الاثنين 23 ربيع الأول 1439 هـ :: 11 ديسمبر 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

(2) آداب اللباس


عناصر المادة
وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال، التي هي كالأخراج، والعمائم كالأبراج، فلم يلبسها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا أحد من أصحابه ألبتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر، فإنها من جنس الخيلاء.
سحب الثوب، وتوسعة الكم جداً، ورفع العمامة جدًا، فيها قضية لفت النظر، ويكون الخيلاء من الأسفل والأعلى، وفي الكم يمكن أن يكون.
وقال ابن الحاج رحمه الله في كتاب المدخل: "ولا يخفى على ذوي البصيرة أن كم بعض من ينسب إلى العلم اليوم، فيه إضاعة مال؛ لأنه قد يفصل من هذا الكم ثوب لغيره، يعني جاءت فترة بعض المنتسبين للعلم صار أكمام يقول: هذا الكم يفصل ثوب؛ كما قال في نيل الأوطار: "وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء، فيرى أحدهم وقد جعل لقميصه كمين -يعني الثوب- يصلح كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصًا لصغير من أولاده، أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفائدة الدنيوية إلا العبث، وتثقيل المؤونة على النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق، وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة والإسبال والخيلاء" [نيل الأوطار: 1/104].
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" في مسألة: "هل يدخل في الزجر عن جر الثوب تطويل أكمام القميص"؛ الأحاديث الواردة في ذم الإسبال يدخل فيها تطويل أكمام القميص؟ قال: "محل نظر، والذي يظهر أن من أطالها حتى خرج عن العادة، كما يفعله بعض الحجازيين دخل في ذلك" [فتح الباري: 10/262].
-طبعًا- هذا في زماننا الآن العكس صار الأكمام في الحجاز أكثرها على الرسغ، مزرورة في الغالب.
"قال شيخنا في شرح الترمذي ما مس الأرض منها خيلاء، لا شك في تحريمه" يعني لو وصل الكم إلى الأرض، يقول: هذا لا شك في تحريمه، قال: "ولو قيل بتحريم ما زاد على المعتاد لم يكن بعيدًا، ولكن حدث للناس اصطلاح بتطويلها، وصار لكل نوع من الناس شعار يعرفون به، ومهما كان من ذلك على سبيل الخيلاء، فلا شك في تحريمه، وما كان على طريق العادة، فلا تحريم فيه ما لم يصل إلى جر الذيل الممنوع.
ونقل عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد عن العادة، وعن المعتاد في اللباس من الطول والسعة. [فتح الباري: 10/262].
وهذا يعني قضية التوسط التي سبقت الإشارة إليها.
حد الإزار:
أما مسألة حد الإزار، وأنه يكون إلى أنصاف الساقين، فإلى الكعبين، ولا يجاوز الكعبين، وأن الزيادة عن الكعبين تعتبر إسبالاً داخلاً في الوعيد، سواء كان بخيلاء أو بغير خيلاء على التحقيق.
ولكن من جره خيلاء يكون أشد في الإثم والعذاب، لماذا؟ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه)) [رواه البخاري: 5784، ومسلم: 5578] هذا عذاب عظيم جداً الذي لا ينظر الله إليه، أو لا يكلمه، ويعرض عنه، ويغضب عليه، هذا عذابه عظيم جداً، ((من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه)) [رواه البخاري: 5784، ومسلم: 5578] قال في الحديث في أوله: ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)) [رواه البخاري: 5787] ((ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه)) فذكر عملين مستقلين، ورتب عليهما جزاءين مستقلين: ((ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار)) ((ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه)).
فإذًا، عندنا عملان منفصلان، لهما عقوبتان مستقتلان: ((ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار)) ما جاوز الكعب من الإزار، فالله يحرقه بالنار، يحرق الجلد الذي نزل عليه الثوب، إذا نزل تحت الكعب إصبع يحرق الإصبع، إذا نزل أصبعين يحرق الأصبعين، داخل في الوعيد، قال: ((ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار)) [رواه النسائي:5330، وأحمد: 20180، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 5595].
