الاثنين 6 صفر 1440 هـ :: 15 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

إنعاش القلوب


عناصر المادة
واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله
من أهوال يوم القيامة
شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لفصل القضاء
عندما ينكس المجرمون رؤوسهم يوم القيامة!
إنه يوم الحسرة...!!!
ماذا يحدث للناس في مواقف القيامة؟
يوم يكشف ربنا عن ساقه سبحانه!
كيف يكون حال المجرمين وأتباعهم يوم القيامة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ سورة آل عمران 102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء 1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب 70-71.

أما بعد:

واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله
00:01:14

فإن آخر آية نزلت من القرآن، وآخر وصية من الله تعالى لهذه البشرية هي قوله عز وجل في سورة البقرة: وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ سورة البقرة 281. وقد أنذرنا الله تعالى أننا سنلاقيه يوم القيامة: وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ سورة البقرة 223هذا اليوم العظيم الذي كان الإيمان به أحد أركان الإيمان الستة، لا يكون الإنسان مؤمناً أبداً إلا إذا صدق بذلك اليوم، الإيمان به يصحح الأعمال، الإيمان به يسدد الأقوال، الإيمان به يحمل على فعل الطاعات، الإيمان به يحمل على ترك المعاصي،

 

اليوم الآخر ذلك اليوم العظيم الذي كان الإيمان به أحد أركان الإيمان الستة، لا يكون الإنسان مؤمناً أبداً إلا إذا صدق بذلك اليوم، والإيمان به يصحح الأعمال، ويسدد الأقوال، ويحمل على فعل الطاعات، وترك المعاصي.

الإيمان باليوم الآخر، ماذا يوجد في اليوم الآخر؟ أحوال وأهوال وأمور كثيرة؛ لأنه يوم طويل، طوله خمسون ألف سنة، وبرحمته سبحانه وتعالى أن حذرنا ذلك اليوم، وأخبرنا بالتفصيل ماذا سيكون في ذلك اليوم، فهلم أيها الإخوة! لنذكّر أنفسنا بشيء مما في ذلك اليوم، مما قصه الله تعالى علينا في كتابه، وهذه آيات من كتاب ربنا نتذكر فيها آخرتنا، وما نحن مقبلون عليه إن شاء الله في مستقبل أمرنا، وتفسيرها من كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله، وما ساقه فيها من الأحاديث:

قال عز وجل عن ذلك اليوم: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ سورة القارعة 4. أي: في انتشارهم، وتفرقهم، وذهابهم، ومجيئهم من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث، كما قال تعالى في الآية الأخرى: كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ سورة القمر 7. وقال عز وجل: مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ مسرعين يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ سورة القمر 8. أي: شديد الأهوال، إنه كان يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا سورة الإنسان 10. فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ سورة المدثر 9-10. عن ابن عباس: عَبُوسًا ضيقاً و قَمْطَرِيرًا طويلاً، وقال المفسرون: يعبس الكافر يومئذ، تعبس فيه الوجوه من الهول، ويتقلص الجبين وما بين العينين من الهول، إنه يوم عسير.

