الخميس 6 جمادى الآخر 1439 هـ :: 22 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كيف تكون مجالسنا إسلامية


عناصر المادة
حال مجالس المسلمين اليوم:
مخالفات شرعية منتشرة في مجالسنا:
آداب المجالس:
كيف تكون مجالسنا إسلامية؟ (2)
الواجب على المسلم في المجالس:
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران:102يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباًالنساء:1.  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماًالأحزاب:70-71.
 أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم– وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
حال مجالس المسلمين اليوم:
00:01:27
أيها الإخوة: إذا ألقينا نظرة سريعة على مجالس المسلمين اليوم لوجدنا أنها وبكل صراحة ووضوح هي عبارة عن اشتغال بالدنيا وما فيها، فضلاً عن الاشتغال بالمحرمات، والآثام، وكبار الذنوب
 

إذا ألقينا نظرة سريعة على مجالس المسلمين اليوم لوجدنا أنها وبكل صراحة ووضوح هي عبارة عن اشتغال بالدنيا وما فيها، فضلاً عن الاشتغال بالمحرمات، والآثام، وكبار الذنوب

 
.
أيها الإخوة: لابد من الاهتمام بالمجالس؛ لأنها ذات أثر كبير، فإذا ألقيت الضوء على أنواع مجالس الناس اليوم لرأيت الجالسين فيها قد اشتغلوا بالدنيا بتفاصيلها، فهم إن كانوا تجاراً، فإنك ترى أخبار المقاولات والبضائع، والأسعار، والبيع والشراء، والزبائن، ومشاكل العمل، هذا أمر طاغ على جلساتهم.
وإذا تأملت في مجالس الموظفين، لوجدت أمر الدوام ومشاكل المراجعين وأخبار الصحف، والأنظمة، والترقية، والبدلات، والتنقلات، والعلاوات، والانتدابات، هي الشغل الشاغل للجالسين فيها.
وإذا تأملت في مجالس طلاب المدارس والجامعات لوجدتهم مشتغلين بتفاصيل الدراسة، والأسئلة، والامتحانات، والدرجات، والشهادات، والتخرج، والوظائف.
وإذا تأملت في مجالس النساء، وجدتهن مشتغلات بالموضات، والملابس، والأكلات، والزواجات، والحفلات، والأعراس، وحال الأسواق والمحلات إلى آخر ذلك من أنواع المجالس اليوم.
هذه المجالس -أيها الإخوة- التي عم الاشتغال بالدنيا، والحديث عنها عم في المجالس، حتى قست قلوب المسلمين، من ضمن أسباب قسوة المسلمين اليوم؟ أحوال مجالسهم، ومنتدياتهم.
إن الله -أيها الإخوة- توعد الذين قست قلوبهم، فقال عز وجل: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِالزمر:22فَوَيْلٌ كلمة تهديد وتوعد عظيمة: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
لذلك كان لابد من البحث عن أسباب قسوة القلوب لعلاجها وإزالتها، هل كان هذا -أيها الإخوة- حال مجالس الصحابة؟ هل كانت هذه الأشياء هي التي تشغل نفوس الصحابة هي التي تشغل مجالس الصحابة والسلف الصالح؟ 
كلا -أيها الإخوة-.
إننا لا نحرم، ولا نتكلم عن تحريم هذه الأمور مطلقا، فإنه لا بأس أن تتكلم النساء في مجالسهن عن أخبار الزيجات مثلاً، أو يتكلم الموظفون عن المشاكل التي تواجههم في وظائفهم، أو يتكلم التجار عن المشاكل التي يواجهونها، ويتبادلون الخبرات.
مخالفات شرعية منتشرة في مجالسنا:
00:05:18
هذا أمر لا بأس فيه -يا إخواني- ولكن المذموم والمحذور الذي نتكلم عنه هو: أن يكون شاغل الجالسين الشاغل من أول المجلس إلى نهايته، هو الكلام عن الدنيا، هو الكلام عن هذه الأشياء، لدرجة أنك لا تسمع في هذه المجالس آية واحدة، ولا حديثاً واحداً، ولا حتى كفارة المجلس، ولا ذكراً لله بأي صورة من الصور.
هذه الحالة الخطيرة التي نتكلم عنها الآن، الشغل الشاغل للناس في المجالس هو الدنيا، هذا إذا كان الكلام مباحاً، فالاشتغال في هذا المباح من أول المجلس إلى نهايته مذموم شرعاً، فكيف -أيها الإخوة- إذا كان الكلام في المجالس عن الأمور المحرمة شرعاً، والوقوع في كبائر الذنوب؟ كيف إذا كانت المجالس مجالس غيبة ونميمة، ونهش أعراض الناس، وأكل لحومهم؟  وقال الله -تعالى-: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاًالحجرات:12
كيف إذا كانت المجالس مجالس كذب وبهتان وسخرية؟ 
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم–: (لا يعضه بعضكم بعضا)؟
والعضه، هو: الكذب، والبهتان، والنميمة كما ذكر العلماء.
كيف إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس سخرية بعباد الله -عز وجل-، وتنابز بالألقاب؟ 
والله يقول:لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍالحجرات:11، ويقول: وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِالحجرات: 11؟
 كيف إذا كانت مجالسنا اليوم -أيها الإخوة- مليئة بالفسوق والتعيير، والسباب والشتائم؟ ورسول الله - صلى الله عليه وسلم – يقول: (المستبان شيطانان يتهاتران، ويتكاذبان)حديث صحيح.
كيف إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس مدح، ومجاملات، ونفاق، ومداهنة؟ ورسول الله -عليه السلام- يصف مدح الرجل في وجه أخيه بأنه كقطع عنقه، وقال الله -تعالى- قبل ذلك: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْالنجم:32.
