الجمعة 8 شوّال 1439 هـ :: 22 يونيو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

15- سكرات الموت وبعض أحوال المحتضرين


عناصر المادة
مخلص الدرس السابق:
تمني الموت عند غلبة الشوق إلى لقاء الله تعالى:
حسن الظن بالله عند حلول الأجل:
المقصود بالرفيق الأعلى:
الموت راحة للمؤمن وراحة من الكافر:
سكرات الموت:
الشك في البعث:
أقوال المفسرين في قوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}:
شرح قوله: }فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} وما بعدها:
شدة نزع أرواح الكفار:
معاناة الرسول صلى الله عليه وسلم من سكرات الموت:
معاناة المؤمن من نزول الموت وشدته:
أصناف الناس الذين تخفف عليهم سكرات الموت:
دواهي الموت:
حضور الشيطان عند الموت:
الخوف السلبي والإيجابي من الموت:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فحديثنا في هذا الدرس بمشيئة الله تعالى عن سكرات الموت، وبعض أحوال المحتضرين، في ضمن هذه السلسلة عن عالم البرزخ.
مخلص الدرس السابق:
00:00:25
 وكنا قد ذكرنا مسألة في الدرس الماضي، ونريد أن تم الكلام عليها قبل الشروع في موضوع هذه الليلة، وكانت تلك المسألة: متى يشرع تمني الموت؟
وكنا قد ذكرنا بأن النهي عن تمني الموت ثابت، وأن هذا حال المؤمن لا يتمنى الموت، فإما أن يكون محسنا فيزاد إحسانا، أو يكون لديه ما يريد أن يستعتب، ويستغفر منه، ويتوب منه، فيتوب.
وهناك أحوال لا بأس عندها من تمني الموت، ومن ذلك: أن يجهل الإنسان هل يحسن إذا بقي أو يسيء، أو يخشى أن يسيء بعد الإحسان، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم:  أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي . [رواه النسائي: 1305، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 2497]، وإذا كان لا بد فاعلا، كما في الرواية الأخرى، فليقول:  اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي  [رواه البخاري: 5671، ومسلم: 6990]، فإن هذا في حال اشتداد الأمر عليه، فإنه يقول هذا.
وقد جاء عن بعض السلف: أنهم تمنوا الموت في حالات مثل: خشية عدم القيام بأمر الرعية؛ كما وقع لعمر رضي الله عنه، أو رغبة في أجر الطاعون، وهو كشهادة لما نزل، وخشية الافتتان بالدنيا، وكثرة العطاء، كما وقع لزينب لما جاءها عطاء عمر، وخوف الفتنة في الدين بسبب كثرة الخلاف، وعدم القدرة، أو الضعف عن القيام بالحق.
وممن خشي على نفسه الفتنة، فأراد أن ينزل به الموت قبل أن يفتتن عبد الله بن سعد بن أبي السرح لما هرب منها، واعتزل، وخشي أن تهلكه، والخوف من فتنة المنصب، كما وقع لعلي بن نصر الجهضمي لما عرض عليه القضاء، وألزم به، والخوف من فتنة المنصب، يشمل كذلك الإمارة، وبعضهم قد دعا ربه أن يقبضه قبل أن يدخل فيها.
وربما يكون أحيانا الفرار من الشهرة.
شخص اشتهر فخشي على نفسه من الشهرة، فتمنى الموت؛ حتى لا يفتن بالشهرة.
وأيضًا فإن من الأسباب كذلك: أن يكون الموت الذي يتمناه شهادة في سبيل الله، كما قال عليه الصلاة والسلام:  ولوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا، ثم أقتل  متفق عليه. [رواه البخاري: 36، ومسلم: 4972].
وقال أبو بكر رضي الله عنه في شأن مسيلمة مدعي النبوة: "والله لأقاتلنه بقوم يحبون الموت كما يحب الحياة".
وكتب خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أهل المدائن من الفرس الكفرة: "من خالد بن الوليد إلى مرازبة أهل فارس، سلام على من اتبع الهدى.
أما بعد: فالحمد لله الذي فض خدمكم، وسلب ملككم، ووهن كيدكم، وإن من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم الذي له ما لنا، وعليه ما علينا، أما بعد: فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلا بالرهن، واعتقدوا مني الذمة، وإلا فو الذي لا إله غيره لأبعثن إليكم قوما يحبون الموت، كما تحبون أنتم الحياة، فلما قرأوا جعلوا يتعجبون من جرأت خالد وشجاعته" [البداية والنهاية: 6/378].
فإذا تمني الموت هنا في سبيل الله؛ لنيل أجر الشهادة من هؤلاء الصادقين، وهي التي دعا لأجلها سعد رضي الله عنه فقال لما أصيب أكحله يوم الأحزاب: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئا فأبقني له، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك" فانفجر كلمه، وكان قد برئ  حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص. [رواه أحمد: 25140، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 67].
فلم يبق من جرحه إلا مثل هذه القطعة الصغيرة لي من الحلي فانفجرت، وكان فيها أجله رضي الله عنه.
ويروي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضا: أن عبد الله بن جحش رضي الله عنه قال له يوم أحد: "ألا تأتي ندعو الله، فخلوا بناحية، فدعا سعد فقال: يا رب إذا لقينا القوم غدا فلقني رجلا؟" اجعلني أواجه رجلًا "شديدا بأسه، شديدا حرده" يعني: غضبه، وحنقه على أهل الإسلام، "فأقاتله فيك، ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه". [سير أعلام النبلاء: 1/112].
طبعًا هناك أجر من يقتل كافرا في سبيل الله في المعركة، وهو أنه لا يجتمع كافر وقاتله من المسلمين في النار أبدًا.
هذا فضل من قتل في سبيل، هذه كانت أمنية سعد، لكن ما هي أمنية عبد الله بن جحش؟ فقام عبد الله بن جحش رضي الله عنه فقال: "اللهم ارزقني غدا رجلا شديدا حره، شديدا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني ثم لقيتك غدا، قلت: يا عبد الله! فيما جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك، وفي رسولك، فيقول: صدقت"، قال سعد بن أبي وقاص يروي القصة لولده بعد ذلك، قال: "يا بني كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي، أنا دعوة أن أقتل كافرا صنديدا، هو دعا أن يقتله كافر صنديد في سبيل الله، قال سعد: يا بني! كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي، لقد رأيت بعد النهار، يعني: آخر المعركة، وإن أذنه وأنفه لمعلقان في خيط، يعني قتله الكفار، ومثلوا به، وقطعوا أنفه وأذنه" قال الهيثمي: "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح". [مجمع الزوائد: 9/267، والسنن الكبرى، للبيهقي: 6/501].
وأما البراء بن مالك فكان يتمنى الموت، ويبتغي مضانه في سبيل الله، وقد صبر هو وأصحابه في المواطن في قتال مسيلمة صبرا عظيما حتى نصرهم الله، وقاتلوا أتباع مسيلمة الكذاب حتى ولوا الأدبار، والتجأوا إلى حديقة الموت، وكان قد أشاروا إليهم محكم اليمامة، محكم ابن الطفيل الكافر بدخولها فدخلوها، وفيها عدو الله مسيلمة، وأغلق بنو حنيفة الحديقة عليهم، وأحاطوا بهم الصحابة.
