الخميس 9 رمضان 1439 هـ :: 24 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

14- الموقف من الحياة والموت


عناصر المادة
حب الدنيا وكراهية الموت:
هل كراهية الموت مذمومة أو ممدوحة؟
حالات الناس عند الموت:
معنى قولهم: "إنا لنكره الموت":
حكم كراهية الموت:
هل يكره أولياء الله الموت؟
هل التردد صفة لله؟
شدة الموت وألمه:
كراهية الموت حبا في الدنيا:
محبة الحياة والموقف منها:
بعض عبارات السلف المتعلقة بالحياة والموت:
لماذا نهينا عن تمني الموت؟
معنى قوله صلى الله عليه وعليه وسلم: ((يستعتب)):
النهي عن تمني الموت لضر أصابه في الدنيا:
تمني الموت للسآمة من الحياة:
تمني الموت عند فقدان الأصدقاء والخلان والأقرباء:
تسخط الناس من نكد المعيشة:
المشروع عند جهالة حال الإنسان:
بعض الحالات التي يسوغ فيها تمني الموت:
قصص في تمني الموت وأسباب ذلك:
تمني الموت خوفا من الفتن في الدين:
تمني الموت خشية الافتتان بالمال:
تمني الموت عند كثرة الفتن والاقتتال وإراقة الدماء:
تمني الموت فرارًا من الشهرة:
تمني الموت من أجل الشهادة في سبيل الله:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فالسلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.
ومع الحلقة الثانية من هذه السلسة في عالم البرزخ، والخروج من الدنيا إلى الله والدار الآخرة.
حب الدنيا وكراهية الموت:
00:00:28
 وأول نقطة في هذه الحلقة، عن الموقف من الحياة والموت حبًا وبغضًا، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان: حب المال، وطول العمر  متفق عليه. [رواه البخاري: 6421، ومسلم: 2459، واللفظ للبخاري].
ففطر الله نفوس العباد على حب الحياة، والرغبة في طول العمر، وكراهية الموت.
وفي لفظ لمسلم عن أبي هريرة: يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم:  قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: حب العيش والمال [رواه مسلم: 2457].
وفي رواية لمسلم:  يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر  [رواه مسلم: 2459].
فمع أنه يكبر في السن، ويطعن فيه، ويصبح شيخًا، لكن الأمل في طول الحياة، يبقى حيًا شابًا في نفسه، مع أن آماله وحرصه على الدنيا من المتوقع أن تكون قد صغرت وقلت، كما أن جسمه قد ضعف وأوشك عمره على الإنقضاء، ولم يبق إلا انتظار الموت، لكنه مع ذلك تقوى عنده الرغبة في الحياة، والمزيد من الامتداد في العمر.
ونظرًا؛ لأن الموت يقطع عن الحياة، والناس يريدون الحياة، فلا عجب أن يكره الناس الموت.
وهذه القضية حب الحياة، وطول العمر، يشترك فيها المسلم والكافر، والبر والفاجر، والطائع والعاصي.
هل كراهية الموت مذمومة أو ممدوحة؟
00:02:08
 فهل كراهية الموت مذمومة أو ممدوحة؟ هل هي بحد ذاتها تنقص من قدر المؤمن؟ هل هي كراهية الموت تخالف أمر الدين أو تنزل من رتبة المسلم؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه  قالت عائشة أو بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنكره الموت؟ الحقيقة والصراحة أننا نكره الموت، قال:  ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته  [رواه البخاري: 6507، ومسلم: 6998].
إذًا، الكلام السابق:  من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه  ليس أثناء الحياة، لكن إذا حضرت الملائكة، إذا نزل الموت بالعبد، قال:  إذا حضره بالموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر  يعني نزل به الموت الذي لا يرتفع  بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، كره لقاء الله وكره الله لقاءه  متفق عليه. [رواه البخاري: 6507، ومسلم: 6998].
زاد مسلم:  والموت قبل لقاء الله  [رواه مسلم: 7000].
وفي لفظ قال عليه الصلاة والسلام:  من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه  يقول هانئ الراوي عن أبي هريرة: فأتيت عائشة فقالت: يا أم المؤمنين سمعت أباهريرة يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا إن كان كذلك فقد هلكنا؟ لأنه فهم  من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه  المقصود الموت، يعني الذي يكره الموت يكره الله لقاءه، فقال: هلكنا؟ قال: إنا الهالك من هلك، بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه  [رواه مسلم: 7002]، "وليس منا أحد إلا وهو يكره الموت، فقالت قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالذي تذهب إليه، الحديث صحيح.
ولكن المعنى الذي فهمته غير مراد.
ولكن إذا شخص البصر، وحشرج الصدر، وأقشعر الجلد، وتشنجت الأصابع، فعند ذلك من أحب لقاء الله  أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه.
إذًا، متى يكون هذا الشعور؟
إذا نزل الموت الذي لا يرتفع، إذا شخص البصر، ارتفاع الأجفان إلى فوق، وتحديد النظر، وحشرج الصدر، تردد النفس في الصدر عند قبض الروح، واقشعر الجلد، قيام الشعر؛ لأن عند الموت شعر الجلد يقوم سبحان الله العظيم! إذا سحبت الروح شعر الجسم يقوم، وربما تراه كما قالت إحدى النساء في وفاة زوجها: فرأيت يقوم شعره تدريجيًا، من القدمين إلى الأعلى، وقف مع سحب الروح، قال: وتشنج الأصابع، يعني انقباض الأصابع.
وجاء في حديث عن عائشة مرفوعًا سكت عنه الحافظ في الفتح: "إذا أراد الله بعبد خيرًا قيض له قبل موته بعام ملكًا يسده ويوفقه، حتى يقال: مات بخير، أو مات بخير ما كان، فإذا حضر ورآه ثوابًا اشتاقت نفسه، فذلك حين أحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه وإذا أراد الله بعبد شرًا قيض له قبل موته بعام شيطانًا فأضله وفتنه، حتى يقال مات بشر ما كان عليه، فإذا حضر ورأى ما أعد له من العذاب جزعت نفسه، فذلك حين كره لقاء  الله وكره الله لقاءه"[فتح الباري: 11/359].
حالات الناس عند الموت:
00:06:38
 وهذا الحديث حالة من الحالات -والله أعلم بصحته-، ومن الناس من يحسن حاله قبل الموت بيوم، ومن الناس من يحسن حاله قبل الموت بشهر، ومنهم من يحسن قبل الموت بسنين، ومن الناس من يسوء حاله قبل موته بمدة يسيرة -نسأل الله الثبات-، ولكن من كان مجاهدًا لنفسه، فإن الله لا يخذله يثبته حتى الممات، ومن أراد الاستقامة فإن الله لا يخذله.
