الأربعاء 5 جمادى الآخر 1439 هـ :: 21 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

انفلونزا الطيور


عناصر المادة
المعاصي سبب للفساد في الأرض:
حقيقة انفلونزا الخنازير:
الوقاية الشرعية من الأمراض:
التحذير من إرعاب المسلمين:
الأسباب الوقائية من الأوبئة:
ضرورة التوبة إلى الله ومحارب الفواحش:
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدً عبده ورسوله.
أما بعد:
 فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين-.
المعاصي سبب للفساد في الأرض: 
00:00:38
عباد الله: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَالروم:41، قال ابن القيم -رحمه الله-: "ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم من الفساد العام والخاص، ما يجلب عليهم من الآلام، والأمراض والأسقام، والطواعين، والقحوط، والجدوب، وسلب بركات الأرض، وثمارها، ونباتها، وسلب منافعها، أو نقصانها، أموراً متتابعة يتلو بعضها بعضا، فإن لم يتسع علمك لهذا فاكتف بقوله -تعالى-: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ الروم:41، ونزل هذه الآية على أحوال العالم، وطابق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان، وكيف يحدث من تلك الآفات آفات أخر متلازمة بعضها آخذ برقاب بعض، وكلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً أحدث لهم ربهم -تبارك وتعالى- من الآفات والعلل في أغذيتهم، وفواكههم، وأهويتهم، ومياههم، وأبدانهم، وخلقهم، وصورهم، وأشكالهم، وأخلاقهم، من النقص والآفات، ما هو موجب أعمالهم، وظلمهم، وفجورهم،
 

وكلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً أحدث لهم ربهم -تبارك وتعالى- من الآفات والعلل في أغذيتهم، وفواكههم، وأهويتهم، ومياههم، وأبدانهم، وخلقهم، وصورهم، وأشكالهم، وأخلاقهم، من النقص والآفات، ما هو موجب أعمالهم، وظلمهم، وفجورهم،

 
ولقد كانت الحبوب من الحنطة وغيرها أكبر مما هي اليوم، كما كانت البركة فيها أعظم. 
وقد روى الإمام أحمد بإسناده أنه وجد في خزائن بعض بني أمية، صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر -حبة الحنطة الواحدة- مكتوب عليها: هذا كان ينبت أيام العدل. -يعني أيام عمر بن عبد العزيز-، وأكثر هذه الأمراض -والكلام لا زال لابن القيم رحمه الله- وأكثر هذه الأمراض والآفات العامة، بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة، ثم بقيت بقية منها مرصدة لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم، فبقية من عذاب اللوطية لمن بقي على أعمالهم، وهكذا، حكماً قسطاً وقضاء عدلا، وقد أشار النبي إلى هذا بقوله في الطاعون: (بقية رجز، أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل) .
وكذلك سلط الله -سبحانه وتعالى- الريح على قوم سبع ليال وثمانية أيام، ثم أبقى في العالم منها بقية، مثل هذه الأعاصير، بقية من تلك الأيام وفي نظيرها عظة وعبرة".
عباد الله: كلامه -رحمه الله- في غاية الدقة والانطباق على هذا الزمن، فجاءت الأمراض الجديدة، وبقية الأمراض القديمة قد ظهرت مرة أخرى، فظهر من الأمراض المستجدة مما لم يكتشف له البشر علاجاً، كالإيدز، وغير ذلك، انتشر السارس، وانتشر جنون البقر، وبينما الناس يدوكون في هذه الأمراض، فإذا بإنفلونزا الطيور تخرج عليهم، ليقتل في الصين أكثر من مائة وخمسين، وينتشر بعد ذلك ليقال: هاهنا وهاهنا من أقطار الأرض، فهذه دول شرق آسيا، وإلى تركيا ورومانيا، وإلى القارة الأوروبية، ثم إلى بعض دول الخليج، ويقولون هذا الفيروس العجيب الذي يقتل الطيور ويبيدها إبادة عظيمة، وكذلك ينتقل إلى بعض من يلابسها ويخالطها، ثم يشكون في انتقاله بين البشر.