ما هو القماش؟ وإنما جلد اللابس: ((ومن جر ثوبه خيلاء)) هذا عمل آخر، هذا دخل في عذاب آخر أعظم مهدد، بقوله: ((لم ينظر الله إليه)) ((ومن جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه)).
فإذًا، ينبغي الاعتناء بعدم نزول الثوب عن الكعبين.
هو الآن من المصائب العظيمة التي ابتلينا بها: أن الرجال يلبسون الثياب تجري على الأرض ذيولها، ويتركون الحبل على الغارب للنساء، فيقصرن الثياب، ويكشفن الرؤوس، والنحور والصدور، ويسرن في الطرقات متعطرات متبرجات، متهتكات كاسيات عاريات، مائلات مميلات، يبدين زينتهن، ويظهرن أطرافهن على مرأى ومشهد من القريب والبعيد، من قاله؟ صاحب الدين الخالص.
من زمان، ما رأى الآن الموجود، الموجود كان صار كلامه آخر، وبهذا تحقق ما أخبر به الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، هو يقول عن عصره صاحب كتاب: الدين الخالص، يقول عن عصره: انطبق علينا حديث: ((ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها)) [رواه مسلم: 5704].
وإن تعجب يقول تتمة كلامه، يقول: وإن تعجب أيها المؤمن فعجب من ذلك الرجل الذي يترك امرأته، تتزى بزي الخلاعة، أمام البنات والخادمات، حتى فشا الفجور باسم المدنية والتقدم، وتهدم الشرف، وضاعت الفضيلة تحت ستار الحضارة والرقي، كيف لا يخجل ذلك الرجل الذي يتأبط المرأة في الطرقات، وهي شبه عارية؟
أيصل به تفكيره إلى أن زوجته مشاع للجميع، فيتمتع بالنظر إليها من شاء؟ ألا يحس ذلك الرجل الذي يترك بناته على هواهن، ويتفانى في شراء أدوات الزينة والتهتك لهن، فيخلعن ثياب الوقار، ويلبسن ما يغضب الواحد القهار؟
فالآن صارت القضية أن الرجال أطالوا الثياب، والنساء قصرن الثياب، مع أن المفترض أن المرأة تطيل ذيلها لتستر بدنها، وأن الرجل يقصر ثوبه حتى لا يدخل في الوعيد.
تجنب ثوب الشهرة:
ومن الضوابط المهمة في مسألة اللباس: تجنب ثوب الشهرة، والشهرة ظهور الشيء.
والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفته لثيابهم، إما لمخالفة لونه من الألوان، أو مخالفة تفصيله للتفصيل، المتعارف عليه، الكيفية، النوعية، اللون، أي صفة من الصفات، ليشتهر به، ويرفع الناس إليه أبصارهم، ويشيرون إليه بأيديهم، إذا مر لفت الأنظار، ليس شكلاً مألوفًا، شكل عجيب غريب، ولذلك يلفت الأنظار، لكن لو لبس مثل الناس، ومر، ما التفت إليه البصر؛ لأن مثله مثل الناس.
فإذًا، ثوب الشهرة يلفت النظر، هذا من صفاته، لماذا؟ لاختلاف صفاته عن صفات ملابس الناس المعتادة.
الآن المشكلة صارت ثياب الشهرة كثيرة جداً، حتى يمكن صار الثوب العادي صار غريبًا وسط هذه الثياب الكثيرة الموجودة، فهذا لابس كم أحمر، وكم أصفر، شيء غريب، هذا موجود، هذه ألبسة موجودة تباع في السوق، كل كم بلون، قال الشوكاني رحمه الله: "وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها، والموافق لملبوس الناس والمخالف؛ لأن التحريم يدور مع الاشتهار والمعتبر القصد، وإن لم يطابق الواقع". [نيل الأوطار: 2/111].
