الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

27- الحشر


عناصر المادة
حقيقة الحشر:
حشر البهائم:
كيفية الحشر:
السير إلى المحشر:
أرض المحشر:
أين يكون الناس حين تبدل الأرض؟
من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم الحاشر:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فها نحن الآن مع مشهد آخر من مشاهد يوم القيامة وهو الحشر، حشر الناس من قبورهم إلى أرض القيامة حيث العرض على رب العالمين، وما يكون في أرض المحشر من الأحوال والأهوال.
حقيقة الحشر:
00:00:29
 أما الحشر في اللغة: فهو إخراج الجماعة عن مقرهم، وإزعاجهم عنه إلى الحرب وغيرها [الفروق اللغوية للعسكري: 1/189]، والذي يحشر جميع الناس يوم القيامة، قال تعالى:  وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا  [الكهف: 47]، إذاً: الحشر للجميع لا يتخلف واحد، وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا  [الكهف: 47]، لم نترك منهم أحداً.
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "ويحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض فلا يغادر منهم أحداً، بل يجمع الأولين والآخرين من بطون الفلوات وقعور البحار، يجمعهم بعد ما تفرقوا، ويعيدهم بعد ما تمزقوا خلقاً جديداً، فيعرضون عليه صفاً ليستعرضهم، وينظر في أعمالهم، ويحكم فيهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم" [تيسير السعدي: 1/479].
ولأجل ذلك كان هذا اليوم يوم الحشر الذي يجمع الله له الناس فلا يغيب منهم أحد، ويشهده الخلائق جميعاً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: 103]، تفرق الناس في قبورهم، وأكلتهم الأرض، وصاروا رمماً بالية، وتراكم اللاحق على أشلاء السابق، ودفن في بعض المقابر عدد من الناس، وربما كانت أطباق التراب تحوي فيها جثثاً متعددة، فهذا بلي منذ زمن بعيد، وهذا بعده، وهذا بعده، وهكذا ربما تكون هذه التربة في الأرض من بقايا أجساد ناس قد سبقوا وأنت تمشي عليها، ولا تشعر أن بعضها تراب من تلك الأجساد التي بليت، وهنالك من أكلته السباع أو تخطفته الطير، أو التهمته أسماك البحار، وقد تفرق في بطونها فيجمعهم الله -عز وجل-، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا  [مريم: 95].
ولن تضيع الأرض مما أكلت في بطنها شيئاً، ولن يخفى في قاع البحار والمحيطات ممن غرق أحد، ولن يغيب عن قدرة الله ما أكل السبع في بطنه، أو ذرته الريح في واد، قال عز وجل:  عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ  [الشورى: 29]، وقال:  أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  [البقرة: 148].
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  قال رجل لم يعمل حسنة قط: لأهله إذا مت فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لأن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحد من العالمين ، ظن الرجل هذا بجهله مع خوفه من الله أنه إذا فُعل به هذا الفعل ينجوا من الحشر والجمع والحساب،  فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البر فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، قام بين يدي الله، قال: لمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له  [رواه البخاري: 7506، ومسلم: 2756].
وقد حدثنا ربنا -سبحانه- في كتابه العزيز عن ذلك النبي كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ، ثم تساءل كيف يبعث الله أهلها؟  قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  وأراه عياناً كيف أحيا الحمار، قال عز وجل:  وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 259]، وكذلك أرى إبراهيم الخليل كيف يعيد الحياة إلى الطير وقد ذُبحت وفرقت وصارت أبعاضاً وأجزاء على كل رأس جبل أجزاء منها، فدعاها فجاءت بأمر الله، فاجتمع رجل هذا الطائر إلى رأسه إلى يده إلى بقية جسده، وجاء يطير إلى إبراهيم، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [البقرة: 260]، إن في ذلك لآية، والذي أحيا هذا قادر على إحياء هؤلاء مرة أخرى وعلى بعثهم، ألم يخلقهم أول مرة دون معين ولا ظهير؟ فكيف يعجز عن إحياءهم بعد مماتهم؟  وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  [يس: 83].