فقال البراء بن مالك رضي الله عنه: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة، فاحتملوه ورفعوه، وضعوه على ترس، ورفعوه بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها، فلم يزل يقاتلهم دون بابها حتى فتحه، ودخل  المسلمون في الحديقة يقتلون فيها من المرتدة من أهل اليمامة حتى خلصوا إلى مسيلمة -لعنه الله-، وإذا هو واقف في ثلمة جدار، كأنه جمل أورق، هائج. وهو يريد يتساند، لا يعقل من الغيظ، وكان إذا اعتراه شيطانه أزبد حتى يخرج الزبد من شدقيه، فتقدم إليه وحشي بن حرب، قاتل حمزة سابقا الذي أسلم، فرماه بحربته فأصابه، وخرجت من الجانب الآخر، وسارع أبو دجانه سماك بن خرشة رضي الله عنه فضربه بالسيف فسقط، فقالت امرأة من القصر وصرخت: وآمير الوضاءة قتله العبد الأسود! [إمتاع الأسماع: 14/531، وقصة قتل وحشي لمسيلمة في البخاري: 4072، ومسند أحمد: 16121].
هذا البراء رضي الله عنه الذي قال عليه الصلاة والسلام له:  إنك لو أقسمت على الله لأبرك  قالوا له، وقد لقوا المشركين: أقسم على ربك يا براء؟ فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم". يعني: نصرتنا عليهم، ثم التقوا على قنطرة السوس، فأوجعوا في المسلمين، بدأ يقتل من المسلمين، فقال له يا براء: أقسم على ربك؟ فقال: أقسمت عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك صلى الله عليه وسلم".[مستدرك الحاكم: 5274].
هذا موضع الشاهد، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا، فهذا وأشباهه من سادات المجاهدين ليس يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، أبدًا، وإنما يبتغون الشهادة في سبيل الله، مضانها، يبتغون القتل في سبيل الله مظانه، ويتنمون ذلك، بل ويدعون به، فليس الدعاء بالقتل في سبيل الله، ليس من تمني الموت المذموم، هذا هو الشاهد.
وقد قال رجل للبراء: "يا أبا عمارة ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، هو الرجل يلقى عدوه فيقاتل حتى يقتل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب، فيقول: لا يغفره الله" هذا ألقى بيده إلى التهلكة، لا هو أطاع، ولا هو استغفر. [رواه الحاكم موقوفا: 3089، وقال: "صحيح على شرطهما"، وقال الألباني: "صحيح لغيره موقوف" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 1624].
فإذًا، متابعة أفهام الصحابة في الحوادث عند الموت، والسلف ماذا كانوا يقولون، أمر من الأهمية بما كان، وهذا المفهوم الذي وضحه أبو أيوب رضي الله عنه، وبين لمن حضر في تلك الموقعة ما معنى إلقاء النفس إلى التهلكة؟
تمني الموت عند غلبة الشوق إلى لقاء الله تعالى:
00:10:07
 من المواضع التي لا بأس بتمني الموت فيها: عند غلبة الشوق إلى لقاء الله -تعالى-، يعمر الإنسان محسنا طائعا، عابدا، زاهدا في الدنيا، ثم يحصل له، يعني الشعور الإحساس بالشوق إلى لقاء الله، أنه يريد أن يلقى الله، مشتاق للقاء الله، فلا بأس أن يتمنى الموت حينئذ شوقا إلى لقاء ربه.
قال سهل بن عبد الله التستري: "لا يتمنى الموت إلا ثلاث: رجل جاهل بما بعد الموت". [شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، ص: 23].
وهذا الذي تقدم ذكره في الدرس الماضي: أن بعض الناس تراه الآن شيء يصيبه من ضر الدنيا يقول: وين الموت بس؟ وين الموت؟ وهذا من جهله لا يدري ألم الموت، ولا بعد الموت، ولا ما يكون مصيره بعده، ولا ما يطلع عليه من الأهوال، ولو عرف أهوال الموت ما دعا به.
فهذا الذي يدعو على سبيل الاستهانة، كأنه يقول: الموت أهون من الذي أنا فيه، وهذا حال كثير من الناس، إذا ابتلوا بمرض أحيانا، مرض شديد، آلالام مبرحة، فقر، ما في وظيفة، بلاء زوجة، أولاد، مشكلة عائلية، تضيق عليه الدنيا، فتنة، حسد، عين، سحر، سبب يقول: بس هات الموت، وين الموت؟ بس لو فيه موت يباع لاشتريناه؟
هذا إنسان في الحقيقة جاهل، هذا لا يعرف ما في الموت، ولا ما بعد الموت، لو عرفه ما سأل بهذه الطريقة، يظن يعين أن الموت أسهل من السرطان، يظن أن الموت أسهل من السحر، يظن أن الموت أسهل من الفقر، يظن أن الموت أسهل من الديون، معاناة الديون، الموت شديد.
قال: "لا يتمنى الموت إلا ثلاث" وذكر منهم سهل بن عبد الله التستري: "رجل جاهل بما بعد الموت، أو مشتاق محب للقاء الله عز وجل". [شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، ص: 23]، فرق بين هذا وهذا.
ومن ذلك قول أبي الدرداء رضي الله عنه: "أحب الموت اشتياقا إلى رب عز وجل". [الثبات عند الممات، لابن الجوزي، ص: 84].
وقال بعضهم: إذا ذكر القدوم على الله عز وجل كنت أشد اشتياقا من الظمآن الشديد ظمأه في اليوم الحار الشديد حره، إلى الماء البارد الشديد.
وقد حمل قول يوسف عليه السلام على هذا، يعني: واحد أنجز المهمات العظيمة، وصارت حياته طيبة في سبيل الله، عبادات وابتلاءات، وصبر، ثم في آخر عمره اشتاق للقاء الله، حمله على هذا قول يوسف عليه السلام: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ  [يوسف: 101].
فهذا حال نبي، كريم، تربى على يد أبيه النبي، وقاسى، وعانى، وفي الكيد، والحسد، والجب، والسجن، والفتنة، وصبر، وعلى الشهوة، وعلى المصيبة، وعلى الواجب، وعن الحرام، وعلى الأقدار، ثم ولي، وعبد الله في الرخاء كما عبده في الشدة، وعدل، وطبق العدل ونشره، ووصل عدله إلى القريب والبعيد، واجتمع بأهله، وتممت النعمة، بعد هذا العمر الحافل اشتاق للقاء الله.
قال ابن عباس: "اشتاق إلى لقاء ربه، وأحبَّ أن يلحق به وبآبائه، فدعا الله أن يتوفَّاه ويُلْحِقه بهم:  تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ  [يوسف: 101]، ولم يسأل نبيّ قطّ الموتَ غير يوسف" [جامع البيان في تأويل القرآن: 16/279] يعني: في القرآن، فيما قصه الله علينا.
