الأحد 5 رمضان 1439 هـ :: 20 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

19- الشهداء وأنواعهم


عناصر المادة
أما بعد:
فضل الشهادة في سبيل الله:
المقصود بالشهيد وأنواع الشهداء وحكم كل نوع:
بعض قصص الشهداء:
تتعدد الشهداء:
الموت بالطاعون شهادة:
الموت بداء البطن شهادة:
بعض أصناف الشهداء:
موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها:
الموت بذات الجنب:
الموت بداء السل:
الموت دفاعا النفس أو العرض أو المال:
موت المرابط في سبيل الله:
حكم الشهادة لمعين بجنة أو نار وأحوال ذلك:
الشهادة لعموم المؤمنين بالجنة ولعموم الكفار بالنار:
الشهادة بالجنة أو النار لشخص معين:
الشهادة بالجنة لمن استفاضت شهرتهم بالخير والصلاح وضوابط ذلك:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً، أحمده وأثني عليه، وأصلي على نبيه محمد بن عبد الله أشهد أنه رسول الله، والرحمة المهداة البشير، والنذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
00:00:36
 ففي هذه الحلقة من عالم الموت والبرزخ نتناول تتمة الكلام عن الشهدا، في حسن الخاتمة، وأنواعهم، والحكم لمعين بالجنة أو النار أو الشهادة، أو الرحمة والمغفرة، ثم بعد ذلك ندخل في سوء الخاتمة -والعياذ بالله- ما هي أسبابها وعلاماتها، ونماذج من سوء الخاتمة.
فضل الشهادة في سبيل الله:
00:01:09
 أما بالنسبة لحسنها، فإن الشهادة في سبيل الله من أعظم حسن الخاتمة، قال الله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ  [آل عمران: 169 - 171].
ذكر الله تعالى فضل الشهادة في سبيله لتنشط النفوس للتضحية في سبيل الله، والتعرض لهذا الموقف العظيم الذي لو ناله المسلم نال رضا الله عز وجل، والحياة العظيمة في أعلى عليين، والاستبشار وذهاب الخوف من المستقبل، والحزن على ما مضى، والتبشير بنعمة الله والفضل، وثبوت الأجر، وأن الله لا يضيعه.
وقال عليه الصلاة والسلام:  للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر  -وهذا كله يتعلق بموضوعنا في عالم الموت والبرزخ-  ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه [رواه الترمذي: 1663، وأحمد: 17221، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1375].
المقصود بالشهيد وأنواع الشهداء وحكم كل نوع:
00:02:48
 والشهيد هو من مات من المسلمين في قتال الكفار وبسببه.
والشهيد ثلاثة أقسام: شهيد الدنيا والآخرة وشهيد الدنيا فقط، وشهيد الآخرة.
فأما شهيد الدنيا والآخرة فهو الذي يقتل في قتال مع الكفار، مقبلاً غير مدبر، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، دون غرض من أغراض الدنيا، ومعنى كون هذا الشخص شهيد الدنيا والآخرة أنه تطبق عليه أحكام الشهداء في الدنيا، فيدفن في ثيابه، ولا يغسل، ولا يصلى عليه، ويدفن في مكان المعركة، ولا ينقل، وأما في الآخرة، فينال ثواب الشهداء.
أما شهيد الدنيا، فهو من قتل في قتال مع الكفار، لكنه قاتل رياءَ أو عصبية، أو ليقال: فلان جرئ، أو شجاع، أو غلَّ من الغنيمة، ونحو ذلك، أو قاتل ثم قتل وهو يفر من المعركة، ما لم هناك عذر شرعي، ومعنى كونه شهيد الدنيا فقط أنه تطبق عليه أحكام الشهيد في الدنيا، أما في الآخرة فلا ينال ثواب الشهداء.
وشهيد الآخرة، وهو الثالث، فهو المقتول ظلمًا من غير قتال مثلاً، المقتول ظلما من غير قتال، فهذا له أجر شهيد لكنه ليس مثل شهيد المعركة، وكالميت بداء البطن أو بالطاعون أو بالغرق، أو من يموت محترقًا والنفساء التي تموت في الطلق، ونحو ذلك مما وردت به النصوص، ومعنى كونه من شهداء الآخرة أنه في الدنيا يغسل ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقبرة المسلمين، ولكنه ينال شهادة في الآخرة دون رتبة ومنزلة وأجر وثواب الشهيد قتيل المعركة في سبيل الله، في الدنيا لا تطبق عليه أحكام الشهداء من ترك الملابس على ما هي عليه، والدفن في مكان المعركة، إلى آخره، وفي الآخرة له أجر شهيد دون أجر شهيد المعركة.
والشهيد لماذا لا يصلى عليه، قتيل المعركة في سبيل الله؟
كفى ببارقة السيوف على رأسه، مكفرة للخطايا، ماحية للذنوب والسيئات.
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى الصلاة عليه، وقال الحنفية بها، ورواية عن الإمام أحمد، وقال بعض العلماء بأنه لا يصلى عليه، بل نص بعضهم على المنع.