كيف يشق عليه أن يجمعهم وهو أنشأهم من العدم، وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  [الروم: 27]، الإعادة أهون من الإنشاء، فهذا تقريب لأفهام السامعين، ومن صنع صنعة أول مرة كانت أسهل عليه ثاني مرة، ولكن الأمور عند الله متساوية، الخلق والبعث كل شيء على الله يسير، قال عز وجل:  يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ  [ق: 44].
هذا عمل على الله يسير وسهل، وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ  [الحجر: 25]، فيحشر المتقدمين ويحشر المتأخرين.
حشر البهائم:
00:07:29
 حتى البهائم التي لا تصلى ناراً، ولا تنعم بجنة وليست مكلفة يحشرها الله، قال تعالى:  وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام: 38]، هذه الطيور والبهائم والسباع، قال:  وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ  [الشورى: 29]، وقال:  وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ  [التكوير: 5].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما البهائم فجميعها يحشرها الله سبحانه كما دل عليه الكتاب والسنة". [مجموع الفتاوى: 4/248].
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء  [رواه مسلم: 2582]، وفي المسند:  حتى يتقص للشاة الجماء من الشاة القرناء تنطحها [رواه أحمد: 7203].
وفي مسند أحمد أيضاً عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى شاتين تنتطحان قال:  يا أبا ذر! هل تدري فيما تنتطحان؟  قال: لا، قال:  لكن الله يدري وسيقضي بينهما ، وقال محققو المسند إسناده حسن [أحمد: 21476، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 1588].
قال النووي رحمه الله: "هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة، وإعادتها كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين، ومن لم تبلغه الدعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة"، قال: "وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجراءه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره"، قال العلماء: "وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب". [شرح مسلم: 8/136].
فإذاً البهائم تُحشر وتعود وليس عليها حساب ولا جزاء لكن القصاص يقع بينها، هذا عدل الله في خلقه، القصاص من القرناء للجلحاء فالتي ليس لها قرون تقتص من التي نطحتها وكانت لها قرون، وهذا ليس من قصاص التكليف لكن من قصاص المقابلة، والجلحاء هي الجماء التي لا قرن لها.
قال أبو هريرة: "يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والطير والدواب، وكل شيء فيبلغ من عدل الله أن يأخذ للجماء من القرناء" -ماذا سيحدث بعد القصاص للبهائم؟- "ثم يقال كوني تراباً فتكون تراباً فيتمنى الكافر حينئذ أنه يتحول إلى تراب ويكون مثل البهائم" [تفسير البحر المحيط: 4/126].
قال القرطبي رحمه الله: "وإذا تقرر هذا فيجب على كل مسلم البدار إلى محاسبة نفسه، كما قال عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا. وإنما حسابه لنفسه أن يتوب عن كل معصية قبل الموت توبة نصوحاً، ويتدارك ما فرط من تقصير في فرائض الله عز وجل، ويرد المظالم إلى أهلها حبة حبة، ويستحل كل من تعرض له بلسانه ويده وسطوته، ويطيب قلوبهم حتى يموت، ولم يبق عليه فريضة ولا مظلمة، فهذا يدخل الجنة بغير حساب، فإن مات قبل رد المظالم -واحد ظلم الناس ومات- أحاط به خصماؤه يوم القيامة، فهذا يأخذ بيده، وهذا يأخذ على ناصيته، وهذا يتعلق بلبته، وهذا يقول: ظلمتني، وهذا يقول: شتمتني، وهذا يقول: استهزأت بي، وهذا يقول: ذكرتني في الغيبة بما يسوءني، وهذا يقول: جاورتني فأسأت جواري، وهذا يقول: عاملتني فغششتني، وهذا يقول: بايعتني وأخفيت عني عيب متاعك، وهذا يقول: كذبت في سعرك، وهذا يقول: رأيتني محتاجاً وكنت غنياً فما أطعمتني، وهذا يقول: وجدتني مظلوماً وكنت قادراً على دفع الظلم عني فداهنت الظالم وما راعيتني.