وعن قتادة قال: "لما جمع ليوسف شمله، وتكاملت عليه النعم، سأل لقاء ربّه".
وعن مجاهد: أن يوسف النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع بينه وبين أبيه وإخوته، وهو يومئذ ملك مصر، اشتاق إلى الله وإلى آبائه الصالحين؛ إبراهيم وإسحاق"[جامع البيان في تأويل القرآن: 16/ 280].
وقيل: إنه لم يتمن الموت، وإنما سأل الله أن يتوفاه على الإسلام إذا حضر أجله.
قال القرطبي: وهذا قول الجمهور [الجامع لأحكام القرآن: 9/269].
وكانت حال النبي صلى الله عليه وسلم لما خير بين البقاء في الدنيا، وبين الرحيل عنها، اختار الرحيل، شوقا إلى لقاء الله سبحانه وتعالى.
حسن الظن بالله عند حلول الأجل:
00:14:24
 ومن الأحوال في تمنى الموت: ما يكون من حسن الظن بالله عند حلول الأجل، قالت عائشة -رضي الله عنها-: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير، فلما نزل به  يعني: الموت "ورأسه على فخذي، غشي عليه، ثم أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال:  اللهم الرفيق الأعلى  فقلت: إذا لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا، فكانت آخر كلمة تكلم بها:  اللهم الرفيق الأعلى  [رواه البخاري: 4463].
خير هل يبقى في الدنيا؟ أو يلتحق بالرفيق الأعلى؟ فاختار الرفيق الأعلى.
المقصود بالرفيق الأعلى:
00:15:010
 وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا  [النساء: 69].
هؤلاء هم الرفيق الأعلى: النبيون، والصديقون، والشهداء، والصالحون، وحسن أولئك رفيقًا، هؤلاء الرفيق الأعلى؛ لأن الله -عز وجل- جعلهم في تلك المنزلة في العلو.
ما في نبي إلا يخير عند الموت، هل يبقى أو يرحل؟
فاختار النبي صلى الله عليه وسلم الرحيل، ولذلك قال العلماء في مسألة حسن الظن: إن الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحًا، يخاف، يغلب الخوف، حتى يعتدل ويتوب، فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل.
وأيضا قال الحسن رحمه الله: "لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم بلقاء الله، وبكل ما أحبوه من تحفة وكرامة، حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك، لما قد مثل له" [لطائف المعارف، ص: 108]. مما يراه، مثلت له أنواع النعيم.
وكان بعض السلف جالسا يكتب المصحف، فجأة وضع القلم من يده، وقال: إن كان موتكم هكذا، فو الله إنه لموت طيب، وسقط ميتًا. [جامع العلوم والحكم: 3/1104].
فالله أعلم بما رآه، يعني: نزل به الموت، فرأى شيئا، فقال هذه العبارة، قال: "إن كان موتكم هكذا، فو الله إنه لموت طيب"، وسقط ميتًا.
ولما نزل الموت بحذيفة رضي الله عنه قال: "حبيب جاء على فاقة". [إحياء علوم الدين: 4/330]. كانت الفتن، والواحد بعد المشوار هذا الطويل في العلم، والجهاد، والدعوة، والصبر، والصدقات، والعبادات، يعني: يتمنى الآن أن يرحل من الدنيا على خير، يتمنى أن يمشي، أن يرحل، وهو على ثبات، هذه نفسيات واحد ممكن يتمنى الموت في هذه الحالة، خصوصا لما يكون هناك فتن هو مستقيم ثابت ويخشى على نفسه.
وقد حصل أن واحدًا من الصحابة تمنى الموت لدعوة نبوية دعا بها النبي عليه الصلاة والسلام لأحد الأموات، فروى مسلم رحمه الله عن عوف بن مالك قال: "سمعت رسول الله صلى الله وسلم صلى على جنازة، فقال:  اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر أو من عذاب النار  قال عوف، وهو من المصلين صلاة الجنازة: فتمنيت أن لو كنت الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك الميت، وهذه -طبعًا- حالة خاصة. [رواه مسلم: 2276].
تنبيه:
يوجد كتاب، ورسالة بعنوان: "أحكام تمنى الموت" مكتوب عليها: أنها من مؤلفات الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وهذه الرسالة لم ينسب إليها تلاميذه، ولا من ترجموا له، بل أسلوبها يخالف أسلوب الشيخ، بل منهجها، وهذا هو الأصل في التنبيه مناقض لمنهج الشيخ، ففيها إثبات لأشياء غريبة بأحاديث ضعيفة واهية، وفيها القول بمشروعية التلقين، وقراءة القرآن على الأموات، وغير ذلك مما لا يفتي به الشيخ، ولا اشتهر عنه.
طار بعضهم بنسبتها إلى الشيخ، وقد رد ذلك الشيخ صالح الفوزان، بثمانية أدلة فيها غنية وكفاية على تزيف نسبة هذه الرسالة للشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-، وأنه لا تصح نسبتها إليه.
الموت راحة للمؤمن وراحة من الكافر:
00:19:10
 من الذي يرتاح من الكافر؟
قال تعالى عن قوم فرعون: كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ  [الدخان: 25- 28] أغرقهم الله، قال تعالى:  فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ  [الدخان: 29]، ما بكت عليه السماء والأرض لكفرهم:  وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ  ما كانوا مؤخرين، بل الغرق أدركهم، لم يوجد لهم فقد، ما أحد بكى عليهم لما ماتوا، بل العكس، استراحت البلاد والعباد، ما بكى عليهم أهل السماء والأرض.
لكن قال بعض العلماء: إن السماء تبكي، والأرض تبكي، قال مجاهد: "إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن" يعني: لفراقه، قال أبو يحيى: فعجبت من قوله؟ قال: أتعجب، وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه، وتكبيره فيها دوي كدوي النحل؟"
وقال علي وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء". [الجامع لأحكام القرآن: 16/140].
في مكان يصعد فيه عمله، مصعد هذا يبكي عليه من السماء، ومصلاه في الأرض يبكي على فراقه.
وجاء عن ابن عباس:  فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ [الدخان: 29]، وسُئل: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال: نعم إنه ليس أحد، من الخلق إلا له باب في السماء يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، فإذا مات بكى عليه مكانه من الأرض الذي كان يذكر الله فيه ويصلي فيه، وبكى عليه بابه الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه. وأما قوم فرعون، فلم يكن لهم آثار صالحة، ولم يصعد إلى السماء منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض". [جامع البيان في تأويل القرآن: 22/36].
هذا معنى الآية إذًا: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ  [الدخان: 29]، قال عطاء الخرساني: "ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة، وبكت عليه يوم يموت". [الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 13/275].
وليس هذا بمحال؛ فإن الله قادر على إبكاء السموات والأرض، فإذا كانت الجمادات تسبح، فتبكي أيضًا، فالذي يسبح يمكن أن يبكي: وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  [الإسراء: 44]، والله قادر على إنطاق الجماد؛ لأنه قال للسماوات والأرض: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  [فصلت: 11]، فأثبت الكلام لهما، والله على كل شيء قدير.