وقال بعضهم: إن الإمام مخير بين الصلاة عليه وبين عدم الصلاة.
النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على شهداء أحد، والصلاة على الميت شفاعة من المصلين للميت، الشهيد لا يحتاج إليها، وإلى إلى شفاعتهم، فإن فضل الموت والقتل في سبيل الله يغنيه عن هذا، ويكفر عنه كل شيء إلا الدين فلا يسقط ويبقى في ذمته، فإن كان اقترض لحاجة مباحة ناويًا الأداء أدى الله عنه.
والشهداء لا تشرع الصلاة عليهم، ولا يغسلون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على شهداء أحد، ولم يغسلهم، ودفنهم في مكانهم.
وأما الذين قالوا من العلماء بأنه يصلى عليهم، فقد احتجوا بأحاديث وردت في الصلاة على بعض الشهداء، منهم الأعرابي الذي سبقت قصته في حسن الخاتمة، والذي طلب من النبي عليه الصلاة والسلام باتباعه أن يرمى بسهم هاهنا فيموت فيدخل الجنة، فصلى عليه.
وورد أنه صلى على حمزة، وكبر تسع تكبيرات.
وذكر الشيخ الألباني رحمه الله في أحكام الجنائز طائفة من  الأحاديث في الصلاة على الشهيد.
وذكر ابن القيم رحمه الله في "تهذيب السنن" جمعًا لطيفًا، فقال: "والصواب في هذه المسألة أنه مخير بين الصلاة عليهم، وتركها، لمجيء الآثار بكل واحد من الأمرين، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد، وهو الأليق بأصوله ومذهبه، والذي يظهر من أمر شهداء أحد أنه لم يصل عليهم عند الدفن، وقد قتل معه بأحد سبعون نفسًا، ويخير في الصلاة عليهم... وبهذا تتفق جميع الأحاديث، وبالله التوفيق". [عون المعبود شرح سنن أبي داود، مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية: 8/409].
قال الشافعي رحمه الله في كتاب: "الأم": جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على قتلى أحد. [الأم: 1/267].
وما روي أنه صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه.
وضعف بعضهم أحاديث الصلاة على الشهداء.
بعض قصص الشهداء:
00:08:35
 وحرام بن ملحان ووالد جابر، عبد الله بن حرام، وأنس بن النضر، وغيرهم، لاحت عليهم، وبدر منهم، قبل موتهم مباشرة، أو بعد موتهم، ما يدل على حسن خاتمتهم، وغيرهم من الصحابة والسلف والشهداء في سبيل الله.
فأما بالنسبة لحرام بن ملحان رضي الله عنه، فقد روى البخاري رحمه الله عن أنس بن مالك قال: لما طعن حرام بن ملحان يوم بئر معونة، قال بالدم هكذا على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة. [رواه البخاري: 4092]، يعني فزت بالشهادة أو بالجنة.
من الذي طعنه من المشركين؟
جبار بن سلمى.
وقتل معه عامر بن فهيرة رضي الله عنه جبار المشرك لما طعن حرام بن ملحان، وحرام نضح الدم على وجهه، وقال: فزت ورب الكعبة، سأل بعد ذلك ما معنى قوله: فزت؟
قالوا: يعني بالجنة، قال: صدق والله، وكان من قبل يقول: وما فاز وأنا قتلته؟ كيف فاز؟ فلما قالوا يعني الجنة، قال: صدق والله، ثم أسلم جبار بعد ذلك رضي الله عن الجميع.
وكان من الصحابة من وقف المواقف العظيمة، كعروة بن مسعود الثقفي الذي كان في قومه كمثل صاحب يس في قومه.
لقد تحسر خالد بن الوليد رضي الله عنه على فوت هذه المنزلة العظيمة، وقال: "لقيت كذا وكذا زحفًا وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير"، وهذا من تواضعه رضي الله عنه، فلا نامت أعين الجبناء، هؤلاء الجبناء الذين يتخلفون عن المعارك خوفًا من الموت أنا دخلت في هذه المعارك كلها، وما نالني الموت، "فلا نامت أعين الجبناء [البداية والنهاية: 7/129]، يدعو عليهم أن لا يناموا.
وكذلك من الواقع المعاصر سمعنا من القصص في علامات حسن الشهداء للخاتمة، وكيف كان بعضهم يشير إلى مكان قتله قبل أن يدخل المعركة، فتأتي الرصاصة في ذلك المكان، ومنهم من لم تتغير جثته المدة الطويلة، كسائق الشاحنة الذي كان صاحب جاهلية، ولما صار له حادث وهو مخمور، ويسر الله له اثنين من الصالحين، فأخذوه، ولما أفاق أمروه بالاغتسال والوضوء، ثم صلى ثم ناصحوه، قالوا له: لو مت كانت ميتتك على هذه المعصية، فأحسن فيما بقي، فكانت تلك الموعظة، فاعتزل الفاسدين، وأقبل على قراءة القرآن الكريم، ولما صار الجهاد في سبيل الله، وقتل في تلك المعركة، بقيت جثته عند الصرب شهرين، فلما استخرجت لم يكونوا قد وضعوها في ثلاجة أصلاً، وإنما كانت في كيس، فلما فتحها أصحابه، وجدوه كما هو، ووجهه ولحيته وجسمه لم يتغير، ورائحته كرائحة الحناء.