وقال سبحانه: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ سورة غافر 15. فيخبر عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العالي على جميع مخلوقاته، أنه سبحانه وتعالى ينذرنا يوم التلاق، حذر الله من هذا اليوم عباده، الذي يلتقي فيه آدم وآخر ولد من أولاده، ويلتقي فيه العباد مع بعضهم البعض، ويلتقي فيه أهل السماء بأهل الأرض، ويلتقي الخالق بالخلق، ويلتقي الظالم بالمظلوم، ويلتقي كل عامل بما عمله من خير أو شر يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً سورة الإسراء 52. فتقومون إجابة لأمره، وطاعة لإرادته، تقومون من القبور وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً وهذا كقوله عز وجل: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا سورة النازعات 46. وقال سبحانه: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً سورة طه 102-104. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ سورة الروم 55. فكذلك يظنون أنهم لبثوا يوماً أو بعض يوم: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سورة المؤمنون 114. وهذا يدل على أن الناس إذا اجتمعوا يوم القيامة استقصروا الدنيا، فرأوا عمرهم فيها كأنه ساعة، وقال سبحانه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ سورة يونس 45. يذكر الناس قيام الساعة، وحصرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة إنهم يستقصرون ما لبثوا في الدنيا، ولا يرونه شيئا، وهذا اليوم سماه الله تعالى يوم التناد، وقال على لسان المؤمن من آل فرعون: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ سورة غافر 32-33. يولي الناس يوم القيامة ذاهبين وهاربين، كما قال عز وجل في الآية الأخرى: يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ * كَلاَّ لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ سورة القيامة 10-12. فإذا عاين ابن آدم أهوال يوم القيامة يريد الفرار، ويقول: أين المفر؟ أين الملجأ؟ أين المهرب؟ ولهذا قال عز وجل في الآية الأخرى: مَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ سورة يونس 27. لا مانع يمنعكم، ولا مهرب، ولا ملجأ، ولا مفر، والملائكة تحيط بالعباد في أرض المحشر كما قال عز وجل: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ سورة الرحمن 33. لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم، قال المفسرون: تحاصر الملائكة الناس في أرض المحشر، وتطوقهم بسبع صفوف، على سبع حلقات، كل حلقة من أهل سماء من السموات من الملائكة تحاصرهم في أرض المحشر، فلا يقدر أحد على الذهاب إلا بسلطان، إلا بأمر من الله تعالى، وإذا حاول أحد الهرب ردته الملائكة، كما قال عز وجل: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ سورة الرحمن 35. قال ابن كثير رحمه الله: "لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا" ولهذا قال: فَلا تَنتَصِرَانِ.

من أهوال يوم القيامة
00:09:30

وقال عز وجل: إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ سورة إبراهيم 42. فمن صفاتهم في ذلك اليوم أنه لا يرتد إليهم طرفهم، مقنعي رؤوسهم، أبصارهم شاخصة، مديمون النظر، لا تطرف أعينهم؛ لكثرة الهول، وشدة المخافة لما يحل بهم -عياذاً بالله العظيم من ذلك- لكثرة الخوف والوجل؛ لأن القلوب لدى الحناجر، القلوب قد خرجت عن أماكنها من شدة الخوف، وقال الله: إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ سورة غافر 18. فالقلب يصعد إلى الحنجرة من شدة الهول في ذلك اليوم، أين يكون الناس؟ هل هم قعود؟ هل هم رقود؟ كلا، إنهم قيام، كما قال سبحانه وتعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ سورة المطففين 6. يقومون على أرجلهم في ذلك اليوم الطويل، حفاة لا نعال لهم، عراة لا ثياب عليهم، في موقف حرج، صعب، ضيق، ضنك على المجرم، يغشاهم من أمر الله ما تعجز القوى والحواس عنه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ سورة المطففين 6. (حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه) [رواه البخاري 4938]. رواه البخاري. قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ سورة المطففين 6. لعظمة الرحمن عز وجل يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم، وقال: (إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون على قدر ميل أو ميلين، فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه –يعني: وسطه-ومنهم من يلجمه إلجاماً) [رواه مسلم 2864 والترمذي 2421 واللفظ له]. رواه مسلم. قال بشير رحمه الله: "المستعان الله، فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة وسوء الحساب" تعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة، ضيق المقام في مكان حشر الأجساد، فيجتمع على الناس حر الزحام، وحر جهنم؛ لأن لها لفح ولهيب، وشرر كالقصر يتطاير، وكذلك حر الشمس التي دنت رؤوسهم، فيجتمع عليهم هذه الأنواع تجتمع من الحرارة، حرارة الشمس القريبة من الرؤوس، وحرارة جهنم ولفحها التي تكون في أرض المحشر، تجر إلى أرض المحشر جراً، وحرارة الزحام؛ لأن الأجساد متلاصقة، ولأن الموقف ضيق، ولذلك يستعيذ المؤمن من ضيق المقام يوم القيامة.

وقال عز وجل في ذلك الموقف الرهيب: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ سورة البقرة 210. ويهدد الكافرين: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ سورة البقرة 210. فيوم القيامة يأتي ربنا عز وجل؛ لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، ومجيئه يرعب القلوب، ومجيئه سبحانه وتعالى تنخلع له القلوب والنفوس وتفزع؛ لأن مجيئه ليس كمجيء أحد من المخلوقين، يأتي عز وجل بنفسه ليجازيَ الناس: هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ سورة الأنعام 158. وَجَاءَ رَبُّكَ بنفسه سبحانه وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً سورة الفجر 22.

شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لفصل القضاء
00:13:58

إن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحداً واحداً، من آدم فمن بعده، فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا جاءوا إليه قال: (أنا لها) [رواه البخاري 7510 ومسلم 193]. فيذهب فيسجد لله تحت العرش، فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي سبحانه في ظلل من الغمام، بعدما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، وتنشق السماء الثانية وينزل من فيها من الملائكة، كل ملائكة في تلك السماء يحيطون بالبشر حلقة في سبع حلقات، من سبع سموات، حتى تنشق السماء السابعة، وينزل حملة العرش، وينزل الجبار عز وجل في ظلل من الغمام والملائكة تسبح: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبحانه وتعالى أبداً ابدا، قال ابن عباس رضي الله عنه: "يجمع الله تعالى الخلق يوم القيامة في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم، والسباع، والطير، وجميع الخلق، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها فيحيطون بالجن والإنس، وهم أكثر عدداً من الجن والإنس، وهكذا السماء الثانية والثالثة والرابعة إلى السابعة وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلاً سورة الفرقان 25. ويخبر سبحانه عن هولها، وانشقاق السماء في ذلك اليوم، وتفطرها، وانفراجها بالغمام، وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، وإحاطة الملائكة للخلق في أرض المحشر، فأين يخرجون؟ وأنّى يخرجون من هذه الأطواق السبعة؟ يأتي الله وينصب كرسيه لفصل القضاء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم مقراً لتلك المرأة الحبشية التي أخبرت بنصب الله للكرسي في أرض المحشر ليحاسب الخلق، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم، قياماً، شاخصة أبصارهم إلى السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي) [رواه الطبراني في الكبير 9763]. حديث حسن. وفي ذلك اليوم كل الناس خاشعون: وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً سورة طه 111. قال ابن عباس رضي الله عنه: "خضعت وذلت، واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، وهو القائم على كل نفس بما كسبت وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً وتؤدى الحقوق إلى أصحابها، ويقول الله عز وجل: (وعزتي وجلالي! لا يجاوزني ظالم) [رواه الطبراني في الكبير 1421]. وفي الصحيح: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [رواه مسلم 2578]. والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ سورة لقمان 13. ذلك يوم تبلى فيه السرائر: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ سورة الطارق 9. أي: تظهر السرائر، ويبدو السر ويبقى علانية، والمكنون يصبح مشهوراً، تظهر المخبآت والسرائر، وقال عليه الصلاة والسلام: (يرفع لكل غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان) [رواه مسلم 1735]. وفي رواية: (لكل غادر لواء عند استه يوم القيامة) [رواه مسلم 1738]. وينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر، بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال الله: وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً سورة الكهف 49. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى سورة الفجر 23. فيتذكر كل أعماله، ويتذكر كل أفعاله، وكل ما أسلفه في قديم دهره وحديثه، عند ذلك تصبح الذاكرة حديداً، ويتراءى للإنسان في ذلك الموقف كل أعماله، يستعرض شريط أفعاله وأقواله في عمره كله، في ذلك الموقف، ولكن كما قال الله: وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى سورة الفجر 23. كيف تنفعه الذكرى؟ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي سورة الفجر 24. فيندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصياً، ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعاً.

وعن محمد بن عمرة –وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "لو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا؛ كيما يزداد من الأجر والثواب".

 

عن محمد بن عمرة –وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: "لو أن عبداً خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله، لحقره يوم القيامة، ولودّ أنه ردّ إلى الدنيا؛ كيما يزداد من الأجر والثواب".

