الثلاثاء 4 جمادى الآخر 1439 هـ :: 20 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

السفر وآدابه 1-2


عناصر المادة
أسفار النبي -صلى الله عليه وسلم-
حاجة الناس للعلم الشرعي
لا يترخص لسفر المعصية
صور من أسفار السلف- رحمهم الله-
أهمية الرفقة، والسياحة الحقيقية:
أحكام السفر
ترك المعصية لأجل الله
السفر وآدابه 2
الزاد في السفر
أذكار السفر ومعانيها
الإمارة في السفر

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران:102. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباًالنساء:1. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً الأحزاب:70-71.

أما بعد. فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد – صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

لما كان هذا الوقت بداية الإجازة، ناسب أن يكون كلامنا أيها الإخوة عن موضوع السفر، حيث أن كثيراً من الناس ينوون ويخططون للسفر في هذا الوقت.كانت أسفار النبي -صلى الله عليه وسلم لخدمة وحماية هذا الدين الذي شرعه الله عز وجل، وللذود عن حياضه، ولإنقاذ المستضعفين من المسلمين، الذين كانوا يرزحون تحت نير استعمار الكفار واضطهادهم، وأن السفر نوعيين: سفر طلب وسفر هرب، وأنه لا يجوز البقاء بين ظهراني الكفار، وأن للسفر أحكاما وآدابا، وأنه لا يجوز للمرء أن يضيع من يعول.

والسفر أيها الإخوة إنما سمي سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ويكشف عنها، ولذلك فإن المسافر يتبين من طبعه، وأخلاقه، وشمائله ما لا يتبين في حضره؛ لأنه إذا ابتعد عن المألوفات، وابتعد عن الأهل والأوطان، فإنه يظهر على حقيقته،

 

والسفر أيها الإخوة إنما سمي سفراً؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال ويكشف عنها، ولذلك فإن المسافر يتبين من طبعه، وأخلاقه، وشمائله ما لا يتبين في حضره؛ لأنه إذا ابتعد عن المألوفات، وابتعد عن الأهل والأوطان، فإنه يظهر على حقيقته،

 

 وتظهر أشياء كثيرة كانت خافية من قبل.

أسفار النبي -صلى الله عليه وسلم-
00:02:24

ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- كان يسافر، ما كان مقيماً في مكان واحد طيلة عمره، ولكن المسألة إلى أين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافر؟ وما هي أنواع سفره عليه الصلاة والسلام؟ أنه سفره عليه الصلاة والسلام كان دائراً بين أربعة أنواع من السفر: سفر الجهاد، والهجرة، والحج، والعمرة.

هكذا كانت أسفاره -صلى الله عليه وسلم-، فإنه خرج من موطنه، من مكة مهاجراً إلى الله بعد أن لحق الأذى به وبأصحابه، وأصبح من الصعب جداً الإقامة وسط أولئك الكفار المعاندين، الذين كان آخر ما خططوا له اغتياله -عليه الصلاة والسلام-، ولكن الله نجاه منهم لأمر يريده عز وجل.

وسافر -صلى الله عليه وسلم- سفرات كثيرة في الجهاد في سبيل الله، وكان هذا النوع من السفر أكثر الأنواع التي سافر فيها -صلى الله عليه وسلم-، فإنه لا يلبث أن يأتي من غزوة حتى يجهز غيرها، ولا يلبث أن تأتي سرية حتى يخرج في غيرها، وهكذا.

كانت أسفاره لخدمة الدين، كانت أسفاره لحماية هذا الإسلام الذي شرعه الله عز وجل، وللذود عن حياضه، ولإنقاذ المستضعفين من المسلمين، الذين كانوا يرزحون تحت نير استعمار الكفار واضطهادهم، تحت نير اضطهاد الكفار وعذابهم.

وخرج -رسول الله صلى الله عليه وسلم- أربع مرات للعمرة، وخرج في حجة الوداع؛ لأنه لم يتمكن من الخروج قبل ذلك للحج، وإلا فإنه -عليه الصلاة والسلام- كان أول المبادرين إلى الطاعة، ولو كان يمكن أن يخرج للحج في أول الدعوة لخرج، ولو كان يمكن أن يخرج للحج قبل العام العاشر لخرج، ولكن الكفار لم يمكنوه من ذلك، حتى حج -عليه الصلاة والسلام- آخر سنة من حياته.

والسفر قد يكون سفر طلب، وقد يكون سفر هرب، وبناء على نوع الطلب ونوع الهرب يكون السفر إما سفر طاعة أو سفر معصية، فقد يكون سفر طلب مثل طلب العدو، الجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، أو طلب زيارة العلماء، أو طلب الحج والعمرة.

وآسفا على أناس من المسلمين يعيشون في هذه الأيام في بلاد قريبة من البيت العتيق، ومدن ليست بعيدة من الكعبة لم يروا كعبة الله حتى هذه اللحظة، وليسوا بمعذورين لا في مال، ولا في صحة، ولا في أعذار قاهرة، فأنى لهم العذر عند الله وقد تخلفوا عن الإتيان إلى بيته.

إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عد الذي ينقطع عن البيت خمس سنين (إن عبداً أصححت له جسمه، لا يفد عليّ خمس سنين لمحروم) [أخرجه البيهقي رقم: 3838]، إذا انقطع عن البيت العتيق خمس سنين، أكثر من خمس سنين فهو محروم كما بين -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الصحيح، فكيف بمن انقطع عن البيت العتيق طيلة حياته؟

ويستصعبون الحج ويضعون الأعذار الواهية، وقد حج الناس والحمد لله، ورجعوا في أمان وسلام، فعلام تشويشات الشيطان؟ وعلام الأعذار التافهة التي يقيمها في أنفس المسوفين العصاة؟ الذين يقولون: العام القادم، العام القادم، وما يدريهم ماذا سيحصل في العام القادم؟

وقد يكون سفر طلب، ولكن طلب معصية، كالسفر في طلب الزنا، والخمور، والرقص، ومشاهدة المحرمات، والسفر في طلب الربا، وهكذا، والسفر في تتبع أولياء الله، وهو من أعظم المحرمات.وقد يكون سفر هرب وطاعة، كمن يهرب من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، ويهاجر إلى بلاد المسلمين، أو أن يهرب من الأذى، أو ممن يريد قتله، أو غصب أمواله، أو إيذاء أهله، وفي هذا العصر والزمان من غربة الإسلام، خرج كثير من المسلمين من بلادهم، أو أخرجوا من بلادهم؛ لأنهم قالوا ربنا الله، وفي الأرض جماعات متناثرة من المسلمين من أهل السنة أخرجوا من ديارهم، فقط؛ لأنهم أهل السنة، أخرجهم الكفرة، وأهل البدعة والضلالة، وأهل الإلحاد والزيغ، ولا تزال تطلع على أخبارهم بين فترة وأخرى، على حين وآخر من الزمن تسمع إلى أنباء إخوانك، الذين أخرجوا ظلماً وعدواناً، من أراضيهم، وبلادهم، لا يلوون على شيء إلا الفرار بأنفسهم، وسلامة أهليهم، ليس معهم إلا حقيبة يدوية، والعتب على متبلدي الإحساس من المسلمين، الذين لم يشعروا حتى هذه اللحظة، أن لهم إخواناً من اللاجئين، ومن المهجرين، ومن الذين أخرجوا من ديارهم ظلماً وعدوانا، ليت هؤلاء من متبلدي الإحساس، بدل أن يسافروا إلى بلاد الكفار ليتمرغوا في أوحال المعاصي، يسافروا إلى بعض المناطق المنكوبة من أراضي إخوانهم المسلمين حتى يشهدوها، وكذلك فإن السفر إلى المساجد الثلاثة للصلاة فيها وعبادة الله من أعظم القربات، وينبغي أن يكون في نفس المسلم في هذا الزمن حنين إلى بيت المقدس، المسجد الثالث من هذه المساجد الثلاثة، الذي منع اليهود المسلمين من خارج ذلك المكان الصلاة فيه إلا بصعوبة بالغة.

وزيارة الإخوان في الله، والسفر إليها من أعظم القربات، السفر لمجرد زيارة أخ في الله من أعظم القربات عند الله، وقد ورد بذلك أحاديث صحيحة عن -رسول الله صلى الله عليه وسلم-.

ومن سفر الطلب الدنيوي المباح: السفر لطلب الرزق، وستر الأهل والنفس عن ذل الحاجة والسؤال، وكثير من المسلمين الذين قدموا إلى هذه البلاد وغيرها للعمل فيها، إن أخلصوا النية في إتيانهم لأجل ستر أنفسهم وأهليهم، فإنهم إن شاء الله مأجورون على هذا العمل، ومن خرج من بلده يسعى على صبية صغار له فهو في سبيل الله حتى يرجع، ولكن العتب على من خرج ليجمع الأموال ويفاخر فيها، ثم يعود ليفجر فيها في بلده، هناك الكثيرون أيها الإخوة يقترون على أنفسهم فترة من الزمن ليجمعوا الأموال، فإذا ما جمعوها عاثوا في الأرض فسادا.

والسفر لطلب العلم من أعظم القربات:فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِالتوبة:122، الناس الآن يذهبون إلى الخارج ليتحللوا من الدين، لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وهم يذهبون إلى الخارج لكي ينسوا الدين. وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة:122 ، فصار طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، والمقصود في الآية طبعاً علم الشريعة، علم الدين الذي يحتاج إليه المسلمون.

أيها الإخوة:

حاجة الناس للعلم الشرعي
00:13:09

المسلمون اليوم يحتاجون إلى علماء في الشريعة أكثر من حاجتهم إلى الأطباء والمهندسين والله، ولكن من يفقه هذا، ولسنا نغض قدر تحصيل العلم الدنيوي لرفع شأن المسلمين، ولكن علم الشريعة يحتاج إليه المسلمون في هذه الأوقات التي عمّ فيها الجهل حاجة عظيمة (من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرج) [الترمذي:2647]حديث صحيح. وقد رحل الصحابة والسلف في طلب الحديث الواحد أياماً وشهورا، ورحل جابر-رضي الله عنه- شهراً كاملاً في طلب حديث، وقال سعيد بن المسيب رحمه الله: "إن كنت لأرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد"، وخرج الحميدي -رحمه الله-، وهو من أجلة المحدثين، يريد أن يلقى شيخاً في مكان على ثلاثة أميال من مكة، فلما خرج إليه وسافر ذلك السفر لقي في الطريق رجلاً، فقال له: أين تريد؟ قال: أردنا أبا العباس –من الرواة- قال: يرحم الله أبا العباس، مات أمس، فقال الحميدي: هذه حسرة، ثم قال: أنا أسمعه منك هذا الحديث. ومن السفر المذموم: السفر وشد الرحال لزيارة القبور والمشاهد والأضرحة، وكثير من المسلمين الذين يظنون بجهلهم أن الشرك قد انتهى، وأن عبادة الأضرحة قد انتهت، وأن عبادة القبور كانت من زمان، على أولئك الذين يسمعون الأنباء الآن في عبادة الأَضرحة والقبور أن يعلموا أن هذا الشرك لم ينته بعد، وأن الجهاد في سبيل إزالته من أعظم أنواع الجهاد، إذا كان قد حج إلى قبر البدوي في الستينيات ثلاثة مليون إنسان في سنة واحدة، أكثر من الذين حجوا إلى البيت العتيق في تلك السنة.