فإذًا، هذه النفسية التي تريد لفت الأنظار، وتريد الاشتهار، ليست فيها إخلاص لله بالقدر الواجب الذي يمنع من هذا العمل، وإنما فيها خيلاء واختيال بالعجب وكبر، ولذلك كان السلف -رضوان الله عليهم- يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض.
والشهرة لا تختص بلبس النفيس من الثياب، بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوبًا يخالف ملبوس الناس من الفقراء ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه، كما لو جاء الآن شخص عادي لبس ثياب وحط فيها رقعة -مثلاً- مرقع، ما هو الحكم؟ شخص عادي -مثلاً- طالب في الجامعة دخل على الفصل لابس ثوب مرقع، فهذا وقال: أنا ما افتخرت، ثوبي هذا ما يسوى عشرة ريال؟
نقول: إنما أردت لفت الأنظار، ولذلك في نوع من البنطلونات الجنز، مشرشر من تحت، كأنه ممزق يعني، الظاهر عمدًا، يمزقونه، ويخرجون فيه، تحصلهم الآن في الأسواق، كأني رأيت شيئًا من هذا؟ كأن واحد مسك ثوبه ونزعه، ولبسه؟ بطريقة عشوائية، وهذه هي الصرعات الغربية الآن من هذا النوع، أي شيء؟ هات؟
سيد قطب رحمه الله لما زار أمريكا يقول: أكلنا ووضعنا ورحنا وذهبنا وجلسنا مع القوم في مكان، فأتوا بطيخ، فأكلت بطيخ، يعني خطر في بالي امتحان عقول هؤلاء، فأخذت ملحًا ووضعته على البطيخ، فقالوا: ماذا تفعل؟ قلت إننا أحيانًا نأكله بالملح، فتعجبوا فوضعوا ملحًا فأكلوا قالوا: لذيذ، كيف هذا؟ قال وبعد قليل: أخذت الفلفل، ووضعت على البطيخ، قالوا: ما هذا؟ قلنا: وأحيانًا نأكله بالفلفل؟ فأكلوا، قالوا: أين نحن من هذا؟ وكيف هذا فات علينا؟ ولذيذ؟ قال: فعرفت أن القوم لا ذوق لهم.
والمشكلة هذه الثياب، التصميم يأتينا من عندهم، تصميم الثياب، تجد كم بلون، وكم بلون آخر، ما في ذوق، شيء مشقوق، شيء مخرق، شيء له رقعة، شيء له بقعة، ما في ذوق، يعني ذوقا، الشخص الفطرة السليمة، ما تركب، تصميم هذا، لكن خلاص، جاء من أوروبا خلاص، هذا هو الذوق، هذه هي الثياب، فنحن وصلنا إلى درجة من الانحطاط والهزيمة أننا صرنا نقبل كل ما يأتينا من القوم ولو كان سخيفًا.
والذي يلبس من هذا النوع من الثياب هذه ثياب شهرة، والقضية خطيرة لا يظن هؤلاء، يعني المسألة سهلة، وإنها.. البس أي شيء: ((من لبس شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة)) [رواه أحمد:6245، وابن ماجه: 3607، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 3596].
هذا الحديث الذي يدل على تحريم لبس ثوب الشهرة، والجزاء من جنس العمل ((ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة)) فمن أراد أن يلفت الأنظار بثيابه يذله الله في الآخرة.
أين هذا من لبس النبي عليه الصلاة والسلام؟
كان يلبس ما تيسر لبسه من الثياب، على حسب العادة الموجودة بين القوم الذين عاش فيهم، بحسب مصلحة الجسد، صيف، شتاء، زمن الحرب، أو وقت المعركة، خارج وقت المعركة، في السفر، ثياب السفر غير الحضر، يلبس الثوب الذي يحقق المصلحة مما تيسر، وهو قادر عليه.