كيف إذا كانت مجالسنا اليوم مجالس سخرية بالدين، واستهزاء بالمتمسكين به، وانتقاص من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – في مظهره، وأخلاقه، وآدابه؟ 
كيف إذا كانت المجالس اليوم مجالس استهزاء بشريعة الإسلام وأحكام الدين؟ 
واحد يقول في مجلس: تريدون أن ترجعوا بنا إلى شريعة العين بالعين، والسن بالسن! –تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبير-.
أيها الإخوة: ما فتئت مجالس المسلمين اليوم تعج بالاستهزاء والانتقاص من دين الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم– ولا حول ولا قوة إلا بالله.
مجالسنا -أيها الإخوة- مجالسنا فيها استهزاء بعباد الله بشتى الصور، فتجد رجلاً يقلد إنساناً في صوته أو عادة من عاداته، فيقول: هذا فلان كأنه كذا، هذا فلان كأنه كلامه كذا، كأن مشيته كذا، كأن ثوبه كذا، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة: (ما أحب أني حكيت إنساناً، وأن لي كذا وكذا).
لو أعطيت كذا وكذا من الدنيا لا أحكي حال إنسان، قال العلماء في شرحه: يعني لا أذكر إنساناً أقلده بحركاته، وهيئاته على سبيل التنقص.
وقصة هذا الحديث: أن عائشة لما قالت للرسول -صلى الله عليه وسلم–: حسبك من صفية أنها كذا وكذا، تعني: أنها قصيرة، فقال عليه السلام: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته).
يعني: لخالطته مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لشدة نتنها وقبحها.
فكيف بالألفاظ اليوم التي تنطلق في مجالس المسلمين؟.
مجالسنا -أيها الإخوة- فيها كثير من المحرمات والمخالفات لشريعة، فتجد مثلاً اثنان يتناجيان، وثالث موجود، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث). وعللها بقوله: (فإن ذلك يحزنه)
وتجد اليوم المناجاة مرض واقع في مجالس المسلمين.
حتى في طريقة الجلوس في المجالس تجد فيها انكشاف للعورات، فتجد بعض الرجال الذي لا يلبسون تحت ثيابهم لابساً سابغاً يرفع إحدى رجليه على الأخرى، ويجلس جلسة ينكشف منها فخذه، و(الفخذ عورة) كما قال عليه السلام .
ثم يأتي هذا الرجل ويجادل، ويقول: متى كان الرجل له عورة؟ هل نحن نساء حتى تنبهونا إلى هذه المسألة؟ 
سبحان الله على جهل المسلمين بأحكام العورات! والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (يا جرهد، غط فخذك، فإن الفخذ عورة).
حتى في طريقة الأكل والشرب في المجالس مخالفات كثيرة من الأكل والشرب باليسرى مثلاً، إلى عدم التسمية، إلى غير ذلك، حتى في طريقة النقاش والحديث تخالف قواعد الإسلام وآدابه، من رفع للصوت، وحدة وغلظة، ومقاطعة في الحديث، ويسبق الصغير الكبير في الحديث، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (كبر كبر).
أبدأ بالأكبر.
هذه مقتطفات من بعض المنكرات التي تعج بها مجالسنا اليوم.
إذا كان عدم ذكر الله –تعالى-، والصلاة على رسوله -صلى الله عليه وسلم- في المجلس فيه وعيد عظيم، ولو كان المجلس كله كلام مباحاً، ولو كان كله مباحاً، لذلك يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (ما اجتمع قوم في مجلس فتفرقوا ولم يذكروا الله، ويصلوا على النبي -صلى الله عليه وسلم– إلا كان مجلسهم ترة عليهم يوم القيامة) . 
يعني: حسرة وندامة.
وفي رواية صحيحة: (وإن دخلوا الجنة)
وإن دخلوا الجنة، لما يرون من الثواب الذي فاتهم، بعدم ذكر الله، والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجالسهم التي كانت في الدنيا.
بل قال عليه السلام: (ما اجتمع قوم فتفرقوا عن غير ذكر الله إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار، وكان ذلك المجلس عليهم حسرة)
مثل جيفة الحمار نتنة منتنة مؤذية رائحة عفنة، هكذا يفترق الناس إذا لم يذكروا الله في مجالسهم.
فأعد معي شريط الذكريات -أيها الإخوة- لتسترجعوا حال مجالسكم، هل كان في أي منها ذكر لله، وصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ كل مجلس يجب أن يكون فيه ذكر لله؟ هل تسمع في مجالس اليوم آية أو حديثاً، أو وصية، أو حكماً شرعياً، أو تذكرة؟ 
إلا من رحم الله.
إذا -أيها الإخوة- لابد من الانتباه إلى هذه السلبية الخطيرة اليوم، بل إنك تجد المسلمين يضحكون على أنفسهم في هذه الآيات والأحاديث التي يعلقونها في مجالسهم، تجد لوحات مخطوطة بخط جيد مزخرفة معلقة في المجالس فيها أمر الله للمسلمين بالتقوى، أو الإخبار بأن الله مطلع، ويعلم كل شيء، بل إن بعضهم يعلق كفارة المجلس في مجلسه، وإذا قام لا يذكر هذه الكفارة، ويخالف صراحة هذه الآيات المعلقة على الجدار. أية حالة -أيها الإخوة- هي التي وصلنا إليها اليوم؟ 
نعلق الآيات والأحاديث على الجدران، ثم نخالفها بتصرفاتنا، وأفعالنا، وأقوالنا، إذاً ما هي فائدتها؟ 
ومن هنا رأى بعض العلماء عدم جواز تعليقها إذا كانت هذه هي حال المجالس؛ لأن فيها استهزاء بذكر الله، في هذه اللوحات، والملصقات.
