الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439 هـ :: 14 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الظلم


عناصر المادة
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي
ولا يظلم ربك أحداً
الظلم ثلاثة دواوين
أنواع الظلم بين الناس
جمع الحديث بين جلب المنفعة ودفع المضرة في الدين والدنيا
فاستغفروني أغفر لكم
إن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ سورة آل عمران 102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء 1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب 70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي
00:01:21

أيها الإخوة المسلمون!

هذا حديث عظيم جداً يرويه الإمام مسلم في صحيحيه عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل -هذا حديث قدسي- أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع، إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا، فليحمد الله ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه) [رواه مسلم 2577]. هذا حديث شريف القدر عظيم المنزلة كما يقول شيخ الإسلام، ولهذا كان يقول الإمام أحمد: "هو أشرف حديث لأهل الشام" أشرف حديث رواه الشاميون، وكان أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى: "إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه" من هول ما فيه، وعظم قدره، كما روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه، وراويه كما يقول شيخ الإسلام: "هو أبو ذر رضي الله عنه الذي ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة منه" وهو من الأحاديث الإلهية التي رواها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه.

أيها الإخوة:

إننا نقول ونعيد القول بأن نفوسنا تحتاج إلى تربية إلهية ربانية على منهج الله ورسوله.

أيها الإخوة:

إن من دعائم هذه التربية: تربية النفس على العقيدة الصحيحة، والمنهج الرباني، هذه التربية لها منهج، ولها أدوات، إن هذا الحديث بما يحتويه من أعظم أنواع التربية، ومن أعظم مبادئ التربية، التي يجب أن يربى عليها المسلمون.

 

إن من دعائم التربية: تربية النفس على العقيدة الصحيحة، والمنهج الرباني، وهذه التربية لها منهج، ولها أدوات، وإن هذا الحديث بما يحتويه من أعظم أنواع التربية، ومن أعظم مبادئ التربية، التي يجب أن يربى عليها المسلمون.

 

أيها الإخوة:

إن رسولنا عليه السلام قد أوتي من جوامع الكلم ما لا تصلح التربية إلا بمثله.

أيها الإخوة:

إن في هذا الحديث من عظائم الأمور التي وردت فيه ما يحتاج إلى تأمل، وإيمان، وقلب مؤمن مفتوح؛ حتى يتشرب هذه المبادئ التي ذكرها صلى الله عليه وسلم عن ربه في هذا الحديث.

ولا يظلم ربك أحداً
00:05:45

أيها الإخوة:

إن الله تعالى لا يظلم أحداً، قد نفى الله الظلم على نفسه فقال: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً سورة الكهف:49. ونفى إرادته للظلم فقال: وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ سورة غافر:31. ونفى خوف العباد للظلم منه وَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً سورة طه:112.

أيها الإخوة:

إن الله نفى الظلم عن نفسه، وكتب على نفسه ألا يظلم أحداً، لو أن الله ظلم الخلق كلهم، لو أن الله عذب الخلق كلهم لما كان ظالماً لهم، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي يرويه الإمام أحمد، وغيره أنه عليه السلام قال: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم، كانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم، ولو أنفقت جبل أحد ذهبا في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك، لدخلت النار) [رواه أحمد 21589]. في صحيح الجامع.

هذا أيها الإخوة يُبيّن أن الأعمال الصالحة لا تنفع بغير عقيدة صحيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ولو أنفقت جبل أحد ذهباً في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر). إذاً أيها الإخوة لابد من تصحيح العقيدة قبل تصحيح الأعمال، لابد من تصحيح العقيدة ومبادئها في النفس، لابد أن نصحح اعتقادنا بالله عز وجل وأسمائه وصفاته وأفعاله وأنواع التوحيد قبل أن نعمل الأعمال، ونصححها لذلك كانت العقيدة تسمى عند السلف بالفقه الأكبر، وما سوى ذلك من الأعمال، والجزيئات الفقهية يسمى بالفقه الأصغر.

