الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

13- مقدمة عن البرزخ والموت


عناصر المادة
أنواع الدور التي يمر بها الإنسان:
أهمية معرفة حياة البرزخ:
المقصود بالبرزخ:
الأدلة على حياة البرزخ:
المقصود بالموت:
رفع أجهزة الإنعاش عن المحتضر:
تحقق موت الميت:
قبض ملك الموت وأعوانه للروح:
الموت ومعانيه ومرادفاته:
تسمية الموت بالقيامة:
أنواع الساعات:
حتمية الموت على كل المخلوقات:
عدم تقدم الموت أو تأخره عن موعده وبعض القصص في ذلك:
لذات الدنيا مشوبة بالتنغيص:
هل قتل الإنسان قطع لحياته قبل أجله؟
عمر الإنسان محدد:
حكم الدعاء بطول العمر:
كيفية الجمع بين النصوص الدالة على أن العمر محدد وبين أن هناك أعمال تطول العمر؟
وقت الموت من الأمور الغيبية:
وجوب الإيمان بالموت وما بعده:
الموت نقص وضعف:
حرص العاقل على تذكر الموت والاستعداد له وبعض القصص في ذلك:
مقتضيات ولوازم ذكر الموت:
حال الورثة بعد موت الميت:
بناء الإنسان قبره بالأعمال الصالحة وبعض القصص في ذلك:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، المتصف بصفات الكمال، المنعوت بنعوت الجلال، الذي علم ما كان وما يكون، وما هو كائن في حال والمآل، وحكم بالموت على كل ذي روح من مخلوقاته، وساوى فيه بين الملك والمملوك، والغني والفقير، والشريف والضعيف، والعاصي والمطيع من سكان أرضه وسماواته.
فهو الذي عدل في الآخرة بين برياته، قبض روح هذا بعدما عمر الدنيا، وزخرف البناء وتوطنها، وليست لحي وطنًا، وقبض روح الآخر، الذي اجتهد في إصلاح آخرته، وجعل الدنيا لجة، واتخذ صالح الأعمال فيها سفنًا، فشتان بين خروج الروحين من الجسدين، هذه لها السعادة والهناء، وتلك لها الخيبة والشقاوة والعناء.
هذه ترتع في رياض الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرش، في لذة ونعيم، وتلك محبوسة تعذب في نار الجحيم.
أنواع الدور التي يمر بها الإنسان:
00:01:16
 وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن جعل لنفوس الخلق أربع دور، كل دار أعظم من التي قبلها.
الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك المحصن الضيق، والغم، والظلمات الثلاث.
والدار الثانية، هي: الدار التي نشأت فيها، وألفتها، واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة والشقاوة.
والدار الثالثة: البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار وأعظم، بل نسبتها إليها كالنسبة هذه الدار إلى الأولى. كم لبثت في بطن أمك؟
تسعة أشهر.
وكم تلبث في الحياة الدنيا؟
من ستين إلى سبعين سنة.
البرزخ أطول من هذه الدنيا، وإذا كنت ترى أن اللبث في بطن الأم تسعة أشهر قصيرًا، بالنسبة إلى الدنيا من ستين إلى سبعين سنة، فاعلم بأن حياتك في هذه الدنيا أقصر من البرزخ، والنسبة إليها كتلك إن لم تكن أكثر، فنعيش في البرزخ أكثر مما نعيش في الدنيا، نعيش تحت الأرض أكثر مما نعيش فوق الأرض، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
والدار الرابعة: دار القرار إما إلى الجنة، وإما إلى النار، ولا دار بعد ذلك.
وقد جرت سنة الله -سبحانه وتعالى- أن ينقل خلقه طبقًا بعد طبق، حتى يبلغهم الدار النهاية الأخيرة التي لا دار بعدها: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ  [الشورى: 7].
ولكل نفس في كل دار حكم وشأن، فتبارك الله منشأ النفوس، وفاطرها، مميتها ومحيها، مسعدها ومشقيها، الذي فاوت بينها، وفاوت بين علومها، وأعمالها، وقواها، وأخلاقها.
وهكذا دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة.
وسنتحدث بمشيئة الله تعالى في هذه السلسلة بعدما انتهينا من أشراط الساعة على دار البرزخ، فإنها التي تليها في الترتيب، لنتحدث بعد ذلك -إن شاء الله- عن قيام الساعة، والبعث والنشور، وما يكون في الدار الآخرة من الحساب والجزاء، والصراط، والحوض، والميزان، وبعد ذلك بمشيئة الله عن دار القرار الجنة أو النار.
أهمية معرفة حياة البرزخ:
00:04:22
 نحن إذًا الآن سنتحدث في هذه السلسلة عن البرزخ، ما يتعلق بالموت وما بعده، إلى قيام الساعة، هذه حياة طويلة، من الموت إلى قيام الساعة حياة طويلة أطول من حياتنا هذه، فيها أحداث عظام، وفيها أشياء جسام.
وينبغي علينا أن نتعرف عليها، فإن كثيرًا من الناس يجهلون ما يكون في دار البرزخ، يجهلون ما يكون في هذه المدة من الموت إلى قيام الساعة، فربما سمعوا أشياء كثيرة عما يكون في الآخرة، والدنيا يرونها أمامهم محسوسة، السمع والبصر، بقيت هذه المدة: البرزخ، مدة مجهولة عند الكثيرين، مع أنها أطول من حياتنا هذه.
المقصود بالبرزخ:
00:05:20
 البرزخ في كلام العرب، هو: الحاجز والحد بين الشيئين، قاله العلامة الراغب اللغوي.
قال تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا  [الفرقان: 53] أي: حاجزًا.
والبرزخ في موضوعنا: هو الدار التي تعقب الموت إلى البعث.
الأدلة على حياة البرزخ:
00:05:41
 إن قال قائل: ما هو الدليل عليه؟
قال تعالى: وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  [المؤمنون: 100].
قال أبو صالح وغيره من المفسرين: {وَمِن وَرَائِهِم} يعني: أمامهم.
وقال مجاهد: "البرزخ: الحاجز ما بين الدنيا والآخرة".
وقال محمد بن كعب: "البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم بالجنة أو النار.
وقيل: البرزخ، المقابر، لا هم في الدنيا، ولا هم في الآخرة، فهم مقيمون ينتظرون:  أَيَّانَ يُبْعَثُونَ  [النحل: 21]. [تفسير القرآن العظيم: 5/494].
إن قوله تعالى: وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ  [المؤمنون: 100] تهديد لهؤلاء المحتضرين الظلمة بعذاب البرزخ؛ كما قال:  مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ  [الجاثية: 10]،  وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ  [إبراهيم: 17]، أمامهم سيقدمون عليه.
 وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  [المؤمنون: 100] يستمر بهم العذاب إلى يوم البعث؛ كما جاء في الحديث: إن الكافر بعد فتنة القبر  يقال للأرض: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهَا أَضْلاَعُهُ، فَلاَ يَزَالُ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ  [رواه ابن حبان : 3117، وصححه الألباني في صحيح ابن حبان: 3107]، يعني: في الأرض، عذاب في البرزخ إلى يوم القيامة.
ومن المعذبين في البرزخ: قارون، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا قال: بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء، خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة  [رواه البخاري: 3485، ومسلم: 5586، واللفظ للبخاري].
قيل هو: قارون.
إذًا، البرزخ يبدأ بالموت.
المقصود بالموت:
00:07:52
 فما هو الموت؟
قال العلماء: الحياة والموت نقيضان، متناقضان كتناقض النور والظلام، والبرودة والحرارة، ولذلك فإن معاجم اللغة تعرف كل واحد منهما بأنه نقيض الآخر.
ففي تعريف الحياة، يقولون: الحياة نقيض الموت، والحي من كل شيء نقيض الميت، والجمع أحياء [لسان العرب: 14/211، والمخصص: 1/180].
وفي تعريف الموت: الموت والموتان ضد الحياة، قال عز وجل:  أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ  [النحل: 21].
والموت في لغة العرب يطلق على السكون، وكل ما سكن فقد مات، فيقولون: ماتت النار إذا برد رمادها، فلم يبق من الجمر شيء، وهكذا مات الحر والبرد، وماتت الريح، يعني: سكنت. [ينظر: لسان العرب: 2/90].
وإذا كان السكون أصل الموت في اللغة، فإن الحركة أصل الحياة.