لباس الصوفية:
وقد شن العلماء الحملات على الصوفية الذين زعموا بأن لبس الصوف عبادة، ولبس المزري أيضاً، والمرقع هذا بحد ذاته قربة إلى الله، ونحو ذلك، ومنهم ابن الجوزي رحمه الله في كتاب: "تلبيس إبليس" فقد عقد فصلاً خاصًا، ذكر فيه تلبيس إبليس على الصوفية في لباسهم، فقال: "ولما سمع أوائل القوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرقع ثوبه.. وأن عمر كان في ثوبه رقاع" قاموا يفعلون ذلك، مع أنه ليس عندهم الفقر الذي كان موجودًا "وأما صوفية زماننا، فإنهم يعمدون إلى ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها على لون، فيجعلوها خرقًا، ويلفقونها، فيجمع ذلك الثوب وصفين: الشهرة والشهوة، وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد، أفتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف؟" [تلبس إبليس: /167-167].
إن إبليس قد لبس عليهم.
قال: "ومن هؤلاء المذمومين من يلبس الصوف تحت الثياب، ويلوح بكمه حتى يرى لباسه وهذا لص ليلي ومنهم من يلبس الثياب اللينة على جسده ثم يلبس الصوف فوقها وهذا لص نهاري مكشوف"، يعني يريد من تحت ملبس ناعم، لا بد زي الصوفية العباد الزهاد، فيضع الصوف فوق "لبس إبليس عليهم أنكم صوفية بنفيس النفس، وإنما أرادوا أن يجمعوا بين رسوم التصوف، وتنعم أهل الدنيا" الصوفية هذا شغلهم، يريد يأكل ويريد الزهد، يريد اللباس الناعم ويريد.. يضع هذا فوق هذا، ثم يقولون: نحن نزهد! ثم قال: وإنما أكره لبس الفوط المرقعات لأربعة أوجه، ثم ذكر هذه الأوجه [انظر: تلبيس إبليس، ص: 170].
وفي الصوفية من يرقع المرقع حتى تصير كثيفة خارجة عن الحد، وقد قرروا أن هذه المرقعة لا تلبس إلا من يد شيخ، وجعلوا لها إسنادًا متصلًا، كله كذب، ولذلك من قضية لبس الخرقة الخضراء: ولبسني شيخي الخرقة الخضراء، هذا بلغ المقام العظيم، ثم ساق الأحاديث في لبس ثوب الشهرة، ورد على من ادعى أن لبس الصوف هو السنة، وقيل لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟ قال: إذا باع الصياد شبكته، بأي شيء يصطاد؟ [انظر: تلبيس إبليس، ص: 178]
يعني -مثلاً- لو شفت واحد شحاذ، وعليه لبس يصلح للشحاذة، الناس إذا رأوا لبسه أعطوه النقود، قالوا: اعطنا هذا، قال: لا، هذا كيف نشحذ؟ خلاص هذا لزوم المهنة؟ لزوم الشغل؟ ثياب العمل، قال: "وقد كان السلف يلبسون الثياب المتوسطة لا المرتفعة ولا الدون، ويتخيرون أجودها للجمعة والعيدين، ولقاء الإخوان، ولم يكن غير الأجود عندهم قبيحًا" [تلبيس إبليس، ص: 178].
ثم رد على من قال: إن تجويد اللباس هوى النفس، ولا بد من مخالفة هوى النفس، والامتناع عن اللباس الجيد، وذكر التقصير المتناهي في الثياب الملفت للنظر، ترى بعض الناس يقصر ثوبه تقصيرًا لو ركع انكشفت، يعني ظهرت الركبة، وهذا التقصير الشديد شهرة واضح.
وكان من الصوفية من استكثر من الثياب وسوسة، فيجعل للخلاء ثوبًا، وللصلاة ثوبًا، ونحو ذلك، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يخصص للخلاء ثوبًا، وللصلاة ثوبًا، ونحو ذلك.
التشبه بين الرجال والنساء في اللباس:
مسألة: التشبه بين الرجال والنساء في قضية اللباس، ليست من الآداب في الحقيقية تدخل في العقيدة، أو تدخل في الأحكام الفقهية، ولذلك نحن نتجاوز هذه المسألة.