هذه البداية لهذا الحديث تضمنت أجزاء عظيمة من الإيمان بالصفات، والقضاء، والقدر، ولذلك أيها الإخوة إن الله عز وجل لو عذبنا فنحن مستحقون للعذاب، لو عذبنا كلنا فنحن غير مظلومين بهذا العذاب، نحن مستحقين له أكمل الاستحقاق لو عذبنا تعالى عليه، ولكن الله عز وجل رحيم وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ سورة فاطر:45. يومياً أيها الإخوة تأملوا، وتفكروا في حال العباد ما هو حجم المعاصي التي ترتكب يومياً على ظهر الأرض كم؟ لو أن الله يريد أن يعاقبنا على هذه المعاصي ما ترك حتى الحيوانات، ولكن الله عز وجل رؤوف بعباده كتب على نفسه عدم الظلم يعني: لا يترك المحسن بغير جزاء على إحسانه، ولا يترك المسيء بغير عقاب على إساءته، ولا يحمل أحداً ذنب أحد، ولا يؤخذ أحداً بذنب أحد.

الظلم ثلاثة دواوين
00:09:28

ولذلك أيها الإخوة الظلم -كما يقول أحد السلف- ثلاثة دواوين: فديوان لا يغفر الله منه شيء، وديوان لا يترك الله منه شيء، وديوان لا يعبأ الله به شيء.

فأما الديوان الذي لا يغفر الله منه شيء فهو الشرك؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به، انظروا إلى ملايين المسلمين اليوم في العالم كم منهم الذي عنده توحيد، وإخلاص في العقيدة؟

أيها الإخوة:

إنه النزر اليسير، كثير منهم يطوفون بالقبور، ويستنجدون بالأولياء فيما لا يقدر عليه إلا الله، ويذبحون للموتى، ويظنون بالعباد النفع والضر بأشياء لا يملكون لها نفعاً ولا ضراً، وينسون الله عز وجل، ويخافون من البشر أكثر مما يخافون من الله كم من العباد اليوم موحدين؟ إنهم قلة.

وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئاً فهو ظلم العباد بعضهم لبعض، فإن الله لابد أن ينصف المظلوم من الظالم، الله عز وجل أيها الإخوة! -انظروا إلى هذه اللطيفة العظيمة- قد يتجاوز ويغفر للعبد عما فرط في حق ربه، لكنه لا يتجاوز ولا يغفر للعبد عما فرط في حق العبد الآخر؛ تعظيماً لحقوق العباد بعضهم على بعض.

أما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئاً فهو ظلم العبد لنفسه فيما بينه وبين ربه، أي: مغفرة هذا النوع ممكنه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وجعل الله تعالى يا إخواني الظلم بيننا محرماً، خطاب عام لجميع العباد: (فلا تظالموا) أو (فلا تظّالموا) ولذلك كان أمر الشريعة كلها مبني على العدل في الدماء، والأموال، والأبضاع، والأنساب، والأعراض، ولذلك يا إخواني جاء في السنة القصاص، القصاص في ماذا؟ في ماذا القصاص؟ لإقامة العدل بين العباد، ولذلك الظلم ظلمات يوم القيامة، الذي يظلم الناس بشيء الله عز وجل لا يفلته، ولا يهمله، كما ورد في الحديث الصحيح: (إن الله ليملي للظالم) يعني: يؤخره لأجل مسمى (حتى إذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ سورة هود:102. [رواه البخاري 4686].

أنواع الظلم بين الناس
00:12:17

انظروا في أحوال البشر اليوم تجدون أنواعاً متفرقة متنوعة عظيمة من الظلم، من ظلم العباد بعضهم لبعض، بعض أرباب الأموال والأعمال يظلمون من لديهم من المستخدمين، إما أن يؤخر له راتبه ويمنعه منه، أو لا يعطيه إياه في وقته، أو ينقصه إياه، هذا رجل قابلته البارحة يقول لي: لقد استقدمني أحد الناس من بلاد بعيدة فتركت أولادي، وأهلي، وجئت إلى هنا لأعمل ماذا حصل بعد أن وقع معي العقد على الراتب الفلاني قال لي: هات العقد لأننا لابد أن نصدقه من الجهة الفلانية، فلما أخذ العقد لم يرجعه إليه، وخفض الراتب إلى النصف، وقال: إن رضيت وإلا فارجع، وهو المسكين لم يأت إلا من أيام قليلة.