فلو قال واحد: وما يدرينا نحن الآن نعمل ونجاهد أنفسنا ونستقيم على الطاعات، ونترك المحرمات، ويمكن قبل الموت بيوم ننحرف وننتكس ونموت بدون ما نريد؟
نقول: لا، لا يحدث هذا وأنت لا تريده، الله رحيم، الله كريم، الله رؤوف، لا يمكن، وعبده يريد الهداية فيضله؟ لا يمكن، لكن فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ  [الصف: 5]، هذه حالة لا تحدث إلا لواحد فيه نفاق، أو هو يريد الضلال، هو تغيرت نفسه، هو يريد الضلال، أما أنه يريد الخير والله يضله ويزيغه قبل موته، والعبد يريد الخير، لا يمكن أن يحدث: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  [العنكبوت: 69].
المقصود بلقاء الله:
لقاء الله ما هو؟
المعاينة، البعث؛ كما قال تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ  [يونس: 45]، هذه المعاني التي أوردها العلماء.
الموت:   مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ  [العنكبوت: 5].
 قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ  [الجمعة: 8].
وقال ابن الأثير في النهاية: المراد بلقاء الله هنا المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند الله، وليس الغرض به الموت؛ لأن كلاً يكرهه، فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله، ومن آثرها وركن إليها كره لقاء الله؛ لأنه إنما يصل إليه بالموت [ينظر: فتح الباري: 11/360].
يعني كيف نحن نصل إلى لقاء؟
بالموت، ما يمكن نلقى الله إلا إذا متنا، ولذلك قالت عائشة: "والموت دون لقاء الله" يعني قبل لقاء الله، الذي يحجزنا عن لقاء الله الموت، وهذه اللفظة التي ذكرتها عائشة رجح الحافظ رحمه الله: أنها قالتها استنباطًا. [فتح الباري: 11/360].
وهذا يبين أن الموت غير اللقاء؛ لأنه قبله.
معنى قولهم: "إنا لنكره الموت":
00:09:04
 فقولهم: "إنا لنكره الموت" ليس معناه نكره لقاء الله، فالموت شيء، ولقاء الله شيء آخر: "والموت دون لقاء الله"؛ لأنه وسيلة إليه.
فإذًا، ليس معنى الحديث: كراهية الموت، ولا كراهية شدة الموت؛ لأن هذا لا يكاد يخلو منه أحد، كل واحد يكره الموت في الغالب، لكن المذموم من هو؟
الذي آثر الدنيا، والركون إليها، وكراهية الآخرة، وأن يصير إليها، فهو لا يريد الآخرة، ولا يريد أن يصير إلى الآخرة، وهو يعلم أن كل واحد سيصير إلى الآخرة رغمًا عنه.
وقال النووي رحمه الله: معنى الحديث: أن المحبة والكراهة التي تعتبر شرعًا، هي التي تقع عند النزع في الحالة التي لا تقبل فيها التوبة، فحينئذ يبشر كل إنسان بما هو صائر إليه، وما أعد له، ويكشف له عن ذلك، عند نزول الموت يكشف له، هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار، فأهل السعادة عند نزول الموت يحبون ما بعده؛ لأنهم الآن يرون ما هم صائرون إليه، ويرون ملائكة الرحمة، فيحبون ما بعد الموت؛ لأنهم يريدون الانتقال إلى النعيم، وقد بدأت أوائله تأتيهم، وبشائره تتلى عليهم: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ  [فصلت: 30]، ويكشف له عن ذلك، فيحبون لقاء الله، وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه، لما علموا، يعني عند نزول الموت، عند سحب الروح، عند حضور الملائكة، لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه، ويكره الله لقاءهم [ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 17/10].
إذًا، المجازاة من جنس العمل، قابل المحبة بالمحبة، والكراهة بالكراهة.
وفي الحديث: أن المحتضر إذا ظهرت عليه علامات السرور، كان ذلك دليلاً على أنه بشر بخير، وكذا بالعكس.
وفيه: أن محبة لقاء الله لا تدخل في النهي عن تمني الموت؛ لأنها ممكنة مع عدم تمني الموت، فأنت ممكن تحب  لقاء الله بدون ما تتمنى الموت، لو كان الإنسان صالحًا، وعمل صالحا، ويرجو ثواب الله، يحب أن يلقى الله، ويحسن الظن بربه، وأنه إذا قدم عليه فسيكرمه، ويعظم له أجره بدون أن يتمنى أن يموت الآن، ممكن يحب لقاء الله بدون ما يتمنى أن يموت الآن.
وأما عند الاحتضار والمعاينة، فإن التمني حاصل لأهل السعادة.
والحديث فيه: أن في كراهة الموت حال الصحة تفصيلاً. [فتح الباري، لابن حجر: 11/360- 361].
حكم كراهية الموت:
00:12:20
 لو واحد قال: ما حكم الآن كراهية الموت؟ أنا في صحتي ما نزل بي الموت لا زلت على قيد الحياة؟ ما حكم كراهة الموت؟
قال بعض  العلماء فيها تفصيل: فمن كرهه إيثارًا للحياة الدنيا على الآخرة كان مذمومًا.
فإذا قلت له: لماذا تكره الموت؟
قال: يقطعني عن اللذات، يقطعني عن الاستمتاع بالحياة، أنا لا أريد ما بعد الموت، أنا أريد الآن.
نقول: هذا الكره للموت مذموم.
ومن كره الموت خشية أن يفضي إلى المؤاخذة، كأن يكون مقصرًا في العمل، لم يستعد له بالأهبة، بأن يتخلص من التعبات، ويقوم لله بالواجبات، فهذا معذور. [فتح الباري، لابن حجر: 11/360- 361].
لو قلت لواحد: يا أخي أنت تحب الموت؟
قال: لا والله.
قلت له: لماذا؟
قال: أنا أخشى إن قدمت عليه أن يعاقبني، أنا أخشى أن أعمالي هذه، أخشى على نفسي منها، وأنا ما استعديت، في واجبات ما سويتها، في محرمات ما تبت منها، في حقوق عباد ما أعدتها إليهم، ولا تحللت منهم، ما استعيدت، فأنا لا أريد الموت؛ لأني ما استعديت؛ لأني أخشى على نفسي من العذاب، فهذا معذور.
ففرق إذًا بين من يكره الموت؛ لأنه لا يريد الآخرة، ولأن النفس متعلقة بالدنيا، يقول: أريد الاستمتاع، وهذا شأن الكفار -يا إخوان-، الكفار كل الأمل في الدنيا، لا يرجون الله ولا اليوم الآخر، ولذلك متعلقين في الحياة: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ  [البقرة: 96]، ما عندهم أي تطلعات للآخرة، ولا يرجون هناك شيئًا، ولذلك الآن تراهم يخشون جدًا من الموت، أما المؤمنين فلماذا يخشون الموت إذا كان هم وهبوا أنفسهم لله؟
هل يكره أولياء الله الموت؟
00:14:30
 هل أولياء الله يكرهون الموت؟
تقدم حديث عائشة: "إنا لنكره الموت، والله تعالى يعذرهم، ولولا حكمته في موت الخلق جميعًا، وأنه لم يجعل لأحد الخلد في هذه الدنيا، لما كان يقدر عليهم الموت الذي يكرهونه.