عباد الله: والإعلام يلعب دوراً عظيماً في إرعاب الناس وتخويفهم، وتضخيم القضايا، فهو يريد مادة للنشر والاستهلاك مثيرة ليس إلا، بدون مراعاة أي ضوابط في موضوع النشر، هل هو من باب قوله -تعالى-: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ النساء:83، وهذا عابه الله على المنافقين؛ لأنهم يريدون خلخلة المجتمع المسلم بترويجهم لهذه الأنباء والأخبار، فلا فرق عند هذه الوسائل الإعلامية بين سلوك سبيل المنافقين، وبين نشر ما هو مفيد لحفظ الصحة العامة، وتحذير الناس بالقدر المطلوب، فإنما هي رسائل تنشر، ومقالات تحبر، وكذلك أخبار تذاع، وصور تصور، والله خير حافظاً، وهو أرحم الراحمين.
فإذا أضيف إلى البشر بالإضافة إلى ما يكون في هذه الأمراض من الخطورة رعب آخر نفسي اجتمع عليهم عذاب الجسد وعذاب النفس، ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ الروم:41.
عباد الله: إن في هذا المرض وغيره لعبرة، وعندما يرون هذه الفيروسات الدقيقة جداً كيف تنتشر؟ وكيف تصيب؟ وهي من جنود الله -عز وجل-، فنحن نعلم أن هذا الفيروس لا يصيب بنفسه وإنما بقدر الله، وأن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا عدوى) ، معناه: أن المرء لا يعدي بنفسه، والفيروسات لا تعدي بنفسها إلا بقدر الله، فقدر الله إذا أمر، قدر الله إذا نزل، قدر الله إذا شاء -سبحانه وتعالى- حصل، فإذا لم يشأ لم يحصل، وإذا لم يرد لم يقع شيء، ولكن هؤلاء يعرضونها كأن هذه الفيروسات هي المسيطرة تفعل كما تشاء، على ما تشاء، بمن تشاء.
حقيقة انفلونزا الخنازير:
00:07:25
عباد الله: كائنات دقيقة عجيبة تعجز البشر، أليس في ذلك إرغاماً لأنوف هؤلاء المغرورين علمياً؟ الذين ظنوا أنه لم يبق في الدنيا شيء إلا وقد اكتشفوه، أو اخترعوه، أو توصلوا إلى حل له، ولا يزال الله -تعالى- يظهر لهم من أنواع هذه العجائب في خلقه، وقدرته، ما يحير عقولهم، ويذهب بألبابهم، ويطير قلوبهم، ويقول: هذا خلقي فأروني ماذا خلقتم؟ فيروس بنحو خمسة عشر نوعاً، نوع واحد منه القاتل المرعب، عجب يغير تركيبه باستمرار، عجب يخترق جدار الخلية البشرية، ويقوم بصنع نسخة من مورثاتها، وهذا يعني أن الخلية لم تتعرف عليه باعتباره خطراً، أو اختراقاً أجنبياً لها، بل تظنه غذاءاً لها، فتسمح له بالدخول والتكاثر فيها، يغير في شكله بما يتناسب مع خلايا الإنسان، وبالتالي لا يعرف حدوداً ولا توقفا، جنود الله يسلطها على من يشاء -سبحانه وتعالى-، لم يكتشفوا له علاجاً إلى الآن غير إهلاك الطيور المصابة به وإتلافها، ويقولون أمصال وأمصال، ولا يزالون يبحثون كيف ينتقل؟ وهل ينتقل بين البشر أنفسهم؟ وهنالك شكوك كبيرة بأن هذا الوباء له علاقة بالخنازير، وقد نشرت منظمة الصحة العالمية على موقعها الرسمي حالات التحول الوبائي التي تحدث في الخنزير، وهنالك تكتمات كثيرة على علاقة هذا المرض به، كما تكتموا على علاقة جنون البقر بجنون الخنزير، وحالات إنفلونزا الخنزير في الصين قد ظهرت معروفة، ثم منعت بعض البلاد المجاورة استيراد الخنازير منهم.
