صنعها صانعها وتركها تعمل، فهي ستبقى إلى...، هذه نظرتهم للكون، والله -عز وجل- سيبعث من في القبور، و كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: 26].
يقولون: نظرية الفوضى. أيش نظرية الفوضى؟
الله -عز وجل- خلق الكون، خلق هذا على نظام دقيق ونواميس كونية.
وهكذا ستجد في قضية الفلك وفي الطب وفي النظريات التي تدرس في بعض الكتب من العلوم الحديثة في إلحاديات وكفريات موجودة، بعض التخصصات علم النفس، علم الاجتماع، ستجد فيها أيضاً إلحاديات، من منظار التوحيد ستعرف الأشياء، وبمنظار التوحيد تقيس، ومن التوحيد ترد، قابل أبو حنيفة بعض الزنادقة الذين ينكرون وجود الله، فقال لهم: ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة محملة فيها أنواع من المتاجر، لكن ليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، لا ربان ولا عمال، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى ترسو، وتفرغ الحمولة وتحمل وتمشي من ميناء إلى ميناء، قالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، قال: ويحكم سفينة ما قبلتم أن تمشي بغير ربان، كيف الكون هذا من غير خالق؟ أنتم تنكرون الخالق؟
تأمل في نبات الأرض وانظر *** إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات *** بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات *** بأن الله ليس له شريك
 أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي ومؤمن بالكوكب [رواه البخاري: 846، ومسلم: 71].
وبعض الناس يعتقدون اليوم بتأثير الكواكب على حياة البشر، ومنه سعد ومنه نحس.
ويعتقدون في الكواكب والنجوم ما لا يجوز أن يعتقد مما يصادم التوحيد، وهكذا.. وهكذا..
أيها الإخوة: من الأشياء الكثيرة التي تبين إيمان المؤمن، الشمس والقمر لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته.
التوحيد يوصل إلى النور
01:28:04
 هذا التوحيد في النهاية هو الذي يوصل إلى النور، وهو علامة الفلاح والفرقان بين الحق والباطل، وينال صاحبه الأجر العظيم: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النــور: 35].
هذا المثل في هذه الآية ضربه الله -تعالى- لنوره في قلب عبده المؤمن.
من أي شيء ينشأ؟ العلم النافع والعمل الصالح.
اللهم أحيينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.
اجعلنا من أهل التوحيد، ومن أهل السنة.
اللهم ثبتنا على دينك حتى نلقاك.
اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وأن تجعلنا هداة إلى سبيلك يا رب العالمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.