ولذلك قال في لسان العرب: الحي كل متكلم ناطق، والحي من النبات ما كان طريًا يهتز. [لسان العرب: 14/211، وتهذيب اللغة: 5/184].
الحياة الإنسانية تتعلق بالروح عندما ينفخ في جسد أمه، والموت انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقة الروح للبدن، وهذه تترتب عليها أحكام من وجوب الغسل، والتكفين، والصلاة، والدفن، وقسم الميراث، وعدة الزوجة، ونحو ذلك من الأحكام المتعلقة بالموت.
رفع أجهزة الإنعاش عن المحتضر:
00:09:29
 ومن ضمن الأحكام: رفع أجهزة الإنعاش عن هذا المحتضر، متى يكون؟
إذا تيقن الأطباء من موته.
وأحيانًا لا يتيقنون، ويقولون: لا ندري، فيقال: للموت علامات؛ كانقطاع النفس، ودقات القلب، والبرودة، واليبوسة، وارتخاء الفك، والمفاصل، ونحو ذلك، كجحوض العينين، أو أن تكون العينان تنظران إلى الأعلى، شخوص البصر.
تحقق موت الميت:
00:10:18
 فإذا تيقن بالموت بدأت أحكام الموت، وقد قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ [الأنعام: 60]، فالنوم شبيه الموت، ولذلك يسمي العلماء النوم: الوفاة الصغرى، فالنوم وفاة، والقيام من النوم: بعث ونشور، وهذا معنى الآية:  وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ  [الأنعام: 60].
قال ابن كثير رحمه الله: إنه يتوفى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر؛ كما قال الله تعالى:  إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ  [آل عمران: 55]، [تفسير القرآن العظيم: 3/266]، ففي بعض التفاسير: منيمك ورافعك إلي، يرفعه وهو نائم [ينظر: جامع البيان في تأويل القرآن: 6/455].
أما الوفاة، بمعنى: خروج الروح، فإن روح عيسى لم تخرج من جسده بعد، وسينزل ليموت في الأرض بعد حين، ويصلي عليه المسلمون.
وقال تعالى:  اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى  [الزمر: 42]، فذكر في هذه الآية الوفاتين: الكبرى، والصغرى.
وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى، ثم الكبرى، فقال:  وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ  [الأنعام: 60]، يعني: ما كسبتم من الأعمال.
وفي قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر: 42].
قال ابن كثير رحمه الله: قال تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة، بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة، الملائكة الذين يقبضون الروح.
قبض ملك الموت وأعوانه للروح:
00:12:19
 ويقبض الروح ملك الموت، وملك الموت له أعوان:  تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ  [الأنعام: 61]، يعني: ملك الموت وأعوانه. [تفسير القرآن العظيم: 7/101].
وسيأتي التفصيل -إن شاء الله-.
الموت ومعانيه ومرادفاته:
00:12:31
 والوفاة الصغرى عند المنام؛ كما قال تبارك وتعالى:  وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ  [الأنعام: 60] الآية.. ثم قال: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً  [الأنعام: 61]، هاتان الآيتان في سورة الأنعام.
الآية الأولى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ [الأنعام: 60]، هذه الوفاة الصغرى.
الآية التي تليها في سورة الأنعام:  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ  [الأنعام: 61]، هذه هي الموتة الكبرى.
ففي آية ذكر الصغرى ثم الكبرى، وفي آية ذكرى الكبرى ثم الصغرى.
في آيتي الأنعام ذكر الصغرى ثم الكبرى، وفي آية الزمر ذكر الكبرى ثم الصغرى، قال:  اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا  [الزمر: 42]، فذكر أولًا الكبرى ثم الصغرى.
وقال السدي: وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى  [الزمر: 42] "إلى بقية الأجل".
وقال ابن عباس: يمسك أنفس الأموات:  اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر: 42]، يرسل أنفاس الأحياء، ولا يغلط سبحانه وتعالى [تفسير القرآن العظيم: 7/ 102]، فهذا يقبضه، وهذا يرسله، وهذا يعجله، وهذا يؤخره عز وجل.
العلماء أحيانًا يقولون في الموت: القيامة الصغرى، ويقولون عن البعث والنشور وما بعدها: القيامة الكبرى، فهذا إطلاق آخر؛ كما قال القرطبي رحمه الله في التذكرة: الموت انقطاع، وتعلق الروح بالبدن، ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال من دار إلى دار. [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ص: 112].
القيامة الصغرى هي الموت، من مات قامت قيامته، وحان حينه.
وقد جاء في الصحيحين عن عائشة قالت: كان رجال من الأعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عن الساعة، فكان ينظر إلى أصغرهم، فيقول:  إن يعش هذا لا يدركه الهرم، حتى تقوم عليكم ساعتكم  [رواه البخاري: 6511، ومسلم: 7598].
ما المقصود بهذه الساعة؟ هل هي الساعة الكبرى؟ أو أنها ساعة ساعة دونها؟
هي ساعة دونها، ليست القيامة الكبرى، قيامة دونها.
وسيأتي التقسيم إلى: قيامة صغرى، وقيامة وسطى، وقيامة كبرى.
هذه القيامة هنا: هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم  ليس المقصود به الساعة الكبرى.
قال ابن كثير: والمراد انخرام قرنهم، يعني: الذي هم فيه، يعني يقول للصحابة:  إن يعش هذا الغلام لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعتكم ، جيلكم كله سيفنى، سيموت كلكم، هذا الغلام إذا بلغ الهرم؛ جيلكم يا أصحابي لن يبقى منه أحد، لن يبقى على وجه الأرض أحد، يعني ممن هو حي الآن، أما أولادهم يتناسلون.
والساعة العظمى التي فيها اجتماع الأولين والآخرين، ليست هي الساعة الصغرى، التي هي موت الشخص، ولا الساعة الوسطى، التي هي موت الجيل.
قال ابن القيم في كتابه الروح: "وقد ذكر سبحانه هاتين القيامتين، وهما: الصغرى والكبرى في سورة المؤمنين، وسورة الواقعة، وسورة القيامة، وسورة المطففين، وسورة الفجر، وغيرها من السور.
وقد اقتضى عدله وحكمته: أن جعلهما داري جزاء للمحسن والمسيء، ولكن توفية الجزاء الكامل إنما يكون في المعاد الثاني في دار القرار؛ كما قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ  [آل عمران: 185]" [الروح، ص: 74].
متى؟  يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
في القبر في .. في .. في مجازاة، لكن ليست المجازاة الكاملة، المجازاة الكاملة الموفاة متى تكون؟
يوم القيامة وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  [آل عمران: 185].
إذًا، التوفية الكاملة يوم القيامة، أما في البرزخ فيوجد جزاء، يوجد تنعيم، ويوجد تعذيب.
"وقد اقتضى عدله، وأوجبت أسماؤه الحسنى، وكماله المقدس؛ تنعيم أبدان أوليائه وأرواحهم، وتعذيب أبدان أعدائهم وأرواحهم، فلا بد أن يذيق بدن المطيع له وروحه من النعيم، واللذة ما يليق به، ويذيق بدن الفاجر، العاصي له، وروحه، من الألم، والعقوبة ما يستحقه، هذا موجب عدله وحكمته، وكماله المقدس" [الروح، ص: 74].
وقال أيضًا في كتاب الروح: "إن الله سبحان وتعالى جعل لابن آدم معادين وبعثين؛ ليجز فيهما:  لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى  [النجم: 31]. فالبعث الأول: مفارقة الروح للبدن، ومصيرها إلى دار الجزاء الأول" [الروح، ص: 74].
ما هو دار الجزاء الأول؟
القبر والبرزخ.
"والبعث الثاني: يوم يرد الله الأرواح إلى أجسادها، ويبعثها من قبورها إلى الجنة أو النار، وهو الحشر الثاني" [الروح، ص: 74]، ولهذا جاء في الحديث الصحيح:  وتؤمن بالبعث الآخر  [رواه البخاري: 4777، ومسلم: 106]، تميزًا له عن البعث الأول.
ما هو البعث الأول؟
الموت، لا ينكره أحد، وإن أنكر كثير من الناس الجزاء فيه، والنعيم والعذاب.
فإذًا، الموت حتى الكفار يعترفون به، لكن ماذا ينكرون؟
ما يكون بعد الموت من الجزاء.