ومن أجل هذا صار بعض العقلاء من المسلمين اليوم ينفرون عن مجالسة الناس، وعن الجلوس معهم، والحديث معه، وترى أحدهم يقول: مالي وللناس، لماذا اجلس معهم، وهذه هي أحوالهم، وهذه هي أحاديثهم.
هذا الرجل -أيها الإخوة- على صواب، هذا على صواب فيما يفعل إذا لم يكن عنده قدرة على التغيير، فإنه لابد من هجر أماكن المعاصي والفسوق، بدلاً أن تكون مجالسنا مجالس ذكر لله يتحقق فيها قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: (ما اجتمع قوم على ذكر، فتفرقوا عنه إلا قيل لهم قوموا مغفوراً لكم).
وقال عليه السلام في الحديث الصحيح: (ما جلس قوم يذكرون الله -تعالى-، فيقومون).
هذا الحديث -أيها الإخوة- ليس خاصاً بحلق الذكر بالمساجد، وإنما في جميع الحلق والمجالس: (ما جلس قوم يذكرون الله -تعالى-، فيقومون حتى يقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدلت سيئاتكم حسنات).
ولذلك يعجبك الرجل عندما تجلس في المجلس أن يقول لواحد من أهل الخير: يقول: يا فلان حدثنا عن آية كذا، حدثنا عن حديث كذا، سمعت مرة حديثاً ما هو هذا الحديث؟ وما هو معناه؟ ما هي قصة النبي الفلاني؟ ما هو حكم الشيء الفلاني؟ 
هؤلاء الناس الذين يصفهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأنهم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، هؤلاء الناس كثير منهم ليس عندهم علم شرعي، لكنهم حريصون على التعلم، حريصون على الاستزادة، حريصون على صبغ مجالسهم بالخير، والذكر، والأشياء التي ترضي الله -عز وجل-.
إنك عندما تسمع هذه الندرة من المسلمين اليوم يسألون في هذه المجالس، فإن قلبك يهتز فرحاً من بقية الخير الموجود في الأمة نسأل الله أن يكثره.
آداب المجالس:
00:18:58
أيها الإخوة: مجالسنا فيها آفات تحتاج إلى إصلاح لابد من معرفة الآداب، ولابد من معرفة طرق الإصلاح حتى نتمكن من الوصول بهذه المجالس إلى الجادة المستقيمة.
ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آداباً كثيرة للمجلس، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما).
فلا يجوز لك أن تدخل مجلساً فتجلس بين اثنين، إلا بعد أن تستأذن منهما، فإن أذنا لكما، وإلا فذهب واجلس حيث ينتهي بك المجلس.
وكذلك من السنة: أن يجلس الإنسان حيث ينتهي به المجلس.
ولا يأتي ويقيم إنساناً ويجلس مكانه إن هذا فيه نهي صريح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهي صريح: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه، ثم يجلس فيه).
لذلك كان ابن عمر كما ورد في حديث البخاري كان إذا قام له إنسان من مجلسه لم يجلس فيه يرفض، ويذهب إلى مكان آخر ليجلس فيه.
وقال عليه الصلاة والسلام موضحاً أدباً آخر: (المجالس بالأمانة).
أحياناً يدعيك إنساناً إلى مجلس عنده، ويكون في هذا المجلس كلام خاص سر من أسرار هؤلاء القوم، لا يجوز لك بأي حال من الأحوال أن تذهب وتفشي أسرارهم، قد يتكلم عن أحوال بيته أو أسرته مثلاً الداخلية، لا يجوز لك أن تذهب في مجلس آخر وتفشي سر هذا الرجل وأهل بيته؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: (المجالس بالأمانة)
فيلزم فيها الستر على ما يقال مادام لا يضر المسلمين.
وكذلك -أيها الإخوة- يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (خير المجالس أوسعها) .
فلذلك يستحب توسيع المجلس؛ لأنه أكرم للضيف، وأصون لحاله، وأروح له في قيامه وقعوده، وسيره، ويختلف هذا باختلاف أحوال الناس على غناءهم على غناءهم وفقرهم، فإنه متى كان مستطيعاً، فيستحب له توسعة مجلسه.
والتفسح في المجالس أمر مطلوب، التفسح في المجلس إذا كان ضائقاً بالرجال ليس فيه مكان لداخل أن يتفسح الناس، يقول الله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحْ اللَّهُ لَكُمْالمجادلة:11
لابد من إيجاد الفسحة في القلب قبل إيجاد الفسحة في المكان، متى وجدت الفسحة في القلب لأخيك المسلم، ومحبته، فإنك ستفسح له تلقائياً، أما إذا أبغضته، وأبغضت أن يضايقك نوعاً ما، فإنك لن تفسح، وإن أفسحت فلن يكون عن طيب نفساً وخاطراً منك.
وكذلك -أيها الإخوة- لابد من ذكر كفارة المجلس إذا قام الإنسان، ويقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من مجلس في مجلس، فكثر فيه لغطه) حصلت منه أخطاء، وزلات في الكلام (فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك)
ماذا تريدون أكثر من هذا؟ 
هذا من رحمة الإسلام -أيها الإخوة- يعطيك مجال لتصحيح الأخطاء، يعطيك مجال لغفران الذنوب التي حصلت منك، هذه كلمات قليلة تقولها فتمحى الذنوب، لعمر الله إنه لفضل عظيم، إن الله ذو فضل عظيم: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَالبقرة:243
الله يتفضل علينا بهذه الكفارات البسيطة، ونحن لا نأبه لها، ولا نرعوي، ولا نهتم بها.
