الخميس 7 شوّال 1439 هـ :: 21 يونيو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

(2) آداب الضيافة


عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعـد:
ملخص الدرس السابق:
فقد تقدم الكلام في المرة الماضية عن هذا الأدب الإسلامي الكبير، وهو: "إكرام الضيف".
وذكرنا مقدمة عن الضيافة، وإكرام الضيف، وبعض الآداب المتعلقة بالمضيف تجاه ضيفه.
ونتابع إن شاء الله الحديث عن "آداب المضيف"، ثم نتبعها بآداب الضيف.
آداب المضيف:
وكنا قد تحدثنا عن سمر المضيف مع ضيفه بعد العشاء، مع أن الشريعة قد كرهت الحديث بعد العشاء، لكن حيث أن ذلك من الحاجة؛ فإنه لا بأس بأن يسمر المضيف مع ضيفه لأجله.
ولا بأس كذلك بتنويع الطعام للضيف؛ كما دل عليه حديث أبو الهيثم بن التيهان ، وسوف يأتي، وفيه: فأمر لهم بشعيرٍ يعمل، وقام فذبح شاةً، وجعل ... واستعذب لهم ماءً"، وهذا كله يدل على المبالغة في تطييب المضيف الطعام، وإتحاف الضيف به، بأفضل ما يجد.
ولا بأس بجمع الإدام في النادر؛ لضيفٍ أو وليمة، أو ما أشبه ذلك، وإنما يكره يعني التنويع الكثير في الأطعمة، من باب الورع، حتى لا يخرج إلى حد السرف، وكذلك لا يؤدي إلى إنفاق الأثمان الكثيرة في هذا، وأقبح ما يكون عند نزول الحاجة بالناس، وضيق معاشهم، والضرورة الحاجة للمواساة، ثم يأتي بعض الناس وينوعون الطعام تنويعاً عجيباً؛ لكن إذا حضر ضيف فلا بأس من تنويع الطعام لأجل الضيف.
وينبغي إذا حضر من دعي، وأحضر الطعام، ألا ينتظر من غاب، وينبغي له أن يحضر من الطعام ما أمكنه من غير إجحاف بأهله.
والضيف له حكم آخر غير حكم أهل البيت؛ إذ أن أهل البيت يمكنهم أن يأكلوا الألوان في عدة أيام، بخلاف الضيوف فقد لا يقيمون، ولأنه قد تكون شهوة بعض الضيوف في لون، وآخر شهوته في لون  آخر؛ فإذا كان التنوع في الألوان لأجل الإكرام، حتى إذا لم يعجبه نوعٌ أعجبه نوعٌ آخر، فلا بأس بذلك، ولما فيه من إدخال السرور على الضيوف، والأجر عظيم في إدخال السرور على المسلمين.
وقد كان بعض السلف إذا جاءه الأضياف يقدم لهم في وقتٍ واحد ما يقوم بنفقته شهرا ونحوه، فيقال له في ذلك، فيقول: قد ورد أن بقية الضيف لا حساب على المرء فيها، فكان لا يأكل إلا فضلة الضيوف؛ لأجل ذلك، يعني يكثر الطعام للضيوف، ثم يأتي هو بعده، ويقول: هذا حسابه أقل من أن أطبخ أنا لنفسي؛ لأن فضلة الضيف طيبة، وما آكله بعده.
وينبغي أن يروح عليه بالخدمة، ولا يفعل ذلك قائماً؛ لأنه من زي الأعاجم، وقد تقدم النهي عن القيام على رأس الشخص، ولا بأس أن يأكل مع ضيوفه خلافاً لمن لا يفعل ذلك من بعض الناس العامة الذين عندهم عادات تمنع من الأكل مع الضيوف؛ لأن الأكل مع الضيف في الحقيقة فيه مؤانسة له، أي: يستأنس إذا أكلت معه، وأكرمته، وقدمت له أطايب الطعام، ونحو ذلك، فإن أكل معه فيستحب له أن يخدمه بنفسه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- تولى أمر أصحاب النجاشي بنفسه الكريمة، فقيل له: ألا نكفيك؟ فقال: ((خدموا أصحابي فأريد أن أكافئهم)) هذا إذا صح الحديث، ذكره ابن الحاج رحمه الله في المدخل.
ومن ذلك: أن يتولى بنفسه صب الماء على يد الضيف، حين غسل يديه.
ويجوز للإنسان إذا حضر عنده جماعة كثر أن يدخلهم فوجاً فوجاً، إذا كان مجلس الطعام لا يتسع، وقد ورد ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم إدخال الناس عشرة عشرة.
وإذا كان يأكل مع إنسان ضرير أعلمه بما بين يديه، حتى لا يفوته الطعام الطيب.
وكذلك، فإنه لا يحرج الضيوف بإبقائهم دون أن يأذن لهم بالطعام، بل يسارع إلى دعوتهم إلى الطعام، بأسلوبٍ لطيف.
وكذلك فإن الإنسان يقدم للضيف ما يعلم أن الضيف يحبه، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الدباء.
ويستحب للمضيف إيناس الضيف بالحديث الطيب، والقصص التي تليق بالحال؛ لأن من تمام الإكرام طلاقة الوجه، وطيب الحديث عند الخروج والدخول؛ ليحصل له الانبساط، ولا يكثر السكوت عند الضيف، ولا يغيب عنه، ولا ينهر خادمه بحضرته، ولا يجلسه مع من يتأذى بجلوسه، أو لا يليق به أن يجلس معه، وأن يأذن له بالخروج إذا استأذنه، وأن يخرج معه إلى باب الدار تتميماً لإكرامه، وأن يأخذ بركاب ضيفه إذا أراد الركوب، هل ورد في ذلك شيء؟
ورد حديث عند ابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من السنة أن يخرج الرجل مع ضيفه إلى باب الدار)) لكن هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. [رواه ابن ماجه: 3358، وهو حديث موضوع كما ذكر الألباني في ضعيف ابن ماجه: 3349].