والبعث الثاني: ينكره الكفار: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ  [الجاثية: 24]،  زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ  [التغابن: 7]، أربع مؤكدات: "بَلَى"، والقسم، "وَرَبِّي"، ولام التأكيد، "لا"، ونون التوكيد "تُبْعَثُنَّ"، أربع مؤكدات؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، فكانت المؤكدات كبيرة، تتناسب مع الإنكار الذي كان عليه كفار العرب.
والموت وما بعده برزخ بين الدنيا والآخرة، قال بعض العلماء: الموت هو القيامة الصغرى، ومن مات فقد قامت قيامته.
وفي هذه القيامة يكون العبد وحده، عندها يقال له: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  [الأنعام: 94]، وفيها يقال له:  كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا  [الإسراء: 14].
والقيامة الصغرى بالنسبة للقيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة للكبرى، فإن للإنسان ولادتين: إحداهما: الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام. الصلب: في صلب أبيه، والترائب: في صدر أمه.
إلى مستودع الأرحام عندما تلتحم النطفة، عندما يلتقي الماءان، ماء الرجل وماء المرأة في الرحم.
فإذًا، يولد ولادة أولى عندما يخرج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام، وهو في الرحم: فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ [المرسلات: 21- 22].
وله في سلوكه إلى الكمال منازل، وأطوار من نطفة، وعلقة، ومضغة، حتى يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم.
فقس الآخرة بالأولى، فالمقر بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشهادة، والمقر بالصغرى لا بالكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين، وذلك هو الجهل والظلال.
إذًا، الذين يستبطؤون هجوم الموت، يقتدون بالرعاع الغافلين، الذين لا يتنظرون إلا صيحة واحدة وهم يخصمون  فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ  [يــس: 50]، فيأتيه المرض نذيرا من الموت لا ينزجرون، ويأتيهم الشيب رسولًا منه فلا يعتبرون: مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون  [يــس: 30].
أيظنون أنهم في الدنيا خالدون؟  أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنْ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ  [يــس: 31].[إحياء علوم الدين: 4/65].
تسمية الموت بالقيامة:
00:21:48
 لقد ورد تسمية الموت بالقيامة في بعض الروايات، لكن في صحتها نظر؛ كما أخرج العسكري عن أنس مرفوعًا:  الموت القيامة، إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته  [عزاه إلى العسكري السخاوي في المقاصد الحسنة، ص: 139]، وقد ذكر الألباني رحمه الله تعالى تضعيفه في سلسلته الضعيفة، تحت حديث:  من مات فقد قامت قيامته . [سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة: 1166]
فإذًا، العلماء يطلقون على الموت قيامة صغرى.
والساعات الثلاث التي ذكرناها، الساعة أصلًا في اللغة تطلق على الجزء اليسير من النهار، أو من الوقت، أو من الزمان، وتطلق على قيام الساعة الكبرى، قيام القيامة الكبرى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ  [القمر : 1]،  وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم: 55].
أنواع الساعات:
00:22:34
 والساعات الثلاث التي تقدم ذكرها: الساعة الكبرى، بعث الناس للمحاسبة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم  [رواه البخاري: 103] إلى آخر الحديث. المقصود بها: القيامة الكبرى.
الساعة الوسطى: موت أهل القرن الواحد، الجيل هذا إذا مات كل، فهذه ساعة وسطى بالنسبة لانخرام الجيل وموته، وهذا القرن من البشر. وهذا حديث: إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة  [رواه أحمد: 13410، والبخاري: 6511، ومسلم: 7599].
 إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة  يعني: ساعة جيلكم هذا يا أيها الصحابة، كلكم تموتون، ليس على وجه الأرض أحد، فعلًا، إذا قال هذا الكلام سنة عشرة للهجرة، سنة مائة وعشرة للهجرة ما كان باقي ولا واحد حي من الذين كانوا أحياء، لما قال تلك العبارة.
إذا كان قال عليه الصلاة والسلام هذه العبارة:  إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة  المقصود به ماذا؟
ساعة الجيل هذا.
طبعًا من فوائد العملية هذه، التي هي: أنه كل واحد كان عايش في سنة عشرة للهجرة، بعد مائة سنة لا يمكن يكون حي، كلهم سيموتون، أن كل من ادعى الصحبة بعد سنة مائة وعشرة، فهو كذاب، أي واحد قال: أنا صحابي بعد سنة 110، فهو كذاب؛ لأنه أخبر مائة سنة لا يبقى منهم أحد.
وفعلًا كان آخر صحابي مات قبل ذلك، ما جات سنة مائة وعشرة إلا وكان الصحابة كلهم ماتوا، بل ليس فقط الصحابة، بل كل واحد على وجه الأرض في ذلك الوقت سنة عشرة لما قيل ذلك الكلام، كلهم ماتوا.
ولذلك لو أحد قال: الخضر حي الآن، نقول: ما يمكن، أصلًا لو كان حي إلى وقت النبوة، فما جاءت سنة مائة وعشرة إلا وهو ميت.
إذًا، الساعة الوسطى ساعة الجيل.
الساعة الصغرى موت الإنسان الواحد، فساعة كل إنسان موته، وهي المشار إليها بقوله تعالى:  قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا  [الأنعام: 31]، وهذه الحسرة تكون عند موت الإنسان، عندما يأتي الموت فيقول:  رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ  [المنافقون: 10]، ومن هذا قوله تعالى:  قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  [الأنعام: 40].
حتمية الموت على كل المخلوقات:
00:25:25
 الموت حتم لازم، لا مناص منه لكل المخلوقات؛ كما قال الله تعالى:  كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  [القصص: 88]،  كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  [الرحمن: 26]، أخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون، ويموتون أجمعون.
وكذلك أهل السماوات إلا من شاء الله، قيل: الحور العين، والولدان المخلدون في الجنة، يعني: أنهم لا يموتون بنفخة الموت، نفخة الصعق، لكن باقي أهل السموات والأرض حتى الملائكة، حتى ملك الموت كلهم سيموتون:  كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  [آل عمران: 185]،  كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  [الرحمن: 26]، وهو الحي سبحانه لا يموت، والجن والإنس يموتون، وتموت الملائكة، وحملة العرش، وينفرد الواحد القهار بالديمومة بالبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا.
وهذه الآية:  كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن: 26-27] تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، ولو نجى أحد من الموت لكان خيرة خلق الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أولاهم بذلك، ولكن الله قال له:  إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ  [الزمر: 30].
والموت حق على الإنس والجن؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت الذي لا يموت والجن والإنس يموتون  [رواه البخاري: 7383].
أما موت الملائكة، فقد قال عز وجل:  وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ  [الزمر: 68]، هذه نفخة الصعق التي يموت فيها الأحياء كلهم من أهل السموات والأرض إلا من شاء الله.
وهذه النفخة إذا صارت ومات الجميع نادى الله في السموات:  لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ  [غافر: 16]؟ فلا يجيبه أحد؛ لأن الخلق ماتوا، فيجيب نفسه بنفسه قائلًا:  لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [غافر: 16].
هل يموت أحد من الملائكة قبل نفخة الصورة؟
لا نعلم ذلك، ولا نخوض فيه، ولا يخاض إلا بعلم، والمقصود الاستعداد للموت.
روى الدينوري عن إبراهيم الأدهم من كبار الزهاد، قال: دخلت حصنًا من حصون ساحل الشام، وأنا مجتاز، يعني: في الطريق، وقد أخذتني السماء، يعني: المطر بالليل، فدخلت إلى أتون، فقلت: أقعد ساعة حتى يهدئ المطر، أتون يعني: فرنًا، فإذا أسود، رجل أسود يوقد فيه، فسلمت، فقلت: أتأذن لي إلى أن يسكن المطر؟ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ادْخُلْ ، فَدَخَلْتُ ، فَجَلَسْتُ حِذَاءَهُ، فجعلت أنظر إليه ولا أكلمه، هو يوقد ولا يكلمني، وهو يحرك شفتيه ويلتفت يمينًا وشمالًا، لا يفتر. فلما أصبح أقبل علي، فقال: لا تلومني إن لم أحسن ضيافتك، وأقبل عليك، إني عبد مملوك قد وكلت بما ترى، فكرهت أن أشتغل عما وكلت به، يعني: من أمانته بالعمل، قال: أنا عبد موكل بإيقاد الفرن، فأنا دائما أوقده، فقلت: فما كان التفاتك يمينًا وشمالًا لا تفتر؟ قال: خوفًا من الموت، وقد علمت أنه نازل بي، ولكن لم أعلم من أين يأتيني؟ ولا متى يأتيني؟ قلت: فما الذي تحرك به شفتيك؟ قال: أحمد الله، وأهلله، وأسبحه؛ لأنه بلغني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه: اعمل لا يأتيك الموت إلا ولسانك رطب من ذكر الله عز وجل  قال إبراهيم: فبكيت وصحت: برز عليك الأسود يا إبراهيم". [المجالسة وجواهر العلم: 2/257].