وأخرج عَبد بن حُمَيد، وَابن جَرِير عن قتادة: "وكنا نحدث أن المؤمن تبكي عليه بقاعه التي كان يصلي فيها من الأرض ومصعد عمله من السماء".
وكذلك قال معاوية بن قرة رضي الله عنه: "إن البقعة التي يصلي عليها المؤمن تبكي عليه إذا مات وبحذائها من السماء، ثم قرأ: فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ  [الدخان: 29]. [الدر المنثور في التفسير بالمأثور: 13/273].
والموت تحفة المؤمن، وقد ورد في هذا حديث، قال الهيثمي عنه: "رجاله ثقات"، كما في مجمع الزوائد: 3/59، رقم: 3896، وحسنه السيوطي في جامع الأحاديث: 11/226، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب: 2044، وقال العراقي: إنه مرسل بسند حسن؛ كما في تخريج أحاديث الإحياء: 4/192، وقال المنذري: "إسناده جيد" كما في [الترغيب والترهيب: 4/172]: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: تحفة المؤمن الموت  [رواه الحاكم: 7900] ما معناه؟
قال ابن الأثير في "النهاية": "أي ما يصيب المؤمن في الدنيا من الأذى، وماله عند الله من الخير الذي لا يصل إليه إلا بالموت". [النهاية في غريب الحديث والأثر: 1/183].
الآن المؤمن يعمل الأعمال الصالحة، ويصبر، هذا له أجر، متى الأجر هذا يأتيه؟ والجائزة متى تأتيه، والتحفة تعطى له؟
عند الموت، قال: ((تحفة المؤمن الموت)).
وقال الشاعر:
قَدْ قُلْتُ إذْ مَدَحُوا الحياة فأسْرَفُوا *** في الموْت ألفُ فَضيلَة لا تُعْرفُ
منها أمانُ عذابه بلِقَائه *** وفِرَاقُ كلّ مُعاشر لا يُنْصِفُ
التحفة، ما يتحف به المؤمن من العطية برًا وإلطافًا؛ لأن الدنيا سجن بالنسبة إليه، ومحنة وبلاءً، ومقاساة، ومدافعة شيطان، ومجاهدات شهوات، والآخرة حياة أبدية، وسعادة سرمدية، ودرجات علية، يكون بالنسبة له الموت تحفة.
ولو لم يكن الموت لم تكن الجنة، ولو لم يكن الموت ما حصل الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ولهذا منَّ الله على المؤمنين بالموت، في الحقيقة؛ لأنه ينقلهم إلى منازل السعادة، فكيف سيسعدون؟ ويسرون وينعمون إذا ما ماتوا؟
قال تعالى:  الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ  [الملك: 2].
-طبعًا- خلق الحياة نعمة، وخلق الموت أيضًا، بل إنه قدم الموت على الحياة: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ  تنبيها على أنه هو الذي يوصل إلى الحياة الحقيقية.
قال أبو داود: "ما من مؤمن إلا والموت خير له، فمن لم يصدق، فإن الله يقول:  وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ  [آل عمران: 198] [تفسير القرآن العظيم: 2/ 193]، الذي عند الله في الآخرة، في الجنة، خير للأبرار مما في الدنيا، خير لهم من الدنيا.
وقال حبان بن الأسود: "الموت جسر يوصل إلى الحبيب". [شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، ص: 23]، والمؤمن كريم على ربه، فإذا قدم عليه أتحفه، ولقاه روحا وريحانا، وأمر له في قبره بكسوة ورياحين، وبرد مضجعه، وآنسه بملائكة كرام إلى أن يلقاه.
فالله عز وجل ودود، لطيف، كريم، رحيم، إذا انتقل عبده المؤمن من الدنيا إليه، وقدم عليه، فما حال المضيف إذا جاءه الضيف؟ إكرام، وبر، وألطاف، وتحف، وهدايا، وجوائز، ومقدمات قبل الوجبة الأساسية.
وهكذا يكون كفنه من الجنة، وحنوط من الجنة، والملائكة تحمله، ويصعد إلى الله، وروح في عليين، وتوسعة في القبر، وعليه يملئ خضرا إلى يوم يبعثون، ويوسع، وينور، وعمله الصالح يؤنسه، ويفتح له باب إلى الجنة يأتيه من روحها، هذه كلها مقدمات، وألطاف وبر من الله تعالى.
ولذلك كان الموت بالنسبة للمؤمن كان تحفة، فهو قبل الموت لا يتمناه في العادة مع الاستثناءات التي ذكرناها، لكن إذا نزل به فرح؛ لأنه يبشر بهذه النعم، ولذلك قال الحسن: "الموت ريحانة المؤمن". [شرح الصدور، ص: 19].
وقال مالك بن مغول: "بلغني أن أول سرور يدخل على المؤمن الموت، لما يرى من كرامة الله وثوابه" [شرح الصدور، ص:21].
وقال سفيان: "الموت راحة العابدين" [شرح الصدور، ص: 25].
وقضية الاستراحة، قد وردت في حديث البخاري ومسلم، عن أبي قتادة بن ربعي الأنصاري: أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة، فقال:  مستريح، ومستراح منه  قالوا: يا رسول الله! ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ قال: العبد المؤمن مستريح من نصب الدنيا، وأذاها إلى رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب  [رواه البخاري: 6512، ومسلم: 2245].
 مستريح، ومستراح منه  هذه الواو للتقسيم، تقسيم العباد إلى مستريح، ومستراح منه، الصحابة سألوه: ما المستريح؟ وما المستراح منه؟ عليه الصلاة والسلام أجابهم، المؤمن يستريح من نصب الدنيا، وأذاها إلى رحمة الله، والفاجر، أو الكافر يستريح منه العباد، والبلاد، حتى الدواب يستريحون منه، لماذا؟
لأن معاصيه سبب منع المطر من السماء، فيتضرر الناس والدواب، معاصيه سبب القحط، معاصيه سبب الشدة، معاصيه سبب نزول العذاب، معاصيه سبب محق البركة، الأرض تشتكي منه، أهله يشتكون منه، الناس يشتكون من أذاه، جيرانه يشتكون من بوائقه، حتى هو سخط، وعذاب على الدواب، وربما لا يرحم دابة، ويحملها ما لا تحتمل، فيرتاح منه كل هؤلاء، وإذا كان له ولاية وسلطة يظلم، ظالم، فالناس يرتاحون منه.
إذا مات ارتاح الناس والرعية، ولو الآن مات مدير ظالم في شركة، ارتاج الموظفون، ولو مات مدير ظالم في مدرسة ارتاح المدرسون والطلاب، ولذلك فعلا هو الفاجر هذا والكافر مستراح منه إذا مات.
وإذا كان الابن العاق يذيق والديه ألوان العذاب النفسي والبدني، إذا مات الابن العاق ارتاح  الوالدان، وهكذا..