أيها الإخوة: الأمر خطير، يعبدون من دون الله أشخاصاً، أوثاناً، وأحجاراً، وقبوراً، وأضرحة، ويزعمون أن العلم والتكنلوجيا قد قضت على الشرك والخرافة، التكنلوجيا والعلم لا تقضي على الشرك والخرافة، الذي يقضي على الشرك والخرافة هو التوحيد والعلم الشرعي، أليس هناك كبار الدكاترة في جامعات العالم لا زالوا يعبدون أصناماً وأحجاراً وقبوراً؟ ويأتي الدكتور الكبير بشهادته العلمية الكبيرة إلى القبر ليعبده من دون الله!

إذاً ليست التكنلوجيا هي التي تقضي على الشرك، وإنما تعلم التوحيد، ونشر السنة بين الناس هو الذي يقضي على الشرك، صحيح أن العلم قد يقضي على بعض الخرافات، أقصد العلم الدنيوي، مثل بعض الاكتشافات الطبية، لكن الاكتشافات الطبية والتقدم العلمي الدنيوي لا يقضي على الشرك ولا ينشر التوحيد، وهو وإن قضى على بعض الخرافات فإنه لا ينشر السنة.

نحن نحتاج أيها الإخوة إلى رجال يقومون بين الناس لنشر العلم، لنشر السنة، لتجريد التوحيد مما علق به من الشركيات.

وإنني أتعجب من أولئك الذين يأخذون بأيدي أطفالهم في السفريات ليروهم أي شيء؟ ليروهم المقابر التي أقامها الأولون، والبناءات التي أقامها الأولون، والأضرحة التي أقامها الأولون على قبور ملوكهم وعظمائهم، ويدخلون بأطفالهم إلى المتاحف، لماذا؟ لأي هدف؟ لكي يرى الأطفال الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، ثم يزعم بأن هذه الأصنام تحف ينبغي أن تقام ويقام لها أماكن مخصصة لحفظها والعناية بها، وتوضع بهالة من التقدير، والحفظ والرعاية على أنها من مخلفات الأقوام السابقة، وهذه موروثات حضارية عن حضارات سابقة تكرم وتوضع في المتاحف، هذه أصنام، هذه أصنام، أصنام كانت تعبد من دون الله، توضع في المتاحف لأي شيء؟ ويؤخذ أطفالنا ويدار بهم في المتاحف ليرى ماذا كان يعبد الرومان؟ وما هي مقابر الفراعنة؟ وغير ذلك.

هذا شرك، أليست هذه وثنية؟ إذاً لماذا نريها أولادنا؟ فضلاً عمن يدخل من المسلمين إلى كنائس النصارى، ومعابد الكفرة يزعمون أنهم يتفرجون على الدنيا.

وعلى المسافر إذا كان سفره في طاعة الله، لقد بينا بعض أنواع السفر المحرمة ومنها السفر إلى بلاد الكفار لغير ضرورة، يقيم في بلاد الكفار، وسط الكفار، ينسى دينه، ويتعلم تقاليدهم، ويتشبه بهم، وينفق الأموال التي ينبغي أن تبقى في بلاد المسلمين تنفق في بلاد الكفار، لتعين الكفار، وتدعم اقتصاد الكفار، وبلدان المسلمين في أشد الحاجة إليها، أليست هذه الأموال التي ينفقونها في سياحاتهم كما يزعمون، أليسوا سيسألون عنها يوم القيامة؟(وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه)[الترمذي:2147].

لا يترخص لسفر المعصية
00:19:40

وسفر المعصية له أحكام في الشريعة أيها الإخوة، وكثير من العلماء يرون أن المسافر في سفر المعصية لا يجوز له أن يترخص، لا يقصر الصلاة، ولا يجمعها، ولا يفطر في السفر، ولا يمسح على الجوربين ثلاثة أيام، ثلاثة ليال وأيام، لا يجوز له هذا، كثير من العلماء؛ لأنه خرج في معصية الله، فكيف يترخص برخصة الله؟

على المسافر أن يبدأ إذا احتاج إلى السفر برد المظالم، وقضاء الديون، نسمع بأناس عليهم ديون متراكمة، لكن مع ذلك يسافرون، وينفقون الأموال التي من المفترض أن يسددوا بها ديونهم، والدين غل في عنق صاحبه، والرسول -صلى الله عليه وسلم- رفض أن يصلي على الجنازة التي على صاحبها دين، وهؤلاء يبعثرون الأموال.

صور من أسفار السلف- رحمهم الله-
00:20:35

خرج ابن المبارك -رحمه الله- إلى ثغر من ثغور المسلمين للجهاد، وكان إذا وصل إلى تلك البلدة القريبة من الثغر، يأتي إليه شاب من شباب المسلمين، ويقوم بحوائج ابن المبارك يخدمه ويسمع منه الحديث، فقدم عبد الله بن المبارك مرة إلى تلك المدينة، فجاء النفير بالجهاد فخرج مستعجلاً العالم المجاهد عبد الله بن المبارك، ولكنه لم ير صاحبه الشاب الذي كان يأتي في العادة ليخدمه، فلما رجع سأل عنه، فقالوا: إنه محبوس على عشرة آلاف درهم من الدين، فاستدل على الغريم وسأل من هو صاحب الدين؟ وأعطاه ووزن له عشرة آلاف، وحلفه أن لا يخبر أحداً طيلة حياته، حياة ابن المبارك، فأخرج الرجل من السجن، المديون، وسرى ابن المبارك وسافر، فلحقه الفتى، لحقه على مرحلتين من الرقة، فقال ابن المبارك: يا فتى أين كنت؟ ما رأيتك؟ فقال: يا أبا عبد الرحمن كنت محبوساً بديني، قال: وكيف خلصت؟ قال: جاء رجل فقضى ديني ولم أدرِ، هذا الإخلاص، عبد الله المبارك يتظاهر أنه لا يعرف عن الأمر شيئاً، قال عبد الله للفتى: فاحمد الله، ولم يعلم الرجل إلا بعد موت عبد الله، لكي تنقطع كل شوائب الرياء من الموضوع.