لأن إبراهيم هذا كان مشهورًا بالزهد والعبادة جدًا.
فالآن رأى رجلًا أسود قد فاقه، فقال يوبخ نفسه: "برز عليك الأسود يا إبراهيم "سبقك بهذا؛ لأن هذا ذهنه دائما مشتغلًا بترقب الموت، ولذلك لسانه لا يفتر دائمًا، يقول: يأتيني أجلي، وأنا أذكر الله.
عدم تقدم الموت أو تأخره عن موعده وبعض القصص في ذلك:
00:30:10
 والموت أجله محدد، جرى بذلك القلم في اللوح المحفوظ، وكتبته الملائكة الكرام، والمرء في بطن أمه كتب أجله، فلا يتأخر، ولا يتقدم، سواء مات حتف أنفه، أو غرق، أو احترق، أو أكله سبع، أو قتل بيد عدو، ونحو ذلك من الأسباب.
قال الله عز وجل:  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً  [آل عمران: 144]، فكل المخاليق متعلقة بآجالها، بقضاء الله وقدره وإذنه.
ومن قدر سبحانه: أن يموت، فلا بد أن يموت ولو بغير سبب، ولو أراد بقاءه، فلو اجتمعت عليه كل أسباب الموت فإنه لا يموت: إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  [يونس: 49].
ولما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحُد، وقُتِل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل! ورجع ابن قَمِيئَةَ إلى المشركين، فقال لهم: قتلتُ محمدًا. وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَشَجَّه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله قد قُتل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قَصَّ الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام، فحصل وهَن وضعف وتَأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم:  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ  [آل عمران: 144].
ومر رجل من المهاجرين على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمدًا قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزلت هذه الآية. [تفسير الطبري: 7/253].
ثم قال تعالى منكرًا على من حصل عنده ضعف، قال: أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ{ يعني: رجعتم القهقرى }وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ  [آل عمران: 144]، وهذه الآية:  وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً  [آل عمران: 145]. [تفسير القرآن العظيم: 2/128].
ولذلك لما مات النبي صلى الله عليه وسلم، وظن عمر أنه قد صعد إلى ربه وسينزل، قال أبو بكر: "أما من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وقراء الآية: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، وقول الله تعالى:  إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ  [الزمر: 30].
قال ابن عباس: فو الله وكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها [البخاري: 3668]، خارجين كلهم يقرؤون الآية، لقد أدركوا المعنى عمليًا.
 وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً ،  قَدَرًا مَّقْدُورًا  [الأحزاب: 38] بعد استيفاء المدة التي قدرها الله:  كِتَابًا مُّؤَجَّلاً [آل عمران: 145]؛ كما قال:  وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ  [فاطر: 11]، وقال:  هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ [الأنعام: 2].
فهذه الآيات تشجيع للجبناء، وترغيب لهم في القتال؛ لأن الإقدام لا يعني الموت.
ألا ترى أن الجيوش تذهب للقتال، وفي كثير من الأحيان يسلم أكثرهم، حتى جيش المسلمين في أحد أكثره سلم، وفي بدر أكثره سلم، وفي حنين، وفي فتح مكة، وفي تبوك، وفي مؤتة، وجيش أسامة بن زيد ما قتل منه ولا واحد، ولا واحد ما قتل، ولذلك الصحابة قالوا: "ما نعلم جيش أسلم من جيش أسامة" يعني: سلم مثل جيش أسامة ما رأينا.
فإذًا، الإقدام إلى القتال، لا يعني الموت الحتمي، كما أن التأخر، والجبن، والانسحاب، وعدم القتال، والنكوص، والتولي يوم الزحف، لا يعني الحياة، وكم من أناس هربوا من الموت فماتوا في الطريق؟
إذًا، هذه القضية الإيمان بها، مسألة الموت أنه كتاب مؤجل، يؤثر كثيرا في معنويات الناس.
ولما خطب سعد على شاطئ دجلة، وحمد الله، وأثنى عليه، قال: "إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فينا وشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تأتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا إلى جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم؟" فقالوا: عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل.
فندب الناس إلى العبور، فانتدب عاصم بن عمرو، وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال: تخافون من هذه النطفة؟! ثم تلا قوله تعالى:  وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه كِتَابًا مُّؤَجَّلاً  [آل عمران: 145]، ثم أقحم فرسه فيها، واقتحم الناس، فلم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض، فلما رآهم الفرس يطفون على الماء، قالوا: "دبوان دبوان" يعني: مجانين مجانين، ثم قالوا الفرس لأنفسهم: والله ما تقاتلون إنسًا، بل تقاتلون جنًا، ثم ولو مدبرين، فقاتلهم المسلمون، وغنموا منهم مغانم كثيرة. [البداية والنهاية: 7/ 73-74].
إذًا، هذه الآية:  وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً  [آل عمران: 145]، تشجع على القتال في سبيل الله.
قال ابن حزم في الفصل: "الخلق كله مصرف تحت أمر الله عز وجل وعلمه، فلا يقدر أحد على تعدي علم ما علم الله تعالى أنه يكون، ولا يكون ألبته إلا ما سبق في علمه أنه يكون، والقتل نوع من أنواع الموت. فمن سأل عن المقتول لو لم يقتل لكان يموت أو يعيش". [الفصل في الملل، لابن حزم: 3/49].
لو جاء واحد وجه سؤالًا، وقال: هذا الذي ذهب في المعركة، وقتل ومات، لو ما قتل هل كان سيموت أم لا أو يعيش؟
قال ابن حزم: "فسؤاله سخيف؛ لأنه إنما يسأل لو لم يمت هذا الميت، أكان يموت أم كان لا يموت، وهذه حماقة جدًا".
قال: "لأن القتل سبب الموت... ونص القرآن يشهد بصحة ما قلنا". [الفصل في الملل، لابن حزم:  3/49].
قال الله عز وجل:  لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  [آل عمران: 154]؛ لأنه بعد غزوة أحد، قال بعض المنافقين: هؤلاء الذين خرجوا إلى أحد وماتوا في المعركة: لو أطاعونا، وجلسوا في المدينة ما ماتوا ولا قتلوا، فرد الله عليهم، قال سبحانه وتعالى:  لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ  [آل عمران: 154].
يعني: لو كان الله مقدر عليهم الموت في مكان الغزوة، لو كان هذا قدر الله، لو ما خرجوا للمعركة لأحدث الله لهم سببًا يخرجهم به من بيوتهم إلى المضجع الذين يقتلون فيه في الأرض، نفس المكان، لو هو مقدر هذا سيقع، سواءً خرجوا للغزوة وإلا ما خرجوا للغزوة، لأحدث الله سببًا وباعثًا لهم على الخروج إلى المكان المقدر لهم أن يموتوا فيه، وماتوا:   أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  [النساء: 78].
إذًا، لا تجزعوا من الموت، ولا تهربوا من القتال، ولا تضعفوا عن لقاء العدو.
مجاهد رحمه الله حدث بقصة قد تكون من الإسرائيليات عند هذه الآية: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ، قال: "كان فيمن قبلكم امرأة، وكان لها أجيرًا، فولدة جارية، فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارًا، فخر فوجد رجلًا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية، يعني: بنتا.
قال: أما أن هذه الموت لن تموت حتى تبغي بمائة، يعني: تفجر، تفعل الفاحشة مع مائة شخص، ويتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت، فقال الأجير في نفسه لما سمع الكلام: فأنا أريد هذه بعد أن تفجر بمائة؟ يعني: الآن البنت الصغيرة، هذه تكبر، وتفعل الفاحشة بمائة؟ وأنا أتزوجها؟ لا يكون هذا، ويكون موتها بالعنكبوت؟ فأخذ شفرة فدخل وشق بطن الصبية وهرب. فأخذت فعولجت فبرأت، فاشبت، فانحرفت، فصارت بغيًا، فأتت ساحلًا من سواحل البحر، فأقامت عند الساحل، كل ما جاء ناس وراحوا ناس، بغي، تفجر، ولبث الرجل ما شاء الله في أماكن، ثم قدم الساحل ومعه مال كثير، فقال لمرأة من أهل الساحل: أبغيني امرأة من أجمل من في القرية أتزوجها؟ قال: ها هنا امرأة من أجمل الناس، ولكنها تبغي؟ بغي.