فبينما أنت كذلك وقد أنشب الخصماء فيك مخاليبهم، وأحكموا في تلابيبك أيديهم، وأنت مبهوت متحير من كثرتهم، وقد ضعفت عن مقاومتهم، ومددت عنق الرجاء إلى سيدك ومولاك لعله يخلصك من أيديهم إذا قرع سمعك نداء الجبار: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ  [غافر: 17].
فعند ذلك ينخلع قلبك من الهيبة، وتوقن نفسك بالبوار، وتتذكر ما أنذرك الله به على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فما أشد فرحك اليوم بتمضمضك بأعراض الناس وتناولك أموالهم، وما أشد حسرتك في ذلك اليوم إذا وقف بك على بساط العدل، وشوفهت بخطاب السيئات وأنت مفلس فقير عاجز مهين، لا تقدر على أن ترد حقاً أو تظهر عذراً، فعند ذلك تؤخذ حسناتك التي تعبت في جمعها، وتنقل إلى خصومك عوضاً عن حقوقهم. [التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص: 645- 647].
كان الربيع بن خثيم رحمه الله إذا كان الليل ووجد غفلة من الناس خرج إلى المقابر فقال: "يا أهل المقابر! كنا وكنتم فإذا أصبح فكأنه نُشر من القبر" [صفة الصفوة: 2/213].
وقال جعفر بن سليمان: "سمعت مالك بن دينار يقول: وددت أن الله يجمع الخلائق فيأذن لي أن أسجد بين يديه فأعرف أنه قد رضي عني فيقول لي: كن تراباً"، يعني: يقول يكفيني هذا، وددت أن يقال لي يوم القيامة كنت تراباً. [سير أعلام النبلاء: 5/364].
كيفية الحشر:
00:13:53
 الحشر والبعث، كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ  [الأنبياء: 104]، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   تحشرون حفاة عراة غرلاً ، قالت عائشة: قلت: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال:  الأمر أشد من أن يهمهم ذلك [رواه البخاري: 6527، ومسلم: 2859]، فهنالك أهوال ستلهيهم عن قضية النظر إلى العورات.
وفي رواية البخاري [4463]، ومسلم [2860]: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ:  يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ  [الأنبياء: 104].
الطفل إذا خرج من بطن أمه على ما بدأه الله عارياً حافياً أغرل -ذا قلفة لم يختن-، قطعة اللحم هذه المستديرة التي تغطي الحشفة، أغراً ذاهلاً عن كل ما حوله من دنيا الناس، هذا الطفل إذا خرج من بطن أمه لا يفكر في عورة نفسه، ولا يفكر أحد في النظر في عورته، شأن القيامة وأهوال القيامة وفزع الناس أشد من ذلك؛ لأنها تذهل عن كل شيء  يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ  [الحج: 2].
فذهل كل إنسان عن أهله وخاصته، بل ذهل حتى عن ستر عورته، لو كان له ستر يومها، لقد انشغل كل إنسان بشأنه، يفكر كيف النجاة، أرأيت زحام الحج والجمرات، وإذا صار هناك زحام شديد وأحس الإنسان بالهلاك أحياناً يذهل عن إحرامه إذا سقط، أنت تتصور الآن في الدنيا كيف الإنسان يذهل عن عورته إذا انكشفت، بكربة في زحام شديد فكيف بكربات ذلك اليوم، الذي يذهل عن عورته، ويذهل عن عورات الآخرين.
روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تحشرون حفاة عراة غرلاً ، فقالت امرأة: أيبصر بعضنا عورة بعض، -كان الصحابة عندهم حرص شديد على ستر العورات، ويخافون من انكشافها- فقال:  يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، [رواه الترمذي: 3332، وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب: 3579]، تحشرون تبعثون الخطاب موجه للصحابة، ولكنه عام لجميع الناس، يحشر الناس ، كما في رواية في صحيح مسلم،  حفاة ، جمع حافي وهو الذي لا نعل له ولا خف،  عراة ، جمع عاري وهو من لا ستر له،  غرلاً ، الأغرل الأقلف الذي بقيت الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر رجعت مرة أخرى.
قال ابن عبد البر: "يحشر الآدمي عارياً، ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد، فمن قطع منه شيء يرد حتى الأقلف" [فتح الباري: 6/162].
وهذا على أن الناس يخرجون من قبورهم عراة ويحشرون هكذا إلى الموقع، لكن ثبت في سنن أبي داود رحمه الله من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:   إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها ، [رواه أبو داود: 3116، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1671]، فظاهر حديث أبي سعيد هذا أن الميت يبعث في الثياب التي ختم عمره بها، والميت هذا عام فذهب راوي الحديث أبو سعيد إلى هذا العموم كما هو واضح من قصته، وممن حمله على العموم أيضاً معاذ بن جبل رضي الله عنه كما أخرج ابن أبي الدنيا بإسناد قال عنه ابن حجر: "حسن" [فتح الباري: 11/383].
عن عمرو بن الأسود قال: "دفنا أم معاذ بن جبل فأمر بها فكفنت في ثياب جدد وقال: أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يحشرون فيها" [الأهوال لأبي الدنيا: 216].
فكيف نوفق بين الأحاديث؟ فذهب بعض أهل العلم إلا أن البعث غير الحشر، وقالوا: العُري يكون في الحشر، والثياب تكون على الناس عند البعث، والقيام من قبورهم، فقالوا: يبعثون في ثيابهم ويحشرون عراة، فإذاً يعيد الله الثياب التي كانوا عليها؛ لأن الثياب هذه تبلى التي كانت على الجسد، فيعيدها الله ويبعثون بها، ثم تطير عنهم، ويبقون عراة فيحشرون، هذا وجه من وجوه التوفيق بين النصوص، لكن يشكل عليه أنه في أثر معاذ: "فإنهم يحشرون فيها".
وقيل: إن العموم في حديث أبي سعيد غير مراد، قال ابن حجر رحمه الله: "ويجمع بينهما بأن بعضهم يحشر عارياً وبعضهم كاسياً -هذه طريقة أخرى للجمع- أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء، فأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم في ابتداء الحشر" -فهم يخرجون في ثيابهم ثم تسقط تتناثر- "فيصيرون عراة في أول الحشر، فيحشرون عراة ثم يكون أول من يكسى إبراهيم -عليه السلام- وبعده من شاء الله من الخلائق"، فهذا طريقة أيضاً للجمع.
"وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم الذين أمر أن يزملوا في ثيابهم ويدفنوا فيها، فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم"، إذاً هناك من قال من العلماء إن الذين يحشرون في ثيابهم ناس مخصوصين وهم الشهداء، ويمكن مثلاً أن يكون من مات محرماً في ثيابه أيضاً يبعث فيها ويحشر فيها والباقي عراة، فيكون الاستثناء للشهداء، ومن شاء الله.
"وحمله بعض أهل العلم أيضاً على العمل، قالوا: المقصود بالثياب التي يحشرون فيها العمل، وأن هذا قد ورد في كتاب الله: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ  [الأعراف: 26]، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: 4]، على أحد الأقوال، كما قال قتادة: هو عملك فأخلصه، وحديث جابر مرفوعاً:  يُبعث كل عبد على ما مات عليه  [أخرجه مسلم: 2878]، فمن مات على مرتبة من هذه المراتب بُعث عليها يوم القيامة، فيحمل ما دل عليه حديث أبي سعيد على الشهداء؛ لأنهم يدفنون في ثيابهم فيبعثون فيها تمييزاً لهم عن غيرهم، وقد نقله ابن عبد البر عن أكثر العلماء" [فتح الباري: 6/160].