وفقنا الله وإياكم للقيام بحقه في المجالس، وأن يجعل من مجالسنا مجالس خير وذكر له عز وجل، وصلى الله على نبينا محمد.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِالفاتحة:4.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى سبيله القويم.
أيها الإخوة: ومن آداب المجلس كذلك: ما كان يفعله صلى الله عليه وسلم؛ كما ورد عنه في الحديث الحسن: "كان إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه قام معه، فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه، فتناول يده، فناوله إياها، فلم ينزع يده منه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحد أصحابه، فتناول أذنه ناوله إياها لم ينزعها حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها عنه"[رواه ابن سعد بإسناد صحيح عن أنس، وهو في صحيح الجامع. 
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيها الإخوة- مؤدباً غاية التأديب، يحترم ضيوفه، ويحترم جلساه، إذا قام إنسان من المجلس لينصرف، يقوم الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليودعه، ويأخذ بيده ليصافحه لا يترك الرسول يد الضيف حتى ينصرف الضيف، ويكون الضيف هو الذي ينزع يده من يد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذا كان الرسول جالس في مجلس، فأراد رجل أن يسر له بحديث، وأتى ليأخذ بأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان رسول الله -عليه السلام- يعطيه أذنه، وينصت حتى يفرغ الرجل، لا يرجع الرسول -صلى الله عليه وسلم- رأسه، ويبعد أذنه حتى يبعد ذلك الرجل فمه، ويبعد رأسه. الانتظار، الأدب.
هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي تجب يجب على الأمة كلها أن تتأدب معه يفعل هذه الأفعال؛ ليعلمنا -أيها الإخوة- آداب المجالسة، وآداب الحديث، بقي في هذا الموضوع بقية هامة كيف ننتهز من المجالس لتكون من مجالس خير؟ ماذا يجب على الدعاة إلى الله وعلى الناس أن يفعلوا لكي يحولوا مجالسهم إلى مجالس خير؟ ما هو الموقف الصحيح للمسلم من المنكرات، والاستهزاءات، وشتم الدين ونحوه الذي يحدث في المجالس؟ ما هو الموقف الصحيح عموماً؟ 
هذا -أيها الإخوة- ما سيكون -بإذن الله تعالى- موضوع خطبتنا القادمة؛ لأنني أحس -أيها الإخوة-، وربما تحسون معي أن الاهتمام بأمر المجالس له دور عظيم، وله خطورة كبيرة، إذا صلح مجلسك صلحت أنت، وصلح جلساءك، وسترجع من المجلس إلى بيتك، وأنت ممتلئ إيماناً وفائدة، وعلماً خرجت به من ذلك المجلس، فينعكس هذا على أهلك؛ لذلك كان لابد من زيادة التوضيح والتعرض لمسائل هامة في هذا، نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لذلك، اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك. 
 
كيف تكون مجالسنا إسلامية؟ (2)
00:27:39
الخطبة الأولى:
أيها الإخوة: تكلمنا في الأسبوع الماضي عن أنواع المجالس التي يجلس فيها الناس، وتكلمنا أيضاً عن أهمية هذا المجالس، وأنها مرآة المجتمع، وأن أفكار الناس وتصوراتهم، وآراءهم تطرح في مجالسهم في الغالب، وأن المجالس لها تأثير كبير على عقول الناس، وأن ما يحدث في المجلس ينعكس على داخل الأسرة بشكل مباشر، أو غير مباشر.
وأن المجلس -أيها الإخوة- فرصة خير لمن أراد الله -تعالى- به خير، ومن أراد الله واليوم الآخر، وذكر الله كثير، وهو فرصة للازدياد من الشر والسيئات، والوقوع في حبائل الشيطان لمن أغواه عبد الله إبليس، وجعله من جنده وأعوانه.
ولذلك -أيها الإخوة- ذكرنا في المرة الماضية أن غالب مجالس الناس إما أن تكون حديثاً دنيوياً بحتاً من أول المجلس إلى آخره ليس فيه ذكر لله -تعالى-، ولا تسمع فيه آية ولا حديثاً واحد، وذكرنا أن هذه المجالس مجالس مذمومة، وأن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وصف أهلها الذين لا يذكرون الله -تعالى- فيها أبدا، ولا يصلون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأنهم يتفرقون على مثل جيفة الحمار.
والنوع الثاني: من المجالس في الغالب مجالس السوء والمعصية التي تمتلأ غيبة وبهتاناً في عباد الله -تعالى-، وتمتلئ استهزاءً وسخرية بآيات الله وأحكامه وشرعه، وهي كذلك -أيها الإخوة- تمتلئ بالملهيات التي تشغل عن ذكر الله، فمنهم من يقعد يلعب بالورق، أو بالألعاب الأخرى حتى يطلع الفجر، أو ينام قبل الفجر بقليل، أو يسهر سهراً طويلاً يضر بحضوره في صلاة الفجر، فتفوته هذا الصلاة بالكلية، لا يصليها في بيته فضلاً عن أن يصليها مع الجماعة في المسجد.
وكذلك -أيها الإخوة- فإنك ترى في المجالس من الاشتغال بأحاديث المنكر، والاشتغال بالملهيات عن ذكر الله أمراً فضيع، أمراً لا تكاد تحتمله عقول المسلمين ولا فطرهم الصافية، إنك ترى الناس كثيراً ما يشتغلون بأحاديث الرياضة والملهيات، وأخبار الكرة، ويوالون عليها، ويعادون فيها، ويتقسم الناس أحزاباً وشيع بفعل انقسامهم بحسب ميولهم الرياضية ونحوها.
