الأحد 2 جمادى الآخر 1439 هـ :: 18 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

القرآن: سماع .. استماع .. استمتاع


عناصر المادة
منزلة القرآن ومكانته
بلاغة القرآن في تقديمه وتأخيره
بلاغة القرآن في ترتيبه
بلاغة القرآن في دلالته على المعاني وقوة حجته
بلاغة القرآن في بيان الأحكام الشرعية
بلاغة القرآن في مضمونه وفي الإخبار عن الغيب
العناية بالقرآن وبعض وسائل ذلك

الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

منزلة القرآن ومكانته
00:00:42


عباد الله:

لقد أنزل الله -سبحانه وتعالى- هذا الكتاب، ليكون هدى ونورا وتبيانًا، وبركة وخيرًا وبيانًا؛ فيه خبر من قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هذا الكتاب الذي تعجبت منه الجنُّ لما سمعوه: {فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا}[الجن: 1].

هذا  الكتاب الذي جعله الله -سبحانه وتعالى- هدى للمؤمنين، فيه التوحيد والإيمان، والوعد والوعيد، والأخبار والقصص، والأمثال والأحكام: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ [الأنعام: 38]. هذا الكتاب مصدر قوتنا، وسعادتنا، ووحدتنا، هو دستورنا، هذا الكتاب الذي يجد فيه المسلم سلوته، وعزاءه، وأنسه في الوحشة، هذا الكتاب الذي يجد فيه المسلم الثبات في عالم الفتن، وأمواج الشهوات والشبهات المتلاطمة.
هذا الكتاب -يا عباد الله- عجب في بيانه وبلاغته: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ [الشعراء: 195]. تسمع ما فيه، فتعجب، وهو يلخص لك -مثلاً- قصة نوح -عليه السلام-، وماذا حصل في العالم، لما أغرق الله الأرض بالطوفان، انظر إلى تلك الجمل القصيرة السريعة في بلاغتها وإيجازها، وما فيها من الأخبار: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: 44]. بدأ الآية بالنداء، وختمها بالدعاء: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي} [هود: 44]. والله ينادي ما يشاء من مخلوقاته، وهي تستجيب، كما نادى السماوات والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ[فصلت: 11]. وفي ختامها: بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: 44]. لما اجتاز أحد أعلام الإسلام في اللغة ببادية، فسمع فتاة أعرابية فصيحة، فقال: ما أفصحك؟ فقالت: ليس بعد كلام الله فصاحة، إنه جمع في آية واحدة بين: أمرين، ونهيين، وبشارتين: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ الأمر الأول، فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ الأمر الثاني، وَلَا تَخَافِي النهي الأول، وَلَا تَحْزَنِي النهي الثاني، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ البشارة الأولى، وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7] البشارة الثانية.
قول نملة واحدة، كم نوعا من البيان والبلاغة قد اشتملت عليه، وهي تقول محذرة بقية النمل من سليمان وجنوده قائلة: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: 18]. "يَا" نادت "أَيُّهَا" نبهت "النَّمْلُ" سمت "ادْخُلُوا" أمرت "مَسَاكِنَكُمْ" عينت "لَا يَحْطِمَنَّكُمْ" حذرت "سُلَيْمَانُ" خصت "وَجُنُودُهُ" عمت "وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" أعذرت. بينت عذر نبي الله سليمان -عليه السلام-.