قال: ائْتِنِي بها، فأتتها، فقالت: قدم رجل له مال كثير، وقد قال لي كذا وكذا، يعني: ابحثين لي عن امرأة لأتزوجها، فقلت له: هناك امرأة لكنها بغي؟ جميلة لكنها بغي؟ قالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوجته، فتزوجها، فوقعت منه موقعًا، يعني: صلح حاله معها، فبين ما هو يومًا عندها إّذا أخبرها بأمره.
قال: أنا كنت في مكان أجيرًا عند ناس، وأنه ولدت لهم بنت صغيرة، وجاءنا رجل الباب، وقال كذا، وأني شقيت بطنها وهربت، قالت: أنا تلك الجارية، وأرته الشق في بطنها، أثر قديم، وقد كنت أبغي فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر. قال: فإنه قال لي يكون موتها بالعنكبوت، فبنى لها برجا بالصحراء وشيده، فبينما هما يوما في ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف، فقالت: هذا يقتلني لا يقتله أحد غيري، فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه، فشدخته، وساح سمه بين ظفرها واللحم، فاسودت رجلها فماتت، فكانت هذه الآية. [جامع البيان في تفسير القرآن للطبري: 7/235].
طبعا -الله أعلم بصحة القصة- المقصود من هذا كثير، أحيانًا الواحد يكون باقي عليه خمس دقائق، كهذا الذي سقط من ارتفاع، عامل بناء في عمارة، فهوى من ارتفاع شاهق، فصادف وجود سيارة محملة بالرمل، فوقع على الرمل فسلم، فاجتمع العمال يهنؤونه، وقالوا: هذه يبغى لها ببس؟ أقل شيء يعني؟ فذهب، قطع الشارع ليحضر الببس، فجاءت سيارة مسرعة فصدمته فمات، كم باقي له كان؟ هذه خمس دقائق.
وذلك الذي كان يسير بين المزارع على دراجة نارية، فاصطدم بفوهة بئر، فسقط فيها، فاجتمع الناس يظنون أنه مات، فنزلوا، نزلوا، أدلوا، فإذا هو حي فخرج، فجلسوا حوله يحمدون الله بسلامته، قالوا: كيف صار هذا؟
قال: أنا كنت على الدراجة، فركب دراجته مرة أخرى، وكنت ماشيًا، وجيت عند البئر، وسويت كذا، وفعلًا لما حرك الدراجة سقط مرة أخرى، لكنه مات في هذه المرة.
فإذًا، كان باقي مدة كيف يشرح لهم كيف صار الحادث الأول فقط؟
 لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ   [الرعد: 38].
لذات الدنيا مشوبة بالتنغيص:
00:42:54
 ولذات الدنيا مشوبة بالتنغيص، وزمانها مول، والعاقل من فكر في هاتين الدارين:  وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى  [النساء: 77]،  أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ  [النساء: 78].
إذًا، صائرون إليه لا محالة، لو كنتم في حصون منيعة وعالية، فلا بد أن يأتيكم.
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَهُ *** وَإِنْ يَرْقَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
ولذلك الرد الكبير على  الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ  [آل عمران: 168]، أنتم يا أيها المنافقون الذين تخلفتم عن غزوة أحد، وتخشون الموت، وقلتم: لا نخرج في المعركة حتى لا نموت، ادرؤا عن أنفسكم الموت، سيأتيكم الموت وأنتم في المدينة جبناء، سيأتيكم سيأتيكم  وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ  وقت موقت  فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ  أي: الوقت المعلوم،  لاَ يَسْتَأْخِرُونَ  أي عنه  سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  [الأعراف: 34].
هل قتل الإنسان قطع لحياته قبل أجله؟
00:34:57
 فلو قال لك واحد: هذا الذي قتل، هذا قتل قبل أجله؟ يعني: القتل قطع عمره؟
فقل: لا، هذا هو عمره، هذا هو عمره، عمره مقدر عند الله، حياته تنتهي بالقتل، ما نقص منه ولا شيء، هو مقدر عند الله أنه سيموت في هذا الوقت، لكن موته سيكون قتلًا، وقد قتل.
وهناك من سيكون موته بسكتة، وهناك موت فجأة، بمرض، بحادث، هكذا، لكل قوم ميقات لانقضاء مدتهم وأجلهم:  قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ  [الجمعة: 8] العادة أن الإنسان إذا فر من شيء يكون هذا الشيء خلفه أو أمامه؟
خلفه.
قال:  قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ  [الجمعة: 8] والملاقاة تكون للوجه.
إذًا، لو فررت منه وجعلته خلفك، سيأتيك من الأمام.
وكفى بالموت فاعلم واعظا *** لمن الموت عليه قد قدر
فاذكر الموت وحاذر ذكره  *** إن في الموت لذي اللب عبر
كل شيء سوف يلقى حتفه  *** في مقام أو على ظهر سفر
والمنايا حوله ترصده  *** ليس ينجيه من الموت الحذر
عمر الإنسان محدد:
00:45:23
 لقد جاءت السنة بأن كل واحد له عمر قد فرغ منه: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة  [رواه مسلم: 6919].
قال العلماء: "المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير ، فإن ذلك أزلي". [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 16/203].
يعني: الله علم قبل خلق اللوح المحفوظ أصلًا، لكن الكتابة في اللوح المحفوظ، كتب القلم المقادير.
روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قالت أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم أمتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ في الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ  [رواه مسلم: 6941].
ما معنى: حله؟
يعني: وجوبه وحينه.
طيب الآن ماذا سألت المرأة رضي الله عنه؟
متعني بزوجي وأبي وأخي، فكأنها تدعو لهم بطول العمر، وتدعو لنفسها بطول العمر حتى تمتع بهؤلاء كلهم، ماذا قال لها عليه الصلاة والسلام؟
 قَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ ، ثم قال:  لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ وأرشدها إلى دعاء أفضل: وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ في الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ .
حكم الدعاء بطول العمر:
00:47:07 
 طيب: ما الحكم بالدعاء بطويل العمر؟ أن يدعو الإنسان أن يطيل الله في عمره، أو يطيل في عمر فلان، أو فلان من الناس؟ إذا كانت الأعمار محددة فهل هذا الدعاء صحيح؟ وهل له أثر ونتيجة؟
ذكر بعض العلماء: أن هذا الدعاء لا أثر له، وأن العمر مكتوب مكتوب، فسواء دعوت أو ما دعوت هو هو.
وذكر بعضهم أيضا: كراهية دعاء: "أطال الله بقائك، وأطال الله عمرك.
الإمام أحمد رحمه الله نقل عنه في سبب هذه الكراهة، قال: ويكره الدعاء بالبقاء لكل أحد؛ لأنه شيء قد فرغ منه، واستدلوا بالحديث، قالو: هذا الحديث حديث أم حبيبة، يدل على عدم سؤال تطويل العمر.
ولكن بعض العلماء، قالو: إن الكراهة بالدعاء بطول العمر؛ لأنك لا تدري، أو لا يدرى هل طول عمره في مصلحته أو لا؟ يعني: لماذا يكره أن تقول لواحد: أطال الله في عمرك؟ لماذا؟
لأنك تدعو له بشيء لا يدرى هل هو خير له أم لا؛ لأنه قد يكون طول عمره شر عليه وعلى الناس. وقال بعض العلماء: لا بأس بالدعاء بطول العمر مقيدًا، كأن تقول: أطال الله في عمرك في طاعته، وأن عدم التقيد هو المكروه، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأنس بطول العمر. [ينظر الحديث أخرجه أبو يعلى: 4236، والطبراني في الأوسط: 507، وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني: 2541] وقال للبنت الصغيرة:  أبلي وأخلقي  أم خالد [رواه البخاري: 5993] وعاشت.