ونحن -أيها الإخوة- نعلم جميعاً بأن الإٍسلام حث على تقوية البدن، وعلى الاشتغال بما يفيده، ولكن منع أيما منع من الالتهاء بها، حتى تكون هم الإنسان الشاغل، وحتى تكون معادات الناس وموالاتهم على مثل هذه الأشياء التي لا يرضاها الله -عز وجل-، وبالجملة فإن مجالس الناس في هذه الأيام لا يرضى الله -تعالى- عنها لما امتلأت به من أنواع المنكرات، والفواحش. 
كيف نجعل مجالس إسلامية؟ 
ونريد أن نوضح -أيها الإخوة- في هذا المقام نريد أن نوضح كيف نجعل من مجالسنا مجالس إسلامية يرضى الله -تعالى- عنها وعن أهلها، ويثيب الله -تعالى- القاعدين عليها درجة ودرجات.
لابد -يا إخواني- بادئ ذي بدء، لابد لكل واحد فينا يجلس في مجلس، أو يدعو الناس إلى مجلسه، أو يجيب دعوة الناس أن ينظر في حال من يجالس. إن انتقاء الجليس من الأمور الأساسية المهمة، ولذلك أخبر الله -تعالى- بأن رجلاً من أهل النار قد وقع في سوء العذاب بسبب قرينه: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً. لماذا؟ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً الفرقان:27-29.

لا نريد أن نأتي يوم القيامة -أيها الإخوة- ويتحسر الواحد منا ويقول يوم لا تنفع الحسرة والندامة: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً.

 

لا نريد أن نأتي يوم القيامة -أيها الإخوة- ويتحسر الواحد منا ويقول يوم لا تنفع الحسرة والندامة:  {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً}.

 
  يا ليتني ابتعدت عنه ونبذت، يا ليتني لم أقترب منه، ولم أجلس معه لحظة واحدة، لقد كان سبب في ضلالي، وفي وقوعي في حبائل الشيطان، لقد كان يزين لي المنكر، ويحثني عليه، ويجعلني شريكاً معه في الإثم، وعبادة الطاغوت، ومدح الله رجلاً من أهل الجنة، وأخبر أن سبب نجاة أنه تخلص من حبائل صديقه وجليسه وخليله الفاسق، أو الكافر في اللحظات الأخيرة، فقال الله -تعالى- حاكياً عن رجل من أهل الدنة، قعد يبحث عن صديقه وجليسه الذي كان يخاف الله في الدنيا، فوجده في النهاية: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِالصافات:55
اطلع هذا الرجل من الجنة، فرأى صاحبة في سواء الجحيم، في وسط جهنم: قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ. لتردين معك فيها وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَالصافات:56-57، في هذا الحساب والعذاب تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ.
أيها الإخوة: إن الجليس له خطورة كبيرة على جليسه، وتأثير بالغ، وبعض الناس قد أعطاهم الله قدرة في الإقناع، وقدرة في الجذب، فقد يجذبك معه إلى سوء الضلالة -والعياذ بالله-، ويستطيع أن يتفنن في إغوائك، وأن يضلك عن سبيل الله ومنهج الله، إن أناساً يستطيعون أن يجذبوا نفوس الناس، ويسحروا عقولهم ليردوهم في نار جهنم، إن هناك شياطين من الإنس كما أن هناك شياطين من الجن، قلي من تجالس أقول لك من أنت. 
إذاً كان الجليس عنوان جليسه، هذه هي النقطة الأولى.
والشيء الثاني -أيها الإخوة-: الذي يحرصنا على أن يكون جلسانا من أهل الخير والصلاح: حال السلف –رحمهم الله تعالى–، عندما كانوا يبحثون عن جلساء الخير، وهذه القصة التي رواها الإمام البخاري –رحمه الله– تبين هذا المقصود: عن علقمة -وكان من كبار التابعين، ومن أجلائهم- قال: قدمت الشام فصليت ركعتين في المسجد، ثم قلت: انظروا -أيها الإخوة- ماذا كان يدعون الله؟ انظروا بماذا كانوا يدعون الله؟ بأي شيء يدعون؟ ما هو موضوع دعائهم؟ ثم قلت بعد أن فرغ من تحية المسجد: "اللهم يسر لي جليساً صالحا" هذا كان دعاءهم "اللهم يسر لي جليساً صالحا" يذهب إلى المسجد، إلى مظنة وجود الجلساء الصالحين، أين تجد الجلساء الصالحين؟ في الأسواق؟ في الدكاكين؟ في الشوارع؟ وفي الطرقات؟
كلا، إنك تجدهم في المجالس، إنك تجدهم في المساجد أولاً، فلتكن نقطة الابتداء من المسجد.
ثم قلت: "اللهم يسر لي جليساً صالحا" فأتيت قوماً من الناس جالسين في المسجد، فجلست إليهم، فإذا شيخ جاء حتى جلس جنبي، قلت: من هذا؟ قالوا: أبو الدرداء الصحابي الجليل، صاحب الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبو الدرداء، فقلت يقول علقمة قلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليساً صالحا، فيسرك لي... إلى آخر الحديث.
كانوا يدعون الله بشروط الدعاء المستجاب، فيستجيب لهم الله في الحال، وييسر لهم جلساء صالحين.