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "إن من السنة إذا دعوت أحداً إلى منزلك أن تخرج معه حتى يخرج" ذكره ابن عبد البر.
وهذا الذي يعرف بتشييع الضيف، قال في "المصباح المنير" في فصل الشين مع الياء: شيعت الضيف: خرجت معه عند رحيله إكراماً له، وهو التوديع.
فيندب للإنسان إذًا أن يشيع ضيوفه، ويخرج معهم إلى باب الدار وإلى السيارة، ويفتح له الباب ليركب، أو يأخذ بزمام الراحلة إذا كان عنده راحلة ويودعه، هذا من تمام الضيافة.
وروى أبو بكر بن أبي الدنيا قال: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: زرت أحمد بن حنبل، فلما دخلت عليه بيته قام فاعتنقني، وأجلسني في صدر مجلسه، فقلت: يا أبا عبد الله  أليس يقال: صاحب البيت والمجلس أحق بصدر بيته أو مجلسه؟ قال: نعم، يقعد ويُقعد من يريد -مادام هو صاحب البيت يقعد في صدر المجلس من يريد وهو أحق بها، لكن إذا رغب في جلوس ضيفه فيه فلا حرج- قلت في نفسي: خذ أبا عبيد هذه واحدة -إليك فائدة-، ثم قلت: يا أبا عبد الله  لو كنت آتيك على حق ما تستحق لأتيتك كل يوم، فقال: لا تقل ذلك، فإن لي إخواناً ما ألقاهم في كل سنةٍ إلا مرة، أنا أوثق في مودتهم ممن ألقى كل يوم، قلت: هذه أخرى يا أبا عبيد -يعني: يحدث نفسه بالفوائد التي جناها من زيارته لأحمد -رحمهما الله-، فلما أردت القيام قام معي، قلت: لا تفعل يا أبا عبد الله؟ لا داعي للقيام، وتمشي، قال: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار، وتأخذ بركابه، قال: قلت يا أبا عبد الله  من عن الشعبي؟ قال: ابن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي، قلت: يا أبا عبيد هذه ثالثة [الآداب الشرعية: 2/ 227].
فإذاً تشييعه والخروج معه من تمام الضيافة.
وقد أمسك عبد الله بن عباس بركاب زيد بن ثابت -رضي الله عنهما- فقال: "أتمسك لي وأنت ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: "إنا هكذا نصنع بالعلماء"[الآداب الشرعية: 2/ 227].
وينبغي الاهتمام بإكرام أضياف الإسلام أكثر من الضيوف الشخصيين، الضيوف الذين جاؤوا من أجل الدين، مثل أهل الصفة على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما حضره لبن قال لأبي هريرة: ((الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحدٍ، إذا أتته صدقةٌ بعثها إليهم، ولم يتناول منها شيئا)) [رواه البخاري: 6452].
فهؤلاء أضياف الإسلام.
فإذًا، من جاء بحق الدين، إذا ضاف عليك ضيف لحق الدين؛ فهذا أكرم من يستحق الإكرام.
وقد جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم إكرام طلبة العلم من الضيوف إذا جاؤوهم، فقال مالك بن خزين: "كنت جالساً مع أبي هريرة بأرضه بالعقيق، فأتاه قومٌ من أهل المدينة على دواب، فنزلوا عنده، قال أبو هريرة -يقول للشخص عنده- اذهب إلى أمي، فقل: إن ابنك يقرئك السلام، ويقول: أطعمينا شيئاً؟
قال: فوضعت له ثلاثة أقراص في صحفة، وشيئاً من زيتٍ وملح، ثم وضعتها على رأسي، وحملتها إليهم، فلما وضعتها بين أيديهم، كبر أبو هريرة، لما رأى الطعام هذا، وقال: الحمد لله الذي أشبعنا من الخبز بعد أن لم يكن طعامنا إلا الأسودين -الماء والتمر-، فلم يصب القوم من الطعام شيئاً، فلما انصرفوا، قال: يا بن أخي أحسن إلى غنمك وامسح الرعام عنها" الحديث [مالك في الموطأ: 1669، والبخاري في الأدب المفرد: 572، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 446].
وهذا يحتمل أنهم قصدوه للتعلم، والأخذ عنه، وإحضار أبو هريرة للطعام المتيسر عنده، من باب إكرام الزائر والضيف، وتقديم ما حضر إليه، ولذلك قدم إليهم ثلاثة أقراص، وزيتاً وملحاً، وكبر، أي: على معنى الذكر لله، والشكر له، على ما نقله من حال المجاعة التي كان يخر فيها بين البيت والمنبر، ما به شيءٌ إلا الجوع، إلى هذه الحال من الخصب والكثرة، حتى وجد عنده خبزٌ وإدام، دون استعداد، ولا تأهب، عنده خبز في البيت؛ عد ذلك نعمةً عظيمة، كبر الله عليها.
هل يستضاف الكافر؟
هل يستضيف الإنسان الضيف الكافر؟
جاء في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضافه ضيفٌ كافر -يعني: نزل عليه- فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت، فشرب حلابها، ثم أخرى فشربه، ثم أخرى فشربه، حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلم، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاةٍ فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها -ما استطاع أن يتم الثانية-، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن يشرب في معي واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء)) [رواه مسلم: 5500] معناها: لا بركة في طعام الكافر، وأما إذا أسلم، أو آمن؛ يبارك الله في طعامه فيكفيه من الطعام ما لا يكفي الكافر، ببركة الإسلام.
فإذاً، الحديث هذا يؤخذ منه: جواز تضييف الكافر.