كيفية الجمع بين النصوص الدالة على أن العمر محدد وبين أن هناك أعمال تطول العمر؟
00:48:53
 ما معنى المحو والإثبات؟  يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ  [الرعد: 39] وإذا كانت الآجال معينة، ومكتوبة، مقدرة، محددة، فما معنى إذا  يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ؟ وما معنى:  وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ  [فاطر: 11]؟
وما معنى: من سره أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره يعني: يطول له في عمره فليصل رحمه؟  [رواه البخاري: 5985، ومسلم: 6688].
وما معنى:  وصلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار؛ يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار ؟ [رواه أحمد: 25298، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2524] وما معنى:  من سره أن يمد له في عمره، ويزاد له في رزقه؛ فليبر والديه، وليصل رحمه  حديث حسن لغيره. [رواه أحمد: 13838، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2488]. إذا كانت الأعمال كلها محددة، فكيف نجد أشياء فيها أنها أعمال تطول العمر؟
ذهب العلماء في الجمع بين هذه النصوص مذاهب، وقالوا أقوالًا، كيف نجمع بين أن العمر محدد، وبين أن هناك أعمال تطول العمر؟
فقال بعضهم: إن الزيادة في البركة، وليس في عدد السنين، فيوفق بالطاعات، ويعمر وقته أكثر بالخيرات، ويصان وقته عن الضياع، ويوفقه الله لاستثمار عمره، وأن يفعل فيه أشياء كثرة، منجزات وأعمال، لا يفعلها بدون هذه الأعمال من البر، ونحوه.
وهذا القول ضعفه شيخ الإسلام وغيره، وقالوا: إن البركة أيضًا مكتوبة، وهو خلاف ظاهر الأحاديث، يزاد له في عمره، يزاد معروف ما معنى يزاد.
القول الثاني قالوا: بقاء ذكره الجميل بعده فكأنه لم يمت، فالذكر للإنسان عمر ثان، يعني: إذا بقي ذكره طيب بعده، كأنه ما مات.
وقال بعضهم: المراد الذرية الصالحة؛ كما يقول العامة: من خلف ما مات.
والقول الرابع: -وهو الأرجح إن شاء الله- أن الزيادة حقيقية، لكن ليست بالنسبة للأجل المحدد المكتوب في اللوح المحفوظ، المعلوم من الله، وإنما الزيادة في الأجل المعلوم للملك، فهو الذي يفاجئ بزيادة العمر للشخص، ويمحو ما مكتوب عنده في الصحيفة من عمر الإنسان، ويغيره ويزيده، بناء على أمر الله تعالى.
يعني:  يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ، في صحف الملائكة، وزيادة العمر بالنسبة لمعلومات الملك، وإلا بالنسبة علم ذلك لله، من الله معلوم نهائي، ما في زيادة، ولا نقص، فالملك مثلًا: قد يعلم هذا إذا ما وصل رحمه يعيش أربعين سنة، وإذا وصل يعيش ستين سنة، والملك ما يدري هل هي أربعين وإلا ستين.
ثم يرى في الواقع ويعلمه الله تعالى أن هذا يصل وعمره ستين، ويقبض عند ستين، وكذلك لما يؤمر الملك بكتب رزقه وأجله، يكتب الملك، وهذه كتابة الملك عرضة للتغيير، أما الكتابة عند الله، فليست عرضة للتغيير.
إذا، ما هو الشيء المعرض للتغيير، والقابل للمحو الإثبات؟
ما هو موجود في صحف الملائكة، أما المعلوم لله فلا يغير، لا تغيير، ولا تبديل.
ولما سئل شيخ الإسلام ابن تيمة رحمه الله عن المقتول هل مات بأجله أو قطع القاتل أجله؟
وبعض الناس يدعو بقصف العمر، قطع العمر، أصلًا هو العمر محدود لكل واحد، محدود، فلما سئل شيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله- عن المقتول هل مات بأجله أو قطع القاتل أجله؟
قال: "المقتول كغيره من الموتى، لا يموت أحد قبل موته، ولا يتأخر أحد عن أجله، بل سائر الحيوان والأشجار" حتى الأشجار "لها آجال لا تتقدم ولا تتأخر، فإن أجل الشيء هو نهاية عمره، وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء، والأجل العمر نهاية العمر بالانقضاء" [مجموع الفتاوى: 8/516].
إذًا ما هو الأجل؟
نهاية العمر.
وما هو العمر؟
مدة البقاء.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:  كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ - قَالَ - وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ  [رواه مسلم: 6919].
وقال:  فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  [الأعراف: 34].
والله يعلم ما كان قبل أن يكون وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن، أو ذات الجنب، أو الهدم، أو الغرق، أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا إما بالسم، وإما بالسيف، وإما بالحجر، وإما بغير ذلك، وعلم الله بذلك، وكتابته له، بل مشيئته لكل شيء، وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم، والثواب والعقاب.
فإذًا قد يقتل إنسان مولي الأدبار، وقد يقتل مقبلًا غير مدبر.
فإذًا الأجل لا ينقطع بقتل الإنسان، عمره هذا المحدد ينتهي بقتله، أو بموته بمرض، أو بحادث، أو بغرق، أو بلا سبب ظاهر، أو بالهرم تنحل قواه إلى أن يموت، يموت كبيرًا طاعنًا في السن.
طيب: قوله تعالى: ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ  [الأنعام: 2]، قال: الأجل الأول أجل كل عبد الذي ينقضي به عمره، أما الأجل المسمى عنده فما هو؟
يوم القيامة.
طيب: ما معنى: وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ  [فاطر: 11] ما معنى هذا؟
قال بعض العلماء: هذا يطول عمره، وهذا يقصر عمره، بالنسبة لغيره.
إذًا، وما يعمر من معمر شخص، وما ينقص من عمره شخص آخر، لكن عمره بالنسبة للأول أقصر. وقال بعضهم: نفس الشخص، الشخص نفسه  وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ  قالوا: في الصحيفة كل يوم نقص الذي يحصل في عمره.
يعني -مثلًا-: واحد عمره ستين سنة إذا راح يوم من عمره ماذا يكتب؟ ذهب يوم، غدا ذهب يومين، بعد غد ذهب ثلاثة، ففهم بعضهم من قوله تعالى: وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ  [فاطر: 11]، يعني: أنه كل يوم يكتب النقص، كم باقي؟ كم مضى؟ كم مضى؟ كما تذهب أوراق التقويم.
هذا إذًا ما قالوه في قوله تعالى:  وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ  [فاطر: 11]، يعني: مكتوبًا، هذا مكتوب.
وقت الموت من الأمور الغيبية:
00:56:24
 وقت الموت بالنسبة لنا مجهول، وهو من الغيب الذي لم يطلعنا الله عليه: وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  [الأنعام: 59].
فالأجل لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى:  فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا  [الجن: 26]،  لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: 65].
لكن الله إذا أراد شيئًا، إذا أراد أن يقبض روح عبد في مكان جعل له حاجة فيها، كما قال عليه الصلاة والسلام:  إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة  [رواه الترمذي: 2147 ، وأحمد: 22034، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 110] يعني: لو الله عز وجل أراد أن يقبض روح هذا الهندي في السعودية، سيجعل له حاجة في السعودية يأتي إليها لكي يقبض فيها، أراد هذا أن يموت في المغرب، سيجعل له في المغرب حاجة ليذهب إليها لتقبض روحه هناك.
وجوب الإيمان بالموت وما بعده:
00:57:23
 الإيمان بالموت شعبة من شعب الإيمان باليوم الآخر؛ كما جاء في الحديث الصحيح:  وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت  [رواه أحمد: 2926، وقال محققو المسند: "حديث حسن وإسناده"].
وقال:  خمس من لقي الله بهن مستيقنا دخل الجنة، من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وأيقن بالموت والبعث والحساب  [رواه أحمد: 23149، وقال محققو المسند: "حديث صحيح"].
هذا إذا لقي الله بها دخل الجنة.
نؤمن بالموت، وبما بعد الموت، وفي رواية: ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر  [رواه الترمذي: 2145، وصححه الألباني في مكشاة المصابيح: 104].
إذًا، لا بد من يقين جازم بالموت، وبما بعد الموت، والانتقال إلى الدار الآخرة.
الموت نقص وضعف:
00:58:09
 الموت نقص وضعف، ولذلك فإن الله -سبحانه وتعالى- هو الحي القيوم لا يموت، والجن والإنس يموتون، وقال الصديق -رضي الله عنه-: "من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي في السماء لا يموت" [رواه البخاري: 3668].