وتأويل الثياب بالعمل هنا له وجه في لغة العرب:
لكل دهر قد لبست ثوباً *** حتى اكتسب الرأس قناعاً أشيبا
ويدخل في ذلك أن يحشر الشهداء في ثيابهم؛ لأنها ثياب طاعة عليها أثر الطاعة، وقد أخذ نُعيم بن حماد رحمه الله هذا ففي فتنة خلق القرآن لما أخذوه وألقي في السجن في سامراء، فلم يزل محبوساً فيه حتى مات، فجُر بأقياده وألقي في الحفرة، ولم يكفن ولم يصلى عليه، وكان رحمه الله قد أوصى أن يدفن في قيوده، وقال: "إني مخاصم" [سير أعلام النبلاء: 10/610].
إذا مت ادفنوني بقيودي، هذه وصيتي، أنا أخاصم بهذه القيود يوم القيامة، يقال: فيما سجنت؟ أقول: في الثبات على أن كلام الله منزل غير مخلوق، فيما آذوك وسجنوك؟ أقول: على هذا، فإذاً الذي مات وعليه أثر طاعة كالشهداء بدمائهم يحشرون بها، ويظهر منها رائحة المسك، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فتكون فخراً لهم يوم القيامة.
وقد جاء في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال: لها في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: يوم الاثنين، قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل" -أرجو أن أموت الآن في يوم الاثنين في اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وكانت عائشة قد دخلت عليه وهو مريض في آخر عمره "فنظر إلى ثوب كان يمرض فيه به ردع من زعفران" -أثر من زعفران- "فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين حتى تصبح ثلاثة، فكفنوني فيها، فقلت: إن هذا خلق" -هذا الثوب قديم بالي- "فقال رضي الله عنه: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة" هذا فقط يعني للمهلة التي تكون من الموت إلى البعث، "فلم يتوفى حتى أمس من ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح". [رواه البخاري: 1387]، ردع: لطخ من زعفران زيدوا عليه ثوبين جديدين.
في رواية، "قالوا: ألا نجعلها جُدداً كلها؟ قال: لا" [رواه أحمد: 24232] ، -فظاهره أنا أبا بكر رضي الله عنه ما كان يرضى بمغالاة الأكفان- "ويقول: إنما هو للمهلة".
وقد جاء عند أبي داود من حديث علي مرفوعاً:  لا تغالوا في الكفن فإنه يُسلب سريعاً  [رواه أبو داود: 3156، وضعفه الألباني ضعيف الجامع الصغير:6247]، وإنما هو الكفن يصير للتراب والصديد، ولا ينتفع به الميت فيقول: لماذا تأتوا بجديد بدلاً من هذا؟ هذا المتيسر، هذا الموجود ضعوه، زيدوا عليه بالسنة حتى تصبح ثلاثة ثياب.
سنعيد حديث أبي بكر رضي الله عنه، فقد ورد في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال: في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم؟
قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قالت: يوم الاثنين، قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الاثنين، قال: أرجو فيما بيني وبين الليل".
فإذاً رجا أن يموت قبل أن تدخل ليلة الثلاثاء ليموت يوم الاثنين في ذات اليوم الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم، "وكان أبو بكر رضي الله عنه مريضاً لما دخلت عليه عائشة فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع، -يعني: لطخ- من زعفران، فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين".
في رواية "جديدين، فكفنوني فيها" [رواه أحمد: 24186] -لتصبح ثلاثة كما هي السنة- "قلت: إن هذا خلق"، وفي رواية: "ألا نجعلها جدداً كلها؟ قال: لا، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت".