قيل إنه: ثمامة بن أثال.
وقيل: جحاد الغفاري.
وقيل غير ذلك.
لكن نلاحظ: أن النبي عليه الصلاة والسلام أضاف الكافر، قيل: رجاء إسلامه، أو إذا كان يخشى عليه الضياع، إذا كان ممن له حق، مثل الكفار المعاهدين، يعني: كفار لهم حقوق غير الكفار، قد يكون كافر قريب -مثلاً-، إذًا هناك اعتبارات، فالنبي عليه الصلاة والسلام أضاف الكفار إكراماً لهم لعلهم يتأثرون، من باب الدعوة، أو كفار معاهدين لهم -مثلا- حقوق، كفار أقارب.
 أما أن يدعو الإنسان كافراً إلى بيته، فيأتيه بنساءٍ عاريات، أو يأتيه بنجسٍ، أو بشركٍ وكفرٍ، وقد سأل بعضهم عن حكم تمكين الضيف الكافر من تأدية شعائر دينه في بيت المسلم الذي أضافه، فسألت عن هذا الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، فقال: لا يمكنه من ذلك، يعني: لا يجوز له بأن يرضى أن يعمل شعائر الكفر في بيته.
افرض جاء نصراني، وقال: أريد أن أقوم، أو بوذي، أو أي واحد من الكفرة، يريد أن يعمل شيئًا من شعائر دينه عندك في بيتك، لا تمكنه من ذلك، ولا ترضى به، وتنهاه عنه.
وإذا أضاف  الكافر هل يآكله، أم يقدم له الطعام فقط، ولا يجلس معه للأكل؟
وسئل مالك عن مواكلة النصراني في إناء واحد، قال: تركه أحب إلي، وأما حرام فلا أراه، ولا يصادق نصراني" [انظر: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة: 18/438].
فنهى عن مآكلته لما في ذلك من معنى المصادقة.
وأما تضييفه، فيمكن أن يكون للاستئلاف، ورجاء الإسلام، يكون فيه أجر.
ووجود الطعام ببعض الأشكال العصرية، أو مثلاً هذه البوفيهات، وهذا الطعام الذي يوضع ثم يسكب منه الناس، يحل مشكلة الأكل معه في صحنٍ واحد.
فالخلاصة إذاً: إذا رجي إسلامه، وتأليف قلبه، وكف شره، هذه أسباب لإضافة الكافر.
وإذا كان يخشى أن يأتي  بمنكرات، أو يعمل أشياء محرمة في بيتك، فلا تضيفه.
ومما ذكر في صحيح مسلم عنوان: "باب استحباب وضع النوى خارج التمر، واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام، وطلب الدعاء من الضيف الصالح، وإجابته لذلك". [صحيح مسلم: 6/122].
بعض قصص الصحابة في الضيافة:
لقد ضيف الصحابة رضوان الله عليه ضيوفاً، ولهم في ذلك قصص، فلنعرج على بعض القصص التي ذكرها أهل العلم بالحديث، أو المحدثون في كتبهم.
قصة أبي بكر مع ضيوفه:
من أشهر قصص إضافة الضيوف التي حدثت على عهد الصحابة؛ قصة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه:
عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة)) [رواه البخاري: 602، 3581، ومسلم: 5486].
وفي البخاري: ((من كان عنده طعام أربعة، فليذهب بخامسٍ أو بسادس))، وإن أبا بكر جاء بثلاثة، فانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاء بعدما ذهب من الليل ما شاء الله، فقالت امرأته: ما أحبسك عن أضيافك؟
قال: أو ما عشيتهم؟ قالت: أبو حتى تجيء أنت، قد عرضوا عليهم الطعام فغلبوهم، يعني: الضيوف رفضوا الضيافة إلا إذا جاء الصديق، يقول ولد أبي بكر الصديق: فذهبت أنا فاختبأت.
فقال: يا غنثر، فجدع وسب، وقال: كلوا لا هنيئاً، وقال: والله لا أطعمه أبداً، قال: وايم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا نرى من أسفلها أكثر منها.
قال: شبعنا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك- فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي، أو أكثر، ثم قال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت: لا، وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان ذلك من الشيطان، يعني: اليمين. [رواه البخاري: 602، 3581، ومسلم: 5486].
وفي رواية: يقول عبد الرحمن بن أبي بكر: نزل علينا أضياف، وكان أبي يتحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل، فقال: يا عبد الرحمن افرغ من أضيافك؟
فلما أمسيت جئنا بقرى فأبوا، قالوا: حتى يجيء أبو منزلنا، فيطعم معنا، فقلت: إنه رجلٌ حديد، وإنكم إن لم تفعلوا -إذا ما أكلتم الآن- خفت أن يصيبني منه أذى، قال: فأبوا.
فلما جاء لم يبدأ بشيء أول منهم، قال: فرغتم من أضيافكم؟ قالوا: لا والله ما فرغنا، قال: أو لم آمر عبد الرحمن -أوصيه بالضيوف- قال عبد الرحمن: وتنحيت عنه، فاختبأت، فقال أبو بكر: يا غنثر، أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتي إلا أجبت، قال: فجئت، فقلت: والله مالي ذنب، هؤلاء أضيافك فسلهم قد أتيتهم بقراهم -بكرامتهم وضيافتهم- فأبوا أن يطعموا حتى تجيء.
فقال: ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم؟ فقال أبو بكر: والله لا أطعمه الليلة، فقالوا: والله لا نطعمه حتى تطعمه، قال: فما رأيت الشر كالليلة قط، ويلكم مالكم ألا تقبلوا عنا قراكم؟ ثم قال -أبو بكر رجع إلى نفسه-: إنما الأولى من الشيطان -حلفنا وهذا الحلف من الشيطان ما حلفنا على بر، ولا على خير، حلفنا ما نأكل ما هو بر ولا خير، هذه من الشيطان- ثم قال: هلم قراكم، فجيء بالطعام فسمى فأكل وأكلوا، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله بروا وحنثت؟ قال: ((بل أنت أبرهم وأخيرهم)). [رواه مسلم: 5487].