فإذًا، من أولياء من يكره الموت، حتى أولياء الله يكرهون الموت.
ومن الأدلة على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله قال من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب  ثم ذكر معيته للولي، قال في آخر الحديث: ولئن سألني لأعطينه ولئن أستعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله  الله يقول:  وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس الموت يكره الموت، وأنا أكره مساءته   وما ترددت  هذا حديث قدسي عن شيء أنا فاعله  الله عز وجل يقول،  ترددي عن نفس المؤمن  يعني في قبضها، لماذا؟  يكره الموت وأنا أكره مساءته  [رواه البخاري: 6502، ومسلم: 7002].
هل التردد صفة لله؟
00:15:53
 هل التردد صفة لله؟
بالمعنى الذي عندي وعندك لا قطعًا؛ لأننا نحن نتردد للحيرة، ليش نتردد؟ لأننا محتارين، ولا ندري أي القرارين أصوب، فنحن في حيرة، لكن التردد في حق الله غير، والمرجع في هذا للغة العربية، ماذا يقول أهل اللغة من معاني التردد في اللغة؟
من معاني التردد في اللغة: الخيار بين أمرين، إذا كان واحد مخير بين أمرين، يقال: متردد، ولا يشترط أن يكون محتارًا، ولذلك لأن المسألة عند الله إن شاء تركه في الدنيا، وإن شاء عجل بآخذه، فلله الأمر سبحانه وتعالى، فيصح أن يقال: تردد الله في قبض عبده المؤمن، لماذا؟ لأن التردد التخيير بين أمرين، الخيار بين أمرين، يطلق عليه تردد.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "بين أنه يتردد؛ لأن التردد تعارض إرادتين، وهو سبحانه يحب ما يحبه عبده، ويكره ما يكرهه، وهو -يعني العبد- يكره الموت، فهو يكرهه؛ كما قال:  وأنا أكره مساءته  وهو سبحانه -يعني في الجانب الآخر-، قد قضى بالموت، فالله يريد أن يموت وليه" انتهى، هذه إرادة، وفي ذات الوقت الولي يكره الموت، والله يحب ما يحبه عبده، ويكره ما يكرهه عبده، فصار في هناك تعارض إرادتين، بين أمرين، "وهو سبحانه قد قضى بالموت، فهو يريد أن يموت، فسمى ذلك ترددًا"، ليس للحيرة، ما هو لأنه محتار، لا، تعالى الله عن ذلك، "ثم بين أنه لا بدّ من وقوع ذلك". [مجموع الفتاوى: 10/58- 59].
فإذا كان يحب ما يحبه العبد، والعبد لا يريد الموت، طيب ولكن الله قضى بالموت، طيب في النهاية ما الذي سيحدث؟
أن العبد سيموت، وأن الله سيقبضه.
وقال ابن رجب رحمه الله: المراد بهذا أن الله قد قضى على عباده بالموت؛ كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ  [الأنبياء: 35]، والموت هو مفارقة الروح للجسد ولا يحصل ذلك إلا بألم عظيم جدًا، وهو أعظم الآلام التي تصيب العبد في الدنيا". [جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص: 370].
شدة الموت وألمه:
00:18:27
 الواحد يفكر في قضية ألم الموت وسكرات الموت؟ وكيف أن سحب الروح هذه فيها ألم؟ لكن بما أن الألم هذا مكفر للذنوب والسيئات، فهو في مصلحة العبد، والواحد ممكن يصبر على مرارة الدواء، لأجل الرغبة في الشفاء، لأجل الشيء الأرفع والأحسن والأفضل.
قال: والموت هو مفارقة الروح للحسد، ولا يحصل ذلك إلا بألم عظيم جداً، وهو أعظم الآلام التي تصيب العبد في الدنيا، فلما كان الموت بهذه الشدة، والله قد حتمه على العباد كلهم، ولا بد لهم منه، والله -تعالى- يكره أذى المؤمن ومساءته، سمى ذلك ترددًا في حق المؤمن، وأما الأنبياء فلا يقبضون حتى يخيروا، أنا وأنت الموت نازل بنا نازل بنا، لا نخير ولا شيء، يأتي الله ونأخذ، النبي تحديدًا الأنبياء قبل أن يموت يخير، هل تريد البقاء في الدنيا أو الرحيل؟
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما خير قال:  اللهم الرفيق الأعلى  [رواه البخاري: 4463، ومسلم: 6450] فتم تخييره كما خير كل الأنبياء، واختار الرحيل.
كراهية الموت حبا في الدنيا:
00:19:41
 وكراهية الموت المذمومة، غير الكراهية المعذور بها الإنسان، والتي لا تثريب عليه بها.
ومن الكراهية المذمومة للموت: ما يحصل عند نزول الوهن بالأمة، قال عليه الصلاة والسلام:  يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها  فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ -يعني مليار ونصف-، قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم  يعني فيجترئون علينا، ويحتلون بلادنا، ويدخلون في قراراتنا ومصيرنا، ويستنزفون ثرواتنا، وينهبون أموالنا، لا يبالون بنا، ولا يسألون عنا، ولا يحسبون لنا حسابًا، قال: ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة  [رواه أبو داود: 4299، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 5369].
فإذًا أصلاً في صدور أعدائنا في مهابة منا، تكونت المهابة بالفتوحات الإسلامية، لما رأى فارس والروم من هم هؤلاء المسلمين؟ ناس فرسان بالنهار ورهبان بالليل، ناس يحبون الموت كما أهل الدنيا يحبون الحياة، زرعت المهابة في قلوب الكفار، وأخذوها جيلاً عن جيل، يخافون من المسلمين، فإذا جاء وقت الاستضعاف وقت الضعف هذا، نزعت مهابتنا من قلوب عدونا، قال: ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن  فقال: قائل يا رسول الله  وما الوهن؟ قال:  حب الدنيا وكراهية الموت  إذًا هذه الكراهية هنا مذمومة، لماذا؟ لأنها جبن عن الموت في سبيل الله؛ لأنه تخاذل عن بذل الروح في سبيل الله، قال:  حب الدنيا، وكراهية الموت [رواه أبو داود: 4299، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 5369] وهما متلازمان، فكأنهما شيء واحد، حتى نعطي العدو ما نريد -نسأل الله العافية- كراهية الموت التي تؤدي إلى الفزع من الأعداء مذمومة، كراهية الموت التي تؤدي إلى ترك الجهاد في سبيل الله مذمومة، وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الآخر: إذا تبايعتم بالعينة ، ومن صورها: أن تشتري شيئًا من شخص بألف إلى أجل، ثم تبيعه عليه بتسعمائة الآن، فهذه حيلة على الربا، صارت القضية ألف بتسعمائة عينة، بيع عينة، نشتري من شخص بالآجل ونبيع عليه بالحاضر بسعر أقل، حيلة على الربا  وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع  هل الأخذ بأذناب البقر حرام؟ هل الرضا بالزرع حرام؟
الجواب في الأصل، لا، كلا، لكن الانشغال بالزرع هذا في هذه الحالة المذكورة في الحديث، إنما تم الانشغال بالزرع عن واجب وفرض، وهو سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله، ولذلك قال بعده:  وتركتكم الجهاد  ما قال: ورضيتم بالزرع  بس، كلنا نحب الزرع، وتحب أن يكون لك مزرعة، ليس  حرامًا، ويعجبك إذا نمت وأثمرت، لكن إذا أشغلتك هذه الزراعة عن الجهاد في سبيل الله، هنا يكون الذم، ولذلك قال:  وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد  يعني المتعين الواجب عليكم.