هذا الرجل التابعي رزقه الله بصحابي جليل ليجلس إليه، ويستمع منه، ماذا كان صلى الله عليه وسلم يفعل ويقول؟
الجليس -أيها الإخوة- له صفات كثيرة، وله حقوق، قال سعيد بن العاص -رحمه الله تعالى-: لجليسي علي ثلاث خصال: إذا دنا رحبت به، وإذا جلس وسعت له، وإذا حدث أقبلت عليه.
لنا جلساء ما نمل حديثهم***  ألباء مأمونون غيباً ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى *** وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا
بلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة*** ولا نتقي لهم لسان ولا يدا
هذه صفات جلساء الصلاح والتقوى.
وفقنا الله وإياكم لئن نجلس معهم، وأن نجدهم، ونتأدب معهم بآداب رسول الله -عليه السلام-.
الواجب على المسلم  في المجالس:
00:38:22
فإذا جلست -يا أخي- في مجلس من المجالس، فإنه يجب عليك لكي يكون هذا المجلس مجلس خير أن تفعل أشياء كثيرة، منها:
أولاً: سيقول كثير من الناس كلاماً منكرا، وزخرفاً من القول وزورا، وستنطلق ألسنة السفهاء في غيبة عباد الله، ونهش لحومهم، كثير من المسلمين يجلسون بلا مبالة، ولا ينكرون هذه المنكرات التي يسمعونها، ورسول الله -عليه السلام- يقول في الحديث الصحيح: (من ذب عن عرض أخيه بالغيبة) عندما يكون أخوه غائباً.(كان حقاً على الله أن يعتقه من النار).
ويقول في اللفظ الآخر الذي رواه أحمد بإسناد صحيح: (من رد عن عرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة).
المجالس اليوم مجالس غيبة كبيرة، وكثيرة، لابد أن ترد الغيبة عن أخيك، لابد أن تنكر عن هذا الذي يتكلم في عرض أخيك، وإلا فلا يجوز الجلوس، ولا السكوت، ولابد أن تتكلم، وتنكر ما يقولون، لابد أن تتكلم، وتبين بالحق خطأ ما يفعلون.
وكذلك -أيها الإخوة- تتعرض مجالس المسلمين اليوم لغارات يشنها أعداء الله -تعالى- من داخل المجالس لا من خارجها، إنهم يستهزئون بشرع الله ودينه، إنهم يغيرون على أحكام الله -تعالى- بسهام القدح والاستهزاء، والسخرية حتى يجعلوا من نصوص الكتاب والسنة اضحوكة في عقول الناس.
إنهم يريدون أن يميعوا قضايا التميز والولاء في عقول المسلمين.
بعض هؤلاء الناس -أيها الإخوة- يفعلون هذه القضية بجهل، ولكن الله -تعالى- لا يعافي هؤلاء من هذا الجهل، إنه جهل مذموم لا يعذر الله صاحبه.
وبعض الناس يتقصد آيات الكتاب، وأحاديث رسول الله بسوء نية، وخبث طوية، فيجعل منها أضحوكة وسخرية في المجالس، يستهزئ بالأحكام، يستهزئ بالمظاهر الإسلامية، يستهزئ بثياب المسلمين وأشكالهم، ويستهزئ بالأحاديث التي تذم الغناء والملاهي والمنكرات.
إنهم يستهزئون -أيها الإخوة- بأشياء كثيرة، ماذا يكون موقف المسلم الجاد الذي يريد أن يسلك طريق الله المستقيم، ويغير واقع المجالس الفاسد؟ ماذا يفعل؟ وكيف يتصرف؟ وأنى له معرفة الطريقة السليمة في هذه الحالة؟.
اسمع معي -يا أخي المسلم- لهذه الآية التي تهز كيان المؤمن هزاً عنيفاً كأن قلبه سينخلع عندما يسمع وقع هذه الآية على قلبه، يقول الله -تعالى-: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَاالنساء:140وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ. في حالة: إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاًالنساء:140 وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ما هو التصرف؟  فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ حتى يغيروا الموضوع، ويقلعوا عن هذه المعصية، ويقلعوا عن هذا الكفر، أعظم المعاصي، يقلعوا عن الكفر، ويبدؤوا في موضوع آخر:حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ تقوم من المجلس، وتنكر عليهم إنكاراً شديداً، وتقرأ عليهم هذه الآية، توبخهم بها على هذا الفعل الشنيع؟ فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ. وتقول لهم: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاًالنساء:140.
أيها الإخوة: المسألة خطيرة، خطيرة جداً بكل ما تحمل الكلمة من المعنى، أناس كثيرون اليوم من المسلمين يستهزئون في المجالس بأشياء كثيرة بأحكام الدين، وشرائع الله، وسنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ما هو الحل؟ 
الحل موجود في هذه الآية، وكثير من المسلمين لم يسمع الآية من قبل مطلقاً: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ماذا نزل عليكم في الكتاب؟ 
نزل علينا -أيها الإخوة- آية أخرى تشبهه هذه الآية، ومضمونها مضمون هذه الآية، الآية المذكورة في سورة النساء، والآية المشار إليها التي سنقرأها الآن في سورة الأنعام، ما هي الآية الثانية؟ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ[الأنعام:68 أعرض عنهم بالقول، وبترك المجلس، وبالتوبيخ والزجر، وأعرض عن الاشتراك معهم في هذه الجريمة، الساكت عن الحق شيطان أخرس فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ
فإذا نسيت، وأنساك الشيطان أن تترك المجلس، أنساك، نسيت الموضوع واسترسلت معهم في الكلام، ما هو الحل؟ ليست هناك مشكلة في الإسلام ليس لها حل، قال تعالى في تمام السياق: وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَالأنعام:68، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ في حالة أن ينسيك الشيطان الموقف الصحيح، فماذا تفعل إذا تذكرت ورجعت إلى رشدك، وانتبهت من غفلتك؟ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى. بعد التذكر مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَالأنعام:68.