بلاغة القرآن في تقديمه وتأخيره
00:04:40


أنت -يا مسلم- عندما تقرأ الفاتحة كل يوم في صلواتك، ألا تدرك ما فيها من أنواع البيان والبلاغة، في تقديم وتأخير، شيء يدل على أمر يريده الله؟ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة: 5]. والأصل في اللغة: نعبدك، أن يقدم الفعل على الفاعل والمفعول. فإذا قدم المفعول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فلماذا؟ لأن هذا التقديم يفيد الحصر، يعني حصر العبادة في الله، لا نعبد غيره، إِيَّاكَ نَعْبُدُ في الحصر أقوى من نعبدك، ولذلك قدم المفعول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ يُذكر المسلم نفسه بها: أنه لا يعبد غير الله.، لكن لما قال: اهدِنَا [الفاتحة: 6] لم يقدم المفعول، وجاءت الجملة على أصلها في تقديم الفعل: اهدِنَا ولم يقل: "إيانا اهد" لماذا؟ 
لأن الهداية ليست محصورة فينا، فإنه يهدينا ويهدي غيرنا، وهكذا عندما تسمع -يا مسلم- تحد الله بالإتيان بمثل القرآن، وهو يقدم "الإنس" على "الجن"، فيقول: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88].
وفي معرض التحدي بالفرار من أرض المحشر يوم الدين، يقدم "الجن" على "الإنس"، ويقول: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ [الرحمن: 33]. وليس هناك سلطان إلا سلطان الله -تعالى-: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ [الحاقة: 28 - 29]. فلماذا قدم "الإنس" هناك على "الجن" وقدم "الجن" هنا على "الإنس"؟ قال العلماء: في معرض البلاغة والبيان "الإنس" أقدر من "الجن"، فلذلك قدمهم في معرض التحدي بالقرآن.
وأما في عالم النفاذ والطيران والاختراق، فإن "الجن" أقدر من "الإنس"، ولذلك قدمهم: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا.
عباد الله: كتاب عجب عجب في تقديمه وتأخيره، فأنت تراه في الحدود الشرعية، يقول: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: 38]. فيقدم "السارق" الذكر على "السارقة" الأنثى.
وفي حد الزنا، يقول: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ [النــور: 2]. فيقدم "الأنثى" على "الذكر" فلماذا؟! أيهما أقبح أن يسرق الأقدر على الكسب أم الأضعف في الكسب؟! الأقدر على الكسب بلا شك، و"الذكر" أقدر من "الأنثى" على الكسب، فكانت السرقة في حقه أقبح، فلذلك قدمه، وقال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا [المائدة: 38]
وأما في الزنا، فإن "الأنثى" أشد حياءً من "الذكر"، فكان الزنا منها أقبح، فقدمها، فقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ [النــور: 2].

بلاغة القرآن في ترتيبه
00:08:26


انظر إليه في ترتيبه، لما أوحى: رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا النحل الجبلي، فوق: وَمِنَ الشَّجَرِ النحلي الشجري، أنزل: وَمِمَّا يَعْرِشُونَ [النحل: 68] تحت، مما يصنعه الناس لها من المناحل، ليس عبثيًا.
لما لفت النظر إلى التدبر في الإبل في خلقها، قال بعد ذلك: وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: 18 - 20] فهو يتدرج بك من الأعلى إلى الأسفل، في هذا النسق البديع، ليلفت نظرك إلى مخلوقاته، وقدرته على الخلق.
انظر إليه في حرف واحد، ما هو الفرق بينه، مفقودا هنا، وموضوعا هنا، محذوفا هنا، ومثبتا هنا، والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى: فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [الكهف: 97]. في حال الظهور عليه والتسلق، حذفت: "التاء". وفي حال الخرق، أثبتت: "التاء". لما كان الظهور والتسلق على السد، يحتاج إلى خفة، وكان خرق هذه السبيكة من الحديد الملبس بالنحاس: آتُونِي زبر الحديد. ثم قال: آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا لما كان خرق هذه السبيكة العظيمة صعب جداً، يحتاج إلى قوة وشدة، زاد: "التاء" فيها. قال: فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ فقابل  الأخف بالأخف: وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا فقابل الأثقل بالأثقل.