 

عندما ينكس المجرمون رؤوسهم يوم القيامة!
00:19:54

وفي ذلك الموقف ينكس المجرمون رؤوسهم، كما قال سبحانه: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ سورة السجدة 12. لأنهم يحضرون حول جهنم جثياً وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ سورة الأنعام 27. فيوقفون على جهنم، يوقفون على شفيرها، ينكسون رؤوسهم، ثم يجثون على الركب حول جهنم جثياً، ويكونون ناكسوا رؤوسهم من الحياء والخجل، يقولون: رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا سورة السجدة 12. نحن الآن مستعدون لنسمع قولك، ونطيع أمرك أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا سورة مريم 38. فيعودون على أنفسهم بالملامة ويقولون: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ سورة الملك 10. رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ سورة السجدة 12. قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق، ولقاءك حق، والنار حق، وقد علم الله تعالى أنه لو أعادهم إلى الدنيا فسيعودون إلى ما كانوا فيه، ولذلك قال عز وجل: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ سورة الأنعام 28. هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمْ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ سورة الصافات 21-26. يقول الكفار يوم القيامة إذا رجعوا على أنفسهم بالملامة، واعترفوا أنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا، إذا عاينوا أهوال القيامة ندموا حيث لا ينفع الندم، ويقول الله لهم: هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ سورة الصافات 21. على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله عز وجل الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في أرض المحشر، ويقول الله تعالى للملائكة: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ سورة الصافات 22. أي من هو على شاكلتهم، احشروهم وأمثالهم، فيجيء أصحاب الزنا مع أصحاب الزنا، وأصحاب الربا مع أصحاب الربا، وأصحاب الخمر مع أصحاب الخمر وَقِفُوهُمْ حتى يسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي كانوا قد عملوها وقالوها في الدنيا إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ إنهم محاسبون.

إنه يوم الحسرة...!!!
00:22:42

إن ذلك مشهد يوم عظيم، إنه يوم الحسرة: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ سورة مريم 39. أنذر الخلائق يوم الحسرة إذ فصل بين أهل الجنة وأهل النار، قضي الأمر، وصار كل إلى ما صار إليه مخلداً فيه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون، ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ويقال: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت) قال: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [رواه أحمد 11066]. [البخاري 4730 ومسلم 2849]. هكذا رواه الإمام أحمد، وقد خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما ولفظهما قريب من ذلك.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة الذي فاتهم لو كانوا أطاعوا الله، ويقال لهم: لو أنكم أطعتم دخلتموه، فتأخذهم الحسرة" [رواه الحاكم في المستدرك 8519]. هذا المعنى من كلامه رضي الله تعالى عنه.

قال بعض المفسرين: "فيفرح أهل الجنة فرحة، لو كان أحدٌ ميتاً من فرح ماتوا، ويشهق أهل النار شهقة، لو كان أحدٌ ميتاً من شهقة ماتوا" فذلك قوله تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ سورة مريم 39. حذره تعالى عباده.

إنه اليوم الذي تتحسر فيه النفوس على ما فرطت، كما قال عز وجل: أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ سورة الزمر 56. وقال سبحانه عن ذلك اليوم: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ سورة الانفطار 19. فلا يقدر أحد على نفع أحد، ولا على خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: (يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً) [رواه مسلم 204]. وقال الله: وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ سورة الانفطار 19. وهو كقوله تعالى: لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ سورة غافر 16. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ سورة الفرقان 26. مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ سورة الفاتحة 4. فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ سورة عبس 33. التي تصخّ الأسماع، ولا تملك نفسٌ لنفس ٍشيئاً.