تتعدد الشهداء:
00:12:13
 وقد وردت في النصوص بتعداد الشهداء غير شهيد المعركة، وهم الذين يوصفون بأنهم شهداء الآخرة، أما في الدنيا فلا تطبق عليهم أحكام الشهداء؛ لأنهم لم يموتوا في المعركة في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم يومًا لأصحابه:  ما تعدون الشهيد فيكم  قالوا: يا رسول الله من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال:  إن شهداء أمتي إذًا لقليل  قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال:  من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد، والغريق شهيد [رواه مسلم: 5050].
وقد غزت أم ملحان رضي الله عنها في البحر، وكانت قد سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون من الذين يغزون في البحر مثل الملوك على الأسرة، فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر، فهلكت [رواه البخاري: 2788 و2789، ومسلم: 5043].
واستدل بعض العلماء بالحديث على أن القتال في سبيل الله، والموت في الجهاد، سواءً كان قبل المعركة أو بعد المعركة، أنهم في الأجر سواء، وهذا موافق في المعنى لقوله تعالى:  وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ [النساء: 100]، ثبت أجره، فهذا ذاهب للجهاد في سبيل الله أجره واقع حتى لو ما مات في المعركة.
الموت بالطاعون شهادة:
00:14:00
 والموت بالطاعون فيه فضل عظيم، فعن حفصة بن سيرين قالت: قال لي أنس بن مالك: بم مات يحيى بن أبي عمرة؟ قالت: قلت: بالطاعون قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  الطاعون شهداء لكل مسلم [رواه البخاري: 5732، ومسلم: 5053].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرني أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وأن الله جعله رحمة للمؤمنين ليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد". [رواه البخاري: 3474].
وهذا معناه: أن الطاعون رحمة للمؤمنين، وشهادة لهم، ورجسا على الكافر، وإذا وقع بالكفار فإنه عذاب عليهم.
وأما العاصي من هذه الأمة فهل يكون له الطاعون شهادة أما لا فهذا فيه نظر، وليس من مسلم يقع الطاعون في بلده، فيمكث فيها صابرًا محتسبًا يعلم ويوقن أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، فإنه في هذه الحالة يكون له أجر شهيد.
ويخرج من هذا، من هرب من البلد، أو قعد فيها وهو يظن أنه من قعد في البلد، وهو على اعتراض وتضجر وتسخط لقدر الله، وكراهة لقائه، ونحو ذلك، فإنه لو مات بالطاعون لا يكون له أجر شهيد. وعن عتبة بن عبد السلمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون فيقول أصحاب الطاعون نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا، ريح المسك فهم شهداء، فيجدوهم كذلك  [رواه أحمد: 17688، وهو حديث حسن صحيح، كما في الترغيب والترهيب للألباني: 1407].
الموت بداء البطن شهادة:
00:16:14
 ومن الشهداء، يعني شهداء الآخرة أيضاً: الموت بداء البطن، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  المبطون شهيد  [رواه البخاري: 5733].
وفي رواية:  ومن مات في البطن فهو شهيد [رواه مسلم: 5050].
وعن عبد الله بن يسار قال: كنت جالسًا وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلاً توفي، مات ببطنه، مات مقتولا بمرض في بطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكون شهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم:  من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره  فقال الآخر: بلى. وفي رواية: "صدقت" [رواه النسائي: 2052، وأحمد: 18336، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 1076، وأحكام الجنائز: 38].
البطن، بداء البطن قيل: الإسهال، وعلى ذلك يكون مرض الكوليرا الذي يسببه، ونحوه من الشهادة. وقيل هو الذي  به الاستسقاء، وانتفاخ البطن، مرض يصيب البطن بالانتفاخ حتى يموت.
وقيل الذي يموت بداء بطنه مطلقًا، قاله الحافظ.
ومعنى ذلك: أن السرطانات التي تصيب الجوف داخلة في هذا، وكل مرض في البطن يؤدي إلى الموت، انفجار زائدة أدى إلى الموت، يكون مبطونًا، وفي معنى هذا من مات بتليف الكبد مثلاً، وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله عن مثل هذا، فقال: المبطون قال أهل العلم: من مات بداء البطن، والظاهر أن من جنسه من مات بالزائدة؛ لأنها من أدواء البطن التي تميت، ولعل من ذلك أيضاً من مات بتليف الكبد؛ لأنه داء في البطن مميت [من فتاوى فضيلة الشيخ ابن عثيمين لمجلة الدعوة].
بعض أصناف الشهداء:
00:18:18
 ومن الشهداء الذي يموت غرقًا أو بانهدام الجدار، أو السقف أو البيت أو المسكن، أو المبنى عليه، ولعل في معناهم الذين يموتون في الزلازل؛ لأنه ينهدم عليهم ما يموتون به، وقد قال عليه الصلاة والسلام:  الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله [رواه البخاري: 2829، ومسلم: 5049].