إذا حصلت هذه الأشياء، حيل على الربا منتشرة، وانشغال بالزرع عن الجهاد، وبدلاً من أن يكونوا فوق ظهور الخيل غزاة، صاروا وراء أذناب البقر؛ لأن ترك الجهاد ذل، إذا حصلت هذه الحال، سلط الله عليكم ذلاً صغارًا ومسكنة، ومنه ما يدفعه المسلمون إلى الكفار، إذا استولوا على أراضيهم، فهو يشبه الجزية، لكن من الذي يأخذها؟ الكفار، ممن؟ من المسلمين، قال: سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم  [رواه أبو داود: 3464، وهو حديث صحيح، انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني: 11].
محبة الحياة والموقف منها:
00:24:27
 محبة الحياة ما هو الموقف منها؟
قال المتنبي:
أرَى كُلَّنَا يَبْغي الحَيَاةَ لنَفْسِهِ *** حَريصاً عَلَيها مُسْتَهاماً بها صَبّا
فحُبُّ الجَبَانِ النّفْسَ أوْرَدَهُ البَقَا *** وَحُبُّ الشّجاعِ الحرْبَ أوْرَدهُ الحرْبَا
هل من العيب أن يحب الإنسان الحياة؟ هل مذموم شرعًا أن الإنسان يحب أن يعيش؟
كلا، فإن الحياة مزرعة الآخرة، هذه الدنيا هي مزرعة الآخرة، فكيف نبغضها بالكلية، ولا نريدها أن تستمر؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم:  خير الناس من طال عمره، وحسن عمله  حديث صحيح؟ [رواه الترمذي: 2329، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3364]؟
ألم يقل: طوبى لمن طال عمله، وحسن عمله ؟ ألم يحدث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: أن ثلاثة أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:  من يكفنيهم؟  من يكفل هؤلاء؟ مهاجرون فقراء ما لهم مأوى؟ قال طلحة: أنا، فكانوا عند طلحة، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثًا، فخرج أحدهم، يعني في هذا الجيش فاستشهد، ثم بعث بعثًا فخرج فيهم آخر فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة الذين كانوا عندي في الجنة، كيف رآهم؟ وأين رآهم؟ في المنام، فرأيت الميت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استشهد أخيرًا يليه، ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم، فدخلني من ذلك، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أنكرت من ذلك؟ ليس أحد أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام بتسبيحه وتكبيره وتهليله  [رواه أحمد: 1401، وأورده الألباني في سلسلته الصحيحة: 654، وفي صحيح الترغيب والترهيب: 3367، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح"، وقال العجلوني: "رواته رواة الصحيح"؛ كما في كشف الخفاء: 371].
وروى أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رجلان من بلي، وهم حي من قضاعة أسلما مع النبي صلى الله عليه وسلم، واستشهد أحدهما، وأخر الآخر سنة، عاش بعده سنة؟ قال طلحة بن عبيد الله: فأريت الجنة، فرأيت فيها المؤخر منهما أدخل قبل الشهيد، فعجبت لذلك، فأصبحت، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أليس قد صام بعده رمضان وصلى ستة آلاف ركعة أو كذا وكذا ركعة صلاة السنة؟  [رواه أحمد: 8380، وقال العجلوني: "إسناده حسن"، كما في كشف الخفاء: 1/370، وصححه الألباني في سلسلته: 2591].
وقال رجل: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال:  من طال عمره، وحسن عمله  قال: فأي الناس شر؟ قال:  من طال عمره وساء عمله  حديث حسن صحيح. [رواه الترمذي: 2330، وأحمد:20431، وقال الألباني" "صحيح لغيره"؛  كما في صحيح الترغيب والترهيب: 3363].
إذًا، الذي عاش بعد صارت مرتبته أعلى؛ لأنه في رمضان صامه ما صامه الأول، وصلوات صلاها ما صلاها الأول، وأذكار وأدعية وأعمال بر وخير.
ليست المقارنة بين شهيد وواحد لا يريد الشهادة، أو لا يريد الغزو في سبيل، لا، لأن كلاهما مع النبي عليه الصلاة والسلام جاهدا، لكن واحد قدر له أن يقتل، وواحد عمر بعده بسنة، ليست المقارنة بين واحد جبان لا يريد القتال والغزو، ولا يريد الشهادة، وبين شهيد، لا، الشهيد أفضل، لكن كلاهما خرج في سبيل الله، وقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن واحد قدر له الشهادة، وواحد قدر له أن يعمر بعده بسنة، هذه المدة، من هذا المريد للشهادة الذي ما قدر له أن يستشهد، عمر بعده سنة، فاقه في الأجر، فاقه في المنزلة عند الله.
إذًا، طول الحياة للمؤمن خير؛ لأنه يزاد بها خيرًا، قال الطيبي رحمه الله: إن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر، فينبغي أن يتجر فيما يربح فيه، وكلما كان رأسه ماله كثيرًا كان الربح أكثر، فمن انتفع من عمره بأن حسن عمله فقد فاز وأفلح، ومن أضاع رأس ماله لم يربح وخسر خسرانًا مبينًا. [فيض القدير: 3/480].
بعض عبارات السلف المتعلقة بالحياة والموت:
00:29:18
 وعبارات السلف دراستها مهمة؛ لأن فهمهم للدين أعمق وأوسع وأكثر وأشمل وأرسخ، ولذلك تتبع عبارات السلف، ودراسة عبارات السلف مهمة، تعبر عن فهم للدين على مستو عال، قيل لبعض السلف: طاب الموت؟ قال: يا ابن أخي لا تفعل لساعة تعيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدهر. يعني إذا مت ونقطعت عن الدنيا يعين ما استفدت؟
وقيل لشيخ كبير منهم من السلف: "أتحب الموت؟ قال: لا، قد ذهب الشباب وشره، وجاء الكبر وخيره" يعني الآن بعدما عقلنا وهدأنا ووعينا، واتعلمنا تجارب الحياة الآن يمكن الانتاج، وعمل الصالحات أكثر، فقال: "قد ذهب الشباب وشره، وجاء الكبر وخيره، فإذا قمت قلت: بسم الله، وإذا قعدت قلت: الحمد لله، فأنا أحب أن يبقى لي هذا". [لطائف المعارف، ص: 321].