بعض الفوائد المستفادة من قصة أبي بكر مع ضيوفه:
في الحديث هذا: جواز الاشتغال عن الضيف بمصلحة المسلمين، مثل ما فعل الصديق، إذا كان هناك من يقوم بإكرامهم مثل ولده.
وفيه: أن الضيف لا يمتنع مما يريد المضيف مما يتعلق بإكرامه، ولا يعترض عليه؛ لأن المضيف قد يكون له غرض في أن يتقدم الضيوف للطعام، فلا يشق عليه بالرفض.
وفيه: السمر مع الضيف والأهل.
وفيه: قول الضيف لصاحبه: لا آكل حتى تأكل، وإنما امتنع أضياف الصديق عن الأكل؛ لأنه قد يفرغ الأكل، ويأتي أبو بكر، وليس له عشاء، فقالوا يعني ننتظره، نحن إذا أكلنا ربما ينتهى الطعام، وما جاء، وإنما اختبأ عبد الرحمن خوف الخصام.
و "غنثر" معناها: الثقيل، وقيل: الجاهل، وقيل: السفيه، وقيل: اللئيم، وقيل: ذباب أزرق.
والسب، هو: الشتم.
وفيه: الاختباء خوف الأذى، وأنه لا أذى بمثل هذا من الوالد، يعني: إذا الوالد قسا على ولده بمثل هذا لا يعتبر جريمة.
وفيه: عدم المؤاخذة عما يحدث حال الغيظ.
وقوله: "أبي رجلٌ حديد" يعني: قوي يغضب.
وقد ترجم البخاري رحمه الله: "باب السمر مع الضيف والأهل". [صحيح البخاري: 1/156].
وكذلك فإن أبا بكر ظن أن عبد الرحمن فرط في حق الأضياف، ولذلك عنفه، وقال عليه كلاماً غليظاً، ومن الانفعال قال: "لا هنيئاً"، ولكن الصديق في مكانته وفضله! سبحان الله! رغم هذا، رجَّاع إلى الحق، وقال: هذه من الشيطان، وأكل. وما أخره عن ضيوفه إلا أنه كان مع النبي -عليه الصلاة والسلام- ولا شك أنه كان في أمر مهم، ولذلك الله أكرم الصديق بكرامات الأولياء، حتى إنه يقول: كلما رفعوا لقمة ربا مكانها أكثر منها، ربا يعني: زاد من أسفلها في الموضع الذي أخذت منه، فلما نظروا إلى الجفنة، فإذا هي أكثر مما كانت عليه، قال: يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني، مما أقر الله به عينها من هذه الكرامة لزوجها، وهذه البركة عظيمة، وما هو بعجيب قول أسيد -رضي الله عنه-: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر" فـأبو بكر رجلٌ مبارك، جعل الله له هذه الكرامة من كراماته الكثيرة، وأكرمه، وأزال عنه الحرج، فعاد مسروراً، وانفك الشيطان مدحوراً، وأكرم أضيافه، وزاد الطعام، وعنده سبيل كفارة اليمين لأجل قسمه.
ثم حملت هذه الجفنة إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكان هناك جيشٌ فأكلوا من تلك الجفنة التي أرسل بها أبو بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتتم البركة، ويعظم أجر الصديق، وكفت الجيش كله.
وفي رواية عند أحمد والترمذي والنسائي قال: أتي النبي عليه الصلاة والسلام بقصعة فيها ثريد، فأكل، وأكل القوم، فما زالوا يتداولونها إلى قريبٍ من الظهر، يأكل قومٌ ثم يقومون ويجيء قومٌ، فيتعاقبونه، فقال رجل: هل كانت تمد بطعام؟
فقال الراوي له: أما من الأرض فلا، إلا إن كانت تمد من السماء. [رواه أحمد: 20147، وقال محققو المسند: "حديث صحيح وهذا إسناد ضعيف لضعف علي بن عاصم"].
قال ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: قال بعض شيوخنا: يحتمل أن تكون هذه القصعة هي التي وقع فيها في بيت أبي بكر ما وقع والله أعلم. [فتح الباري: 6/600].
ففي هذا الحديث: تصرف المرأة فيما تقدم للضيف، والإطعام بغير إذن خاص من الرجل؛ لأنها قدمت لهم الطعام.
وفيه: جواز الغلظة على الولد على وجه التأديب والتمرين على أعمال الخير.
وفيه أيضاً: كرامات أولياء الله الصالحين، وما يقع من لطف الله تعالى بهم.
وكيف أن خاطر أبي بكر الصديق كان مشوشاً، وخاطر ولده وأهله وأضيافه، ثم إن الله أعطاه هذه النعمة العظيمة التي قرت به عينه، هو وزوجته وولده وأضيافه، وبقيت البقية التي أرسلت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وانقلب الكدر صفاءً، والنكد سروراً ولله الحمد والمنة.
قصة أبي الهيثم بن التيهان مع ضيوفه:
ومن الصحابة أيضاً الذين حصل لهم مشهد عظيم في الضيافة؛ أبو الهيثم بن التيهان، وذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فإذا هو بـأبي بكر وعمر، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع يا رسول الله، قال: ((وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما)).
هؤلاء أعظم ثلاثة في الأمة؛ قادة الأمة، خرجوا من بيوتهم، وما أخرجهم إلا الجوع، هذا الرسول صلى الله عليه وسلم والخليفة الأول والثاني، من بعده، أخرجهم الجوع من البيت.