أهمية الرفقة، والسياحة الحقيقية:
00:22:20

وعلى أولئك الذين يسافرون أن يختاروا الصحبة الصالحة، بدلاً من أن يختاروا الصحبة التي تعينهم على المنكر وعلى إتيان أماكن الفساد، وبعض الناس يأتون يذهبون معهم بخبراء في الفساد وأنواعه وأماكن الفساد، مرشد سياحي، لأي شيء المرشد السياحي؟ لكي يذهب بهم إلى الحانات والخمارات والمراقص وأماكن الدعارة، هذه وظيفة المرشد السياحي.

عن مبارك بن سعيد قال: أردت سفراً فقال لي الأعمش رحمه الله: سل ربك أن يرزقك صحابة صالحين، فإن مجاهداً حدثني فقال: خرجت من واسط فسألت ربي أن يرزقني صحابة –صحبة في الطريق لكي لا أكون وحدي، ولم أشترط، ما قلت في الدعاء: صحابة صالحين، قلت صحابة فقط، فاستويت أنا وهم في السفينة، فإذا هم أصحاب طنابير، أصحاب معازف وآلات موسيقية، والصاحب يعين على الطاعة، ويعين صاحبه حتى على أمور الدنيا ومشاق السفر ومصاعبه.

قال محمد بن مناذر: كنت أمشي مع الخليل بن أحمد فانقطع كسعي، صار النعل لا يصلح للسير، فخلع نعليه هو أيضاً، فقلت: ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفاء، أواسيك في الحفاء، لماذا تمشي لوحدك حافيا؟ أنا أخلع نعلي وأمشي معك أيضاً حتى أواسيك في الحفاء.

والسياحة أيها الإخوة من المفاهيم التي صارت معووجة منحرفة في هذا العصر، معنى السياحة يعني الذهاب لتضييع الأموال وارتكاب المحرمات، هذا في الغالب في الغالب، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود (إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله)[رواه أبو داود:2486]هذه السياحة، الجهاد في سبيل الله، والناس الآن يسافرون لإضاعة وقتهم هدراً، والرسول -صلى الله عليه وسلم- ما كان يخرج لفرجة، ما كان يسافر للفرجة، وقت المسلم ثمين أيها الإخوة، لكن إذا خرج في عمرة أو في حج أو في جهاد، أو في سفر إلى الخارج لعلة شرعية، كالدعوة إلى الله، أو إلقاء المحاضرات الإسلامية، أو تاجر من تجار المسلمين يذهب لدعم إخوانه في أماكن أخرى من العالم، ووجد في الطريق آيات الله في الأرض فإنه يتفكر فيها: وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍالرعد:4 يتفكر فيها، لكن أن يخرج أساساً للفرجة، فهذا لا يليق بالمسلم. يقول ابن القيم رحمه الله في شأنه: "أما الذين يسافرون –ينفقون الأموال- لمجرد الفرجة، فهم كالبهائم الهائمة في الصحاري، تذهب وتتفرج لا هدف لها".

أيها الإخوة. بعضكم يستغرب هذا الكلام، أنا لا أقول: أنه حرام، ولكن أقول: فيه هدر للوقت، تذهب شهر أو شهرين لمجرد الفرجة، لمجرد الاستمتاع هكذا بدون هدف، لماذا لا تضع في حسبانك مثلاً: زيارة قريب في ذلك المكان، طلب علم في ذلك المكان، دعم مسلمين في ذلك المكان، لا بأس أن يغير الإنسان الجو، ولكن لابد أن يكون معتمداً، وعازماً في ذلك السفر أن يقوم بطاعات، أما مجرد الفرجة، وخصوصاً الذين يذهبون إلى أماكن للتفرج يضيعون كثيراً من شعائر الدين وهم يعلمون هذا تماماً.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لأن نحل حلاله، ونحرم حرامه، وأن يرزقنا متابعة نبيه صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطنا. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، لا إله إلا هو رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، النبي الكريم، الذي سافر أسفار التقوى، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى أصحابه والتابعين.

أيها الإخوة. الذهاب للنزهة في بلاد المسلمين، إذا لم يعرض الإنسان نفسه فيه لشيء من المحرمات فهو إن شاء الله سفر مباح، حتى لو كان لتغيير الجو ما لم يتعرض للمحرمات،

 

الذهاب للنزهة في بلاد المسلمين، إذا لم يعرض الإنسان نفسه فيه لشيء من المحرمات فهو إن شاء الله سفر مباح، حتى لو كان لتغيير الجو ما لم يتعرض للمحرمات،

 

ولكن السفر للفرجة في بلاد الكفار ما الخير الذي يرجى من ورائه؟

أحكام السفر
00:27:30

وينبغي أن نكون في أسفارنا ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون لمنع المنكر وعدم وقوعه أو تخفيفه على الأقل ونصح فاعله، نعلم الناس الذين نذهب إليهم، قد تدخل مسجداً من المساجد، أو تلقى رجلاً من الناس، قد تركب معه في الطائرة، لماذا لا تدعوه إلى الله؟ بعض الناس يسافرون إلى أماكن بعضها في بلاد المسلمين لكن فيها بدع.