إنها آيات مفاصلة، آيات شديدة -أيها الإخوة-، تعاليم الإسلام اليوم مضيعة بين الناس، لا يفهمون حدود الله -تعالى-، ليس في الإسلام تلاعب، ولا تمييع للعقيدة، ولا سماح لأي مغرض بأن يمس العقيدة بأدنى سوء، لذلك تجد الآيات شديدة؛ لأن الموضوع موضوع عقيدة، دين الله يستهزئ به، وأحكام الله تجعل سخرية وأضحوكة، المسألة إذاً خطيرة، فلذلك كان الجواب حاسماً: فلا تقعد معهم: فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَالأنعام:68، فلا تقعدوا معهم: إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ، مثلهم في الكفر الخطورة.
الخطورة -أيها الإخوة-، الإسلام لا يرضى أن تمس عقيدتك -يا أخي المسلم- بأي سوء، وكذلك مجالس أهل البدع، مجالس المنكرات والفسق والمعاصي كثير من الناس يجلس في مجلس، فأهل المجلس يدخلون في أعراض الناس، أو يتبادلون قصص المنكرات، يقول هذا: أنا فعلت كذا وكذا، وأنا سافرت إلى مكان كذا وفعلت كذا، ويتبجحون يسترهم الله -تعالى- وهم يكشفون ستر الله عليهم يتبجحون بالمعصية. 
هؤلاء أيضاً لا يجوز لك أن تسكت عما يقولون، لا يجوز لك أن تسكت عما يقولون مطلق، لابد أن يكون لك موقف.
يا أخي المسلم: لابد أن تفهم أنك صاحب موقف، لابد أن تفهم أنك صاحب رسالة، ما خلقك الله هملا.
قد هيؤوك لأمر لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ
مع الأغنام مع الماشية، لا تمش بلا هدف، المؤمن دائماً صاحب رسالة، وصاحب هدف، وصاحب حق، وصاحب مواقف إيمانية أينما حل، وأينما ارتحل، وأينما جلس، في أي مجلس يفصح عن عقيدته، ويلقن الناس الدروس الإيمانية، فيما يحمله في طيات قلبه من مبادئ وأفكار أنزلها الله في القرآن والسنة.
لا تكن -يا أخي المسلم- غير مبال، لا، هذا خطأ كبير، إن الله لم يخلقك لتجلس في هذه المجالس ثم تصمت على هذه المنكرات، وتكون شيطان أخرس.
كذلك -يا إخواني- من المقترحات التي ينبغي الأخذ بها لتحسين أحوال مجالسنا: اليوم الناس غارقين في هذه المنكرات في المجالس، التحسين يحتاج إلى وقت وإلى جهد، يحتاج إلى عمل دؤوب، يحتاج إلى نوع من التمرس والمرونة في قلب هذه المجالس من مجالس منكرة إلى مجالس خيرة.
من المقترحات -أيها الإخوة-: أن يدعى أهل الخير لحضور المجالس، كثيراً ما يقيم الناس ولائم للزفاف، أو يعمل الإنسان عقيقة، فيذبح لولده، ويدعو الناس، أو بعضهم يعمل مثلاً وليمة عند قدومه من سفر، أو عند نزوله في بيت جديد، أو يكون هناك دورية بين الناس كل يوم في الأسبوع على واحد منهم.
هذه المجالس -أيها الإخوة- هي الآن من شغل الناس الشاغل، مجالس تسأل عن فلان بعد صلاة العشاء غير موجود، أين؟ عنده عزيمة، عنده دورية، عنده ديوانية، عنده مجلس، عنده ضيوف، وهكذا.
هذه الأوقات -أيها الإخوة- لا يصح بأي حال من الأحوال أن تذهب سدى، لابد أن تستغل، ماذا نفعل؟
من الحلول: أن ندعو أهل الخير، أهل الصلاح، أهل العلم، وطلبة العلم؛ لكي يجلسوا في هذه المجالس، ويلقوا علينا، وينصحونا، ويعظون ويذكرون، ويبين لنا شيء من كتاب الله، أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يذكرونا بالله، وبأيام الله، وباليوم الآخر، وبعذاب القبر، وبأشياء كثيرة، وبأحكام فقهية، يحيوا واعظ الله في قلوبنا، إننا نحتاج إلى هذه النوعية أشد الحاجة، أن ندعو هؤلاء الناس إلى مجالسنا، هؤلاء الناس الذين نتوسم فيهم الخير، قد يكون لك قريباً خير، طيب، ملتزم بأحكام الله، ادعه إلى هذا المجلس، اجعله يحضر، ألح عليه بالحضور، واطلب منه أن يفتح في ذلك المجلس حديثاً إسلامياً، يستفيد الجالسين منه، وإذا خاض الناس في إفكهم، فقل لهم: لحظة يا جماعة، موجود فلان نريد منه أن يحدثنا عن كذا، موجود فلان الذي عنده سؤال يطرح السؤال الذي عنده، لا بد أن ننتهز وجود هؤلاء الناس فنطرح عليهم هذه الاشكالات التي تواجهنا، والشبهات الممتلئة بها عقولنا، كثير من الناس عندهم شبهات، نجلس في بعض المجالس تجد أن بعض الناس عنده شبهات ضد الأنبياء، واحد يقول في مجلس: نبي الله يوسف كان شهواني، وكان رجل، ويقول دليلاً على ذلك: وَهَمَّ بِهَا ولا يعرف ما معنى قول الله -تعالى-: هَمَّ بِهَا ولا الفرق بين هم يوسف، وهم امرأة العزيز؟
إذاً -أيها الإخوة- عقول المسلمين اليوم نتيجة ابتعادهم عن دينهم، وهذه الشكوك والشبهات ممتلئة، ممتلئة بالشبهات حتى أعلاها.