أيها الإخوة:

أسألكم بالله العظيم هل تظنون أن الله تعالى يفلت مثل هذا الرجل؟ هل تظنون أن الله عز وجل يقر مثل هذا النوع من الظلم في البشر؟ هل تظنون أن الله تعالى سيغفل هذا الظالم، وينسى ذلك العبد المسكين الذي ظلم؟ ظلم الرجل لزوجته من أنواع الظلم، الذي يضرب زوجته، ويسبها بأقذع السباب، والشتائم، ويكيلها لها صباحاً، ومساءً هذه المسكينة الضعيفة التي حرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حقها كما حرج حق اليتيم؟ هل تظنون أن الله سيغفل ذلك الزوج الظالم، وينسى تلك المرأة الضعيفة المسكينة التي لا تستطيع أن تشتكي إلى أهلها، وإلا طلقها؟

أيها الإخوة:

هل يغفل الله قاضياً ظالماً جار في الحكم على المظلوم، وحكم للظالم؟ هل ينسى الله ذلك القاضي يوم القيامة؟ وهل يضيع الله حق المظلوم؟ كلا، لابد أن يكون هناك يوم يأخذ كل إنسان حقه ممن ظلمه.

كان الصحابة يعدلون في الحكم، حتى كانوا يعدلون في الحكم بين خطوط الصبيان، مَن خطه أجمل! ومَن خطه أحسن في تعليمهم للخط! كانوا يعدلون في الأشياء الصغيرة، ونحن اليوم ضيعنا العدل في الأشياء الكبيرة، هل ينسى الله ظلم مدرس لطالب أجحف في حقه في الدرجات؟

أيها الإخوة: اليوم الظلم منتشر على وجه الأرض انتشار النار في الهشيم، وحقوق العباد ضائعة ضيعة كبرى؛ بسبب غياب ذلك المنهج الرباني؛ لذلك لابد من العودة إلى منهج القرآن والسنة، وتحكيمه في النفس والأسرة والمجتمع؛ حتى تعود الحقوق إلى نصابها وأهلها.

 

أيها الإخوة: اليوم الظلم منتشر على وجه الأرض انتشار النار في الهشيم، وحقوق العباد ضائعة ضيعة كبرى؛ بسبب غياب ذلك المنهج الرباني؛ لذلك لابد من العودة إلى منهج القرآن والسنة، وتحكيمه في النفس والأسرة والمجتمع؛ حتى تعود الحقوق إلى نصابها وأهلها.

جمع الحديث بين جلب المنفعة ودفع المضرة في الدين والدنيا
00:15:48

أيها الإخوة:

لما ذكر الله تحريم الظلم، وذكر إحسانه إلى العباد، وأمرهم أن يسألوه في جلب المنفعة، ودفع المضرة، فإن الله قال بعد ذلك: (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم).

أيها الإخوة:

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلها في ما يقول عن ربه عز وجل: (يا عبادي كلكم ضال إلى من هديته فاستهدوني أهدكم) فصارت المنفعة والمضرة على أمرين: في أمر الدين، وأمر الدنيا، فأما التي في أمر الدين فهي اثنان: الهداية، والمغفرة، جلب المنفعة الهداية، ودفع المضرة في الدين مغفرة الذنوب؛ لذلك جاء في هذا الحديث الأمر بجلب المنفعة فاسألوا الله الهداية (فاستهدوني اهدكم) وجاء فيها دفع المضرة وهو غفران الذنب (فاستغفروني أغفر لكم) وأما التي في الدنيا فهي جلب المنفعة في الطعام، الرزق بشتى أصنافه، فجاء السؤال بها (فاستطعموني أطعمكم) ودفع المضرة بجلب اللباس الذي يقي الحر والبرد (فاستكسوني أكسكم) فما ترك هذا الحديث منفعة في دنيا، ولا في آخرة إلا وذكرها.