يقول أحدهم: دخلنا مسجداً من مساجد المسلمين، فوجدنا رجلاً، الإمام في المسجد في ذلك المكان، بعد انتهت الصلاة أتى بالكتاب ليحدث عليهم، ثم أدخلت طفايات السجاير فوزعت على المصلين وعلى الإمام، ثم جلسوا يدخنون، ثم بعد ذلك شرعوا في التحديث.

هناك بدع وضلالات كثيرة جداً منتشرة في أقطار العالم الإسلامي، أفلا يكون من الواجب على أهل التوحيد، على الناس الذين لديهم علم بحسب قدرتهم واستطاعتهم أن ينبهوا الغافل ويعلموا الجاهل، وينصحوا المبتدع.

وكثير منهم يظنون من أولئك أن بعض ما يعملونه من البدع قربة إلى الله، أليس من بعضكم الآن الجالسين في هذا المسجد من سيرجع في هذه العطلة إلى أهله؛ لأنه مقيم هنا في منطقة عمل، أليس لأهله حق في صلة الرحم؟ أليس لأهله المقيمين في ديارهم الأصلية؟ أليس لهم حق في التعليم والنصيحة؟ بعض المقيمين في خارج البلاد، الأهالي في خارج البلاد في جهل كبير، والرجل هنا في هذه البلاد يكون قد تعلم أشياء كثيرة من الدين، أليس من واجب أولئك أن ينقل إليهم هذا العلم؟ وأن ينبههم على تلك الأخطاء، أنتم تعلمون أن كثيراً من الأهالي في بلاد أخرى قد استفادوا من بعض أقربائهم المقيمين في هذه البلاد، الذين رجعوا إليهم بالكتب الطيبة، والأشرطة الطيبة، والعلم الطيب الذي نشروه فيما بينهم، أليس من المفروض أن نكون دعاة إلى الله أينما حللنا وارتحلنا؟

بعض الناس أيها الإخوة يجمعون ما أمامهم وما وراءهم ليسافروا به، ويرجع بعد السفر وقد أفلس، إن لم يرجع مديوناً أيضا، لماذا؟ لماذا يفعلون هذا؟ وبعض العوائل يواعد بعضهم بعضاً في الخارج، في أماكن المحرمات، وبلاد الكفار، وبلاد الفتنة، يذهبون إلى هناك، ويذهب الرجال من طريق والنساء من طريق آخر، والذي يرضى الخبث، يقر الخبث في نفسه فإنه لابد أن يحدث في أهله.

إذا كان السفر سيضيع الأولاد، فلماذا نسافر؟ بعض الرجال يسافرون ويتركون بيوتهم هملاً، لا راعي لها، وليس هناك من يقوم بشؤون أهليهم، تقول الزوجة: زوجي يسافر سفر طيب سفر طاعة إن شاء الله، لكنه يتركني في البيت لوحدي، أخاف أي صوت في الليل، وأنا أسمع عن كثرة السرقات المتعددة، أحياناً لا يكون عندي ماء للشرب، وقد يمرض طفلي الصغير فأضطر في الليل أن أذهب مع سيارة الأجرة لوحدي بهذا الطفل إلى المستشفى؛ لأنه ليس عندي من يأخذه إلى المستشفى.

أيها الإخوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول :(كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت) من يقوت، كفى بالمرء إثماً أن يضيع عياله، وأهله، يقول شيخ الإسلام رحمه الله: "سفر صاحب العيال إن كان السفر يضر بعياله لم يسافر، وسواء كان تضررهم لقلة النفقة، أو لضعفهم، فسفر مثل هذا حرام، وإن كانوا لا يتضررون مادياً، بل يتألمون وتنقص أحوالهم، الولد ليس عنده أب في البيت يعطف عليه، والزوجة ليس عندها أنيس، فإن لم يكن في السفر فائدة جسيمة تربو على ثواب مقامه عندهم -لأن جلوسه عنده فيه ثواب- كعلم يخاف فوته، أو شيخ يتعين الاجتماع به، وإلا فمقامه عندهم أفضل، الناس الآن قد يقول قائل: قلت أسفارهم إلى الخارج، نريد أن نقف عند هذه العبارة. الناس قلت أسفارهم إلى الخارج.

ترك المعصية لأجل الله
00:32:26

صحيح، الناس قلت أسفارهم إلى الخارج، لكن لماذا؟ تأتيك الأسباب بعد ذلك، الأحوال المادية ليست مثل أول، جرائم الاختطاف والسرقات كثيرة أرعبت البعض فهم لا يسافرون.

إذاً لماذا لم يسافروا؟ لماذا تركوا السفر إلى الخارج؟ لم يتركوه لله، وهذا هو لب الموضوع، لم يتركوه لله، لا لأنه يضر بالدين، ولا لأنه يضر بالعرض، ولا لأنه يفتن ويغري ويغوي ومضيعة للأموال التي سيسأل عنها العبد يوم القيامة، لا لله، لكن لأنها تضر به دنيوياً، هل تظن أن امتناع هؤلاء عن السفر إلى الخارج مما يثابون عليه؟ ثم إن الذي يريد الفساد سيحصل له، ولذلك ترى بعض الناس الذين لم يستطيعوا الذهاب إلى بلدان أوروبا للفساد، صاروا يذهبون إلى بلدان شرق آسيا؛ لأن نفقات الحرام أقل، والذين لم يذهبوا إلى تلك البلاد، يذهبون إلى ما هو قريب منهم جداً من البلدان التي تنتشر فيها مواخير الفساد ليقضوا وطرهم المحرم هناك، فالذي يريد الفساد لم يمنعه شيء، وسيفعله وهو في بلده.