والغريق الذي يموت غريقًا في الماء، وصاحب الهدم من بموت تحت هذا الهدم الذي حصل.
ولا بد أن يخرج منهم من ركب البحر لمعصية ومات مثلاً، أو ركبه وهو هائج يعلم أن هذا يميت وهو لا يعرف السباحة، فهذا مفرط، وكذلك فإن الذين يموتون في حوادث السيارات يمكن أن يلحقوا بالهدم؛ لأن الموتات الشنيعة يعني نلاحظ أن العامل المشترك في هذه الموتات أنها ميتات شنيعة وصعبة، فقتلى حوادث السيارات يرجى لهم أجر شهادة، وقد سئلت اللجنة الدائمة عمن يموت بسبب حادث سيارة: هل له مثل أجر شهيد؟ فكان الجواب: نرجو أن يكون شهيدًا؛ لأنه يشبه المسلم الذي يموت بالهدم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شهيد، يعني من مات في الهدم.
موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها:
00:20:00
 خامسًا: موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، وفيه حديث عبد الله بن عتيك -رضي الله عنه- عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه:  والمرأة تموت بجمع شهيد  [رواه أبو داود: 3113، والنسائي في السنن الكبرى: 7487، وأحمد: 22737، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 1561].
وعن عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد عبد الله بن رواحة، فما تحوز له عن فراشه لم يتنح؛ لأن السنة في ترك ذلك، فقال: أتدري من شهداء أمتي؟ قالوا: قتل المسلم شهادة، قال:  إن شهداء أمتي إذًا لقليل، قتل المسلم شهادة، والطاعون شهادة، والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة  [رواه أحمد: 22808، وصححه الألباني في تلخيص أحكام الجنائز: 22]،  يجرها ولدها بسرره إلى الجنة [رواه أحمد: 22836، وقال الألباني: "حسن صحيح"؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب: 1396].
والسرر، السرة، ما يبقى بعد القطع مما تقطعه القابلة، هذا السرر، الحبل السري الذي يقطع بعد الولادة، وتربط السرة، هذا السرر يجرها ولدها الذي كان سبب موتها به إلى الجنة، يعني هو وإياها.
طبعًا استثنى العلماء كذلك مثل الحامل بالزنا التي تموت في مثل هذا.
فإذًا الذين يموتون بهذه الميتات وكانوا على عمل صالح، وكانوا على خير ودين وطاعة، فيرجى لهم أجر الشهيد.
وأما من مات بمعصية، مات بالزلازل تحت الهدم بمعصية، وهذه قتلها ولدها بالحرام مثلا، والآخر غرق وهو سكران، ونحو ذلك، فهؤلاء لهم شأن آخر.
الموت بذات الجنب:
00:21:52
 ومن الشهداء الذي يموت محترقًا، والذي يموت بذات الجنب، وقد جاء فيهم حديث:  الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله عز وجل: المطعون شهيد، والمبطون شهيد، والغريق شهيد، وصاحب الهدم، وهو الذي يموت تحت الهدم شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، وصاحب الحرق شهيد  [رواه أبو داود: 3113، والنسائي: 1846، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 1561].
وذات الجنب ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع يؤدي إلى الوفاة.
الموت بداء السل:
00:22:28
 وثامنًا: الموت بداء السل، لقوله عليه الصلاة والسلام: القتل في سبيل الله شهادة، والنفساء شهادة، والحرق شهادة، والغرق شهادة، والسل شهادة، والبطن شهادة  [رواه الطبراني في الأوسط: 1243، وقال الألباني: "رجاله موثقون، وحسنه المنذري... وله شاهد آخر في " المجمع" كما في أحكام الجنائز: 40].
الموت دفاعا النفس أو العرض أو المال:
00:22:41
 ومن مات في الدفاع عن أهله أو ماله أو عرضه أو نفسه فهو شهيد، قال عليه الصلاة والسلام:  من قتل دون ماله فهو شهيد [رواه البخاري: 2480، ومسلم: 378].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال:  فلا تعطه مالك  قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال:  قاتله  قال: أرأيت إن قتلني؟ قال:  فأنت شهيد  قال: أرأيت إن قتلته؟ قال:  هو في النار  [رواه مسلم: 377].
وعن مخارق قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الرجل يأتيني فيريد مالي؟ قال:  ذكره بالله  قال: فإن لم يذكر، قال:  فاستعن عليه بمن حولك من  المسلمين  قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال:  فاستعن عليه بالسلطان  اطلب الشرطة، قال: فإن نأى السلطان عني؟ قال:  قاتل دون مالك، حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك  [رواه النسائي: 4081، وهو حديث حسن صحيح كما في أحكام الجنائز، للألباني، ص: 41].
طبعًا هذا يدل على الدفع بالأسهل فالأسهل.