كذلك -أيها الإخوة- ما المانع أن يكون في مجلس الواحد منا كتاباً، تفسير قرآن، كتاب "رياض الصالحين" في أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كتاب عن أحكام، خطب جمعة مكتوبة، أحاديث ترقيق وترغيب وترهيب، فإذا جاء جلساؤه، قال: يا جماعة، لحظة لا نريد أن نضيع المجلس، فيأخذ الكتاب، ويفتح، ويقرأ، يقرأ الأحاديث -يا أخي-، رب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ربما ينتفع من هذه الكلمة أناس يخرجون من المجالس فيغيرون من واقعهم، أنت السبب، ويعود لك مثل أجورهم، ما المانع أن يقول الإنسان لولده الطيب الصالح يقول له: تعال -يا ابني- أنا لا أقرأ، أنت تقرأ، أنا تقدم بي السن وفاتني علم كثير، أنت فتح الله عليك، تعال -يا ولدي- اجلس في هذا المجلس، حدثنا، ماذا سمعت من مدرس الشريعة؟ ماذا سمعت في خطبة الجمعة؟ ماذا سمعت في الدرس الفلاني؟ المحاضرة الفلانية، اعطني ملخص لشريط سمعته من خطيب، أو عالم من علماء المسلمين.
وبعض شيباننا -ولله الحمد- أيها الإخوة- فيهم طيبة كبيرة، ولقد سمعنا ورأينا أناس منهم من هؤلاء كبار السن الذين أنعم الله عليهم بفطرة صافية، وخشية لله -تعالى- يقول لولده: تعال -يا ولدي- تعال لقد فاتني كثير، وأنت عندك شيء كثير أعطني مما عندك، ويأتي به على أعين الناس في المجالس، ويقول له: علمنا، وأقرأ علينا، وحدثنا.
هذه النوعية -أيها الإخوة- موجودة، ولكنها تحتاج إلى تكثير، تحتاج إلى تشجيع.
أيها الإخوة: ولا بد من الإكثار من ذكر الله -تعالى- في المجلس، وذكرنا بأن ذكر الله والصلاة على رسول الله -عليه السلام- واجبة في كل مجلس، في كل مجلس من المجالس.
ولهذا أسباب وحكم، منها: أنه من الصعب على الإنسان أن يقول في المجلس: لا إله إلا الله، وصلى الله على محمد، فلان بخيل، وفلان كذا وكذا، لا يحدث التوافق، لا تتوافق الأمور، يريد الله منك أن تذكره في المجلس حتى تطرد الشيطان، يريد أن تشغل لسانك بالمجلس بذكره حتى لا تنشغل بذكر الناس، وعيوب الناس.
كذلك في الوقت الذي نحث الناس فيه على إحياء مجالسهم بذكر الله -تعالى-، وأهل الخير، نحث الدعاة إلى الله -تعالى- على انتهاز هذه الفرص، ومجامع الناس، ومجالسهم ليعلموا الناس دين الله- تعالى-، واجب مسؤولية عظيمة وخطيرة على الدعاة إلى الله اقتداء بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم – أولاً، كان يغشى الناس في مجامعهم، فيعرض عليهم الدعوة إلى الله، ويعلمهم العقيدة.
المجالس -أيها الإخوة- فرصة مهمة جداً، إذا فوتت فقد فات خير كبير، أين تجد هؤلاء الناس مجتمعين، حتى تتكلم معهم؟ إذا لم أتكلم أنا ولم تتكلم أنت، ولم يحضر المجلس فلان وفلان من أهل الخير، فمن الذي يحضر؟ من الذي يتكلم؟ ومن الذي يعلم؟ ومن الذي ينصح؟
إنها مسؤوليتنا جميعاً أن تجلس مع الناس، انتهز كل فرصة لتطرح الخير الذي عندك، صحح تلك المفهومات الخاطئة في العقيدة والعمل، وفي التصورات التي امتلأت بها عقول الناس.
إذا سمعت رجل في مجلس يقول: ودخلت على المدير الفلاني في المشكلة الفلانية، فقلت له: مالي إلا الله وأنت، وأنا مشكلتي كذا! قله: يا أخي قف، هذه الكلمة التي تفوهت بها كبيرة عند الله، ما يجوز لك أن تقول: مالي إلا الله وأنت، هذا شرك بالله، تقول: مالي إلا الله ثم أنت، اعتمد على الله ثم عليك، وهكذا.
وهكذا -أيها الإخوة- نسمع أحياناً في المجالس كلمات تخرج عفوية من الناس، لكن لها مدلولات خطيرة تقدح في العقيدة، أجلس مع واحد من الناس، أقول له: حال فلان، أقول: أما فلان فهذا ربنا افتكره ومات، يعني: الله -عز وجل- كان ناسٍ هذا الرجل، بعدين افتكره وأخذ روحه؟!
هذه كلمات تنطلق على ألسنة الناس، أخطاء عظيمة تدل على أن هذا الرجل لا يعلم ولا يفهم ولا يعي أن الله يعلم كل خافية: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍيونس:61.
إذاً الناس عندهم أخطاء إذا لم تصلح هذه الأخطاء فمن ذا الذي يصلحها؟  فإذاً -أيها الإخوة- القضية عظيمة، والمسؤولية مشتركة، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا وإياكم للقيام بها حق القيام، اللهم وارزقنا ذكرك وشكرك.