ما معنى قيام بعض الناس بمنع بناتهم وزوجاتهم من ارتداء الحجاب الشرعي في الخارج؟

تقول: زوجي يمنعني من ارتداء الحجاب وستر وجهي في الخارج، ويقول: تريدين من الأجانب أن يضحكوا علينا.

أيها الإخوة: من الذي تسبب أن الأجانب يضحكون عليه، أليس هو الذي ذهب إليهم طائعاً مختاراً، حراً؟ أم أن أحداً أجبره وقيده ووثقه ورماه في بلاد الكفار.

يذهب إلى هناك فيقول لزوجته: لا نريد الناس يضحكوا علينا، اكشفي الوجه وإلا نزعته منك بالقوة، وهكذا يفعلون.

والمشكلة أن بعض النساء تضطر إلى السفر مع زوجها، وبناته يضطرون للسفر مع أمهم وأبيهم، تقول الزوجة: أنا لا أضمن زوجي ماذا يفعل في الخارج؟ على الأقل أرافقه، ثم هو بعد ذلك يجلب الأذى على نفسه وعليها، لماذا؟

ولد صغير يقول: أنا راتب أبي ينتهي أول عشرة أيام من الشهر؛ لأنه يسافر السفرات المحرمات، وفي النهاية ليس عندنا مصروف البيت، لا نجد الطعام الكافي، يقول هذا الطفل ببراءة الأطفال: كم مرة قلت لأبي: اشتري لي ألعاب ويعدني ثم لا يشتري لي ألعاب، يقول: ليس عندي مال، ويقول الطفل حزيناً: لماذا ليس عندي ألعاب كبقية الأطفال؟ لأن هذا المجرم الأب المجرم ينفق أمواله في السفرات المحرمة، وأنتم تعلمون وبعضكم يعلم أكثر مني عن أولئك عن بعض العوائل، وبعض الحالات التي توجد فيها مثل هذه النكبات، أطفالنا في محنة من جرائم الآباء في الأسفار المحرمة.

وإنني أظن أيها الإخوة أن بعض المسلمين أو المنتسبين إلى الإسلام يعملون في أهليهم من المنكرات ما لا يعمله اليهود في أهليهم، بل إنني أجزم بهذا من بعض الأحداث التي نسمعها.

واحدة من البنات الصغيرات في السن الفتيات المراهقات في مقتبل عمرها تقول: أبي يذهب بنا إلى الخارج ويجبرنا على نزع الحجاب، ثم يدخل بنا في بلاد الكفار إلى المراقص والملاهي الليلية، ويسلمني إلى أي شاب يريد أن يرقص معي، ويدفعني إلى هذا، ولا يبالي أن يذهب بي ذلك الشاب أينما شاء، ويدفعني دفعاً، ويتفرج عليّ مكتوف اليدين، وهو مبسوط من الحضارة والمستوى الراقي الذي وصلت إليه ابنته؛ لأنها تراقص الفتيان الكفار على أنغام الموسيقى الصاخبة! هل تتصورون أن يهودياً قد يفعل في أهله مثل هذا؟ أولئك الفجرة، لكن واحد عنده بنت مستقيمة، مستقيمة، هذه الجريمة الكبرى يذهب بها ليعمل بها هذا العمل، ماذا نقول أيها الإخوة؟ وبماذا نشتكي؟ وكيف نعلل الأمور؟ ثم نقول بعد ذلك: نعاني من كثرة المشاكل، إن لم يكن منكم جميعاً وقفة صادقة مع أنفسكم، ومع أهليكم، ومع أقربائكم، ومع جيرانكم، ومع أصدقائكم، فلن يتغير شيء في الموضوع.

اللهم إنا نسألك أن ترزقنا الهدى والتقى، والعفاف والغنى في سفرنا وفي حضرنا، واجعلنا ممن يراقبونك ويخشونك آناء الليل والنهار. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

السفر وآدابه 2
00:37:39

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَآل عمران:102. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباًالنساء:1.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً الأحزاب:70-71.

 أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 نريد أن نكمل شيئاً مما يتعلق بالسفر، الذي كنا قد بدأنا الكلام عنه في الخطبة الماضية: هذا الموضوع –موضوع السفر- الذي كثر جداً في هذه الأزمان، لما حصل من التيسير في وسائل المواصلات، التيسير الذي فتح الله به تعالى على الناس في هذه الأزمان، وهي نعمة كبيرة من الله -عز وجل-، فهل يا ترى رعوها حق رعايتها أم أنهم ضيعوها إضاعة كبيرة؟ وهل شكروا الله عز وجل على نعمة تيسير السفر، وعلى أن جعل المشاقَّ فيه قليلة بالنسبة لما كان عليه في الماضي.

الزاد في السفر
00:40:16

والمسافر أيها الإخوة يحتاج في سفره أن يتزود لدنياه وآخرته، فإنه يحتاج للزاد، فإنه يحتاج للزاد المادي من النفقة وغيرها في السفر، كما أنه يحتاج إلى الزاد الديني في سفره، فهل الذين يسافرون في هذه الأيام قد تزودوا بالزاد الديني؟

إنهم يتزودون بأزواد من الدنيا، وقد يصطحبون معهم مبالغ طائلة من الأموال لكي ينفقونها في أسفارهم، في التجول والمشتريات وغيرها، وكثير من هذا التجوال وتلك المشتريات قد لا تكون فيما يرضي الله -عز وجل-، ولكن الزاد الديني ربما ضيّع تضييعاً تاماً عند البعض، فهل يعرف الذين يسافرون مثلاً: أحكام السفر في الصلاة والصيام؟ من قصر الصلاة مثلاً وجمعها، هل يعلمون الأوقات؟ وكيف يحدد اتجاه القبلة؟ وكيف يحددون اتجاه القبلة الذي كان متيسراً لهم في الحضر؟

يحتاج المسافر إلى أنواع من العلم قبل أن يسافر، على الأقل أن يسأل عنها أهل العلم، فيما يتوقع أنه سيتعرض له من الإشكالات.