الموت في الدفاع عن النفس والعرض، قد ورد فيه أيضاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم:  من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد [رواه الترمذي:1421، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 3529].
موت المرابط في سبيل الله:
00:24:07
 أما الموت مرابطًا في سبيل الله، فقد قال عليه الصلاة والسلام فيه: رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان  [رواه مسلم: 5047].
هذا المرابط الذي يحرس ثغور المسلمين، الأماكن الحدودية المجاورة لبلاد الكفار، أماكن خطيرة جداً؛ لأن الكفار يمكن أن يغيروا منها في أي لحظة، أو يقصفوها في أي لحظة، فالمرابط هناك على الحدود بين المسلمين والكفار، هذا الحارس للمسلمين، هذا الذي يكون في ذلك المكان الخطير، هذا إنسان له ميزات، إذا مات جرى عليه عمله؛ كأنه ما مات، العمل مستمر، الثواب مستمر، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان، جمع فاتن الفتان، قال النووي: الفتان بالضم، جمع فاتن، وفي رواية لأبي داود:   أومن من فتانى القبر  [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 13/61].
الفتان جمع، المراد بهما منكر ونكير، والجمع يطق على اثنين فصاعدًا، أو من الشيطان ونحوه مما يوقع الإنسان في فتنة القبر وعذابه، والفتان بالمفرد يمكن أن يقصد به أيضاً الذين يسألونه في قبره.
وقيل: ملك العذاب الفتان، واللذان يأتيانه للسؤال من الملائكة يؤمن منهما، المرابط في سبيل الله؛ لأن رباطه شاهد على صحة إيمانه، فلا يحتاج أن يفتن في قبره ويسأل.
وقيل: لو جاءاه ما أضرا به ولا أزعجاه، بينما كثير مما يؤتون في القبور يلهزون، ينهرون، يقعدانه فينتهرانه! في إزعاج!
وعن فضالة بن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر  [رواه الترمذي: 1621، وأحمد: 23996، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 3823].
حكم الشهادة لمعين بجنة أو نار وأحوال ذلك:
00:26:54
 الآن نأتي إلى مسألة مهمة -أيها الإخوة- وهي الشهادة لمعين بجنة أو نار، الحكم لمعين بالمغفرة والرحمة، أو عدمها، أن الله يغفر له، أو لا يغفر له، أنه مغفور له أو غير مغفور له، أنه مرحوم أو غير مرحوم، ما حكم الشهادة بالجنة أو بالنار؟
لأن المسألة هذه تتعلق بحسن الخاتمة، وسوء الخاتمة.
طيب والذي نرى عليه علامة حسن خاتمة هل نحكم له بالجنة؟ والذي نرى عليه علامة سوء خاتمة هل نحكم عليه بالنار؟
هذه مسألة مهمة؛ لأن معرفتها تقي من الانزلاق أو الانحراف في هذه الباب، فإن بعض الناس ممكن يجزم لشخص بالجنة لعلامة هو يراها في وجهه عند الموت، يقول: هذا في الجنة، وقد يرى علامة أخرى بعكسها، فيقول: هذا في النار، فمسألة الجزم هذه لا بدّ من معرفة حكمها.
الشهادة لعموم المؤمنين بالجنة ولعموم الكفار بالنار:
00:27:58
 أولاً: الشهادة بالجنة أو بالنار إذا كانت معلقة بوصف كما نشهد لكل مؤمن بالجنة، أو لكل شهيد بالجنة، فهذا بدون تعيين يجب علينا أن نشهد بذلك، نحن نشهد لكل مؤمن بالجنة، نشهد للأنبياء بالجنة، نشهد للشهداء بالجنة، ونشهد للمتقين بالجنة، وللصادقين بالجنة، ونحو ذلك، قال الله -تعالى-: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً  [النساء: 122].
إذًا، واضح من الآية أن هؤلاء يدخلون الجنة.
وقال سبحانه:  وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  [آل عمران: 133].
وقال: وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا  [التوبة: 72] الآية.
وكذلك الشهادة لكل كافر بأنه في النار، من غير تعيين لشخصه، قال تعالى:  فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  [البقرة: 24].
وقال:  وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  [آل عمران: 131].
وقال:  وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ  [التوبة: 68].
الشهادة بالجنة أو النار لشخص معين:
00:29:22
 ثانيًا: الشهادة المعلقة لشخص معين، فنشهد لفلان، أو لعدد معين أنهم في الجنة، هذه الشهادة الخاصة، الشهادة لمعين، من شهد له الوحي بالجنة، شهد لشخص معين أو لأشخاص معينين، فإننا نشهد لهم بما شهد به الوحي، ولا يجوز أن نشهد بالجنة أو النار  إلا لمن وردت النصوص بالشهادة له؛ كفرعون، وأبي طالب، نقول: هم في النار، ونشهد أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلي وسائل العشرة في الجنة.