قال: ((قوموا)) فقاموا معه فأتى رجلاً من الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأتهم المرأة، قالت: مرحباً وأهلاً.
فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أين فلان؟)).
قالت: ذهب يستعذب لنا الماء إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، ثم قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني.
فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بسر وتمر ورطب، حتى ينتقي الضيف ما يشاء، فقال: كلوا من هذه، حتى يسكن الجوع، ريثما تذبح الذبيحة وتطبخ، وهذا من حسن الضيافة أن يسكن جوع الضيف بشيء إذا كان الطعام سيتأخر، وأخذ المدية، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إياك والحلوب)) لا تذبح ذات در، ترضع أولادها، وتنتفعون من حليبها ولبنها.
فذبح لهم، فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ((والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم)) [رواه مسلم : 5434].
قصة أبي طلحة رضي الله عنه مع ضيفه:
ومن القصص العظيمة؛ ضيوف أبي طلحة رضي الله تعالى عنه، والتي تقدمت، لما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ألا رجل يضيف هذه الليلة يرحمه الله؟)) فأخذه إلى بيته، وقدم له طعام الرجل وزوجته وقوت الصبية. [انظر: الحديث في البخاري: 4889، ومسلم: 5480].
ويؤخذ من الحديث: أن من آداب الضيافة التلطف في إكرام الضيف على أحسن الوجوه، وعدم إحراجه.
آداب الضيف:
هذا بالنسبة للمضيف، فما بال الضيف؟ لأن الضيافة فيها ضيف ومضيف؛ المضيف تقدم الكلام عنه، فما هي آداب الضيف؟ 
عدم إحراج المضيف:
أولاً: لا يجوز له إحراج المضيف؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ولا يحل له أن يثوي عند صاحبه حتى يحرجه، الضيافة ثلاثة أيام)) [رواه ابن ماجه: 3675، 3665، والحديث أصله في البخاري: 6476، ومسلم: 4611]، وبعد ذلك ينصرف.
وكان ابن عمر لا يأكل طعاماً يقدم له بعد ثلاث، وإنما ينصرف، إلا إذا رغب صاحب البيت في جلوسه فعند ذلك يجلس.
ولا يجوز له أن يثقل عليه، وأن يعرضه للضيق، وأن يوقعه في الإثم؛ بأن يقول قولاً، أو يفعل فعلاً، يأثم به، ولا يجوز له أن يضيق على أهله، ولا يجوز له أن يجعله يتبرم، وبعض الناس ما عندهم أدب في هذه إطلاقاً، فتجده يأتي ويعكر بيت الآخر كأنه بيته.
وهذا البيت يضيق عليه، ولا يتهيأ له أن يطبخ باستمرار، ولا يتهيأ له طعام يكفي الجميع باستمرار، وهذا جالس مقيم، يمكن لو خرج رب البيت من الدار، لما خرج هو.
عدم تكليف الضيف للمضيف ما لا يطيق:
ثانياً: ألا يكلفه ما لا يطيق، قال ابن الحاج: ينبغي ألا يتخير المدعو على الداعي، بعض الناس يشرط، ويقول: اصنع لنا كذا، واصنع لنا كذا.
فإذا علم أنه لا يحب ذلك، فلا يفعل؛ لأنه ليس من الأدب، إنما يأكل ما حضر، وينبغي إن خير المدعو ألا يتشطط، لو قال: ماذا تريد؟
يقول: أريد كذا وكذا، يتطلب الأشياء التي قد لا توجد، اللهم إلا أن يعلم أنه ليس في ذلك تكلف، ويدخل السرور على من خيره، والتكلف هو: أن يأخذ عليه شيئاً بالدين، وليس له جهة يعوض منها، وهذا من إيقاعه في الحرج. 
ألا يتعدى في إعطاء الطعام:
وكذلك من الآداب: ألا يتعدى في إعطاء الطعام، ولا يختلس منه شيئاً، فينبغي للمدعو أن لا يعطي من الطعام لأحد شيئاً إلا بإذن صاحب المنزل، أو إذا كان العرف يسمح بذلك، فمثلاً أحد الضيوف يتصرف في الطعام، ويعطي هذا، ويعطي هذا، إذا كان العرف يسمح بذلك فعله، وإلا فلا يتصرف في الطعام،  صاحب البيت هو الذي يتصرف.
وينبغي له أن يحذر مما يفعله بعض من لا خير فيه، من أنهم يأخذون بعض ما تيسر لهم أخذه، فيختلسونه، ويجعلونه تحتهم، حتى إذا رجعوا إلى بيوتهم أخرجوه، وهذا من باب السرقة، وأكل أموال الناس بالباطل.
قال ابن مفلح رحمه الله في "الآداب الشرعية": وقالت الحنفية: يحرم رفع المائدة إلا بإذن صاحبها؛ لأنه مأذون بالأكل لا بالرفع. [الآداب الشرعية: 3/181].
ولو ناول الضيف لقمة من طعامٍ ضيفاً آخر؛ روي عن محمد: أنه لا يحل للآخذ أن يأكل بل يضعه، ثم يأكل من المائدة؛ لأن الضيف مأذون له بالأكل لا بالإعطاء. [الآداب الشرعية: 3/181].
وقال عامة مشايخهم: يحل له للعادة [الآداب الشرعية: 3/181]؛ لأن العادة جرت بأنه لا بأس للضيف أن يعطي ضيفاً آخر، لا مانع؛ العادة جرت بهذا.