أنا والله أحب أن أبقى ذاكرًا لربي، وأحب أن تمدد بي الحياة وأنا أقول: بسم الله، والحمد لله.
وقيل لآخر: ما بقي مما تحب له الحياة؟ قال: البكاء على الذنوب"[لطائف المعارف، ص: 321]، ولو ما أعمر لأبكي على ذنوبي يكفيني.
وكان كثير من السلف يبكي عند موته أسفًا على انقطاع أعماله الصالحة، ولما نزل الموت بيزيد الرقاشي كان يقول: يا يزيد من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ يا يزيد من ذا يصوم عنك بعد الموت؟ يا يزيد من ذا يترضى عنك ربك بعد الموت؟ [لطائف المعارف، ص: 321].
الآن فهو يتأسف لما نزل به الموت، يتأسف على فراق الدنيا لا لمتاعها، ولا لزينتها ولا بهجتها وأثاثها ورياشها، لكن لأنه الآن انقطع عن حقل العمل والمزرعة، ومستودع الأعمال.
لماذا نهينا عن تمني الموت؟
00:31:26
 ومن هنا يتضح لنا -أيها الإخوة والأخوات- لماذا نهينا عن تمني الموت؟ لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه؟ لماذا؟
قال:  إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا  [رواه مسلم: 6995].
فجمع في هذه الرواية بين النهي عن قصد الموت، يعني تمنيه، والنهي عن الدعاء على النفس به، فلا تتمناه، ولا تدع على نفسك به، لا تتمنه، ولا تدع على نفسه.
وعند البخاري: لا يتمنى أحدكم الموت  لماذا؟ قال:  إما محسنًا فلعله يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب  [رواه البخاري: 7235] لعله يتوب.
وفي قوله:  قبل أن يأتيه  [البخاري: 6995]، إشارة إلى الزجر عن كراهيته إذا حضر، يعني إذا نزل بك خلاص لا تكرهه، قضاء الله تعالى، فإذا حضرك الموت هذه النصيحة، إذا حضرك الموت: لا تكره الموت، لئلا تدخل في كراهية لقاء الله، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل به قال:  بل الرفيق الأعلى   خلاص، فهو الآن يريده، فمتى يريده الواحد؟ إذا نزل به، قبل أن ينزل لا يريده، لكن إذا مات إذا نزل، فهو لا يكرهه، وإذا كانت الآجال لا تزيد ولا تنقص، فإن تمني الموت لا يؤثر  في زيادتها، ولا في نقصها، ولذلك لماذا يتمناه الإنسان؟
وقد قال النووي رحمه الله: في الحديث التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من فاقة، فقر، أو محنة بعدو، ونحوه من مشاق الدنيا، فأما إذا خاف ضررًا، أو فتنة في دينه، فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث، وقد فعله خلائق من السلف لذلك.
إذًا، في حالات يتمنى الإنسان فيها الموت، بل يدعو به في الحياة، وسنأتي على أمثلة منها، لكن ما هو الأصل والقاعدة؟ أنك لا تتمنى الموت، ولا تدع به، إما أنك محسن فتزداد إحسانًا، وإما أنك مسيئ، فتتوب.
معنى قوله صلى  الله عليه وعليه وسلم: ((يستعتب)):
00:34:17
 وما معنى: ((يستعتب)) في الحديث؟
يعني يسترضي ربه، بالاستغفار، والندم، والإقلاع.
الاستعتاب طلب الإعتاب، يعني طلب إزالة العتب؛ لأن عاتبه، يعني لامه، وأعتبه أزاله عتابه، فيستعتب، يعني يطلب من ربه يفعل الشيء الذي يزيل العتب عنه، واللوم والعقاب، فصار معنى الحديث: من كان محسنًا فليترك تمني الموت، وليستمر على إحسانه، والازدياد من الطاعات، ومن كان مسيئًا، فليترك تمني الموت، وليقلع عن الإساءة، لئلا يموت على إساءته فيكون على خطر.
والذي خلط عملاً صالحًا، وآخر سيئا، يعني المحسن عرفنا يزداد حسنًا وإحسانًا، والمسيء يتوب، طيب والمخلط، وكلنا ذلك المخلط؟
من التقسيم يؤخذ حكمه، فإن المخلط إما أن يكون أعماله الصالحة أكثر، أو أعماله السيئة أكثر، هذا المخلط، إما أن تكون حسناته أكثر، فيكون عيشه أحسن، يزداد حسنات، وإما أن تكون سيئاته أكثر فيستعتب ويتوب.
هناك معنى آخر للنهي عن تمني الموت، ولماذا نهينا عن تمني الموت؟
قال العلماء: سكرات الموت شديدة، وهول المطلع أمر فظيع، يعني أنت بالموت تطلع على أشياء، لا عهد لك بها من قبل، تطلع على عالم، وعلى أشياء، ما تصورتها وتخيلتها من قبل؛ لأن هذا عالم غيبي، مهما تصورت لن تدركه، فالمطلع شديد، المطلع فظيع، فتمني الموت طلب لشيء لا عهد للمرء به، فكأن الواحد يعني غير مبال مع أن المسألة فظيعة وشنيعة، وأنه سيدخل في عالم آخر، لا يألفه، ولا مر عليه من قبل، عالم جديد تمامًا، عالم مختلف عن الذي كان يعيش فيه تمامًا، لعله بعد الموت يدرك أشياء أشد مما كان في الدنيا، ولذلك قال:  لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه  [رواه البخاري: 5671، ومسلم: 6990].
فبعض الناس قد يصاب بسرطان، يصاب بشدة فقر، بابتلاءات شديدة جداً، فربما يتمنى الموت طيب ما يدريك يمكن بعد الموت أشد من السرطان، يمكن بعد الموت أشد من الفقر، يمكن ما يطلع عليه بعد الموت أشد من الابتلاءات التي هو واقع فيها، أو التعذيبب، إلى آخره، ولذلك لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه؛ لأنك ما تدري قد تقدم على شيء أفظع، فلماذا تتمنى شيئًا على الأقل مجهولاً بالنسبة لك؟ يمكن أسوأ من الذي أنت فيه؟
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام:  لا تمنوا الموت فإن هول المطلع شديد، وإن من السعادة أن يطول عمر العبد، ويرزقه الله الإنابة حديث صحيح في المعنى، وإن كان إسناده ضعيفًا. [رواه أحمد: 14604، وقال محققو المسند: "حسن لغيره وهذا إسناد محتمل للتحسين"، وضعفه الألباني في مشكاة المصابيح: 1613].
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه لما شرب اللبن في طعنته التي مات فيها، وخرج اللبن من الجرحين، وعرف أنه الموت، قال: الآن لو أن لي الدنيا كلها لافتديت بها من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت إلا خيرًا". [رواه الطبراني في الأسط: وقال الهيثمي: "إسناده حسن" كما في مجمع الزوائد: 9/77].
وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت، فقال: لا تتمنى الموت فإنك ميت، يعني الذي تتمناه سيأتيك، وسل الله العافية، فإن الميت ينكشف له عن هول عظيم.