بلاغة القرآن في دلالته على المعاني وقوة حجته
00:10:14


عباد الله: إنه -والله- عجب عجاب في دلالته على المعاني، انظر إليه، وهو يقبح الزنا في أربع كلمات، في سورة يوسف: امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا. امْرَأَةُ "أنثى"، الزنا من "الذكر" قبيح، ولكنه من "الأنثى" أقبح؛ لأنها أشد حياءً.، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ إذًا، هي متزوجة، والزنا من العزباء قبيح، لكنه من المتزوجة أقبح، لما أحصنها الله وأعفها ورزقها بزوج، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ زوج صاحب الطبقة الاجتماعية المرموقة، المرأة لم تمنعها مكانتها من الوقوع في الفاحشة، والفاحشة من الوضيعة قبيحة، ولكنه من العلية أقبح، امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ العادة أن الرجل طالب، والمرأة مطلوبة، فإذا صارت المرأة هي الطالبة، والرجل هو المطلوب، الفار، الهارب منها، لا يريد الحرام، ينجو بنفسه، مستعيذًا بربه، تُرَاوِدُ هي، ولم يكن لرجل في طبقتها الاجتماعية، بل لخادم وعبد عندها: تُرَاوِدُ فَتَاهَا [يوسف: 30] فما أقبح تلك الفعلة؟!
انظر إليه -يا مسلم- وهو يهز الملاحدة هزًا، ويناقشهم في إلحادهم، وإنكارهم وجود الله، وجحدهم لربوبيته، وأشهر نظرية اليوم عند الملاحدة: الانفجار العظيم: "بيج بانج" يقولونها في سبب نشأة هذا الوجود، فإذا قلت للملاحدة: كيف جاءت السماوات والأرض؟ وكيف جاء الناس والشجر والدواب؟ يقولون لك: بالانفجار العظيم، فإذا قلت لهم: وماذا كان يوجد قبل الانفجار العظيم؟ يقولون: لا شيء! يعبرون عنها بلغتهم، في مقاطعهم، وبرامجهم، وحواراتهم، وكتبهم: "نثنج" لا شيء!، فتقول مستدلاً بالآية، محاجًا لهم: إذا لم يكن هناك شيء قبل الانفجار الكبير، إذا لم يكن هناك شيء فما الذي انفجر؟ تعال معي إلى الآية لتنظر في المحاجة العظيمة: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ؟ تأمل قول ملاحدة العالم اليوم: لا شيء! ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟! لا شيء!.
فتقول: فما الذي انفجر؟
لا شيء انفجر! وجاء كل هذا، تبًا لكم!: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ من العدم؟: أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: 35] بأنفسهم؟ هذا الاحتمال الثاني: أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [الطور: 36]؟ ولذلك جبير بن مطعم: لما سمع هذه الآيات... قال: "كاد قلبي أن يطير" [رواه البخاري: 4854].

بلاغة القرآن في بيان الأحكام الشرعية
00:13:40


عجيب -والله- هذا الكتاب، عجيب الموت حياة؟ كيف يكون الموت سببًا للحياة؟ وهو يقول سبحانه: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179] والقصاص موت؟ لكن لما كان قتل القاتل يمنعه من إكمال القتل، والضحايا الجدد، ويردع غيره ممن كان يريد أن يقتل، لما يرى الجزاء والقصاص قد أقيم في حد الله -تعالى-، هذا، الذي يطلب الغربيون إلغاءه، فماذا فعلوا هم في مواجهة الجرائم لديهم؟ كل ثانية؟! وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ.  هذا كتاب، هذا أسلوب، لا يمكن أن يكون من بشر، ولذلك لو قال قائل اليوم: اعطونا شيئًا، نعرف به ربنا وإلهنا؟ وما هو الحق والإثبات والبرهان؟ نقول: هذا! -يا عباد الله- والله- فيه المعجزات، يزيدك إيمانًا، وأنت تقرأ في قدرة الله، يخرج: مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ مستخبثين مستقذرين: لَّبَنًا خَالِصًا من الشوائب: سَآئِغًا هنيئًا: لِلشَّارِبِينَ [النحل: 66]. هذه قدرته: مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ؟ [الأنعام: 46].
انظر إلى هذا الكتاب، وهو يعلمك من خلال بيانه وبلاغته: الأحكام الشرعية، قال الله في الحيض: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًىأَذًى نكرة تفيد العموم، أذى نفسي، أذى بدني، أذى لها، أذى له، فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ يعني في الجماع: حَتَّىَ يَطْهُرْنَ. تأمل معي: يَطْهُرْنَفَإِذَا تَطَهَّرْنَ فعل آخر غير الذي قبله: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ [البقرة: 222]يَطْهُرْنَ من "طهر" الثلاثي، "يتطهرن" من "تطهر" الخماسي، ما الفرق بينهما في اللغة؟ لأنه سيترتب عليه فرق في الحكم؟
سيترتب عليه: بيان له: يَطْهُرْنَ من طهرت بشيء تلقائي، جبلي طبعي، بدون تكلف منها، ولا فعل. ما هو هذا الشيء؟ انقطاع الدم، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ تطهرت المرأة، يعني تعاطت وتكلفت شيئًا، وفعلاً. ما هو؟ الغسل.
فيترتب الحكم عليهما معًا، ولا بدّ من وجودهما لجواز إتيانها:
أولاً: أن ينقطع الدم: يَطْهُرْنَ.
ثانيًا: أن تغتسل: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ بيان، بلاغة في أحكام، لك -يا مسلم-، الغرب والشرق، ماذا عندهم في هذا؟ زبالة! لا شيء! قرف! أمراض!.