وقال سبحانه وتعالى، ينعي على المشركين عبدة الأصنام:  وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ  هؤلاء المعبودين من دون الله: لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ  [النحل: 20 - 21]، فكيف يعبدونهم من دون الله وهم أموات غير أحياء؟ جمادات، ليس فيها حياة؟
هذا أسلوب تهكم.
وقال تعالى:  وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ  [الفرقان: 58]، واللجوء في الحوائج لمن؟
للحي الذي لا يموت.
أما اللجوء إلى هذه الأصنام والأوثان:  وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء [النحل: 20- 21].
 ركُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ  [القصص: 88] سبحانه وتعالى.
 كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ  [الرحمن: 26].
وقال عليه الصلاة والسلام:  أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت والجن والإنس يموتون  [رواه البخاري: 7383].
وإذا أراد الإنسان أن يدعو ربه، ويتوسل له بأسماء، فإن من أسمائه: الحي، قال: كنا مع إبراهيم ابن أدهم في البحر وهبت الريح، وهاجت الأمواج، واضطربت السفينة، وبكى الناس، فقلنا لإبراهيم: يا أبا إسحاق أما ترى ما الناس فيه؟ فرفع إبراهيم رأسه، وقد أشرف الناس على الهلكة، فقال: "يا حي حين لا حي، ويا حي قبل كل حي، ويا حي بعد كل حي، ويا حي يا قيوم قد أريتنا قدرتك، فأرنا عفوك" فهدأت السفينة من ساعته. [سير أعلام النبلاء: 7/391].
حرص العاقل على تذكر الموت والاستعداد له وبعض القصص في ذلك:
01:00:19
 أيها الإخوة: إن العاقل يحرص على تذكر الموت، والاستعداد له، وفي نهاية هذه الحلقة الأولى في قضية الإيمان بالموت لنا وقفة تذكيرية مع هذه الموضوع، قال عليه الصلاة والسلام:  أكثروا ذكر هاذم اللذات   [رواه الترمذي: 2307، والنسائي: 1824، وابن ماجه: 4258، وأحمد: 7912، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3333] هاذم اللذات  يعني: الموت، قاطعها، فهو يهدم اللذات، ويذهب بها، قال عليه الصلاة والسلام:  أكثروا ذكر هاذم اللذات، فإنه لم يذكر أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلى ضيقه عليه  حديث حسن. [رواه البزار:13/352، رقم: 6987، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 1211].
هذه عبارة وجيزة:  أكثروا ذكر هاذم اللذات  أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فضح الموت الدنيا، فلا يترك فيها لذي لب فرحًا.
لا شيء مما ترى تبقى بشاشته *** يبقى الإله و يودي المال و الولد
يعني: يذهب.
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه *** والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح له  *** والإنس والجن فيما بينها ترد
أين الملوك التي كانت لعزتها  *** من كل أوب إليها وافد يفد؟
حوض هنالك مورود بلا كذب  *** لا بد من ورده يوما كما وردوا
[التذكرة، ص: 8].
يقول التيمي: "شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، وذكر الموقف بين يدي الله عز وجل".
كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يجمع العلماء، فيتذاكرون الموت، والدار الآخرة، فيبكون كأن بين أيديهم جنازة. [التذكرة، ص: 8].
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ثلثا الليل قام، فقال:  يا أيها الناس اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه  [رواه الترمذي وهو حديث حسن: 2457، وحسنه الألباني في الصحيحة: 954، وفي فضل الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم: 14].
الرادفة والراجفة، الإشارة إلى النفخة الأولى، والنفخة الثانية.
وقال رجل للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله علمني وأوجز؟ قال:  إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع  [رواه ابن ماجه: 4171، وأحمد: 23545، وحسنه  الألباني في صحيح ابن ماجه: 3363] كأنك ستصلي آخر صلاة في حياتك.
وعن البراء قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة فجلس على شفير القبر، فبكى حتى بل الثرى، ثم قال: يا إخواني لمثل هذا فأعدوا  [رواه ابن ماجه: 4195، وهو حديث حسن، حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 3383].
سليمان بن عبد الملك قال لأبي حازم الزاهد: يا أبا حازم مالنا نكره الموت؟ قال: "لأنكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا، فأنتم تكرهون من العمار إلى الخراب، عمرت الدنيا خربت الآخرة، طبيعي أن تكره الانتقال من العمار إلى الخراب.
قال: يا أبا حازم كيف القدوم غدا على الله؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق، العبد الهارب من مولاه، فبكى سليمان [إحياء علوم الدين: 2/ 147].
قال موسى التيمي: "ما رأيت أحد أجمع للدين والمملكة والشرف من عبد الرحمن بن أبان الأموي. كان يشتري أهل البيت فيكسوهم، ويعتقهم، ويقول: أستعين بهم على غمرات الموت، فمات وهو نائم في مسجده. [سير أعلام النبلاء: 5/ 10].
سئل النبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟ قال:  أحسنهم خلقا  قال: فأي المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرا  [رواه ابن ماجه: 4259، وهو حديث حسن، حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 3435].
الكيس، الفطن، الذكي، النبيه، الذي يكثر ذكر الموت، قال أبو الدرداء: "من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده" [العاقبة في ذكر الموت، الإشبيلي، ص: 39].
وكان بعض الصالحين ينادي بالليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل، فلما توفي فقد أمير المدينة صوته، فسأل عنه قالوا: قد مات، فقال:
ما زال يلهج بالرحيل وذكره *** حتى أناخ ببابه الجمال
فأصابه متيقظا متشمرًا *** ذا أهبة لم تلهه الآمال
[التذكرة، ص: 8].
وعن الحسن قال: "من علم أن الموت مورده، والقيامة موعده، والوقوف بين يدي الله مشهده، فحقه أن يطول في الدنيا حزنه".
قيل للربيع بن خثيم: "لو جالستنا؟ قال: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة فسد علي". [بستان الواعظين ورياض السامعين، ص: 134].
وكان محمد بن سيرين: إذا ذكر الموت مات كل عضو منه على حده. [سير أعلام النبلاء: 4/610].
وقال ثابت البناني: ما أكثر أحد ذكر الموت إلا رؤي ذلك من عمله. [حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: 2/325].
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض أهله: "أما بعد: فإنك إن استشعرت ذكر الموت في ليلك أو نهارك بغض إليك كل فان، وحبب إليك كل باق". [سير أعلام النبلاء: 5/138].
وقال الأوزاعي: "من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن علم أن منطقه من عمله قل كلامه". [سير أعلام النبلاء: 7/117].
وكان محمد بن النضر: "إذا ذكر الموت اضطربت مفاصله، حتى تتبين فيه الرعدة. [صفة الصفوة، ابن الجوزي: 3/160].
وقال قبيصة: "ما جلست مع سفيان مجلسا إلا ذكرت الموت، ما رأيت أحدا كان ذكرا للموت منه. [سير أعلام النبلاء: 7/240].
مقتضيات ولوازم ذكر الموت:
01:05:49
 إذا أكثر الإنسان ذكر الموت، فإنه يدخل في حديث النبي عليه الصلاة والسلام:  ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا  [رواه الترمذي: 2458، وأحمد: 3671، وقال الألباني: " حسن لغيره"، كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2638]، هذا من الذين يستحيون، الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى.
ما هو الرأس؟ ما الذي يحويه؟
السمع والبصر، والحواس.
وما الذي يحويه البطن؟
اليدان والرجلان والفرج، قال:  أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى .
قال أبو بكر الكناني: كان رجل يحاسب نفسه، فحسب سنين العمر، وفي كل يوم كم يذنب، وفي الشهر، وفي السنة، وفي الستين سنة التي عاشها.
منازل دنياك شيدتها *** وخربت دارك في الآخرة
فأصبحت تكرهها للخراب *** وترغب في دارك العامرة
[العاقبة في ذكر الموت، الإشبيلي، ص: 31].
مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن عمر وهو يطين حائط له ولأمه، قال:  ما هذا يا عبد الله؟  قلت: يا رسول الله: شيء أصلحه، قال: الأمر أسرع من ذلك  [رواه ابن حبان: 2996، والبخاري في الأدب المفرد: 456، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 354].
كم من أناس شيدوا أشياء، وماتوا وبقيت المباني، لكن ذهب الناس، الأمر أسرع من ذلك.
ولذلك نبني للخراب، ونلد للموت، فالسعيد من عمر لغيره.