وهذا يوافق أثر:  لا تغالوا في الكفن فإنه يُسلب سريعاً ، وقال: "إنما هو للمهلة، فلم يتوفى حتى أمس من ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح"، وقوله: للمهلة.
وفي رواية لابن سعد: "إنما هو للمُهلي والتراب" المراد بها هنا الصديد، ويؤيد هذا قول القاسم بن محمد بن أبي بكر: "كفن أبو بكر في ريفة بيضاء وريفة ممصرة، وقال: إنما هو لما يخرج من أنفه وفيه"، وماذا يخرج من الأنف والفم؟ القيح والصديد والدود، ذهب عن الناس كل ملك يملكونه في الدنيا حتى اللباس الذي يلبسونه، والنعال الذي ينتعلونه، ولم يبق مجال لمنازع ينازع الله في ملكه وفي سلطانة؛ لأنهم يأتون حفاة عراة لا يملكون شيئاً، يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [غافر: 16].
"كان مالك بن دينار شرطياً من شُرط بني العباس، وكان فاسقاً يشرب الخمر صاداً ناداً عن الله عز وجل، فتزوج امرأة وأحبها حباً عظيماً ولم يترك الخمر، يشربها في الصباح والمساء، ورزق منها بطفلة جميلة ملكت عليه قلبه، فكان لا يأتي إلى بيته إلا يداعبها ويمازحها، ويؤتى بالخمر فيشربها، فإذا رأته واعتنقها أسقطت الخمر من يده" -كأنها تقول: يا أبتي اتق الله، فرجع يوماً ليداعبها فسقطت ميتة، فحزن حزناً عظيماً، فلما كانت تلك وشرب الخمر حتى الثمالة نام، فرأى في المنام كأن القيامة قد قامت، وأن الناس قد خرجوا من القبور حفاة عراة غرا بهماً، يدوخون في عرصات القيامة، وإذا بثعبان عظيم فاغراً فمه يقصده من بين الخلق، ويريد أن يبتلعه، وهو يهرب منه ويطارده، ويهرب منه ويطارده، فإذا بشيخ حسن السمت وقور فتقدمت إليه فقلت: بالله عليك أنقذني، قال: لا أستطيع، ولكن اذهب إلى من ينقذك، فبقي الثعبان يطارده، قال: حتى وقفت على شفير جهنم فبقي من ورائي وجهنم من أمامي، فقلت: أرمي بنفسي في جهنم وإذا بهاتف يهتف أرجع ليست من أهلها، فرجعت في عرصات القيامة، وهو ورائي يطاردني ورجعت إلى الشيخ الوقور، فسألته: أسألك بالله أن أنقذني أو دلني، قال: أما إنقاذك فلا، ولكن أدلك على ذلك القصر لعل لك فيه وديعة، فانطلقت إلى القصر والثعبان يطاردني فإذا به من زبرجد وياقوت مكلل باللؤلؤ والجوهر وإذا بالستر ينادي بفتحها، افتحوا السُتر، ففتحت السُتر عن أطفال مثل فلق القمر، وإذا بكل واحدة وواحد ينظر إلى هذا المنظر المهول، وإذا بابنتي من بينهن تقول: أبتاه، ثم رمت بنفسها بيني وبين الثعبان، تقول للثعبان بيمناها هكذا فينصرف، فتضرب على لحيتي ثم تضرب على صدري، ثم تقول: يا أبتاه  أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ  [الحديد: 16]، فقلت: بلى قد آن، ثم قلت: ما ذاك الثعبان؟ قلت: ذلك عملك السيء كاد يرديك في جهنم، قلت: وما ذلك الشيخ الوقور؟ قالت: ذلك عملك الحسن ضعفته حتى ما استطاع أن يقاوم عملك السيء، ثم ضربت في صدري ثانية، وقالت: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد: 16]، ففزعت من نومي ثم توضأت ثم انطلقت إلى المسجد في صلاة الفجر فإذا بالإمام يقرأ:  أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ  [الحديد:16]، فقلت: والله ما كأنه يعني إلا إياي، ثم سلك، صار من العباد الزهاد تاب إلى الله عز وجل" [الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح، لابن الجوزي، ص: 44]، و [التوابين لابن قدامة، ص: 125]، فقد يرى النائم في منامه من مشاهد القيامة ما يجعله يتوب، تذكير، يوم القيامة بالحسنات والسيئات.