الشهادة بالجنة لمن استفاضت شهرتهم بالخير والصلاح وضوابط ذلك:
00:30:09 
 واختار بعض العلماء أن من أثنى عليه المسلمون من عباد الله الأخيار خيرًا، فهو من أهل الجنة، إذا استفاضت الشهادة له بالخير، فهو في الجنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة شهدنا له بالجنة، وأما من لم يشهد له بالجنة، فقد قال طائفة من أهل العلم: لا يشهد له بالجنة، ولا نشهد أن الله يحبه، وقال طائفة: بل من استفاض من بين الناس إيمانه وتقواه، واتفق المسلمون على الثناء عليه؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وسفيان الثوري، وأبا حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والفضيل بن عياض، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، وعبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنهم، وغيرهم؛ شهدنا له بالجنة؛ لأن في الصحيح". [مجموع الفتاوى: 11/518].
وذكر الحديث:  وجبت وجبت ، هذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي يستفيض بين الناس إيمانه وتقواه، ويتفق المسلمون في الثناء عليه، ويشهد له أهل العلم والإيمان بالثناء، فعند ذلك نشهد له بالجنة.
والقاعدة العامة؛ كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في فتاواه ومقالاته: "لا تجوز الشهادة لمعين بجنة أو نار، أو نحو ذلك إلا لمن شهد الله له بذلك في كتابه الكريم، أو شهد له رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الذي ذكره أهل العلم من أهل السنة، فمن شهد الله له في كتابه العزيز بالنار؛ كأبي لهب وزوجته، وهكذا من شهد له الرسول بالجنة؛ كأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي، وبقية العشرة رضي الله عنهم، وغيرهم، ممن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة؛ كعبد الله بن سلام، وعكاشة بن محصن رضي الله عنهم، أو بالنار؛ كعمه أبي طالب، وعمرو بن لحي الخزاعي، وغيرهما، ممن شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم بالنار -نعوذ بالله من ذلك- نشهد له بذلك، أما من لم يشهد له الله سبحانه ولا رسوله بجنة ولا نار، فإنا لا  نشهد له بذلك على التعيين". [مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز: 13/ 422]، وهكذا لا نشهد لأحد معين بمغفرة، أو نجزم أنه مغفور له، ما نجزم، ممكن نقول على سبيل الدعاء، أو المغفور له بإذن الله، أو غفر الله له، المرحوم بإذن الله، رحمه الله.
قال الشيخ: "وهكذا لا نشهد لأحد معين بمغفرة أو رحمة إلا بنص من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أهل السنة يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء، ويشهدون لأهل الإيمان عمومًا بالجنة، وللكفار عمومًا بالنار، كما أوضح ذلك سبحانه في كتابه المبين".
يقول الشيخ رحمه الله: وذهب بعض العلم إلى جواز الشهادة بالجنة أو بالنار لمن شهد له عدلان أو أكثر بالخير أو الشر؛ لأحاديث صحيحة وردت في ذلك" انتهى كلامه رحمه الله [ينظر: مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز: 5/ 365- 366].
ما هي الأحاديث التي ورد فيها مثل هذا؟
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: مر بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:  وجبت وجبت وجبت   ومر بجناز فأثني عليها شرًا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم:  وجبت وجبت وجبت  قال عمر رضي الله عنه فدى لك أبي وأمي، مر بجنازة فأثني عليها خير؟ فقلت:  وجبت وجبت وجبت  ومر بجنازة فأثني عليها شر، فقلت:  وجبت وجبت وجبت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض  [رواه البخاري: 1367، ومسلم: 2243، واللفظ له].
قال النووي رحمه الله فيه قولان للعلمان: "أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، فكان ثناؤه مطابقًا لأفعاله، فيكون من أهل الجنة، فإن لم يكن كذلك فليس مرادًا بالحديث.
والثاني: وهو الصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه، أن كل مسلم مات فألهم الله -تعالى- الناس أو معظمهم الثناء عليه، كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا" هذا يدل على حسن معاملاته للناس، وأن سيرته بينهم طيبة "وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله عز وجل الناس الثناء عليه، استدللنا بذلك على أنه سبحانه وتعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء". [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 7/ 19- 20].
وقوله صلى الله عليه وسلم:  وجبت   وأنتم شهداء  لو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، خلاص هذا دخل بأعماله، لكن ثناء الناس له فائدة، وهذا من أهم الأدلة على أهمية أن يكون للإنسان سيرة حسنة بين الناس، أن يكون لهم نافعًا، في حاجاتهم ماشيا.
وقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم له فائدة، فإن قيل: كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في النهي عن سب الأموات؟
فالجواب: أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق، وسائر الكفار، وفي غير المتظاهر بفسق، أو بدعة. [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 7/20]، يعني الذي يعلن الفسق، ويعلن البدعة، والكافر، هذا إذا أثني عليه شرًا عند موته، فهو يستحق ذلك.
طيب إذًا النهي عن سب الأموات من هم الذين لا يسبون؟
أهل الإيمان والدين، الذين إذا مات، أو المستور الذي لا يعلم حاله، أو غير المجاهر بالمعصية، ولا البدعة، طبعًا ولا الكافر، فهؤلاء يمسك عنهم ولا يتكلم عنهم بشيء إذا ماتوا.