وإن أرباح الشركات العالمية من الخنازير، وحال أولئك الأمم الذين يأكلون منها يجعل من هؤلاء متكتمين على العلاقات بين هذا وهذا، إنفلونزا الخنزير التي ظهرت من قبل وإنفلونزا الطيور، خصوص وأن الأطباء والباحثين قد أثبتوا بأن الخنزير له علاقة بنحو من أربعمائة وخمسين وباءً ومرضاً من فيروسي وبكتيري وديداني، وأن هذا الخنزير قد ظهر منه كثير من الأوبئة العابرة للحاجز البشري الحيواني، أي: التي تنتقل من هذه البهائم إلى الناس، وما يسمى بالثقب البايلوجي الحاجز الحامي للإنسان من أوبئة الحيوان، فظهر جنون الخنازير، ثم جنون البقر، وأنفلونزا الخنزير، ثم أنفلونزا الطيور.
الوقاية الشرعية من الأمراض:
00:11:00
عباد الله: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ النحل:115، وحكمه في الشريعة: القتل والإتلاف، وعندما ينزل عيسى ابن مريم -عليه السلام- يقتل الخنزير، فهذا يقتل في جميع أنحاء الأرض.
وكذلك فإن هذه الأوبئة التي تخرج وتنتشر اليوم هي في مستجدات البشر في الحقيقة مما كسبت أيديهم أيضاً من إطعام هذه البهائم والدواب والطيور الطعام المحرم شرعاً، فإنهم يطعمونها الميتة، ويطعمونها القاذورات والنجاسات، وقد دلت الأدلة الشرعية على تحريم الجلالة، وهذا له علاقة بالموضوع أيضاً، فإنه قد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- النهي عن أكل الجلالة، فيما رواه الترمذي وصححه، وأبو داود، والنسائي من طريق قتادة عن عكرمة عن ابن عباس "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن لبن الجلالة" ، وجاء عن أبي هريرة: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الجلالة وعن شرب ألبانها وأكلها" ، فهذه الجلالة هي التي تتغذى على النجاسات والقاذورات، ومن هذه النجاسات: أشلاء ولحوم وعظام ودماء  الحيوانات الميتة، ومن ضمنها الخنزير التي تكون في علف الدواب، التي تنتجها مصانع الأعلاف العالمية، لكي تقدم غذاءً لهذه الطيور من دجاج وغيره، فيتغذى عليها، فتنشأ فيها مثل هذه الأمراض.
إذاً أثبتت الأبحاث هذه العلاقات، فتبين بأن الشرع الحنيف لما حرم الميتة والخنزير والدم، وبعضها أعلاف لهذه الدواجن، وبعضها مستودعات أمراض، الخنزير مستودع أمراض عالمي ضخم، عرف بعد ذلك كيف كانت عناية الشرع بالإنسان صحياً؟ وأن الله لما حرم علينا الأشياء حرمها لمصلحتنا ومنفعتنا ووقاية لنا.
هذا المرض -إنفلونزا الطيور- الذي يقولون في حالاته تشابه مع الإنفلونزا العادية، من ارتفاع درجة الحرارة، والخمول، والآلام، والالتهاب التنفسي المفضي للهلاك، هذا الذي جاءت الأخبار العالمية به إنما هو مثال واحد لقوله -تعالى-: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ الروم:41.
ثم يتبع ذلك خسائر اقتصادية عالمية، فإن إتلاف هذه الطيور كلفهم ملايين الملايين، ثم بعد ذلك تتوقف حركة اقتصادية وتتباطأ، ويمنع انتقال العمال، وكذلك تتسبب القضية عن إجراءات احترازية كثيرة مكلفة، وبدأ المستثمرون في مراجعة حساباتهم، ويتوقع أن يكلف هذا المرض في حال انتشاره دول شرق آسيا مئات المليارات من الدولارات، فكيف سيكون على المستوى العالمي؟ حسبوها في حدود مائة مليار لهذه الدول في آسيا، وثلاثمائة مليار على مستوى العالم، بالإضافة إلى حالات الهلع والخوف والرعب التي تصيب الناس، ومزارع دواجن تتلف بأكملها.