وكذا لو أعطى بعض الخدم القائمين على رأس المائدة جاز، ولا يجوز أن يعطي سائلاً، ولا إنساناً دخل لحاجة؛ لأنه لا إذن فيه عادة، يعني: هو وضع الطعام، والضيف مأذون له بالأكل، وليس أن يتصدق من مال المضيف، وصاحب البيت على المحتاجين، هذا ما أذن له به، فلا يتصرف فيه، وكذا لو ناول شيئاً من الخبز واللحم كلب صاحب البيت، أو غيره لا يسعه، ولو ناوله الطعام والخبز المحترق وسعه؛ لأنه مأذون فيه عادةً، ما دام شيء يزهد فيه، بل ربما يرمى [ينظر: الآداب الشرعية: 3/181- 182].
إذاً، يجوز أن يعطى مثل أن تأتي قطة، فيأخذ عظماً أو شيئاً يسيراً جداً، جلدا مما يرمى، فيعطيها، لا بأس به. 
بدء صاحب الطعام بالضيف قبل نفسه:
وكذلك مما ذكروه في آداب الضيف: أن صاحب الطعام يبدأ بالضيف قبل نفسه، ثم إن الضيف لا يقطع أشياء يشق على صاحب البيت تقطيعها، ولا يتصرف في الطعام تصرفاً يضايق صاحب البيت، ولو أنه دعي إلى طعام وجاء معه من لم يدع فماذا يفعل؟ ماذا يفعل الضيف إذا جاء معه شخصٌ غير مدعوٍ؟
جاء في صحيح مسلم: "باب ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه صاحب الطعام، واستحباب إذن صاحب الطعام للتابع" [صحيح مسلم: 6/115].
وأتى بحديث: أن رجلاً من الأنصار، يقال له: أبو شعيب، صنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً ثم دعاه خامس خمسة، وأتبعهم رجل، فلما بلغ الباب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا اتبعنا، فإن شئت أن تأذن له، وإن شئت رجع؟)) قال: لا، بل آذن له يا رسول الله! [رواه مسلم: 5429].
فإذاً ماذا يفعل الضيف؟ إذا جاء معه شخص ليس مدعو؟
الضيف يقول للمضيف: فلان جاء معي أتأذن له؟
فإن أذن دخل، وإن لم يأذن رجع.
ومشكلة بعض الإخوان أحياناً خصوصًا إذا جاء عالم إلى مكان، ودعي إلى بيت، فيأتي مع العالم هذا ناس، ويستحلون بيت صاحب الوليمة، بدون حرج ويحرجونه، فلنفرض -مثلاً- أن أحد العلماء الكبار جاء إلى هذا البلد، فقام أحد طلبة العلم، أو أحد الأشخاص، ودعا العالم إلى بيته، يعني: حسب حساب واحد، اثنين، ثلاثة، خمسة، فبعض هؤلاء الشباب يأتون مع هذا الشيخ, ويقولون: أين سيذهب الشيخ؟ فيقال: معزوم عند فلان، فتذهب خمس سيارات، أو عشر سيارات، ثم يدخلون، هذا استعد لخمسة أشخاص، فجاء ثلاثون شخصاً، ففيها إحراج ولا شك، ولذلك ينبغي على الإخوان أن ينتبهوا لمثل هذا؛ لأن فيه إثم، وإحراج لصاحب البيت، وإذا أكلوا طعاماً لا يسمح به، وليس بطيب نفسٍ منه.
كان الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله يدعى إلى وليمة، وكان الشيخ محمد بن صالح العثيمين تلميذاً عنده، فكان ينتهز الفرصة، ويذهب مع الشيخ في الطريق، يسأله - ابن عثيمين يسأل السعدي في الطريق إلى الوليمة- إلى الباب، ثم يرجع، إلا إن أذن له صاحب البيت، أو لزم عليه، ولم ير الشيخ مانعاً في الدخول، أو لا يضيع الوقت عليه، دخل.
فإذاً، لا مانع من مرافقة العالم إلى المكان الذي دعي إليه، لكن لا يدخل معه، تريد أن تستفيد من الطريق، وإلا تريد  أن تستفيد من البطن؟
فهنا يكون إلصاق النفس في الحقيقة فيه حرج شرعي وإثم.
وكان جارٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسياً طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً، ثم جاء يدعوه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((وهذه؟)) يشير إلى عائشة، فقال: ((لا)) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا)) فعاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وهذه؟)) فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا)) ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وهذه؟)) قال: نعم -في الثالثة- فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله" [رواه مسلم: 5433].
فينبغي على الضيف أن يستأذن لمن معه، أو يأمرهم بالرجوع إذا أحس أن هناك حرج على صاحب البيت، وينبغي  لصاحب البيت أن يتلطف في الرد.
وكذلك فإن الضيف لا يأتي معه بمن يؤذي صاحب البيت دخوله.
عدم تقدم الضيف على صاحب البيت في الإمامة:
ومن آداب الضيف: أنه لا يتقدم على صاحب البيت في الإمامة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)) [رواه أبو داود: 582،، والترمذي: 235، والنسائي: 783 ، وابن ماجه: 980، وأحمد: 17104، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 594، والحديث في مسلم: 1564، بلفظ: ((ولا يؤمن الرجل الرجل فى سلطانه ولا يقعد فى بيته على تكرمته إلا بإذنه))].
ولأن في التقدم عليه إزراء به، وليس هذا من حسن الخلق.
وينبغي على الضيف إذا نزل أن يحذر من إتلاف شيءٍ من أثاث ومتاع صاحب البيت، فإن بعض الضيوف إذا جاؤوا إلى البيت، كسروا، وأطلقوا لأولادهم العنان، يكسرون في ممتلكات صاحب البيت، والمرق على السجاد، والآيسكريم على الفراش، والحلاوة على الحيطان، وهذا شيء سيء جداً.