بلاغة القرآن في مضمونه وفي الإخبار عن الغيب
00:16:55

 

هذا القرآن ليس فقط عجيبًا في أسلوبه، بل حتى في مضامينه، بل حتى في اللطائف التي فيه، انظر إلى هذه القصة العجيبة، قصة يوسف فيها ثلاثة: قمصان، كل قميص يختلف عن الآخر، وكل قميص كان في مرحلة زمنية من القصة، فقميص يدل على كذبهم، وقميص يدل على كذبها، وقميص معجزة،

 قميص يدل على كذبهم، لما صبغوا القميص: بِدَمٍ كَذِبٍ ماذا رأى يعقوب في القميص لما عادوا إليه؟ قالوا: "أكله الذئب" ما هذا الذئب صاحب الذوق الرفيع الذي يخلع قميص الولد قبل أن يفترسه؟! والقميص ليس عليه آثار هبش وتمزيق؟!
وقميص دل على كذبها، كما قال الشاهد: وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ مزق من الخلف: فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ [يوسف: 27]. فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ [يوسف: 28]. وقميص ثالث: قميص المعجزة: اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا [يوسف: 93]. فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا [يوسف: 96]. والله ما أحد يستطيع في العالم أن يأتي بقصة مثل قصة يوسف -عليه السلام-، مهما كان روائيًا، بليغًا، وأديبًا ألمعيًا، لا يمكن.
عباد الله: عجيب هذا القرآن، حتى في إخباره، يخبر بالغيوب وتقع: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ[الروم: 1- 3].
لما نزلت "سورة الروم" اكتسحت فارس الروم، وألصقتها في أدنى مملكتها، واحتلت بلادها، وكسحتها كسحًا، ولم يكن هناك أي مؤشر يدل على أن الروم ستستعيد زمام المبادرة، أو أن تستطيع أن تفعل شيئًا: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ  فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم: 1 - 4]. ال "بِضْعِ" من الثلاث إلى التسع.
فعلاً! ما مضت: "تسع سنين" إلا واكتسحت الروم فارس، واستعادت أراضيها وزيادة، وكان لها غلبة وتفوق عظيم [انظر القصة: رواها أحمد: 2770، وقال محققو المسند: " إسناده صحيح على شرط الشيخين"]. الآية تقول: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ [الفتح: 27]. وفي الحديبية يرجعون، والآية تنزل فيها في "سورة الفتح"، والله سمى الحديبية: "فتحًا"، ويقول عمر: "يا رسول الله ألم تخبرنا أنا سنأتيه ونطوف به؟ قال: بلى، لكن قلت لك هذا العام؟! [انظر الحديث في البخاري:2731 و2732]. وفعلاً! فتح الله مكة، وأتوه بعد ذلك: آمنين، محلقين رؤوسهم ومقصرين، لا يخافون!.
الفلك تجري في البحر بنعمة الله: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ [الشورى: 32] يعني كالجبال الكبيرة، أكبر سفينة كانت في ذلك الوقت كم حجمها؟ الآن أنتم في هذه المدينة الساحلية، إذا وقفتم على الشاطئ، ونظرتم إلى السفن القادمة إلى الميناء، وهي في عرض البحر آتية، كيف شكلها؟ بالله عليكم؟ أليست كالجبل؟! فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ؟!.

العناية بالقرآن وبعض وسائل ذلك
00:20:16


رمضان قادم، وشعبان شهر القراء، نحتاج أن نوليَ القرآن عناية! نحتاج أن ننتقل من السماع إلى الاستماع، ومن الاستماع إلى الاستمتاع! نحتاج أن نرتله، ونعرف كيف نقرأه! نحتاج أن نتدبره، ونعرف معانيه، وتفسيره! ثم نحتاج إلى مدارسة، لزيادة الإيمان!.، نحتاج -يا إخوان- حقيقة مع القرآن، إلى تلاوة صحيحة، ومعرفة للمعنى، وليس أن نقول: ما معنى: الإله؟ ما معنى: "الخناس؟" ما معنى: "الصمد"؟ ما معنى: "ضبحًا"؟ لا ندري! لا ندري! وهذه قصار السور التي تقرأ -بالاعتراف- في الصلوات دائمًا، فما بالك بالطوال؟!
يا عباد الله: نحن مقصرون، ولازم ننتقل بالتلاوة إلى المعاني، ومن المعاني إلى التدبر والمدارسة، وإلى العمل بالقرآن، ثم المرحلة الأعلى: تعليمه بعد تعلمه: خيركم من تعلم القرآن وعلمه [رواه البخاري: 5027].
اللهم علمنا منه ما جهلنا، وذكرنا منه ما نسّينا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، اللهم اجعلنا ممن يعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، اللهم اجعلنا من أهلك، أهل القرآن، يا رحمن، اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا، وذهاب أحزاننا، يا أرحم الراحمين.