وكان الحسن البصري يقول عند موته: "نفيسة ضعيفة، وأمر هول عظيم، فإنا لله وإنا إليه راجعون". [لطائف المعارف، ص: 321].
وقال ابن رجب رحمه الله: وقد كان كثير من الصالحين يتمنى الموت في صحته، فلما نزل به كرهه لشدته، ومنهم أبو الدرداء وسفيان الثوري، فما الظن بغيرهما؟ مما هو أقل منزلة وأدنى.
النهي عن تمني الموت لضر أصابه في الدنيا:
00:39:08
 ويتأكد النهي عن تمني الموت إذا كان يتمناه في حال ضر أصابه في الدنيا، فإن تمني الموت حينئذ دليل على الجزع مما أصابه، كما قال  عليه الصلاة والسلام: لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بدّ فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي  متفق عليه. [رواه البخاري: 5671، ومسلم: 6990].
ما هو المقصود: بالضر هنا؟  لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه ؟
المقصود به الضر الدنيوي، مرض، فقر، عقوق الأبناء، تعذيب، شدة، وفي رواية توضح هذا:  لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا   [رواه النسائي: 1820، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي: 1820]، يعني بسبب أمر الدنيا، ولذلك فإن بعض الناس يظن أن كل ميت يستريح، وليس كذلك، فقيل مرة: يا رسول الله مات فلانة واستراحت؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:  إنما يستريح من غفر له  [رواه أحمد:24757، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1710].
إذًا، قضية تمني الموت هذه تقع من كثير من الناس بسبب أضرار دنيوية.
تمني الموت للسآمة من الحياة:
00:40:44
 وبعض الناس قد يقع منه أحيانًا تمني الموت للسآمة من الحياة، يقول لك: طفش!
كما قال ذلك الشاعر الجاهلي:
سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمن يعِشْ ** ثمانِينَ حَوْلاً لا أبَا لكَ يَسْأمِ
يعني ثمانين سنة تقول كفاية خلاص!
تمني الموت عند فقدان الأصدقاء والخلان والأقرباء:
00:41:02
 وبعض الناس ربما يتمنى الموت؛ لأن أصحابه قد ذهبوا كلهم وماتوا والجيل هذا الذي كان فيه والأصدقاء والخلان والأقرباء.
ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافهمْ *** وبقيت في خلفٍ كجلدِ الأجربِ
تسخط الناس من نكد المعيشة:
00:41:19
 وبعضهم يصل به الأمر من القبح أن يقول: وفلان هذا ماله داعي! وهذه كبيرة في السن مكلفة على أهلها العلاج مالها داعي! وهذا فلان يعني متعب أهله في تغسيل النجاسات ماله داعي! ليش ما يموت! الله -سبحانه وتعالى- أعلم بعباده.
ثم عز وجل قد يبقي هؤلاء ليعتبر الآخرون، ويكفر سيئاتهم بما يصيبهم من خروج النجاسة، ومن الضعف، ومن انحلال القوة، ومن المرض، هو خير لهم وخير لأهلهم أيضاً؛ لأنهم إذا صبروا عليهم، واعتنوا بهم، وأنفقوا عليهم، وعالجوهم وغسلوا نجاساتهم وحملوهم يأجرون على ذلك أجرًا قد يفوق أجر بعض العبادات الأخرى، ولذلك لا يقال: هذا ماله داعي! هذا الموت أحسن له! ما تدري أنت أحسن أو ما هو أحسن، هذا عند رب العالمين.
فإذًا يجب أن يتقي الإنسان المسلم ربه في الكلام، ويمسك لسانه عما يضره الكلام به.
بعض الناس يقولون: ويش العيشة هذه؟! لا وظائف! ولا جامعات! ولا دخل! ولا سكن؟ الموت أحسن! طيب، قد يطلع بعد الموت على أشياء أشد وأعظم وأهوال أكثر من الفقر، ومن عدم الوظائف، ومن عدم السكن، ومن عدم وجود المعيشة الجيدة، يعني المشكلة أن بعضهم يتمنى الموت وما عنده رصيد، لكن متى يشرع تمني الموت؟ لأن القيود الموجودة في الأحاديث يفهم منها أن هناك حالات ممكن تتمني الموت؛ لأنه لما قال:  لضر أصابه في الدنيا ، نعرف أنه إذا كان الضر أصابه في الدين ممكن المسألة تختلف في الحكم.
المشروع عند جهالة حال الإنسان:
00:43:13
 ولذلك فإنه إذا اشتدت الأحوال على الإنسان، هناك مخارج معينة وحلولا، فمثلاً إذا كان يجهل إذا عاش هل يسيء أو يحسن، فإنه يقول:  اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيرًا لي .
لو جاءنا واحد، وقال: أنتم تقولون المحسن الأحسن أن يزداد طيب أنا ما أدري إذا عشت سأسيء أو سأحسن؟
فنقول: إذًا ادع بهذا الدعاء: اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي وتوفني ما علمت الوفاة خيرًا لي
وقال في الحديث:  أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة  [رواه النسائي: 1305، وأحمد: 21710،  2497، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 2497].
وإذا تأزمت الأمور جداً، وضاقت الأحوال بالإنسان، وبلغت القلوب الحناجر، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يتمنين أحدكم الموت فإن كان لا بد فاعلاً، فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)) متفق عليه. [سبق تخريجه].
فقوله:  إذا كان لا بدّ فاعلاً .
وفي رواية:  فإن كان ولا بد متمنيًا الموت، فليقل  [رواه النسائي: 1821، وابن ماجه: 4265، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 3440].
هذا يدل على أنه لما وصل إلى هذه المرحلة لا يقولها، إذا ما وصل إلى هذه المرحلة لا يدعو بهذا الدعاء، لكن متى يدعو بهذا الدعاء؟ لما تصل القضية إلى شدة عظيمة، قال:  فإن كان لا بدّ فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي والتمني للموت حتى مع الاشتداد، مراغمة للقدر المحتوم في الصورة؛ لأن الموت آت بقدر معين، فأنت تمنيك هذا ماذا سيقدم وماذا سيؤخر، فعلام تفعله؟
اجتمع أهيب بن الورد وسفيان الثوري ويوسف بن أسباط، من كبار العباد، فقال الثوري: قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم فأما اليوم فوددت أني ميت؟ طبعًا لأن سفيان ابتلي في الله سفيان طاردوه، وتخفى وأوذي، ويخشى على دينه من إخلاصه، مع أنه سفيان من أمراء المؤمنين في الحديث، قال: قد كنت أكره موت الفجأة قبل اليوم وأما اليوم فوددت أني ميت، فقال له يوسف بن أسباط: ولم؟ قال: لما أتخوف من الفتنة، أخاف أأخذ وأفتن ولا أصبر، قال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء، قال الثوري: ولم؟ قال: لعلي أصادف يومًا أتوب فيه، وأعمل صالحًا، فقيل لأهيب: أي شيء تقول أنت؟ قال: أنا لا أختار شيئًا، أحب ذلك إليّ أحبه إلى الله، فقبل الثوري بين عينيه، وقال: روحانية ورب الكعبة [ينظر: إحياء علوم الدين: 4/355]. يعني: هذا كلام عليه نور.