روى عبد الرزاق رحمه الله -والحديث في الترمذي أيضًا- قال: "نزل بـعائشة ضيفٌ فأمرت له بملحفة صفراء، مما يلتحف به، فاحتلم فيها، أصابت الضيف جنابة، نام فأصابته جنابة، فأصاب اللحاف شيء، فاستحيا أن يرسل بها، وفيها أثر الاحتلام، فغمسها في الماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة : لما أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصبعه. ربما فركته من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصبعي". [رواه ابن ماجه: 538، وأحمد: 24204، وعبدالرزاق في المصنف: 925].
ورواية الترمذي: ضاف عائشة ضيف، فأمرت له بملحفة صفراء، فنام فيها فاحتلم، فاستحيا أن يرسل بها، وبها أثر الاحتلام، فغمسها بالماء، ثم أرسل بها، فقالت عائشة: لما أفسد علينا ثوبنا إنما كان يكفيه" وذكر الحديث، قال الترمذي : "هذا حديث حسن صحيح" [رواه الترمذي: 116، وابن ماجه: 538، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 436].
وهو قول غير واحدٍ من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، والتابعين، ومن بعدهم من الفقهاء؛ مثل سفيان الثوري، والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا في "المني" يصيب الثوب: يجزئه الفرك وإن لم يغسل. فإذاً، لينتبه الضيف من إفساد متاع أصحاب البيت، أو ترك الأولاد يعبثون في الأشياء ويكسرونها؛ فهذا ليس متاعاً له، هذه حقوق الناس، وفي الحقيقة يغرم إذا تعدى، وإذا ترك أولاده يفسدون يغرم، لكن إذا تلف شيءٌ بدون تفريطٍ منه، فلا يضمن.
مبادرة الضيف بالأكل:
وينبغي على الضيف المبادرة إلى الأكل إذا دعي، فإن السنة إذا قدم الطعام أن يبادر بالأكل؛ لأنه كرامة لصاحب المنزل، فلما قبضت الملائكة أيديهم نكرهم إبراهيم؛ لأنهم خرجوا عن العادة، وخاف أن يكون من ورائهم شر [انظر: "أحكام القرآن: 5/3، لابن العربي].
فقبول الكرامة، والأكل منها، فيه تطييب لخاطر صاحب البيت، والرفض فيه شيء من الإهانة والإزعاج.
وقال عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار شرح البزدوي": ألا ترى أن ترك الأكل عند الإباحة إساءة، ودليل على العداوة، حتى أوجس الخليل صلوات الله عليه خيفة في نفسه من الضيف إذ لم يأكلوا من ضيافته. [كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي: 2/247].
وقال في المغني: والعرف يقتضي أن تقديم الطعام للضيف هو إذن له بأكله، ولا خلاف بين العلماء فيما علمناه بأن تقديم الطعام بين يدي الضيفان إذن بالأكل، وأنه لا يحتاج إلى قبول بقوله، ووجد ما يدل على التراضي. [المغني: 12/275].
كبيرة سرقة الضيف من بيت المضيف:
وإن من الكبائر سرقة الضيف من بيت المضيف الذي أدخله وأكرمه، فإذا سرق الضيف من مال مضيفه شيئاً نظر، فإن سرقه من الموضع الذي أنزله فيه أو موضعٍ لم يحرزه عنه لم يقطع؛ لأنه لم يسرق من حرز، وإن سرق من موضعٍ محرزٍ دونه نظرت، فإن كان منعه القرى -يعني: بخل وما ضيفه- فسرق بقدر ما منعه، فلا قطع عليه، وإن لم يمنع قراه -يعني: ضيفه وأكرمه- فإن أخذ شيئاً من الحرز يقطع، وهذه  موجودة في المجتمع، ويدخلون على أنهم ضيوفهم وهم في الحقيقة حرامية، وقد يقع ذلك عند النساء أيضاً، تدخل بيت صاحبتها، فتسرق الدروج، المحافظ، والشنط، يقول لي أحدهم: دخلت بيتنا امرأة، وقد وضعت مبلغاً في حقيبة، فوق الدولاب، غابت زوجتي، رجعت وما انتبهت للموضوع، ثم خرجت من الغرفة، فأخذت الشنطة أريد المال، فما وجدت المال، فقلت لها: انظري في شنطة هذه المرأة؟ قال: فوجدنا فيها نفس المبلغ، أنا وضعت كذا مائة، كذا خمسين، كذا عشرات.
فهناك بعض من لا يتقي الله يعملون الكبائر، ثم أين؟
في بيت من أكرمهم.
أحضر لي شخص هنا في المسجد قبل أيام فاتورة أربعين ألف ريال، وقال: هذه جاؤوا أقربائي في عيد الأضحى، والتلفون، ولم أدر، وبعد ما ذهبوا وراحوا وجاءت الفاتورة بهذا المبلغ، كله في المدة التي جلسوا فيها عندي في البيت.
فإذًا، هناك من يرتكب الكبائر العظيمة التي يزداد قبحها في حق من أكرمه، وفتح له بيته، وآواه وضيفه، فأين هم من ديان يوم الدين؟
حلف المضيف على الضيف بالطلاق بعدم الذبح:
ومن بعض المنكرات التي يفعلها بعض الناس من الضيوف: أن يحلف بالطلاق على المضيف ألا يذبح له، ما دخل زوجته الآن؟! وهذا أصل المشكلة التكلف من أصحاب البيوت من المضيفين، والنبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن التكلف للضيف" والحديث في صحيح الجامع [رواه الطبراني: 104، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 6871].
وفي الأوسط للطبراني عن شقيق بن سلمة قال: دخلنا على سلمان الفارسي، فدعا بما كان في البيت، وقال: "لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن التكلف للضيف لتكلفت لكم". [رواه الطبراني في الأوسط: 5935].
فلا ينبغي للإنسان أن يتكلف، ولا ينبغي للضيف أن يحلف بالطلاق، هو يمكن أن يقول: لا تذبح، وإذا علم أن الرجل هذا سيستدين، ويرهق نفسه، ولو نهاه ما يذبح، يمكن يحلف عليه في الله، لو كان يخشى أنه يتكلف كلفة لا يطيقها.