 

يحتاج المسافر إلى أنواع من العلم قبل أن يسافر، على الأقل أن يسأل عنها أهل العلم، فيما يتوقع أنه سيتعرض له من الإشكالات.

 

هل يستخير المسافر ربه قبل سفره؟ كما كان -صلى الله عليه وسلم- يعلم الأمة أن تستخير في الأمور كلها؟ هل يسأل ربه إن كان هذا السفر خيراً أن ييسره له وإن كان شراً أن يصرفه عنه؟ أم أنه يضع في نيته أنه سيسافر بكل حال.

وكان رسولكم -صلى الله عليه وسلم- يستحب أن يسافر يوم الخميس، وكان يستحب أن يخرج مبكراً، ويقول: (بورك لأمتي في بكورها) [رواه الطبراني: 754]، ولكن قد يضطر المسافر أن يخرج في غير هذا الوقت، وهذا لا حرج فيه إن شاء الله، وبعض الذين يسافرون يقعون من جهة تحديد الوقت في أنواع من الشرك، فقد يتشاءمون بحالة من الحالات، فيرجعون عن السفر بعد أن شرعوا فيه: (من ردته الطيرة فقد قارف الشرك)[رواه الطبراني:38]. وبعضهم يفزع إلى صفحات المجلات التي توجد فيها الأبراج –أبراج الحظ- لينظر ما هي أيام السعد؟ وما هي أيام الشؤم؟ وما هي الأيام التي قال الفلكي أن السفر فيها مستحسن فيعمد إلى تطبيق ذلك.

وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما أراد أن يسافر لقتال الخوارج عرض له منجم فقال: "يا أمير المؤمنين! لا تسافر فإن القمر في العقرب، فإنك إن سافرت والقمر في العقرب هزم أصحابك". فقال علي -رضي الله عنه-: "بل أسافر ثقة بالله، وتوكلاً على الله، وتكذيباً لك"، فسافر، فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامة الخوارج، وكان ذلك من أعظم ما سُرّ به -رضي الله عنه.

هل يعمد المسافرون اليوم إلى انتقاء الأصحاب الذين يسافرون معهم ممن يعينوهم على أمور الدين؟ فيذكره إذا نسي، ويعينه إذا ذكر، أليس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن الوحدة؟ أليس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد نهى أن يسافر الرجل لوحده؟

أذكار السفر ومعانيها
00:45:00

وتأمل في الأذكار التي كان عليه الصلاة والسلام يقولها في سفره، لتعلم أن في ثنايا هذه الأذكار، وفيما تتضمنه إشارات إلى نوعية السفر، وما الذي ينبغي أن يفعله المسافر أثناء سفره؟

كان -صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يستودع الجيش قال: «أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم»، ومرة ودّع صحابياً فقال: (أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك)، والله عز وجل إذا استودع شيئاً حفظه، فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يوسف:64، إذا استودع شيئاً حفظه. (أستودع الله دينك) الدين أهم شيء. (أستودع الله دينك) أجعل دينك وديعة عند الله يحفظه لك من التعرض للنقصان، أو التعرض لمعاصي الله عز وجل. (وأمانتك) من الأهل، والأموال، الذين خلفهم المسافر وراءه، وتأمل في قوله: (أستودع دينك) عند السفر، وذلك؛ لأنه عهد أن المسافرين في كثير من الأحيان يتعرض دينهم لنقصان عند السفر، ولذلك كان استيداع الدين، استيداع الله عز وجل للدين، استيداع الدين عند الله، كان تنبيهاً للمسافر، يافلان، يا أيها المسافر، يا عبد الله لا تنقص دينك عند السفر.

(أستودع الله دينك وأمانتك) أجعل أهلك ومالك وديعة عند الله، يحفظهم لك، حتى إذا رجعت من سفرك وجدتهم بخير حال، كما فارقتهم أو أحسن.

وقال مجاهد: خرجت إلى العراق أنا ورجل معي، فشيعنا عبد الله بن عمر، فلما أراد أن يفارقنا قال: "إنه ليس معي ما أعطيكما، ولكن سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا استودع الله شيئاً حفظه)، وإني أستودع الله دينكما وأمانتكما وخواتيم عملكما".

وورد أنه -عليه الصلاة والسلام- كان إذا ودع يقول: (أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه) [رواه ابن ماجه:2825]أجعلك عند الله وديعة، هو الذي لا تضيع ودائعه سبحانه وتعالى، والبشر إذا استودعوا شيئاً ربما حفظوه وربما ضيعوه، والله عز وجل إذا استودع شيئاً فإنه يحفظه سبحانه وتعالى، وهاتين الصيغتين كلٌ منهما سنة عند توديع المسافر أن تقال له، وإذا أراد أن يسافر يأتي إخوانه فيسلم عليهم، وإذا رجع من السفر أتاه إخوانه فسلموا عليه وحمدوا الله له بسلامة وصوله.