ولذلك أيها الإخوة! يحب الله منا أن نسأله في جميع الأمور، دقيقها وعظيمها، وجليلها وحقيرها، وقد كان بعض السلف يسأل الله في صلاته ملح طعامه، وعلف شاته، لذلك لم يفرق الله بين سؤاله الهداية، وسؤاله الطعام والشراب، فلابد أن نسأل الله جميع الأشياء الدينية والدنيوية، وكثير من الناس يفرقون بين هذا، ولابد أن نسأله الهداية، الهداية أيها الإخوة نعمة عظيمة.

الهداية على أربعة أنواع:

هداية إلى مصالح الدنيا، وهذه مشتركة بين البر والفاجر، والمسلم والكافر، والإنسان والحيوان رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى سورة طـه 50. من الذي هدى الطفل إلى التقام ثدي أمه لما يخرج إلى الدنيا، وهو لا يعلم شيئاً؟ إنه الله عز وجل، فتضع الأم طفلها على صدرها فيذهب مباشرة فيلتقم الثدي، من الذي هداه إلى هذا؟ هذه من أمثال الهداية العامة.

والثانية: هداية الدلالة والإرشاد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ولذلك قال الله عن نبيه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سورة الشورى:52.

والثالثة: هداية القلوب من الظلال إلى الحق، كما قال الله عز وجل -وهي هداية التوفيق والإلهام- إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء سورة القصص 56. يعني: ينقل من يشاء من الباطل إلى الحق.

والرابعة: الهداية في الآخرة، إما إلى النار، وإما إلى الجنة، فأما الهداية إلى النار قال الله تعالى عن الكفار: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ سورة الصافات:23. وأما عن الجنة فقال الله عن أهلها: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنْ الْقَوْلِ سورة الحج:24يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ سورة يونس 9. فيهديهم إلى مواقع مساكنهم في الجنة، ويهديهم إلى العمل الصالح في الجنة، والذكر، كما عملوا صالحاً في الدنيا، أما الكفار فإن الله يهديهم إلى سواء الجحيم، كما فرطوا في الدنيا، ولذلك أيها الإخوة الهداية في حياتنا مهمة جداً، وهي على نوعين:

هداية مجملة: هداية الشخص من الإسلام إلى الكفر، وهداية مفصلة وهي: الهداية إلى تفاصيل الإيمان، ومعرفة الحق من الباطل في مسائل الفقه، وأنواع العلوم، نحن نحتاج كلا النوعين ماذا نقول في صلاتنا في سورة الفاتحة؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ سورة الفاتحة:6. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الليل يقول: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) [رواه مسلم 770]. وعلم الحسن أن يقول في دعاء القنوت: (اللهم اهدني فيمن هديت) [رواه الترمذي 464].

 نحن نحتاج أيها الإخوة إلى الهداية قد نكون على ضلال في بعض الأعمال الفقهية، والأحكام التي نقوم بها نحتاج إلى ننتقل منها إلى الحكم الصحيح، والحق في المسائل نحن نكون أحياناً على طريقة خاطئة في الدعوة إلى الله، ومنهج غير صالح في التربية، فنحتاج إلى الهداية إلى الطريق الصحيح في الدعوة، والطريق الصحيح في التربية، (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) في هذه الأوقات اشتبك الحق والباطل، فصار لا يتبين الحق إلا لمن كتب الله له، واعلموا أيها الإخوة أن الذكاء ليس بشرط في الوصول إلى الحق لذلك لابد من سؤال الله حتى يوفقنا.

نسأل الله عز وجل بأسمائه، وصفاته أن يوفقنا وإياكم لسؤاله الهداية في جميع الأعمال، وأن يطعمنا، ويكسونا، ويهدينا إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله الحليم الكريم، فرب السماوات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي دعا بدعوته إلى الدين القويم.

فاستغفروني أغفر لكم
00:22:15

أيها الإخوة:

يقول الله عز وجل: (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم).