قال أبو حازم: من اعتدل يوماه فهو مغبون، ومن كان غده شر يوميه فهومحروم، ومن لم ير الزيادة في نفسه كان في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خير له. [المجالسة وجواهر العلم: 5/58].
بعض الحالات التي يسوغ فيها تمني الموت:
00:46:46
 الحالات التي يسوغ فيها تمني الموت: أن يخشى المرء على دينه من الفتن، لا شك أن الموت قبل الافتتان أرحم وأحسن، أما أن يعيش إلى وقت يفتتن، ويترك دينه، أو يفعل المحرمات، ويتنازل عن واجبات، ولذلك قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: اثنتان يكرهما ابن آدم: الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة [رواه أحمد: 23674، وقال محقق المسند: "إسناده جيد"] لاحظ ليس له خيرًا دائمًا أن يتأتي سريعًا، لا،  خيرًا من الفتنة  فمتى يكون الموت إذًا في مصلحته؟ إذا كان سيفتن، فيموت قبل الفتنة.
وهذا الذي حمل مريم الصديقة على تمنيه، قالت:  يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا  [مريم: 23]، فكر الآن في الفتنة امرأة عفيفة طاهرة نقية، حملت وهي في معتكفها وولدت، والآن في يدها الولد، وستأتي به قومها، وماذا سيقولون عنها، لا يحملون أمرها على السداد، ولن يصدقوها في خبرها، وهي عندهم عبادة ناسكة، فسيظنون أنها عاهرة زانية، وربما كان ذلك في فتنة عليهم، حتى في دينهم؛ لأنهم سيقولون إذا كانت هذه مريم العابدة الزاهدة الناسكة، هكذا؟ ولذلك:  رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا  [الممتحنة: 5].
يعني لا تجعل الكافرين يفتنون بمحنتنا، وذلنا، فيقولون: الكفر أحسن، هذا أهل الإسلام كذا؟! أو هذا المؤمن كذا؟! أو هذا المسلم كذا؟! فلعلها خشيت على نفسها أن تفتن، وعلى قومها من الافتتان بهذا، ولذلك تمنت الموت، قال ابن كثير رحمه الله: "فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلي وتمتحن بهذا المولود" إلى آخر كلامه رحمه الله. [تفسير القرآن العظيم: 5/223].
وقد دل على مشروعية تمني الموت في هذه الحال حديث النبي عليه الصلاة والسلام:  وإذا أردت بعبادتك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون  [رواه الترمذي: 3233، وأحمد: 3484، وصححه الألباني في صحيح الترمذي: 2580]، لاحظ التقيد، القيد:  وإذا أردت بعبادتك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون .
قال ابن رجب رحمه الله: "إن تمني الموت في حال الفتنة جائز عند أكثر العلماء".
ونحمل الأحاديث الواردة في قيام الساعة، أو قبل القيام الساعة في آخر الزمان على هذا،  لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه  متفق عليه. [رواه البخاري: 7115، ومسلم: 7485].
يعني يا ليتني كنت ميتًا، فكيف يتغبط صاحب القبر؟ يغبط على الموت؟
قالوا: إذا خيف ذهاب الدين، وذلك يكون عند غلب أهل الباطل، وظهور المعاصي، وتفشي المنكرات، وقلة المعين والناصر، وضعف أهل الخير، وانحراف الناس، انحرافات، وانتكاسات، فئام من الناس يظلون ينحرفون ينتكسون وراء بعض، فعند ذلك الواحد يخشى على نفسه، ويقول:  اقبضني غير مفتون .
وأخرج مسلم:  لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس  به الدين إلا البلاء  [رواه مسلم: 7486].
إذًا تكون أهون المصيبتين عنده، مصيبة دينه وإلا مصيبة الموت؟ مصيبة الموت أهون.
فإذًا، ليس لضرر دنيوي، وإنما خشي على الدين، وخشي من فساد الأحوال، وتغير الناس عندما يرى الإٍنسان أمامه الفئام ينحرفون، والشر مستول، والباطل غالب، خلاص، يخشى على نفسه الآن أن يصبح من جند الباطل، فلا بأس عند ذلك أن يتمناه ليسلم دينه، لينتقل إلى الله قبل أن ينحرف، وجاء في حديث أبي سلمة: عدت أباهريرة، فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، قال: اللهم لا ترجعها إن استطعت يا أبا سلمة فمت، والذي نفسي بيده ليأتين على العلماء زمان الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، وليأتين أحدهم قبر أخيه فيقول: ليتني مكانه.
وفي رواية عن أبي ذر: يوشك أن تمر الجنازة في السوق على الجماعة فيراها الرجل، فيهز رأسه، فيقول: يا ليتني مكان هذا؟ قلت: يا أبا ذر إن ذلك لمن أمر عظيم؟ قال: أجل. [التذكرة، ص: 711].
قصص في تمني الموت وأسباب ذلك:
00:51:48
 هنالك قصص نقلت عن السلف في تمني الموت والدعاء به، فلماذا؟
تمني الموت خوفا من الفتن في الدين:
00:51:55
 قطعًا ليس لضرر في الدنيا، لا لفقر ولا لمرض ولا لشدة، بل بالتأكيد لأمور تتعلق بالدين، أكيد أن عندهم خشية على شيء يتعلق بالدين، مثال روى مالك عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر بن الخطاب من منى أناخ بالأبطح، ثم كوم كومة بطحاء ثم طرح عليها رداءه، واستلقى، ثم مد يديه إلى السماء، فقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع، ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر. [تاريخ الإسلام: 3/276].
فقوله: "فاقبضني إليك غير مفرط ولا مضيع"؛ لأنه خاف على نفسه أن يدخل الآن في طائلة العقوبة والمسؤولية، قال: "ضعفت قوتي، كبرت سني، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط". بعضهم أحيانًا يتمنى الموت بشيء معين لفضل الموت بهذا الشيء، كما روى أحمد عن عليم الكندي قال: كنا جلوسًا على سطح معنا رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أعلمه، قال يزيد: لا أعلمه إلا عبسًا الغفاري، والناس يخوضون في الطاعون، فقال عبس: يا طاعون خذني؟ فقال له عليم: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يتمنى أحدكم الموت فإنه عند انقطاع عمله لا يرد فيستعتب؟  قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بادروا بالموت ستًا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم، واستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، ونشوًا أو نشئًا يتخذون القرآن مزامير، يقدمونه يغنيهم وإن كان أقل منهم فقهًا  [رواه أحمد: 16083، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 979].
إذًا، هذا الصحابي لما دعا بهذا لقد رأى تتابع أشياء من الفتن التي يخشى فيها على دينه، والطاعون شهادة.