روى أحمد رحمه الله أن جابر بن عبد الله قال: "بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاشتريت بعيراً، ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أُنيس، فقلت للبواب: قل له جابر على الباب، قال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم، فخرج يطأ ثوبه" -من العجلة والسرعة إخوان في الله متحابين، أول ما سمع أن أخاه جاء مستعجل هرول يهرول إليه- "فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخيشت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  يُحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً بهماً ، قلنا: وما بهماً؟ قال:  ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعُد كما يسمعه من قرُب، أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وله عند أحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة ، قال: قلنا كيف وإنما نأتي الله عز وجل عراة غرلاً بهماً؟ قال:  بالحسنات والسيئات  [رواه أحمد: 16042، والبخاري في الأدب المفرد:970، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد: 570].
قال ابن أبي جمرة رحمه الله: "فيه إشارة إلى أن الخروج إلى الدارين أولاً الفاضل والفضول في ذلك الوقت على حد سواء، وبعد ذلك يكون الترفيع بالفضل بحسب ما شاء الحكيم، فخروجنا إلى هذه الدار عراة حفاة غرلاً وفي تلك كذلك".
يعني: نحن نخرج كيف نخرج من بطون أمهاتنا في الدنيا ؟  حفاة عراة غرلاً ، وكذلك سيكون الخروج إلى تلك الدار حفاة عراة غرلاً  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء: 104]، وهذا فيه عظيم قدرة الله على خلقه، وفيه تخويف للناس وإرهاب من يوم القيامة، ليكون ذلك سبباً للاستعدادهم إليه، وفيه أن معاينة الأهوال العظام تنقل الطباع عن عادتها المألوفة، فعادة البشر أن يلتفت الرجل إلى عورة المرأة، شهوة غريزة إذا كانت بادية أمامه، يوم القيامة لا يلتفت، هذا الطبع يتغير ينشغل بالأهوال والخوف الحقيقي يذهب بخداع النفس وينقل الطباع عن ما فيها، ولذلك فإن القلب إذا خلى من خوف الله خرب.
من هو أول من يكسى يوم القيامة؟
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  تحشرون حفاة عراة غرلاً ، ثم قرأ:  كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ  [الأنبياء: 104]،  فأول من يكسى إبراهيم .
وقوله: وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم الخليل  [رواه البخاري: 4463، ومسلم: 2860].
قيل: من الأسباب في ذلك أن إبراهيم أُلقي في النار يوم أُلقي عرياناً ليحترق فكوفأ بهذا، وقيل: أنه أول من لبس السراويل لأنه كان حريصاً على ستر عورته في الدنيا، ويحذر إن لا ينكشف منها، واحتاط بلبس السراويل تحت الثياب فكوفئ بهذا، وقيل: أنه كان في زمنه أخوف خلق الله لله، فعُجلت له الكسوة أماناً له ليطمئن قلبه، على أي حالة -سبق أن قدمنا- أنه لا يلزم إذا كانت هناك ميزة لنبي ليست للنبي الآخر أن يكون أفضل من الآخر، فقد يكون النبي الآخر أفضل منه، ولكن للمفضول ميزة ليست للفاضل، ولكن الفاضل له ميزات بمجموعها يكون أفضل ممن هو دونه، فنبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من إبراهيم عليه السلام بلا شك، ومع ذلك فإن لإبراهيم ميزة أنه أول الخلائق يكسى، ثم محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن لموسى عليه السلام ميزة في قضية الصعق كما مر معنا، وقد جاء عن علي رضي الله عنه: "أول من يكسى يوم القيامة خليل الله عليه السلام قبطيتين، ثم يكسى محمد صلى الله عليه وسلم حلة حِبرة عن يمين العرش" [مسند أبي يعلى: 566، وصححه الألباني في مختصر العلو: 1/75]، وأورده البيهقي في: [الأسماء والصفات: 840]، وضعفه الحاشدي محققه.