الفاحشة أعظم سبب لانتشار الأمراض: 
وكذلك فإن الإنسان المسلم يعلم بأن ظهور مثل هذه الأمراض أيضاً هو انطباق عملي لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أخبر فيه أن الناس إذا ابتلوا بإظهار المعصية من الفواحش عوقبوا بمثل هذه الأمراض، قال -عليه الصلاة والسلام-: (خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا) . 
(لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها)، وقد جرى إعلان الفاحشة في أندية هؤلاء الزناة والزواني والعراة والشواطئ، والشوارع، والحدائق العامة، والمجلات، والجرائد الجنسية، والقنوات العارية، قنوات الفاحشة، ومواقع أنترنت العالمية في الشبكة، فأعلن بها إعلاناً حقيقياً، وعلى مسارحهم في الأماكن المختلفة.
(لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا).
وبطبيعة الحال لم يعجب هذا الكلام المنافقين، وسيقولون: لا علاقة للمرض بمعاصي ولا ذنوب ولا شيء، وهذه الأمراض يمكن تكون معروفة في البشرية من قديم، فنقول لهم: هذه تجارب أسيادكم من الكفار قد أثبتت بأن الأمراض جديدة، وأن البشرية لم تكن قد عرفتها من قبل، وأول حالة ظهور عالمية في بلد كذا وبلد كذا في تاريخ كذا وكذا، في هذا العصر المتأخر.
ثم يا أيها المنافقون: الرافضون لإثبات العلاقة بين الذنوب والأمراض، قد أثبتت تقارير أسيادكم الكفرة في الشرق والغرب، ومراجعكم من اليهود والنصارى بأن اللواط والزنا سبب الأمراض الفلانية والفلانية، فلماذا تنكرون ما أثبته أسيادكم؟ وتريدون أن تقولوا للناس: ناموا في العسل، واطمئنوا في الفواحش، فإن المسألة لا علاقة لها بالذنوب والمعاصي، وهذا من أعظم الفوارق بين المسلم وهذا المنافق والكافر، بل الطبائعي الملحد الذي يرفض إثبات العلاقة بين الذنوب والأمراض، وفي كلام ابن القيم المتقدم العظيم عبرة كبيرة.
عباد الله: المسألة إذاً مسألة دين.
التحذير من إرعاب المسلمين:
00:18:22
وكذلك فإننا نتذكر في هذا السياق عدم جواز إرعاب المسلمين ونشر بالجوال الرسائل التي تؤدي إلى إثارة مشاعر الخوف والفزع؛ لأن لهجة الرسالة وطريقة صياغة الخطاب فيها يمكن أن تؤدي إلى إثارة رعب محرم، أو توعية صحية جيدة ومقبولة، بحسب كيف ينشر الخبر؟ بحسب طريقة صياغة الخبر؟.
وباء إنفلونزا الطيور قد وصل إلى السعودية، لا تأكل شيئاً من الدجاج حتى تنقعه في الخل عشر دقائق، ولا ندري هل هذا الكلام علمياً صحيح؛ لأن الرجوع إلى كلام الأطباء في هذا المرض يفيد بأن الفيروس لا يبقى حياً بعد درجة سبعين مئوية، فإذا غلى هذا الدجاج، فالمفترض أن الفيروسات الموجودة فيه إن كانت أن تموت، فهذا الحل الذي ذكروه في هذه القضية، وأن الذين ينتقل إليهم ممن ثبت طبياً حتى الآن هم من يلابسون الطيور، ممن يطعمها، يخالطها، يحمل بيضها، يذبحها، أو أنه يغلفها، يعبئها، يمسها بأي طريقة من الطرق، ويخالطها، ويكون قريباً منها، وليس هناك إثبات طبي في انتقاله بين البشر، ويقولون: لحسن الظن، ونقول: نعمة بحمد الله، فالمقصود أن للشائعات التي تطلق وتروج بطريقة وصياغة مفزعة مما نهى الله ورسوله عنه؛ لأن إرعاب المسلمين غير جائز، وقد قال -تعالى- في المنافقين: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ، مما يوجب أحدهما. أَذَاعُوا بِهِ، أفشوه وأعلنوه. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً النساء:83، وقال -عليه الصلاة والسلام-: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) .