النهي عن سب الأموات.
طيب:  أنتم شهداء الله في الأرض  هل هو خاص بالصحابة كما قال بعضهم؛ لأنهم ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم؟
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "والصواب أن ذلك يختص بالثقات المتقين". [فتح الباري: 3/229].
إذًا من هم الذين أثنوا على واحد وجبت وجبت؟ من هم؟
الثقات المتقين، أهل العلم والإيمان، أصحاب الدين.
أما الفسقة والمطبلين والمتلقين والمنافقين، فهؤلاء لو أثنى مليون واحد منهم على شخص إذا مات لا ينفعه ذلك، وقد جاء أيضاً عن النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن: ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أهل أبيات من جيرته الأدنين ؛ لأن هذا أقرب إلى معرفة حقيقته  أنهم لا يعلمون إلا خيرا، إلا قال الله -جل وعلا: (قد قبلت علمكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون  [رواه ابن حبان في صحيحه: 3026، وأبو يعلى في مسنده: 3481، وقال شعيب الأرنؤوط: "حديث صحيح بشواهده"، وقال الألباني: "حسن لغيره"، كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3515].
وأما جانب الشر فظاهر الأحاديث أنها كذلك، يعني إذا أثنوا عليه شرًا، وقد وقع في رواية النضر في حديث أنس:  إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من خير والشر  [رواه الحاكم: 1397، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ"، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 2175]، واستدل به على جواز ذكر المرء بما فيه خير أو شر للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة.
وللبخاري عن أبي الأسود قال: قدمت المدينة وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمرت بهم جنازة، فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر رضي الله عنه: وجبت، ثم مر بأخرى فأثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر رضي الله عنه وجبت، ثم مر بالثالثة فأثني على صاحبها شرًا، فقال: وحبت، فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قلت: كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة ، فقلنا: وثلاثة؟ قال:  وثلاثة ، فقلنا: واثنان؟ قال:  واثنان ، ثم لم نسأله عن الواحد. [رواه البخاري: 2643].
قال العلماء: إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادًا منه أن يكتفى في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب، نصاب الشهادة، قال الداودي وكلام الداودي مهم هنا: "المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق".
أنه لما مات بعض المغنين والفنانين والفسقة مقابلات مع زملائه الفنانين كلهم يثنون عليه، أيش الفائدة؟ أصلاً هم الآن إذا مات النصراني يقولون: المرحوم، مات رينيه رحمه الله؟ رينيه مرة واحدة رحمه الله؟ يعني ما هذه الإطلاقات والأدعية الظالمة؟  إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ  [البقرة: 190].
قال الداودي: "المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة" إذًا الفسقة خارج الموضوع، شهادتهم مطعونة، لا الفسقة؛ لأنه قد يثنون على من يكون مثلهم، "ولا من بينه وبين الميت عداوة؛ لأن شهادة العدو لا تقبل". [فتح الباري: 3/230 - 231].
وفي الحديث: فضيلة هذه الأمة، وإعمال الحكم بالظاهر.
وقال بعض العلماء في شرح:  أنتم شهداء الله في الأرض  أن الذي يقولونه في حق شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحق الجنة من أهل النار بقولهم، وليس العكس، يعني الذي من أهل الجنة يستحق الجنة يبقى من أهل الجنة ولو سبوه، لكن الذي من أهل النار ممكن يدخل الجنة بثناء الناس عليه، إذا كانوا من أهل الدين والصدق والإيمان، الثقات.
ومتى يثني الناس على ميت؟ متى يثني أهل الدين والثقة والإيمان؟ متى يثنون على الميت؟
معناه أنه معروف بينهم بهذا، حتى لو عنده أعمال تخفى عليهم، لكن معناه أن له سيرة طيبة، يحضر مجالس الذكر مثلاً، يحضر المساجد، صلاة الجماعة، يرى في مواسم الخير، كلامه طيب، له أفعال في الخير والصلاح، ولذلك يثنون عليه، ونذكر حديث ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي عن أبيه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يوشك أن تعرفوا أهل الجنة من أهل النار  قالوا: بم ذاك يا رسول الله؟ قال:  بالثناء الحسن، والثناء السيء، أنتم شهداء الله بعضكم على بعض  [رواه ابن ماجه: 4221، وحسنه الألباني: 3400].
قال المناوي: "لم تزل سنة الله جارية في عبيده بإطلاق الألسنة" شوف كلام المناوي، "لم تزول سنة الله جارية في عبيده بإطلاق الألسنة بالثناء والمدح للطيبين الأخيار، وبالثناء والذم للخبيثين الأشرار:  لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ  [الأنفال: 37] في هذه الدار، وينكشف الغطاء بالكلية يوم القرار". [فيض القدير: 2/609].