ماذا يحدث للناس في مواقف القيامة؟
00:26:01

ماذا يحدث للناس في ذلك الموقف؟

أولاً: يتعارفون، يتعرفون، فيتعرف القريب على قريبه، والصديق على صديقه، ثم يفر بعضهم من بعض بعد التعارف فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ سورة عبس 33-35. قال عكرمة رحمه الله: "وإن الرجل يلقى ابنه فيتعلق به، فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني بخير، فيقول له يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك، لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئاً" يقول الله تعالى: فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ سورة عبس 33-36. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ يفر من أمه، حتى يقول عيسى عليه السلام في حديث الشفاعة: (لا أسألك إلا نفسي لا أسألك مريم التي ولدتني) [رواه أبو نعيم في الحلية (5/ 373)]. ولهذا قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ سورة عبس 34-36. وهي زوجته، قال عكرمة رحمه الله: "يلقى الرجل زوجته، فيقول لها: يا هذه، أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي، لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئاً، أتخوف مثل الذي تخاف" قال قتادة: "الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم". لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ سورة عبس 37. وشغل يشغله عن غيره، وقال عليه الصلاة والسلام: (تحشرون حفاة، عراة، غرلا) فقالت زوجته: أينظر بعضنا إلى عورة بعض؟ فقال: (يا فلانة) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [رواه الحاكم في المستدرك 2995]. ويشغله عن النظر إلى العورات، وقال سبحانه: وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً سورة المعارج 10. الحميم: القريب، المحب، الصاحب، الصديق، المقرب وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ سورة المعارج 10-11. وأن يحترقوا في النار، وأن ينجو هو وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ سورة المعارج 12-13. وكل القبيلة. وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً كل العالم ثُمَّ يُنجِيهِ سورة المعارج 14. لكن لا فائدة، لا فائدة؛ لأنه لا ينجي أحدٌ أحداً، ولا ينفع أحدٌ أحداً، ولا يسأل القريب قريبه، القريب لا يسأل قريبه، وهو يراه في أسوأ الأحوال؛ لأن نفس كل واحد تشغله عن الآخر، يعرف بعضهم بعضاً، يتعارفون كما قال الله، ولكن لا يسأل حميمٌ حميماً من الهول في ذلك اليوم، وهذا اليوم مواقف؛ لأنه طويل، طوله خمسون ألف سنة، ففي موقف يتساءلون، وفي موقف لا يتساءلون، وفي موقف يتكلمون، وفي موقف لا يتكلمون، ويفر بعضهم من بعض لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ سورة عبس 37. كما قال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هذا النداء الرباني لهذا البشر الذي خلقه ورحمه بأن بين له ماذا يحدث في اليوم الآخر يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ سورة لقمان 33. وقال سبحانه: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى سورة فاطر 18. إذا دعيت إلى حملها لا يحمل منه شيء، ولو كان ذا قربى، وقال سبحانه: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ سورة المؤمنون 101. فيود المجرم لو يفتدي بأهل الأرض، وبأعز ما يجد من ماله، ولو بملأ الأرض ذهباً، أو بولده الذي هو حشاشة كبده، يتمنى إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله، ولا يقبل منه مع ذلك، وقال تعالى: يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ سورة الدخان 41. يعني لا ينفع القريب قريبه، ولا يسأل حميم حميماً، وهو يراه عياناً، يراه أمامه، لكن لا ينصر القريب قريبه كما تتناصرون في الدنيا، ولا يأتيه النصر من خارج وَلا هُمْ يُنصَرُونَ وإنه سبحانه وتعالى قد أخبرنا بأنه في ذلك اليوم تكون الخسارة الحقيقية للذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة، ولو ذهبوا إلى الجنة، فإنه يتحسر على أنه لم يلحق بهم.

اللهم إنا نسألك النجاة يوم الفزع الأكبر، اللهم إنا نسألك الأمن في ذلك اليوم يا رب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك من ضيق المقام، في تلك الساعة.

اللهم أظللنا بظل عرشك، اللهم فرج عنا كربات يوم الدين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وافسحوا لإخوانكم يفسح الله لكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أنه لا إله إلا هو الحي القيوم، خالق السموات والأرضين، ومالك يوم الدين، سبحانه وتعالى، خلق فسوى وقدر فهدى.

وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين.

يوم يكشف ربنا عن ساقه سبحانه!
00:32:41

عباد الله:

في ذلك اليوم يكشف ربنا عن ساقه: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ سورة القلم 42. حتى المنافقون، وحتى الكفرة يخرون، ولكن الله لا يمكنهم من السجود، فإذا أراد أحدهم أن يسجد يعود ظهره طبقاً واحداً كلما أراد أن يسجد خر لقفاه، إنهم كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم سالمون، فلماذا لم يسجدوا في الدنيا؟ لماذا تركوا الصلاة في الدنيا؟ ولذلك يهلكون يوم القيامة.