عباد الله: إننا نعلم بأن هذا من قدر الله مثل بقية الأمراض، ومثل الأمراض السابقة التي ظهرت، ولا تزال تنتشر، والتي وجد لها علاج، والتي لم يوجد لها علاج، فليس في القضية شيء جديد من ناحية المبدأ، ولكن المسلم الذي يعرف عقيدته، يعلم بأننا نأخذ من الأسباب الشرعية ما نواجه به القدر من القدر، وهكذا قال عمر: "نفر من قدر الله إلى قدر الله، وندفع قدر الله بقدر الله"، فالمرض قدر، والعلاج قدر، فندفع بهذا العلاج الواقي أو المعالج، الدافع أو الرافع، ندفع به ونرفع به، ونحاول أن نعالج، وهكذا بقدر الله من قدر الله إلى قدر الله في قدر الله، ونحن تحت سلطانه ومشيئته وإرادته -سبحانه وتعالى-.
عباد الله: إننا نتذكر في هذا الأمر أيضاً تلك الإجراءات الصحية العظيمة التي جاءت في ديننا لحفظ الصحة.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا ممن يحرص على دينه أكثر مما يحرص على بدنه.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية في ديننا وأبداننا، وأهلنا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، نسألك العفو والعافية، في الأهل والمال والدين والبدن، في الدنيا والآخرة، إنك سميع مجيب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، والشافع المشفع يوم الدين، حامل لواء الحمد، وصاحب المقام المحمود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وخلفائه، وذريته، وأزواجه، اللهم زده صلاة وسلاماً، اللهم إنا نسألك له الوسيلة، والدرجة العالية الرفيعة.
الأسباب الوقائية من الأوبئة: 
00:23:32
عباد الله: لقد جاءت الشريعة بكل ما يصلح حال المسلم: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ البقرة:222، وهكذا أمرت بالطهارة وأوجبتها، كان هذا الغسل وهذا الوضوء الذي نكرره كل يوم باستمرار من أعظم أسباب الوقاية من الأمراض، والغاسل لهذه الجراثيم، والمذهب لهذه المخلوقات الضارة على سطوح الأجساد وبشرة العباد.

كان هذا الغسل وهذا الوضوء الذي نكرره كل يوم باستمرار من أعظم أسباب الوقاية من الأمراض، والغاسل لهذه الجراثيم، والمذهب لهذه المخلوقات الضارة على سطوح الأجساد وبشرة العباد.

 
وهكذا يكون التخلص من النجاسات من عوامل الوقاية أيضاً، ولذلك كان من الكبائر عدم التنزه من البول، وكان استعمال الشمال للتنظف من النجاسات، وإبقاء اليمين للأكل والشرب والأخذ والإعطاء والمصافحة أيضاً من العوامل في هذا.
وكان منع التبول والتغوط في أماكن الناس التي يغشونها من الظل، من قارعة الطريق، من مصادر المياه، وكذلك الماء الراكد، وأيضاً الأشجار المثمرة، مما يحفظ الصحة كذلك.
وأيضاً كان النهي عن إدخال اليد في الإناء بعد القيام من النوم مباشرة، لماذا؟ قال: (لأن أحدكم لا يدري أين باتت يده) ، فقد تكون باتت في مكان مستقذر، أو مكان متسخ نجس.