أيها الإخوة لابد من سؤال الله تعالى المغفرة، ومغفرة الله كما قال شيخ الإسلام: على قسمين:

المغفرة الأولى: لمن تاب يعني مسح السيئات بالكلية لمن تاب الله عليه في ذنب معين، أو في ذنوب، أو تاب عنه في سائر ذنوبه، هذه التوبة عظيمة جداً لدرجة أن الله عز وجل لما قص علينا قصة أصحاب الأخدود، وأنتم تعلمون ما فعل أصحاب الأخدود بالمؤمنين ماذا فعلوا بهم؟ حرقوهم، وخدوا هذه الأخاديد في الأرض وألقوا المسلمين والمؤمنين فيها، هل هناك جريمة أعظم من هذه الجريمة؟ دعوة العباد إلى الكفر، وإكراههم عليه، وقذفهم في النار، واحتراقهم أمام تلك الطغاة.

أيها الإخوة! ماذا قال الله في الآية؟ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا سورة البروج: 10. قال الحسن البصري رحمه الله: "انظروا إلى هذا الكرم من الله، عذبوا أولياءه وقتلوهم ثم هو يدعوهم إلى التوبة" يعني: مازال هناك فرصة للتوبة مع عظم الجريمة، هؤلاء أعظم من الذي قتل مائة نفس، هؤلاء قتلوا ألوفاً من البشر، وعملوا في الأرض فتنة عظيمة، ومع ذلك أتاح الله لهم فرصة التوبة قال: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا ولذلك أيها الإخوة لابد من التوبة إلى الله عز وجل في السيئات التي نعملها في حقه، مثل: تضييع الجمع، والجماعات، والإقدام على المنكرات، وأعمال الفسق والفجور، لابد من التوبة منها، كذلك لابد من التوبة إلى الله من ظلم العباد، الذي يظلم إنساناً في الدنيا لابد أن يعيد الحق إليه في الدنيا، أما الذي يموت المظلوم قبل أن يطلب منه العفو والمغفرة، وقبل أن يعوضه عن حقه، هذا أيها الإخوة! هذا الإنسان يقول شيخ الإسلام: "لابد أن يكثر من الحسنات إكثاراً شديداً" لماذا؟ لأنه لابد من المظلوم أن يأخذ حقه، وبما أنه فاته الأخذ في الدنيا فسيأخذه بالآخرة، يأخذه بماذا؟ بالحسنات والسيئات، لذلك لابد للظالم الذي فاته الاعتذار للمظلوم وإعطاءه حقه وإرجاعه إليه: أن يعمل من الصالحات شيئاً كثيراً؛ حتى إذا جاء المظلوم يوم القيامة يأخذ من حسنات الظالم لا يصل الظالم إلى مرحلة الإفلاس، وهذا يبين خطر هذه القضية، وقد يتجاوز الله عن الظالم بمنه ورحمته، فيعطي الله المظلوم من الحسنات، إذا أخلص الظالم التوبة، وعلم الله صدقه، ومات على ذلك، ولكن لأننا لا ندري ما هي حالنا ونحن قد ظلمنا أناساً، وربما ذهبوا إلى أماكن بعيدة، أو ماتوا، ولم يتسر البحث عنهم، وإعادة الحق إليهم، لابد أن نكثر من الحسنات حتى إذا جاءنا يوم القيامة، ويريد أولئك الناس أن يأخذوا من حسناتنا لا نفلس، فنرجع إلى جهنم.

إن الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها
00:26:14

ولذلك أيها الإخوة لابد أن نعلم أن رحمة الله واسعة جداً جداً، وسعت رحمته السماوات والأرض، إن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدة بولدها، كان أحد السلف يتأمل بمثل هذا الحديث، فما عرف معناه إلا بعد أن حصل أمامه حادثة، كان يمشي في الطريق فدخل يوماً طريقاً، فوجد صبياً يبكي، وأمه تضربه ثم أخرجته من الدار، وأغلقت الباب دونه، فجعل الصبي يتلفت يميناً وشمالاً لا يدري أين يذهب، ولا أن يقصد، فرجع إلى باب الدار وجعل يبكي ويقول: يا أماه! من يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك؟ ومن يدنيني إذا طردتيني؟ ومن يقربني إذا غضبتي عليّ؟ فرحمته أمه، فنظرت من خلل الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه متمعكاً بالتراب، ففتحت الباب وأخذته ووضعته في حجرها وجعلت تقبله وتقول: يا قرة عيني! و يا عزيز نفسي! أنت الذي حملتني على ما فعلت، وأنت عرّضت نفسك للعقوبة، لو كنت أطعتني لم تلقَ مني مكروهاً، ثم أدخلته وأغلقت الباب.