وقال سبحانه: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ سورة غافر 18. سميت بذلك لاقترابها أَزِفَتْ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ سورة النجم 57-58. إذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ سورة غافر 18. القلوب لدى الحناجر قال قتادة رحمه الله: "وقفت القلوب في الحناجر من الخوف فلا هي تخرج، ولا هي تعود إلى أماكنها" ومعنى: كَاظِمِينَ ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذن الرحمن إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً سورة النبأ 38. وفي ذلك اليوم تبرز الخلائق إلى الله: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ سورة غافر 16. يطوي الله السماوات والأرض بيده، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ أين المتكبرون؟ فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه سبحانه قائلاً: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وفي ذلك اليوم: يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ سورة هود 105. وَخَشَعَتْ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً سورة طه 108. ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، وكل كلامهم، اللهم سلم سلم ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ سورة هود 103. من أولهم إلى آخرهم وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ سورةهود:103. تشهده الملائكة، وتحضره جميع الخلائق، إنساً، وجناً، ودواباً، وسباعا، فلا يبقى أحد إلا اجتمع في ذلك اليوم ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ سورة الزمر 31. قال الزبير رضي الله عنه: "يا رسول الله! أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال: (نعم) فقال: إن الأمر إذاً لشديد" [رواه الترمذي 3236]. والحديث رواه الترمذي وغيره وحسنه. والله إن الأمر لشديد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال في قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ سورة الزمر 31. قال: "يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف القوي، حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنت فعلت، ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سولت، وكلاهما معتد، ويختصم أهل السنة وأهل البدعة بين يدي الله يوم القيامة" ذلك الموقف موقف الخصومة، فينصر الله سبحانه وتعالى المظلوم ويعطيه حقه، ويتبين الحق ويحصحص، ويحكم الله بين العباد في سائر ما كانوا فيه يختلفون في الدنيا.

كيف يكون حال المجرمين وأتباعهم يوم القيامة
00:36:23

وأما المجرمون الذين تبع بعضهم بعضاً فإنه يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، يلعن الأتباع المتبوعين، ويلعن المرؤوسون الرؤساء: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا سورة الأعراف 38. ما لهم من ناصر ينصرهم يوم القيامة، وكل من دعا إلى شر أو بدعة فإنه على ظهره مثل وزرها وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ سورة العنكبوت 13. وتتطاير الأوراق، وتنشر الصحف، ويعطى كل إنسان كتابه، يلقاه منشوراً، يقرأه هو وغيره، فأما من أوتي كتابه بيمينه يطير فرحاً، ومن أوتي كتابه بشماله بعد لوي يده اليسرى وإخراجها من ظهره على هذا النحو المهين، يقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ سورة الحاقة 25-26. وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً سورة الكهف 49. أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ سورة المجادلة 6. يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً سورة آل عمران 30. يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ سورة القيامة 13. وأما ما عملت من سوء فإنها تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ سورة آل عمران 30.

من رحمته حذرنا نفسه، من رحمته حذرنا يومه، من رحمته بيّن لنا بهذا التفصيل ما يكون في ذلك اليوم، ثم قال: (يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) [رواه مسلم 2577].

أيها الإخوة:

إن مسألة الإيمان باليوم الآخر مسألة عظيمة، إنها تصحح المسار، فهلم إلى الله، والعودة إلى الإيمان بهذا اليوم، وتذكر أهواله، لكي ننجو يوم الحساب.

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

اللهم إنا نسألك شربة من حوض نبينا لا نظمأ بعدها أبدا.

اللهم أظللنا بظل عرشك الكريم، ثقل موازيننا، وبيض وجوهنا، وآتنا صحائفنا بأيماننا، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

أهلك عدونا يا رب العالمين، اللهم انصر الموحدين، اللهم عليك بأعداء الدين، اللهم اجعلنا في وطننا هذا آمنين، وسائر المسلمين، يارب العالمين.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه البخاري 4938..
2 - رواه مسلم 2864 والترمذي 2421 واللفظ له..
3 - رواه البخاري 7510 ومسلم 193..
4 - رواه الطبراني في الكبير 9763..
5 - رواه الطبراني في الكبير 1421..
6 - رواه مسلم 2578..
7 - رواه مسلم 1735..
8 - رواه مسلم 1738..
9 - رواه أحمد 11066..
10 - البخاري 4730 ومسلم 2849..
11 - رواه الحاكم في المستدرك 8519.
12 - رواه مسلم 204..
13 - رواه أبو نعيم في الحلية (5/ 373).
14 - رواه الحاكم في المستدرك 2995.
15 - رواه الترمذي 3236..
16 - رواه مسلم 2577..