عباد الله: ورأينا في الأحاديث النهي عن التنفس في الإناء وعن النفخ فيه، ورأينا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "كان إذا عطس غطى وجهه بيديه أو بثوبه"، ورأينا أن الرجل لما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن القذاة يراها في الإناء قال: (أهرقها) ، ورأينا أن الشريعة قالت: (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها) ، ورأينا الحرص على السواك والتأكيد عليه، وعلى المضمضة والاستنشاق: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) ، ورأينا: (خلل أصابع يديك ورجليك) ، ورأينا (وغسل البراجم) ، والأشاجع، وعقد الأصابع، وكل التجاويف الموجودة، ورأينا كذلك من سائر التوجيهات الشرعية، والآداب المرعية في الشريعة المحمدية ما يحفظ على الناس أجسادهم وصحتهم.
عباد الله: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى طه:50، وجعل لنا فيما خلق من الأشياء النافعة علاجاً، فأنت ترى في العسل على سبيل المثال، ما فيه من الفوائد العظيمة، وأخبرنا بأن فيه شفاء.
وكذلك كانت طريقة الشريعة في التذكية والذبح عدم جواز أكل المخنوقة، وعدم جواز أكل المصعوقة، وعدم جواز أكل الميتة بأنواعها، حتى المغرقة بالماء، لماذا؟ لما في أكل الميتة من الأضرار.
ومن الطرائف أنه بعد وصول إنفلونزا الطيور إلى مشارف مدينة موسكو، لوحظ زيادة إقبال من أهلها من غير المسلمين على شراء اللحوم الحلال من المحلات التي تبيعها للمسلمين، قرب المساجد الإسلامية الأربعة في العاصمة، فقد اقتنع بعضهم بأن هذه اللحوم المذبوحة، وهذا الدجاج المذكى فيه الخير والفائدة، وأن ما يقتل على طريقتهم من وقيذ ومصعوق ومخنوق لا خير فيه.
عباد الله: وبعض الناس يفكر في قضية الفرار من الطواعين، بما يفكر به، وينبغي على المسلم أن يتأمل في أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعال أصحابه في هذا الأمر، فأما بالنسبة لما له صفة الوباء والانتشار السريع من الطاعون وما شاكله وشابهه، فقد جاء النص كما في هذه القصة العظيمة. 
أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، في موضع أبو عبيدة وأصحابه، فأخبروه بأن الوباء قد وقع بأرض الشام، فتردد عمر هل يدخل بمن معه إلى الشام في مكان الوباء أم لا، فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. قال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان. فقالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: أني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت وادياً له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيباً، فقال: إن عندي في هذا علماً، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه) ، فلو كان هناك طاعون في مكان وفيه مسلمون يبقون في مكانهم فماذا يفعلون؟ يحتسبون؛ لأن الخروج وفيه شيء وقد لا يعلم، المرض في أول مراحله، وهو حامل له ولا يعلم، فينشره في أماكن أخرى، ولذلك يحتسبون، فإن أصابه شيء فهو شهادة، وإن لم يصبه حمد الله -تعالى- على السلامة.
عباد الله: هكذا يكون التعامل مع أماكن الأوبئة، فلما سمع عمر كلام عبد الرحمن ورواية النص القاطع عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، حمد الله ثم انصرف.
عباد الله: إن ربط المسألة بالشرع واضح جداً، هذا بما كسبت أيدي الناس، قال -تعالى- بالنص، الرد القاطع على المنافقين الذين يقولون لا علاقة للموضوع بالدين، ولا علاقة للموضوع بالذنوب، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ الشورى:30، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ الأنفال:53.
عباد الله: إن تذكير الناس بقدرة الله في هذه الأمراض، وكيف يتحير أطباء العالم؟ كيف يتحير أصحاب التقدم العلمي في القضية؟ كيف يعجز الله البشر؟ كيف يتمحور هذا الفيروس ويغير شكله، وينتقل من طور إلى طور، وتظهر له سلالات جديدة، ويخادع خلايا الجسم البشري، ويستنسخ أشياء من موروثات الخلية؟ عجب في عجب.