 يا عبد الله، كن في الدنيا كأنك قريب، أو كأنك عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور  [رواه الترمذي: 2333، وابن ماجه: 4114، وأحمد: 4764، وأصله في البخاري: 6416] هذه وصية النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر، قال: عد نفسك من أهل القبور  اعتبر نفسك مت.
قال حفص بن عبد الرحمن: "أتيت مسعر بن كدام ليحدثني، فكأنه رجل أقيم على شفير قبر.
وكان علي رضي الله عنه يقول في الليل: "آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق". [غذاء الألباب: 2/555].
وبكى أبو هريرة عند موته، فقال: "إنما أبكي على بعد سفري، وقلة زادي". [شرح السنة: 14/373].
يا جامع المال ما أعددت للحفر *** هل يغفل الزاد من أضحى على سفر
[بدائع الفوائد: 3/714].
قال ابن السماك: "ما بكوا لسكرة الموت، إنما بكوا لحسرة الموت، خرجوا من دار لم يتزودوا منها، وقدموا على دار لا زاد له فيها".
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله *** وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
[التذكرة، ص: 98].
حال الورثة بعد موت الميت:
01:08:34
  يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله  [رواه البخاري: 134، ومسلم: 7613].
ما المقصود بالمال؟ قالوا: الرقيق والعبيد، كانوا إذا مات السيد ذهبوا إلى المقبرة، فيرجعون بعد الموت،  يرجع أهله وماله، ويبقى عمله .
قال الحسن وهو في جنازة: "يا ابن آدم لئن رجعت إلى أهل ومال فإن الثوى" أي: الإقامة، فيهم قليل، يعني: اعتبر إذا رجعت من الجنازة أن بقائك في أهلك قليل فإنك ستلحق بالذي دفنته.
وإذا مات ابن آدم وانتقل من هذه الدار لم ينتفع من أهله وماله بشيء إلا بدعائهم له، واستغفارهم.
وقال تعالى:  يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ  [الشعراء: 88 - 89].
وإذا مات انقطع عمله إلا من هذه الأشياء التي أخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فأهله لا ينفعه منهم بعد موته إلا الداعي والمستغفر، وقد لا ينفعون، وقد يكون الأجنبي أنفع للميت من بعض أهله.
قال بعض الصالحين: وأين مثل الأهل الصالح، أهلك يقتسمون ميراثك، وهو قد تفرد بحزنك يدعو لك وأنت بين أطباق الأرض، ولذلك منهم عدو: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ  [التغابن: 14].
ومنهم من يشتغل عن الميت بحصول ميراثه، كما قيل:
يمر أقاربي جنبات قبرى *** كأن أقاربي لم يعرفوني
ذوو الميراث يقتسمون مالي *** وما يألون أن جححدوا ديوني
 وقد أخذوا سهامهم وعاشوا *** فيالله أسرع ما نسوني
[إحياء علوم الدين: 4/488].
واحتضر بعض الصالحين، فبكى أبواه وولده، فسألهم عن بكائهم؟ فذكر أبواه: ما يتعجلان من فقده، ووحشتهم بعده، وذكر ولده ما يتعجلون من فقده، ويتمهم بعده، فقال: "كلكم بكى لدنياي، أما منكم من يبكي لآخرتي؟ أما منكم من يبكي لما يلقى من التراب على وجهي؟ أما منكم من يبكي لمسائلة منكر ونكير إياي؟ أما منكم من يبكي لمقامي بين يدي ربي؟ [مجموع رسائل ابن رجب: 2/424].
وأكثر الورثة لا يوفون دين مورثهم فيتركونه مرتهنًا محتبسًا بدينه:  إن صاحبكم مأسور بدينه  [رواه أبو داود: 3343، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 1810].
انصرف الناس إلى دورهم، وغودر الميت في رمسه، مرتهن النفس بأعماله، لا يرتجى الإطلاق عن حبسه، لنفسه صالح أعماله، وما سواها فعلى نفسه.
بناء الإنسان قبره بالأعمال الصالحة وبعض القصص في ذلك:
01:11:29
 أيها الإخوة: إن هذا البيت الذي يدفن فيه الإنسان يحتاج إلى تعمير، دخل رجل على أبي ذر، فجعل يقلب بصره في بيته، قال: يا أبا ذر أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيت نوجه إليه صالح متاعنا، يقصد: الآخرة، يعني: إذا جمعنا شيء، نأثث هناك، ما نشتري هنا، نأثث هناك، قال: إنه لا بد من متاع ما دمت هنا؟ طيب ما دمت عايش الآن بيتك هذا يحتاج إلى أثاث؟ قال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه" [جامع العلوم والحكم، ص: 380]. ما الفائدة نأثث ثم الاستمتاع هناك؟
قال الحسن: "بئس الرفيقان الدرهم والدينار لا ينفعانك حتى يفارقاك [سير أعلام النبلاء: 4/576].
وقيل لبعضهم: جمع فلان مالًا، فقال: هل جمع عمرا ينفقه فيه، قالوا: لا، قال: ما جمع شيئًا.
جمعت مالًا ففكر هل جمعت له *** يا جامع المال أيامًا تفرقه
هل جمعت أيامًا؟
المال عندك مخزون لوارثه *** ما المال مالك إلا حين تنفقه
[إحياء علوم الدين: 4/201].
قال بعض السلف: يا ابن آدم إنما تسكن يوم القيامة فيما بنيت، وتنزل يومئذ على ما نقلت في حياتك من متاعك:  مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ  [الروم: 44].
قال بعض السلف في القبر: هذا يأثث للقبر، قال لقمان لابنه: يا بني لكل إنسان بيتان: بيت غائب، وبيت شاهد، فلا يلهينك بيتك الشاهد الذي فيه عمرك القليل عن بيتك الغائب الذي فيه عمرك الكثير.
قال بعض السلف عبارة جميلة، قال: عمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر دوامك فيها. [وفيات الأعيان: 2/387].
قال بعضهم: لابن آدم بيتان: بيت على ظهر الأرض، وبيت في بطن الأرض، فعمد إلى الذي على ظهر الأرض فزخرفه وزينه، وجعل فيه أبوابًا للشمال، وأبوابًا للجنوب، ووضع فيه ما يصلح لشتائه وصيفه، ثم عمد إلى الذي في بطن الأرض، فأخربه فأتى عليه آت، فقال: هذا الذي أراك قد أصلحته كم تقيم فيه؟ قال: لا أدري، قال: الذي أخربته كم تقيم فيه؟ قال: فيه مقامي، قال: تقر بهذا على نفسك وأنت رجل تعقل". [كتاب القبور، ص: 21].
قال: فيه مقامي، فهل هذا رجل يعقل؟
وكان عثمان بن أبي العاص في المقبرة ومعه رجل من أقاربه شاب فيه غفلة، فيه معاصي، فقال: اطلع في هذا البيت، اطلع فيه، قال: ما ترى؟ واسعا؟ قال: ضيقًا، النور؟ قال: مظلمًا؟ الطعام، قال: ليس فيه طعام ولا شراب، الأهل، قال: لا زوجة، قال: والذي تركته فيه طعام وشراب وزوجه، فهذا والله بيتك، الآن هذا القبر، هذا الذي ستؤول إليه.
تبع رجل من المسلمين جنازة أخيه، فلم دلي في قبره، قال الرجل: ما أرى تبعك من الدنيا إلا ثلاثة أثواب، لقد تركت بيتي كثير المتاع، أما والله إن أقالني الله حتى أرجع لأقدمه بين يدي، كل الثياب هذه سأتصدق بها؛ لأني رأيت هذا الذي ذهب إلى القبر ما أخذ معه إلا ثلاثة أثواب، من كل أثوابه.
إذًا، أنا سأقدم كل شيابي حتى ألقاها هناك.
من كان حين تصيب الشمس جبهته *** أو الغبار يخاف الشين والشعثا
ويألف الظل كي يبقى بشاشته  *** فسوف يسكن يوما راغما جدثا
في ظل مقفرة غبراء مظلمة  *** يطيل تحت الثرى في غمها اللبثا
تجهزي بجهاز تبلغين به  *** يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثا

[لطائف المعارف، ص: 347].
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يقينا شر أنفسنا، وأن يعيننا على الموت وما بعده، وأن يجعلنا من الذين إذا ذكروا ذكروا، وإذا أذنبوا استغفروا، إنه سميع مجيب.
وصلى الله على نبينا محمد.