سبحان الله! هذا واحد من أهل البلد، مات رحمه الله هو ليس معروفًا بالعلم والدعوة، لكنه إنسان صاحب سيرة جميلة بين الناس، وصاحب مفاكهة، ويروح عن المكروب، وعنده تواضع وسؤال عن الحال، واهتمام، وزيارة وحضور مجالس الخير، وصاحب دعابة، حتى يداعب الذي يبيع الأسوكة عند المسجد، هذا العامل المسكين، لما مات مات قريبًا قبل أيام سبحان الله! كل الذين يعرفونه انطلقوا بالثناء عليه بدون دعاية، ولا أحد قال لهم كلامًا، ولا طلب منهم شيئًا! كلهم انطلقوا بالثناء عليه، وجيرانه، وأهل المسجد، وجماعة المسجد، وأهله، فيهم مصاب عظيم، يعني البكاء المر الذي يبكيه بناته يدل على أن هذا الرجل سيرته عنده جميلة، ولذلك تأثروا جدًا بفقده، حتى وقف هذا الخياط اليماني خارج الدكان، يقول: فلان هذا متى يمر علينا؟ خلاص مات؟ ما عد يمر علينا كالعادة بعد الصلاة ويسألنا عن أحوالنا، يعني يحزن عليه القريب والبعيد.
قال الألباني: "واعلم أن مجموع هذه الأحاديث الثلاثة السابقة، يدل على أن الشهادة لا تختص بالصحابة، بل هي أيضا لمن بعدهم من المؤمنين الذين هم على طريقتهم في الإيمان والعلم والصدق، وبهذا جزم الحافظ ابن حجر رحمه الله".
قال الشيخ: "وأما قول بعض الناس عقب صلاة الجنازة: ما تشهدون فيه؟ اشهدوا له بالخير، فيجيبونهم بقوله: صالح، من أهل الخير، أو نحو ذلك، فليس هو المراد بالحديث قطعًا، بل هو بدعة قبيحة؛ لأنه لم يكن من عمل السلف، ولأن الذي يشهدون بذلك لا يعرفون الميت في الغالب، بل قد يشهدون بخلاف ما يعرفون، استجابة لرغبة طالب الشهادة بالخير ظنًا أن ذلك ينفع الميت، وجهلاً منهم بأن الشهادة النافعة إنما هي التي توافق الواقع؛ كما يدل عليه الحديث:  إن لله ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر  [تلخيص أحكام الجنائز، للألباني، ص: 26].
وقد ذكر شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى": أن في المسألة أقوالاً ثلاثة:
الأول: الشهادة بالجنة لمعين لا تجوز عند كثير من العلماء أو أكثرهم لغير من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة.
الثاني: وذهب طائفة من السلف كابن الحنفية وعلي بن المديني إلى أنه لا يشهد بذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم.
الثالث: وقال بعضهم بل من استفاض في المسلمين الثناء عليه شهد له بذلك [فتح الباري: 2/484].
إذًا، هذه هي الخلاصة في موضوع الشهادة، من شهد له من أهل الخير والدين، واستفاض ذلك، واشتهر، فقد أجاز بعض العلماء الشهادة له بالجنة.
وعرفنا أن شهادة الفساق والمجان لا تنفع.
وكذلك فإنه مهما انتشر في وسائل الإعلام الثناء عليه، فلا ينفعه ذلك، ولذلك إذا أخذت على قضية ثناء الكفار والفساق، فهم قد يثنون على مغنية، على ممثلة مثلاً، وعلى من هو معلن بفسقه، فنقول: هذا لو أثنى الملايين عليه، المعلن بالفسق أو الكفر، كما حصل يوم موت ديانا الهالكة، كم أثنوا عليها، وعلى صاحبة القلب الرحيم، وصاحبة أعمال المعروف، وصاحبة.. وصاحبة.. ماذا ينفع ذلك؟
إذَا، قضية الثناء هؤلاء الكفار أو الفساق، أو الذين يحبون الكفار، أو الذين يعجبون بهم، إن هذا الثناء لا قيمة له، مهما انتشر واستفاض، وفي الوسائل المسموعة والمرئية والمقروءة، لا ينفعه ذلك، الذي ينفع ثناء أهل الدين والعلم والإيمان على الميت، أو الميتة، وثناء الجيران لاحظنا من النصوص أن له مكانة خاصة لأسباب، منها: أن الجيران يعرفون عن جارهم ما لا يعرفه الآخرون.
وثانيًا: أنه إذا أثنوا عليه، فمعناه أنه محسن إليهم، والإحسان إلى الجار قد أوصى الله به، وأكد عليه، وكذلك فإن من الفخر الذي ينبغي على الإنسان أن يصل إليه أن يدخل في ضمن الشهداء، يعني أن يكون من أهل الدين والعلم والإيمان، والخير والفضل والعبادة، الذين تقبل شهادتهم؛ لأنه لو عرف أنه يكون ممن يقبل الله شهادته بهذا النص، إذا عرف هذا النص تحمس أن يدخل في سلكهم، ويكون معهم ومنهم.
نسأل الله أن يقينا سوء الخاتمة، وأن يكتب لنا حسن الخاتمة، والله بصير بالعباد.
وصلى الله على نبينا محمد.