ثم إن للموت أسباب كثيرة، وبعض الناس يفر يظن أن هذا الذي سيميته، يفر منه، وربما كان الموت في شيء آخر: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ الأنبياء:35، فيذكر الإنسان نفسه أنه لابد أن يستعد للموت؛ لأنه سيأتي بشكل أو بآخر، إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يوم مضى بعضك. 
 قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنْ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً الأحزاب:17، إذاً الالتجاء إلى الله هو العلاج: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا الأنعام:43، لكن المشكلة أنهم لا يتضرعون.
ضرورة التوبة إلى الله ومحارب الفواحش:
00:33:07
ثم لابد من محاربة الفواحش والمعاصي والذنوب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) ، وما أكثره الآن.
ثم مسؤولية التجار بالأمانة على صحة الناس، فربما يأتي بعضهم بالأشياء الفاسدة، الأشياء غير المذكاة، الأشياء من الأماكن الموبوءة، لأجل ربح، وهو يعلم أنه ضار للمسلمين، حرام عليه، والمرتشي الذي يدخل له بضاعته حرام عليه، وهكذا.
وقد وصلت السفالة ببعض المستثمرين الأجانب أنهم يفكرون كيف يستفيدون تجارياً من إنفلونزا الطيور؟ وهكذا إذاً يمكن أن يروجوا أشياء على أنها أمصال، ولكنها لا تؤثر، وهكذا، الفائدة عندهم بزعمهم إذاً: كيف يستغلون الموقف؟ آلام الناس وأمراض الناس.
عباد الله: هذا يذكرنا بعدم الركون إلى الحياة الدنيا: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ* أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يونس:7-8.
يذكرنا بقصر الأمل، "لو أملت أن أعيش شهراً لرأيتني قد أتيت عظيماً -قاله داود الطائي-، وكيف أؤمل ذلك، وأرى الفجائع تغشى الخلق في ساعات الليل والنهار".
وكان أويس القرني إذا قيل له: كيف الزمان عليك؟ قال: "كيف الزمان على رجل إن أمسى ظن أنه لا يصبح، وإن أصبح ظن أنه لا يمسي، فمبشر بالجنة أو بالنار".
قال بعض السلف: ما نمت نوماً قط فحدثت نفسي أني أستيقظ منه.
وما أدري وإن أملت عمراً *** لعلي حين أصبح لست أمسي
ولذلك جاء عن ابن عمر -رضي الله عنه-: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك"، استعد بهذا لهذا.
ترحل من الدنيا بزاد من التقى *** فإنك مجزي بما أنت صانع
عباد الله: هلك قوم أكثروا الآمال، وجمعوا الأموال، ولم تغن عنهم أموالهم عندما نزل بهم الموت، {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام:94] لم تأخذوا منه شيئا.
يا نفس توبي فإن الوقت قد حانا *** واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا
أما ترين المنـايا كيف تلقطـنا *** لقـطاً وتلحـق أخـرانا بأولانا
في كـل يوم لنـا ميت نشيعه *** ننسـى بمصـرعه آثار موتـانا
يا نفس ما لي وللأمـوال أكنزها *** خلفي وأخرج من دنياي خسرانا.
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحسن الخاتمة، اجعل خير أيامنا آخرها، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، ادرأ عنا الوباء والبلاء والغلاء، اللهم كما أنزلت علينا الغيث في أرضنا فأحي قلوبنا بذكرك، اللهم أغث قلوبنا بالقرآن العظيم، والذكر الحكيم، اللهم اجعله لنا شفاءً ودواء، اللهم إنا نسألك أن ترزقنا اليقين، والعفة والعفاف والتقوى، والتمسك بالعروة الوثقى، اللهم ثبت علينا الأمن والإيمان في بلادنا وبلاد المسلمين، اللهم إنا نسألك توبة نصوحا، وعملا متقبلا، ورزقاً واسعا، وذرية طيبة، يا سميع الدعاء.
 سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الصافات:180-182.