التشبه بلباس غير المسلمين:
وكذلك التشبه بلباس غير المسلمين، ونذكر فقط بأن الثوب، يجب أن نفرق بين الثوب الذي صنعه الكفار، والثوب الذي هو من خصائص الكفار وزيهم، فليس الحرام لبس ما صنعه الكفار، النبي صلى الله عليه وسلم لبس جبة رومية [رواه الترمذي: 1768، وأحمد: 18265، وصححه الألباني في مختصر الشمائل: 57]، مصنوعة في بلاد الكفار.
لكن الحرام أن نتزيى بزي الكفار الخاص بهم، إذا اختصوا بلبس لا يجوز أن نلبس مثله، يجب أن تفرق إذا رأيت كافر ومسلم، تفرق بينهما، لبس المسلم غير لبس الكافر، ولا يقول واحد: هذا مظاهر والعقيدة في القلب؟ لا، المظاهر تؤثر.
وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في "اقتضاء الصراط المستقيم" مثالاً قال: أنت ترى الآن الشخص لو لبس لباس الجند تصرفاته في حياته في مشيته غير إذا لبس الثوب العادي، فتراه إذا لبس لباسا عسكريا صار في مشيته شيء من الجد والقوة، وإذا لبس الثوب العادي صار أهون، فالثوب مع أنه ثوب ظاهري، لكن له أثر على نفس الإنسان.
وكذلك فإن ما لبس مما يناسب حرفة الإنسان، أو مهنته، كالجندي والبناء والفلاح والحمال، فهذا لا يعتبر من التشبه بهم؛ لأنه يلبس لباس يتناسب مع وضع العمل، يعني -مثلاً- الآن لو واحد قال: أنا أريد أن ألعب رياضة؟ أريد أن ألعب كرة القدم؟ أو أجري؟ أو أعمل أي عمل؟ هل إذا لبست هذه الملابس الرياضية أعتبر متشبه بالكفار؟
نقول: لا، لأن طبيعة ممارسة الرياضة تقتضي ملبسًا يناسب ذلك، ما تلبس بشت وتلعب الرياضة؟ فلا بد أن تلبس ملابس توافق أو تناسب هذا، ولو لبست ثياب رياضية، ليس فيها محذور شرعي، ما فيها صور ذوات أرواح، ولا فيها صلبان، وليست حريرًا، ولا مسبلة، ولا هي حمراء خالصة، سنأتي على مسألة الثوب الأحمر -مثلاً-.
إذًا، لا بأس بذلك.
لكن لو واحد قال: أنا عند التخرج أريد ألبس لباسًا يلبسه الرهبان؟
هذا لباس كنسي، أو حتى هذه الطاقية، أو هذا الطربوش الذي فيه سقف في أعلاه، أريد ألبس هذا كاملًا؟
نقول: هذا لباس كنسي، هذا لباس نصارى واضح، لا يجوز لبسه.
كذلك اليهود لهم لباس خاص.
الهندوس لهم طريقة معينة في العمامة -مثلاً-، أو في اللباس، أو السيخ.
فإذًا، هؤلاء المشركون إذا كان لهم لباس صار علمًا عليهم، واضحًا، خاصًا بهم، فلا يجوز لمسلم أن يتشبه بهم فيه.
بالنسبة للثوب المصبوغ بالزعفران، أو بالعصفر، فقد ورد النهي عن الثوب المعصفر والمزعفر، ولعل هذا غير منتشر بكثرة في هذه الأيام.
ننتقل الآن إلى قضية اللون الأحمر، لقد ورد في مسألة اللون الأحمر عدة أحاديث؛ فمن ذلك: حديث البراء بن عازب رضي الله عنه: "نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن المياثر الحمر". [رواه البخاري: 5838].
وأخرج أبو داود والترمذي، عن عبد الله بن عمرو قال: "مر رجل وعليه ثوبان أحمران، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم عليه". [رواه أبو داود: 4071، والترمذي: 2807، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود: 3547].