وتأمل ماذا يقول المسافر إذا خرج من بيته، وهذا الدعاء عام للجميع ويدخل فيه المسافر: (بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي)[رواه أحمد:5650]، أليست هذه الأدعية داعية للمسافر أن لا ينقص الدين أثناء سفره؟

وعن علي بن ربيعة قال: "شهدت علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: "بسم الله"، عندما تضع الرجل على الدابة تقول: بسم الله، وإذا استوت الدابة تحته، فلما استوى على ظهرها قال: "الحمد لله، الحمد لله" ثلاث مرات، الله أكبر ثلاث مرات".

هذا الذكر لله عند الاستواء على الطائرة أو السيارة، أو دابة السفر أياً كانت، تذكير لهذا الشخص، تذكير له بربه عز وجل، سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ثم ضحك، فقيل: يا أمير المؤمنين من أي شيء ضحكت؟ قال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل كما فعلت ثم ضحك. فقلت: يا رسول الله من أي شيء ضحكت؟ قال: (إن ربك سبحانه يعجب من عبده إذا قال: اغفر لي ذنوبي، وهو يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري)[رواه أبو داود:2602]، يعلم أنه لا يغفر الذنوب غيري، توحيد الله بطلب مغفرة الذنوب منه -عز وجل-، وتأمل في طلب مغفرة الذنوب، طلب المغفرة من الله -عز وجل- عما يمكن أن يقع فيه هذا المسافر من الزلل، وتأمل في دعاء الركوب: (سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين) ما كنا مطيقين لهذه الدابة وهذا المركوب لولا أن الله سخره لنا، وهو عز وجل يخلق ما لا تعلمون، فكما أنه خلق الجمل فقد خلق لنا السيارة والطائرة ونحوها: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ الصافات:96.

وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَالزخرف:13ما كنا لهذه الوسيلة وسيلة السفر مطيقين لها، لولا أن الله سخرها لنا.

وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَالزخرف:14تذكير للنفس أنها ستعود إلى الله، أنها ستموت، وتعود وترجع إلى ربها، إذاً هل سيقدم على المعاصي أثناء سفره؟ إذا كانت تذكرته لنفسه حقيقية؟

(اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى) عندما يقول هذا الدعاء، هل سيقدم ويقارف المعاصي أثناء السفر وإذا وصل إلى المكان الذي يريده، وهو يسأل ربه ويقول:(نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده)[رواه مسلم: 1342].

إذاً اللجوء إلى الله عز وجل؛ لأن السفر فيه مشاق، حتى لو كان في الطائرة، قد تأتي لحظات على الإنسان من الأعطال في الطائرة، أو سوء الأحوال الجوية ما تشعر معه فعلاً بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (السفر قطعة من عذاب) ما تشعر معه فعلاً أن السفر قطعة من عذاب.

(اللهم أنت الصاحب في السفر)أنت تصاحبني في سفري، أنت معي في سفري، (والخليفة في الأهل) وأنا استخلفتك على أهلي، جعلتهم وديعة عندك، (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر) شدته ومشقته، (وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد) فيستعيذ بالله أن يرجع إلى أهله فيجدهم بحال سيئة، فهو إذاً يدعو الله أن يحفظ أهله، وأن يكون الله معهم، يشفي سقيمهم، ويلمّ شعثهم، ويحفظ عليهم دينهم وأمانتهم.

(والخليفة في الأهل) أي هو المعتمد عليه عز وجل، والمفوّض إليه الأمر غيبة وحضورا في الغيبة والحضور الأمر مفوّض إلى الله عز وجل.

وإذا رجع عليه السلام من السفر زاد إلى ذلك: (تائبون، عابدون، لربنا حامدون)، (تائبون) مما وقع منا، (عابدون لربنا حامدون) على أن أرجعنا وهكذا، فإذاً هذه الأذكار، مجموعة هذه الأذكار التي تقال في السفر لأي شيء شرعت؟  أليس من الحكم أن تذكر المسافر بالله عز وجل؟ أليست تذكره ألا يعصي ربه سبحانه وتعالى، (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور أو بعد الكون)[رواه النسائي:5498] كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من أدعية السفر، أعوذ بك من النقصان بعد الزيادة، أو من الزوال والنقصان بعد الثبات والاستقرار.

من أدعيته -صلى الله عليه وسلم-، وكان يقول في سفره إذا أسحر في وقت السحر: (سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذاً بالله من النار)[رواه مسلم:2718]، أي: ليسمع السامع ويشهد الشاهد بنعمة الله علينا، ثم يدعو يقول: ربنا صاحبنا كن معنا، واحفظنا، وأفضل علينا، وأتم علينا النعمة والفضل. أقول هذا، يقول المسافر، معنى الكلام أقول هذا وأنا مستعيذ بالله من النار.

فإذاً كل هذه الأشياء يدعو بها الإنسان ليحفظ نفسه، لو أن الناس اليوم عقلوا هذا، فهل سيذهبوا إلى الخارج مثلاً ليفسقوا ويجرموا ويذنبوا، ويرتكبوا الكبائر في حق الله عز وجل؟

الإمارة في السفر
00:56:36

وتأمل ما فائدة التأمير؟ وهو واجب كما يفيده ظاهر النص، كما قال ذلك ورجحه بعض أهل العلم، (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) [رواه أبو داود:2609 ]ليحفظ عليهم أم

1 - أخرجه البيهقي رقم: 3838.
2 - الترمذي:2647.
3 - الترمذي:2147.
4 - رواه أبو داود:2486.
5 - رواه الطبراني: 754.
6 - رواه الطبراني:38.
7 - رواه ابن ماجه:2825.
8 - رواه أحمد:5650.
9 - رواه أبو داود:2602.
10 - رواه مسلم: 1342.
11 - رواه النسائي:5498.
12 - رواه مسلم:2718.
13 - رواه أبو داود:2609 .