فالموتى قسمان: مستريح، ومستراح منه، المؤمن يرتاح من نصب الدنيا، كان في مجاهدة شهوات، كان في مراغمة الأعداء، كان في مدافعة الشيطان، كان في مجاهدة قرناء السوء، والمغريات والفتن التي في الدنيا، والأشياء المالية المحرمة، لها إغراءات، كلها ضغوط نفسية.
وأيضا العبادات تتشقق الأقدام من طول قيام الليل، ويتعب من الصيام، الموت راحة، راحة العابدين، استراحة العباد المؤمنين.
سكرات الموت:
00:28:44
 وبعد هذا: ننتقل أيها الإخوة والأخوات إلى سكرات الموت، قال الله تعالى: وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ  [ق: 19].
ما هي السكرة؟
الشدة الذاهبة بالعقل، السكر كما قال الراغب: حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما تستعمل في الشراب المسكر، ويطلق، يعني: السكر في الغضب، فيقال: أسكره الغضب، والعشق، أسكره العشق، والألم والنعاس، والغشي الناشئ عن الألم؛ قال: وهو المراد هنا، يعني: سكرات الموت، الغشي الناشئ عن الألم؛ لأن سحب الروح؛ نزول الموت في شده، ووطئه، وألم.
هذه الشدة، والوطئه، والألم عند نزع الروح، وعند نزول الموت، هذه تجعل الواحد في سكرة، تذهب بعقله، يغيب:   وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ  [ق: 19].
بماذا جاءت سكرة الموت؟ بأي شيء جاءت سكرة الموت؟ جاءت بالحق الذي لا محيد عنه، الانتقال من هذه الحياة لا بد، الرحيل الرحيل، كشفت اليقين عن اليقين الذي كان يمتري فيه، ويشك أهل الريب، الكفر، يقولون: مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا  [الجاثية: 24]، و زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا  [التغابن:  7] جاءت سكرة الموت بالحق، ومن كان يشك في البعث الآن لا يشك أبدًا.
الذي كان عنده شك ببعث الله العباد لما نزل به الموت رأى اليقين.
الشك في البعث:
00:30:21
 وهذه المسألة -يا إخوان-، مسألة الشك في البعث، لقد عانى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من أذى الكفار فيها كثيرًا، العرب كانوا ينكرون هذا، كانوا ينكرون البعث بعد الموت، يأتي واحد بعظم قد يبس، رميم، متهالك، يفته أما المسلم، أما الصحابي يقول: يزعم ربك بأنه يبعث هذا؟ ينكرون البعث.
وبعض المذاهب الوجودية والإلحادية هكذا كانوا يقولون: إن الأرواح تتناسخ، والروح تطلع وتدخل في شيء ثاني في جسد آخر، وأرواح  تطلع وتدخل، وهكذا دورات.
ومنهم من يقول: هذه الدنيا كلها تعاد بعد ستة وثلاثين ألف سنة، وكل شيء يعود، وآدم مرة ثانية، وهكذا ينكرون البعث، ينكرونه.
والملاحدة من الأدباء العرب، الذين يسمون بأدباء الحداثة، كثير من أشعارهم طافحة بإنكار البعث، وعند الكفار طبعا مذاهب الوجودية وغيرها ينكرون البعث، وإذا سألت كثرا من هؤلاء الكفار: ماذا بعد الموت؟ لا يدري.
ولو قلت له: هل تؤمن بالبعث بعد الموت؟ يقول: ربما.
بل إن شاب مسلم هداه الله للحق، وصار يعبد الله، ومجتهد في الطاعات، ابتلى بأب، يعني عباراته عبارات الكفر، الأب هذا ما ضربه، ولا أذاه، لكن انظروا ماذا قال له؟
قال: يا ابني أنا ما أبغاك تتعب نفسك كثير، لا تقس على نفسك كثيرا بالعبادة الثانية، لأنه يمكن يطلع ما في شيء، يمكن يطلع ما في شيء، يعني تتعب نفسك على الفاضي، واحد يقول لابنه هذا الكلام.
أقوال المفسرين في قوله: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ}:
00:31:55
  وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ  [القيامة: 27]،  رَاقٍ  يرقي، أو  رَاقٍ  يصعد، رقى يرقي، أو رقى يرقى، هل هو من الرقي الصعود، وإلا من الرقية؟
قولان للمفسرين، هل راق يرقي وطبيب يداوي؟ التمسوا له الأطباء:  وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ، ابحثوا عن الطبيب، أين الأطباء؟ وأين الرقاة؟ ومن يرقيه من الموت؟ فهذا الكلام أهله:  مَنْ رَاقٍ ، وقيل: من قبل أهله، أو هو من كلام الملائكة: وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ  يصعد بها، ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب.
قولان إذًا للعلماء، مَنْ رَاقٍ  من الرقية، و  مَنْ رَاقٍ  من الرقي وهو الصعود، فهو من كلام أهل الميت على القول الأول، ومن كلام الملائكة من القول الثاني.
 وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ  [القيامة: 28]، "ظن" هنا بمعنى: أيقن:  إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ  [الحاقة: 20]، يعني: أيقنت، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ [البقرة: 46] يوقنون.
والظن قد يأتي بمعنى: الشك، وهذا حال آخر.
فاستيقن فراق الدنيا، وفراق الأهل والولد، والمال، وظن واعتقد عند نزول الموت أنه الفراق:  وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ  [القيامة: 29]، قيل: شدة الدنيا وشدة الآخرة.
وقيل: ساق الميت بالساق الأخرى. رأيت ميتًا وقد اشتبكت ساقاه هكذا، عند الأقدمين، هكذا،  وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ  [القيامة: 29].
وقيل: أهل الدنيا يجهزون الجسد، وأهل الآخرة يجهزون الروح.
وقيل: عمل الدنيا بعمل الآخرة.
وقيل: الساقان إذا لفتا في الكفن.
فهذه أقوال المفسرين في قوله تعالى: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ  [القيامة: 29].
والعرب تطلق على الشدة والهول، تطلق على ذلك شمر عن ساقه.
 وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ  [القيامة: 29- 30]، فالذهاب والرحيل الآن إلى الله سبحانه وتعالى، واجتمعت الشدائد، وعظم الأمر، وصعب الكرب، والمساق إلى الله لابد، والرحيل إليه عز وجل
شرح قوله: }فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ} وما بعدها:
00:34:20
 وقال سبحانه أيضًا في الآيات الأخرى عن الاحتضار: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لّا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  [الواقعة: 83 - 87] تحدي،  بَلَغَتِ  يعني: الروح، لم يذكرها في الآية، لكن مفهوم من السياق: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ  الروح، والحلقوم مجرى النفس.
في جانب الرقبة الأسفل مجريان: مجرى للنفس، ومجرى للطعام، فمجرى النفس يسمى: الحلقوم، وإذا قطع يموت الإنسان.
فإذا صعدت الروح من أسفل الجسد لتبلغ أعلاه تمر بالحلقوم، وهي خارجة، وحينئذ يعلم أن العلائق قد انقطعت بالدنيا، وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ  إلى الميت، وما يعانيه من المشاق والسكرات، لا تستطيعون أن تفعلوا شيئًا، وأنتم أيها الأطباء محيطون به، تنظرون إليه لا تملكون له شيئًا:  وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ  بملائكتنا، أقرب إلى هذا الميت، وَنَحْنُ  يطلقها، وتطلق على الرجل العظيم، وعلى الرجل الذي معه أعوان وجنود.
 وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ، ملائكتنا أقرب إليه منكم؛ لأنهم حضروا لقبض روحه، فلولا إذا بلغت الحلق، وحان الاحتضار:  وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ *وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ  .
قال ابن كثير رحمه الله:  فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ  [الواقعة: 83]، أي: الروح  الْحُلْقُومَ ، أي: الحلق، وذلك حين الاحتضار؛ كمال قال تعالى:  كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ *وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ *وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ، ولهذا قال هاهنا: وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ  أي: إلى المحتضر، وما يكابده من سكرات الموت.  وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ  أي: بملائكتنا  وَلَكِن لّا تُبْصِرُونَ  لا ترونهم؛ كما قال الله عز وجل في الآيات الأخرى:  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ  [الأنعام: 61- 62].
فإذًا، التحدي:  فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا  ترجعون الروح إلى مكانها الأول، وإلى مقرها وهو الجسد، لولا إن كنتم غير محاسبين: تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ، إذا كنتم غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون، فردوا هذه النفس، هذا معنى ورد عن الحسن وسعيد بن جبير. [تفسير القرآن العظيم: 7/547- 548].
 فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ، لو كنتم تظنون أنكم لا تحاسبون، فردوا النفس، ردوها بعدما خرجت.
ولما اشتكى أبو بكرة رضي الله عنه عرض عليه بنوه أن يأتوه بطبيب فأبى، فلما نزل به الموت، قال: أين طبيبكم ليردها إن كان صادقا؟ فجاءت ابنته أمة الله فلما رأت ما به بكت، فقال: أي بنية لا تبكي، فقالت: يا أبتاه إن لم أبك عليك فعلى من أبكي؟ قال: لا تبكِ فو الذي نفسي بيده ما في الأرض نفس أحب إلي من أن تكون خرجت من نفسي هذه، ثم أقبل على حمران، يعني مولى عثمان، قال: ألا أخبرك مما ذاك؟ خشيت والله أنه يوشك أن يجيء أمر يحول بيني وبين الإسلام [المحتضرين، لابن أبي الدنيا، والثبات عند الممات، لابن الجوزي، ص: 131]، يعني: الحمد لله أن جاءت ميتتي وأنا على الإسلام. ويا لها من ساعة لا تشملها ساعة، يألم بها أهل التقى، فكيف بأهل الإضاعة؟
فروح وريحان لأهل الإيمان، وغضب وحميم ويحموم لأهل الكفر والعصيان.
 وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ  [الواقعة: 90- 91]، تبشره الملائكة بذلك تقول: لا بأس عليك، سلام عليك، أنت في سلامة، أنت من أصحاب اليمين، سلمت من عذاب الله، تسلم عليه.
وأما شدة السكرات، فإن الله تعالى لما قال:  وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ  [الأنفال: 50].
شدة نزع أرواح الكفار:
00:39:34
 إن هذا النزع الشديد الذي يكون فيه هؤلاء الكفار، وما يحصل لأرواحهم في أبدانهم، وطريقة إخراجها من أجسادهم، والضرب الذي يكون، والتهديد والوعيد، والتبشير بالعذاب، والملائكة، ملائكة العذاب في منظرها المفضع، الشديد، الهول، هؤلاء الضرب يأتيهم من الأمام ومن الخلف:  يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ .
ونفوسهم مستعصية، ولكنهم لا بد أن يخرجوها: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ  [محمد: 27]، بالعنف، والقهر، والضرب، والذل.
معاناة الرسول صلى الله عليه وسلم من سكرات الموت:
00:40:25
 هذه السكرات قد قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا الله إن للموت سكرات  [رواه البخاري: 6510].
وذلك في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول:  لا إله إلا الله إن للموت سكرات  ثم نصب يده، فجعل يقول:  في الرفيق الأعلى حتى قبض، ومالت يده. [رواه البخاري: 6510].
وروى أحمد والترمذي وابن ماجة عن عائشة -رضي الله عنها- قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول:  اللهم أعني على غمرات الموت، أو سكرات الموت  [رواه الترمذي: 978، وابن ماجه: 1623، وأحمد: 24401، قال الحافظ: سنده حسن].
إذًا يدخل يديه في الماء، ويمسح وجهه، ويقول: لا إله إلا الله إن للموت سكرات ، وفي الرواية الأخرى: اللهم أعني على سكرات الموت  فلماذا كان يمسح وجهه بيديه عند نزول الموت؟
قال الشراح: دفعا لحرارة الموت، أو دفعا للغشيان والكرب الذي يكون عند نزول الموت؛ لأننا قلنا إن للموت سكرات، وفي غشي، يغشى على الإنسان من هوله، فلعله كان يمسح وجهه بيده الشريفة؛ لكي يدفع هذا الغشي، ويقول: اللهم أعني على غمرات الموت  وفي رواية:  سكرات الموت  يعني شدائده.
 سكرات الموت  ما يكون عند الموت من الشدة والألم.
معاناة المؤمن من نزول الموت وشدته:
00:42:19
 الآن نقف هنا وقفة مهمة: هل المؤمن يعاني من نزول الموت؟ هل يشتد الموت على المؤمن؟ هل له وطأة عليه أم لا؟
بلا شك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عانى من سكرات الموت، بلا شك أنها كانت شديدة عليه، قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث: أن شدة الموت لا تدل على نقص في المرتبة، بل هي للمؤمن إما زيادة في حسناته، وإما تكفير عن سيئاته"[فتح الباري: 11/363].
ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: "ما أغبط أحداً بهون موت، بعد الذي رأيته من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم". [سنن الترمذي: 3/309، رقم: 309].
يعني: تقول: لو أني رأيت ميتته سهلة لا أغبطه على ذلك؛ لأن أفضل الخلق، وأعظم الخلق، النبي عليه الصلاة والسلام عانى عند نزول الموت، عانى الشدائد عند نزول الموت: فلا أكره شدة الموت لأحد، ولا أغبط أحدا يموت من غير شدة، هذا معنى كلام عائشة رضي الله عنها.
إذًا، الشدة التي يعاني منها المحتضر؟ إن كان مؤمنًا هذا خير له، رفع درجات، زيادة في حسنات، تكفير سيئات، وهذا لا يتنافى مع كون روحه تخرج كما تخرج القطرة من في السقا بسهولة؛ لأن الشدة هذه يمكن أن تتبعها هذه الراحة، فيكون أول نزوله شدة، ووطأة وثقل، خير للمؤمن، ثم يعقبها راحة تامة عند خروج الروح.
ولذلك قد يصفون لك أمواتاً بأن يقول: خنق، خنق، خنق، ووجه أسود، ثم انبسط، وارتاح، وابيض الوجه، وارتخى، وصار لونه مشرقا منيرا، معناها: تعرض لشدة في أول نزول الموت، هذه لمصلحته، وفدته، وابتلاء من الله، وتكفير سيئات، ثم جاءت الراحة بالفرج بعدها.