أيها الإخوة:

إن الله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها إذا أذنبت مهما كان الذنب عظيماً ثم طرقت باب التوبة، فإن التوبة مفتوح، وإن الله تعالى يتجاوز عن المسيء، وعن التائب، لذلك يا إخواني يجب الرجوع إلى الله عز وجل من هذه الذنوب والمعاصي التي نعملها، ولا نسوّف، ونقول: غداً نتوب، وإن الله تعالى كما قال في الحديث: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني) أي: لا تنفعه طائعة الطائع، ولا تضره معصية العاصي، فلو كان الإنس والجن كلهم تقاة مؤمنين ما نفع الله شيئاً، ولو كانوا كلهم كفرة، وفجار، وعصاة ما ضر الله شيئاً.

لذلك أيها الإخوة! نحن عندما نعمل الأعمال نعملها لنا، نعملها لأنفسنا، نحن نعمل لكي ننجو من النار، إن الله لا ينتفع بأعمالنا، كذلك لابد من سؤال الله عز جل، فسؤال الله وإعطاءه للعبد لا ينقص مما عند الله شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، هذا المثل كما يقول شيخ الإسلام: ضرب للتقريب، لا أن ملك الله ينقص بالفعل، فإن الممثل والممثل به قد يشتركان في بعض الوجوه، ويختلفان في الأخرى، ألم تر أن الله لما مثل رؤيته يوم القيامة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) [رواه مسلم 633]. شبه الوضوح بالوضوح، ولكن هل المرئي مثل المرئي؟ هل الله مثل القمر؟ لا لذلك لا ينقص من ملك الله شيئاً البته، وإنما ضرب هذا المثل للتقريب كما قال الخضر لموسى وهو في البحر: "ما علمي وعلمك في علم الله إلا كما نقر هذا العصفور في البحر" ولذلك لما لقي قتادة العالم الجليل الضرير لما لقي سعيد بن المسيب، وجلس إليه جعل يسأله عن مسائل عظيمة حتى ذهل سعيد من حفظه، وجلس عنده أسبوعاً ثم قال له سعيد نزفتني يا أعمى فهل ذهب علم سعيد لما تعلمه قتادة؟ كلا إن العلم هو هو، وإنما انتقل الوصف من العالم إلى المتعلم، هذا من أحد الأمثلة التي تضرب على أن الله تعالى لا ينقص ملكه شيئاً، لو أعطاك أموالاً، وأعطاك أولاداً، وأعطاك صحة، لا ينقص ملكه شيء، بخلاف خزائن ملوك الأرض، يخلق الله كل يوم ما شاء من الملك مهما أعطى العباد، يزيد الله في ملكه أكثر مما أعطى العباد، لذلك نسأل مَن؟ إذا احتجنا نسأل مَن؟ لابد من تصحيح التوحيد، لابد من التوكل، وأخذ السبب فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ سورة هود: 123. لا يكفي التوكل وحده، لابد من العبادة، لا يكفي أن نأخذ بالأسباب لابد معها من التوكل، لا يكفي التوكل فقط لابد أن نأخذ معه بالأسباب، ومن فرط في شيء كانت عقوبته على حسب تفريطه.

هذا أيها الإخوة شيء مما تضمنه هذا الحديث العظيم من قواعد العقيدة، والعبادات، والمعاملات، فلم يترك هذا الحديث شيئاً من الدين إلا ووضحه.

اللهم يا معلم الخلق علمنا ما ينفعنا، و يا هادي التائهين، والضالين أهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك.

اللهم إنا نسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى، والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقاءك بغير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

اللهم واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين، ولا مضلين، وآمنا في دورنا، وأوطاننا، واجعل بلدنا هذا، وبلاد المسلمين في خير، وعافية، وأمن يا أرحم الراحمين.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. 

1 - رواه مسلم 2577..
2 - رواه أحمد 21589..
3 - رواه البخاري 4686..
4 - رواه مسلم 770..
5 - رواه الترمذي 464..
6 - رواه مسلم 633..