ثم إن بعض الناس يحلف، وذاك يذبح، ثم لا هو استفاد من الحلف، وذبحت الذبيحة، ثم يأتي ليضع يده على الرز، يقول: هذه تحليل يمينك يا فلان، يمينك ألا يذبح، أيش دخل وضع اليد على الرز؟.
مسألة فقهية: لو حلف عليه ألا يذبح فاكتشف أنه ذبح قبل أن يحلف؟ قال: والله ما تذبح؟ قال: ذبحنا؛ ففي كتاب "أنوار البروق في أنواع الفروق" في قاعدة تعذر المحلوف عليه، قال: إذا حلف ضيف على صاحب الدار ألا يذبح، فتبين أنه قد ذبح، فلا حنث؛ لأن رفع الواقع محال.
فإذاً لا تجب كفارة في هذه الحالة، ولا يكون حانثاً، إذا فات محلوفٌ عليه لمانعٍ إذا كان شرعياً فحلفة مطلقة، وإن كان كلٌ قد تقدم منهما فلا حنث.
الكرم ومنزلته عند العرب وذم البخل والبخلاء:
وختاماً: فإن الإكرام من الأمور الحسنة الطيبة التي جاء بها الإسلام ودل عليها العقل والفطرة السليمة، وحتى العرب كانوا يعرفون ذلك، وكان ذلك من شئونهم، وقالوا كلاماً كثيراً، وأشعاراً حسنة في هذا الباب، ومن ذلك هذه الأبيات التي جاءت في الكرم والبخل يقول:
لعمرك ما الأرزاق يوم اكتيالها *** بأكثر خيراً من خوان عذافر
هذا الفرزدق يمدح عذافر المشهور بالكرم:
ولو ضافه الدجال يلتمس القرى *** وحل على خبازه بالعساكر
بعدة يأجوج ومأجوج كلهم***لأشبعهم يوماً غداء العذافر
طبعاً هذا من المبالغات، وقال الخريمي :
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله *** ويخصب عندي والمحل جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى *** ولكنما وجه الكريم خصيب
يقول: الإكرام بطلاقة الوجه أهم من الإكرام بالأكل.
وكذلك قال عمر بن الأحسن التيمي الذي شعره كأنه حلل منشرة:
ذريني فإن الشح يا أم مالكٍ *** لصالح أخلاق الرجال سروق
ذريني وحظي في هواي فإنني *** على الحسب العالي الرفيع شفيق
ومستنبح بعد الهدوء أجبته *** وقد حان من ساري الشتاء طروق
والمستنبح: هو الكلب.
فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباً *** فهذا مبيت صالحٌ وصديق
أضفت ولم أفحش عليه ولم أقل *** لأحرمه إن الفناء يضيق
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها *** ولكن أخلاق الرجال تضيق
وأما في البخل فقالوا أيضاً أبياتاً مما يعيب البخيل، فمن ذلك قول حماد عجرد :
وجدت أبا الصلت ذا خبرة *** بما يصلح المعدة الفاسدة
تخوف تخمة أضيافه *** فعلمهم أكلة واحدة
وقال حاتم الطائي:
إذا ما بخيل الناس هرت كلابه *** وشق على الضيف الغريب عقورها
فإن كلابي قد أقرت وعودت *** قليلٌ على من يعتريها هريرها
إذا حل ضيفي بالفلاة ولم أجد ***سوى منبت الأطناب شب وقودها
وقال بعضهم:
يستأنس الضيف في أبياتنا أبداً *** فليس يعلم خلقٌ أينا الضيف
من مستأنس البيت ما تدري من هو الضيف.
وقيل للأوزاعي: رجلٌ قدم إلى ضيفه الكامخ والزيتون وعنده اللحم والعسل والسمن؟ قال: هذا لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
وقال بعضهم:
لا در دري إن أطعمت نازلهم *** خبز الشعير وعندي البر مكنوز
وقال أحد البخلاء:
أعددت للضيفان كلباً ضارياً *** عندي وفضل هراوة من أرزن
وهذا نوع من الشجر الصلب تتخذ منه العصي.
ومعاذراً كذباً ووجهاً باسراً *** متشكياً عض الزمان الألزن
ورأى الحطيئة رجلاً وبيده عصا فقال: ما هذه؟ قال: عجراء بنت سلم، قال: إني ضيف، قال: للضيفان أعددتها.
وقال آخر:
وأبغض الضيف ما بي جل مأكله *** إلا تنفخه حولي إذا قعدا
مازال ينفخ جنبيه وحبوتـه *** حتى أقول لعل الضيف قد ولدا
وقال بعضهم:
استبق ود أبي المقاتل *** حين تأكل من طعامه
سيان كسر رغيفه *** أو كسر عظمٍ من عظامه
فتراه من خوف النزيل *** به يروع في منامه
وقال بعضهم:
يا تارك البيت على الضيف *** وهارباً منه من الخوف
ضيفك قد جاء بخبزٍ له *** فارجع فكن ضيفاً على الضيف
وأخيراً: قال أعرابي يصف أحد هؤلاء:
أقاموا الديدبان على يفـاعٍ *** وقالوا: لا تنم للديدبان
قال صاحب بيت لحارسه: إذا رأيت ضيفاً يقدم علينا فأخبرنا به.
فإن أبصرت شخصاً من بعيدٍ *** فصفق بالبنان على البنان
ثم قال: إنهم من بخلهم جعلوا الصلاة بلا أذان، خافوا إذا أذنوا أن يسمع الناس الصوت ويأتون.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن أكرموا ضيوفهم، وأن يجعلهم ممن أكرمهم إكراماً في جنات النعيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.