أما الكافر تأتيه الشدة، ثم تتصاعد، تتصاعد، تتصاعد، ولا يهون الأمر عليه أبدًا، ولا يرتاح، بينما المؤمن ممكن يشتد عليه في أول النزول، ثم يأتي الفرج والراحة، وتخرج روحه وهو يحمد الله، ويشرق لونه، ويهلل، كما قال عليه الصلاة والسلام:  لا إله إلا الله .
ولذلك روي؛ لأن هذا الحديث فيه ضعف، أنه عليه الصلاة والسلام دخل على عائشة وعندها حميم لها يخنقه الموت، قال:  لا تبتئسي على حميمك، فإن ذلك من حسناته  [رواه ابن ماجه: 1451، وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه: 1441] يعني: هذا نذكره فقط من الشواهد.
أصناف الناس الذين تخفف عليهم سكرات الموت:
00:45:45
 هناك ناس يخفف عليهم، ومن هؤلاء: الشهيد، فروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة  [رواه الترمذي: 1668، وابن ماجه: 2802، وأحمد: 7940، وهو حديث صحيح، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 960].
وفي رواية:  ما يجد الشهيد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من ألم القرصة  [رواه الدارمي: 2452، ].
والقرصة معروفة: أخذك لحم الإنسان بأصبعيك حتى تؤلمه، قرصة ناموس، قرصة نملة، لا يجد:  ما يجد الشهيد من ألم القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة ؛ لأن الشدة التي لقيها تحت ظلال السيوف تكفي، فعوضه الله بأن جعل ألم القتل مثل مس القرصة، مع أن الواحد ربما يتخيل، يعني: أن هذا الذي قتل في سبيل الله، وبقر بطنه، وأنه قطع رأسه، وأنه تحول إلى أشلاء، أن هذا الآن عانى، وأنه في شدائد والآلام، ولكنها مثل مس القرصة، يقينا، كهذا جاء الخبر.
سبب شدة الموت وسكراته:
ما هو سبب شدة الموت؟ ما هو سبب ثقل هذه السكرات؟
قال بعض العلماء: اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب، ولا هول، ولا عذاب، سوى سكرات الموت بمجردها، لكان جديرا بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوه وغفلته، ويطول فكره، ويعظم استعداده للموت. كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك.
قال: والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات، وأطيب مجالس اللهو، فانتظر أن يدخل عليه جندي يضربه خمس خشبات، لتكدرت عليه لذته، وفسد عليه عيشه. [إحياء علوم الدين: 4/461].
فلو قيل لك الآن: أنت في حفلة، وعندك أطايب الطعام، والشراب، والتنعمات، لكن بعد قليل سيدخل عليك جندي يضربك بخشبة خمس مرات، هذا يكفي أن ينغص عليك كل الحفلة، قال: فكيف بهذا العبد الذي ينسى، ينسى، في هذه الدنيا اللهو واللعب، ينسى السكرات، أصلا لو فكر فيها لنغصت عليه عيشه.
قال: "وهو في كل نفس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت؛ بسكرات النزع وهو عنه غافل، فما لهذا سبب إلا الجهل والغرور. واعلم أن شد الألم في سكرات الموت لا يعرفها في الحقيقة إلا من ذاقها، وإذا أصاب البدن جرح أو حريق، فإن الذي يشعر بالألم هو الروح، وألم النزع يهجم على نفس الروح. فإن الروح هي التي تنتزع من كل عرق من العروق، وعصب من الأعصاب، وجزء من الأجزاء، فلا تسأل عن كربه حتى قالو: إن الموت لأشد من ضرب بالسيف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض؛ لأن قطع البدن بالسيف، إنما يؤلم لتعلقه بالروح، فكيف إذا كان المباشر هو الروح نفسها؟ وإنما يستغيث المضروب ويصيح، لبقاء قوة تمكنه من الصياح، ولكن المحتضر ينحبس صوته، وينقطع صياحه، مع شدة ألمه؛ لأن الكرب بلغ فيه حدا أنهكه تماما، حتى ليس عنده قوة ليصرخ من شدة سكرات الموت. [إحياء علوم الدين: 4/461- 462].
فالعقل قد غشيه ما غشيه، واللسان قد أبكمه ما أبكمه، والأطراف قد أضعفها ما أضعفها، ويود لو قدر على الاستراحة ولو بالأنين، والصياح والاستغاثة، لكنه لا يقدر على ذلك.
قال شداد بن أوس: الموت أفضع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن، وهو أشد من غلي في القدور، ولو أن الميت نشر، واحد قام من القبر، فأخبر أهل الدنيا بالموت، ما انتفعوا بعيش، ولا لذوا بنوم.
وقال زيد بن أسلم عن أبيه: إذا بقي على المؤمن شيء من درجاته لم يبلغها، درجة في الجنة لم يبلغها بعمله، شدد عليه الموت؛ ليبلغ بسكرات الموت وكربه، درجته في الجنة.
وكان بعضهم يسأل المرضى: كيف تجدون الموت؟ فلما مرض قيل له: فأنت كيف تجده؟ هو الآن حضر في الاحتضار، قال: كأن السماء قد انطبقت على الأرض، وكأني أتنفس من خرم إبره، يعني قيل: إن بعض المحتضرين بقي معه شيء من العقل يتمكن أن يتكلم عما يعاني. قلة جدًا يعني، أن بعضهم بقي عنده شيء من القدرة على الوصف، يصف يعني ولو إلى مرحلة معينة، أول النزول، قال: فسئل: كيف تجده؟ قال: أجد أن السماء قد انطبقت على الأرض، وأني أتنفس من خرم إبرة.
وقال عمر لكعب الأحبار: يا كعب حدثنا عن الموت؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل، وأخذت كل شوكة بعرق أو عصب، ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ منه ما أخذ، وأبقى ما أبقى [ينظر: إحياء علوم الدين: 4/463].
ودخل الحسن على رجل يجود بنفسه، فقال: إن أمرا هذا أوله لجدير أن يتقى آخره، وإن أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد أوله [ينظر: إحياء علوم الدين: 4/482] يعني يقول:  الموت إذا هذا أوله، جدير أن يتقى ما بعده، والدنيا إذا هذه آخرتها جديرة أن يزهد بها، يزهد فيها.
قالت أم الدرداء: لما احتضر أبو الدرداء جعل يقول: من يعمل لمثل يوم هذا؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ [الثبات عند الممات، لابن الجوزي، ص: 129].
وعمر بن العاص لما حضرته الوفاة قال له ابنه عبد الله، عبد الله بن عمرو بن العاص: يا أبتاه إنك قد كنت تقول لنا: ليتني كنت ألقى رجلا عاقلا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل؟
يعني: الآن أنت نزل بك الموت وأنت عاقل، فصف لي الموت؟ قال: والله يا بني لكأني جنبي في تخت، وعاء تصان فيه الثياب، وكأني أتنفس من سم إبرة، ثقب إبرة، وكأن غصن الشوك يجر به من قدمي إلى هامتي.