وكذلك ورد في المقابل حديث أخرجه الخمسة، رواه البراء بن عازب أيضاً: أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- في حلة حمراء، لم أر شيئًا قط أحسن منه [رواه البخاري: 3551، ومسلم: 6210، وأبو داود: 4074، والترمذي: 3635، وأحمد: 18496].
ذهب ابن القيم رحمه الله في الجمع بين الأحاديث إلى أنه صلى الله عليه وسلم لبس بردًا أحمر، ولكنه ليس أحمر مصمتًا، كما يظنه بعض الناس، وإنما فيه خطوط حمر، كالبرود اليمنية.
فإذًا، ابن القيم -رحمه الله- فسر قضية لبس البرد الأحمر، يعني أحمر مخطط، وليس أحمر خالصًا [انظر: زاد المعاد: 1/ 137].
وقد جمع ابن حجر -رحمه الله- الأقوال في الثوب الأحمر في الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والمشبع بالحمرة دون ما كان مصبوغًا خفيفًا، ويكره لبس الأحمر مطلقًا لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والمهنة، والخامس: يجوز ما كان صبغ غسله ثم نسج.
والسادس: تخصيص المنع بالأحمر بما صبغ بالعصفر أو المعصفر، إلخ.. [انظر: فتح الباري: 10/306].
والخلاصة التي يمكن أن نخرج بها: أن الثوب إذا كان أحمر خالص لا يلبسه الرجل، إذا كان أحمر مخلوط بألوان أخرى، لا بأس بلبسه، فالذي يلبس الملابس الرياضية، أو غيرها، يتقي هذا الأحمر الخالص.
البدء باليمين عند لبس الثوب:
من السنة في آداب اللباس: إذا لبس المسلم الثوب أن يبدأ باليمين؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها-: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب التيامن. [رواه أحمد: 25705، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 4918].
وكان إذا لبس قميصًا بدأ بميامنه. [أخرجه النسائي في السنن الكبرى: 9590، والترمذي: 1872، 1766، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 4779].
فإذا أول ما يدخل الكم الأيمن، هذا أول ما يدخل الثوب، هذه سنة يؤجر عليها الإنسان.
وكثير من الأحيان نحن ننسى هذا، ننسى احتساب الأجر في لبس الثياب، نلبس أي شيء اتفق، نجعله من فوق ويمين ويسار، واثنين مع بعض، فنقول: يعني احرص على أن تبدأ بالأيمن، قال النووي رحمه الله: "يستحب البداءة باليمنى في كل ما كان من باب التكريم والزينة والنظافة، ونحو ذلك، كلبس النعل، والخف، والمداس، والسراويل، والكم .. ودخول المسجد [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 14/74]. إلخ.
دعاء اللباس:
ويسن للمسلم إذا لبس ثوبًا جديدًا أن ينفذ ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا استجد ثوبًا سماه باسمه: قميصًا، أو عمامة، أو رداء، ثم يقول: ((اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له)) [رواه أبو داود: 4022، والترمذي: 1767، وأحمد: 11487، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 4342].
وورد أيضًا: ((الحمد لله الذي كسانى هذا الثوب ورزقنيه من غير حول منى ولا قوة)) [رواه أبو داود: 4025، والحاكم: 7409، وصححه، وقال الألباني: "حسن لغيره"؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب: 2042].
وكذلك ورد ما يقال للآخر إذا لبس: ((أبلي وأخلقي))؛ كما قال عليه الصلاة والسلام للصغيرة [رواه البخاري: 5823].
وقال لعمر -رضي الله عنه- لما عرف أن ثوبه غسيل، وليس بجديد: ((البس جديدًا، وعش حميدًا، ومت شهيدًا، ويرزقك الله قرة عين في الدنيا والآخرة)) [رواه أحمد: 5620، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 1234].
وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لبس أحدهم ثوبًا جديدًا، قيل له: تبلى ويخلف الله. [رواه أبو داود: 4022، وهو في صحيح الترمذي: 1838].
نكتفي بهذا القدر بما يتعلق باللباس.