تمني الموت خشية الافتتان بالمال:
00:54:08
 من القصص التي تدل على تمني الموت أو الدعاء به خشية الافتتان بالمال، لما جاء زينب رضي الله عنها عطاء عمر استكثرته، وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعدها، فماتت قبل أن يدركها عطاء عمر الثاني. [حلية الأولياء: 2/54].
تمني الموت عند كثرة الفتن والاقتتال وإراقة الدماء:
00:54:26
 كثرت الفتن والاقتتال، وإراقة الدماء، والخوف من مزيد من الخلط فيها، وانقلاب الجنود على قائدهم، والأتباع على سيدهم، وتطاول الأمر الذي جعل عليًا رضي الله عنه، وكان هؤلاء الذين معه من أهل الكوفة، يحرضون على القتال، ثم يخذلونه، يقوم بهم ثم يقعدون به، فوصل علي رضي الله عنه في النهاية لما رأى القتال والدماء بين المسلمين، وخذلان هؤلاء له، كان على وشك أن يستتب له الأمر حتى أهل الشام، أن ينتصر وتنتهي القضية، خذلوه ورجعوا عنه، قالوا: لا نقاتل، فقال علي رضي الله عنه: "اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة بما فيه، فأعطني ثواب ما فيه، ثم قال: اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي وخلقي وأخلاق لم تكن  تعرف لي، اللهم فأبدلني هم خيرًا منهم" يعني أهل الكوفة، ورحل علي رضي الله عنه.
عبد الله بن سعد بن سرح كان بالرملة خرج إليها فارًا من الفتنة، ففي الليل يقول: أصبحتم؟ يقولون: لا، فلما كان عند الصبح، قال: يا هشام إن لأجد برد الصبح فانظر؟ ثم قال: اللهم خاتمة عملي الصبح، فتوضأ ثم صلى فقرأ بأم القرآن والعاديات في الأولى، وبأم القرآن وسورة في الثانية، وسلم على يمينه، وذهب يسلم عن يساره، فقبض رضي الله عنه، قال الحافظ: إسناده صحيح.
إذًا، هذا خرج فارًا من فتنة الدين.
العرباض بن سارية رضي الله عنه دعا بمثل هذا: اللهم كبرت سني ووهن عظمي فاقبضني، إليك خشية الفتنة. بل إن بعضهم لما عرض عليه المنصب خاف على نفسه من المنصب ودعا بالموت، كنصر بن علي الجهضمي، من كبار أهل السنة، من العلماء، حافظ ثقة من أوعية العلم، نصر بن علي الجهضمي، المستعين الخليفة طلبه أن يولى القضاء فقال نصر لأمير البصرة: حتى أرجع فأستخير الله؟ فرجع وصلى ركعتين، ثم قال: اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك، ثم نام فأيقظوه، فإذا هو ميت -رحمه الله-. اشتكى عثمان رعافًا فدعا حمران، فقال: اكتب لعبد الرحمن بن عوف العهد من بعدي، فانطلق حمران إلى عبد الرحمن، يقول: البشرى، قال: وما ذاك؟ قال: إن عثمان قد كتب لك العهد من بعده، فقام بين القبر والمنبر، فقال: اللهم إن كان من تولية عثمان إياي هذا الأمر، فأمتني قبله، فلم يمكث إلا ستة أشهر حتى قبضه الله.
تمني الموت فرارًا من الشهرة:
00:57:38
 بعضهم طلب الموت فرارًا من الشهرة، فإنه في بعض المواقع، قال: فانهزم السلطان فتبعه العدو، فقام واحد حال بينه وبينهم، حتى أنقذه وذهب، وهذا ذهب واختفى، لكن السلطان حفظ صورته، ولا يزال يسأل عن صفته من هو الذي صفته كذا وكذا؟ حتى قالوا: هذا أبو طلحة المصباحي، فبحث عنه حتى وصل إليه، وذهب إليه، ورمى نفسه عليه، وقال: أنت فعلت لي كذا وكذا، وفي ذلك الموقف، فقال الشيخ: يا رب كيف العيش مع هذه الشهرة، فاقبضني إليك، فمات من سنته.
وقال ابن المبارك: قدمت مكة فإذا الناس قد قحطوا من المطر، وهم يستسقون في المسجد الجرام، وكنت عند باب بني شيبة، إذا أقبل غلام أسود، عليه قطعتا خيش، قد اتزر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقه، فصار في موضع خفي إلى جانبي، فسمعته يقول في دعاء الاستسقاء: اللهم أخلقت الوجوه، كثرة الذنوب، ومساوئ الأعمال، وقد منعتنا غيث السماء لتؤدب الخليقة -شوف العبارات- بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناة، يا من لا يعرف عباده منه إلا الجميل، اسقهم الساعة الساعة، قال ابن المبارك: فلم يزل يقول: الساعة الساعة، حتى استوت بالغمام، وأقبل المطر من كل مكان، وجلس مكانه يسبح، وأخذت أبكي، إذا قام فاتبعته حتى عرفت موضعه. في آخر القصة جاءه ابن المبارك، وكشف له الأمر، أنه عرفه، أنه قال: كذا وكذا، فقال: اللهم إذ شهرتني، فاقبضني إليك الساعة الساعة، فدنوت منه، فإذا هو قد مات رحمه الله.
يعني يخشى الآن لو قيل: هذا رجل من أولياء الله، هذا دعوته مستجابة، هذا كذا، سيأتيه الناس: ادع لنا، يا شيخ، ويا شيخ، يفتن، قال: اقبضني الساعة؟ فقبض. [صفة الصفوة، لابن الجوزي: 2/ 269-272].
إذًا، الذين تمنوا الموت من السلف، أو دعوا به، إنما حصل منهم ذلك خشية على دينهم، وليس لضرر في الدنيا.
تمني الموت من أجل الشهادة في سبيل الله:
01:00:30
 وسعد بن معاذ رضي الله عنه لما دعا أن يكون في هذا الجرح موته، لماذا دعا بذلك؟ لأنه يريد أن يفوته أجر الشهادة، ولذلك دعا ربه أنه إذا لم يبق من حرب قريش شيئًا فليقبضه الآن، وهكذا كان حتى لا يفوته أجر الشهادة في سبيل الله، وقال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك صلى الله عليه وسلم من حرب قريش شيئًا، فابقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضي إليك، فانفجر كلمه -جرحه انفجر-، وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص. [مسند أحمد: 25140].
القطعة الصغيرة من الحلي، القرط لآذان الناس، لم يبق من الجرح إلا هذا المقدار اليسير، والأثر القليل، فانفجر جرحه، فمات، فأدرك الشهادة إن شاء الله.
وهكذا كان حب الموت في سبيل الله الذي يدفع المسلمين للإقدام في الجهاد، ويخيف أعداء الله من الكفار.
في هذا الموضع سنقف، ونتابع الحديث بمشيئة الله تعالى في الدرس القادم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.