ثم قال: ليتني كنت قبل ما بدى لي في قلال الجبال أرعى الوعول، والله ليتني كنت حيضا أعركتني الإماء بدريب الإذخر [التذكرة، ص: 20، والمحتضرين، لابن أبي الدنيا].
الإذخر، تأخذه المرأة التي أصاب ثوبها الحيض، تحك به دم الحيض، يعني: يطهر، وينظف ويطيب الرائحة، قال: ليتني كنت حيضًا أعركتني الإماء بدريب الإذخر.
ومرض سفيان فوضع خده بالأرض، وقال: يا عبد الرحمن ما أشد الموت.
وقال سفيان: ما من موطن من المواطن أشد علي من سكرة الموت أخاف أن يشدد علي فأسأل التخفيف فلا يجاب، فأفتتن. [صفة الصفوة، لابن الجوزي: 3/ 148].
هذا حال أولياء الله، فكيف بالعصاة؟
دواهي الموت:
00:53:39
 ودواهي الموت ثلاثة:
1- شدة النزع.
2- مشاهدة صورة ملك الموت، والروعة التي تكون منه. ومشاهدة الملكين الحافظين. [إحياء علوم الدين: 4/ 463- 464].
قال وهيب: بلغنا أنه ما من ميت يموت حتى يتراء له ملاكه الكاتبان، يكتبان عمله، فإن كان مطيعا قالا له: جزاك الله عنا خيرا، فرب مجلس صدق أجلستنا، وعمل صالح أحضرتنا.
ملكان يكتبان أعماله يشكرانه على المجالس الخير التي أجلسهم فيها، والأماكن الطيبة التي ذهب بهم معهم، وهما يلازمانه، أحضرتنا مجالس ذكر، أحضرتنا مع أخيار.
والفاجر العاصي، يقولان له: لا جزاك الله عنا خيرا، فرب مجلس سوء أجلستنا، وعمل غير صالح أحضرتنا، وكلام قبيح أسمعتنا، فلا جزاك الله عنا خيرا. [إحياء علوم الدين: 4/464].
حضور الشيطان عند الموت:
00:54:42
 هل يحضر الشيطان عند الموت؟
نعم، آخر فرصة للشيطان للإغواء هنا، فهو يحضرها للمحاولة الأخيرة، فيزيد أهل الشر شرا، ويحاول بأهل الخير إلى آخر لحظة أن يغويهم في ذلك الموقف.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه  [رواه مسلم: 5423].
ويأتيه في اللحظات الحرجة، وربما مثل له صورًا وأشخاصًا يعرفهم كأبيه، وأمه، وربما دعاه إلى اليهودية والنصرانية عند الموت، قال القرطبي: سمعت شيخنا الإمام أبا العباس أحمد بن عمر يقول: حضرت أخا شيخنا أبي جعفر أحمد بن محمد القرطبي بقرطبة، وقد احتضر، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فكان يقول: لا .. لا، فلما أفاق من غشيته، ذكرنا ذلك له، قال: أتاني شيطانان عن يميني، وعن شمالي، يقول أحدهما: مت يهوديا فإنه خير الأديان، والآخر يقول: مت نصرانيا، فإنه خير الأديان، فكنت أقول لهما: لا.. لا. [التذكرة، ص: 38].
وهذا ليس لازما لكل أحد كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، يعني: ليس لازما أن يحدث حضور الشيطان، أو أن يمثل له صورا تأمره بالكفر، أو يموت أن يموت على اليهودية، أو النصرانية، لكن يحصل، منهم من يعرض عليه، ومنهم من لا يعرض عليه.
وقد وقع ذلك لأقوام، شيخ الإسلام ابن تيمة يقول بالاستقراء: وقع ذلك لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ بها في صلاتنا. [مجموع الفتاوى: 4/255].
إيش نقول في آخر الصلاة؟
 وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات  [رواه البخاري: 6367، 1353].
 فتنة المحيا  فتنة النساء، وفتنة الأموال، وفتنة...
 وفتنة الممات ما يمكن أن يعرضه الشيطان على المحتضر من عروض، بأي طريقة ليموت على غير الإسلام.
لأن هذا العلم والإيمان، والطاعات والعبادات، أثرها هناك، هناك عند الموت، فيثبت الله الذي آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
قال: والشيطان أحرص ما يكون على إغواء الإنسان وقت موته؛ لأنه وقت الحاجة، واستدل شيخ الإسلام بحديث: الأعمال بخواتمها، قال: ولهذا روي أن الشيطان أشد ما يكون على ابن آدم حين الموت، يقول لأعوانه: دونكم هذا، فإنه إن فاتكم لن تظفروا به أبدًا. [مجموع الفتاوى: 4/255- 256].
إذا فاتكم الآن راحت الفرصة نهائيًا.
الخوف السلبي والإيجابي من الموت:
00:57:31
 ولذلك فلا بد من التفكير في هذا الموقف، وبعض الناس يقولون: أصابتنا الوسوسة، نفكر في الموت، ما عد نريد الطعام، ولا العمل، ولا نذهب إلى مكان، خلاص عفْنا أنفسنا، وعفنا أهالينا، عفنا الدنيا، فهل هذا يحتاج إلى طبيب نفسي؟!
الجواب -أيها الإخوة-: إن الخوف من الله، والخوف من سوء المصير، والخوف من سكرات الموت، إذا كان يدفع للعمل الصالح، ولتجنب المعاصي، فهذا والله لا يحتاج إلى معالجة وإزالة؛ لأنه إيجابي، حتى لو كدر حياة الإنسان، ما معنى: أكثروا من ذكر هادم اللذات  ؟
أما إذا كان خوفا سلبيًا، يعقده عن العمل الصالح، ويجعله كالمشلول لا ينطلق إلى طاعة، ولا ينطلق إلى عبادة، ولا إلى طلب علم، ولا إلى دعوة، ولا إلى إدخال السرور على المسلمين، ولا إلى بر والدين، ولا إلى شيء، يقعد في بيته خلاص، مثل الخرقة المرمية، فهذا خوف سلبي، هذا إنسان ما عنده فقه في الحقيقة.
ولذلك فإن خوفه هذا من الموت ما دفعه، فما هو الخوف المطلوب؟ ما هو؟ وهل المطلوب أن نخاف أو لا نخاف؟ المطلوب أن نخاف من الموت، وأن نفكر في هذه اللحظات، وأن نستعد لها، وهذا هو الثمرة، الاستعداد، لماذا؟
هذا الكلام كله ينتج في النفس خوفاً، لكن الواحد يستعد، يعني: عاقبة الخوف الاستعداد، هذا هو المطلوب.
وسوف نتم -إن شاء الله- بقية الكلام في بعض أحوال المحتضرين، مع موضوع الدرس القادم بمشيئة الله.
ونسأل الله عز وجل أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ونسأله سبحانه وتعالى أن يحينا مسلمين، وأن يتوفانا مؤمنين، وأن يلحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.
وصلى الله على نبينا محمد.