والحاصل أن الأولية في الكسوة ثابتة لخليل الله إبراهيم، وهذا لا ينافي الأفضلية المطلقة لنبينا صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لولاء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم ومن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر  [رواه الترمذي: 3615،، وصححه الألباني، في صحيح الترغيب والترهيب: 3543]
السير إلى المحشر:
00:38:31
 روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إنكم ملاقوا الله حفاة عراة مشاة غرلاً  [رواه البخاري: 6159، ومسلم:2860]،  ملاقوا الله : في الموقف بعد البعث، حفاة : جمع حافي بلا خف ولا نعل.
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا . [رواه البخاري: 6522، ومسلم: 2861].
فلو قال أحدهم: كيف نحشر حفاة، وهذا الحديث الصحيح يبين أن الناس يحشرون على طرائق، ومنهم من يكون على بعير واثنين وثلاثة وعلى بعير، فكيف نوفق بينهما؟.
فالجواب: أن هذا الحديث الأخير الذي فيه أن بعض الناس يحشرون على الدواب، قال النووي رحمه الله فيه: قال العلماء: وهذا الحشر في آخر الدنيا قُبيل القيامة". [شرح مسلم: 9/197].
فإذاً الحشر الذي نتكلم عنه الآن في هذا الدرس هو حشر يوم القيامة الذي يكون بعد الخروج من القبر، وليس الحشر الذي سيكون لآخر الجيل من البشرية في الأرض حينما تحشرهم النار إلى أرض الشام؛ لأننا قلنا في أشراط الساعة أن هنالك نار ستخرج من قعر عدن في بلاد اليمن في آخر الزمان، ستسوق الناس إلى محشرهم، وخروجها من قعر عدن لا يمنع أنها تذهب يميناً وشمالاً لتحشر الناس من كل الأرض إلى بلاد الشام، والشام هي أرض المحشر والمنشر، إذاً آخر الزمان حشر آخر الزمان قبل قيام الساعة غير الحشر الذي سيكون بعد القيام من القبور، وهناك حشر ثالث وهو حشر أهل الجنة إلى الجنة، وحشر أهل النار إلى النار، فنحن الآن عن أي حشر نتكلم؟ حشر ما بعد القيام من القبور إلى أرض المحشر للحساب والعرض على الله.
وقوى بعض العلماء هذا، يعني: حمل حديث:  يحشر الناس على ثلاث طرائق ، أنه في الدنيا بقوله في الحديث عن النار التي تحشرهم  تقيل معهم وتبيت وتصبح وتمسي ، قال: فهذه الأوصاف مختصة بالدنيا؛ لأن فيها تقييم تبيت وتصبح وتمسي" [فتح الباري: 11/379]، بينما يوم القيامة وطوله خمسين ألف سنة ما يجي فيه وقت القيلولة إلا وأهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار؛ لأن الله قال:  أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا  [الفرقان: 24].
حديث حذيفة الذي فيه:  وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم  [رواه مسلم: 2901]، هذا يبين الحشر الذي سيكون في آخر الدنيا، والحشر هذا يكون بعد القيام من القبر، يحشرون من قبورهم إلى لقاء الله حيث الحساب والعرض على الله، يحشرون إلى مكان أرض المحشر مشاة على أرجلهم، ثم يكون الحشر الآخر إلى الجنة والنار يليق بكل واحد، حسب مصيره، فيحشر المتقون إلى الرحمن وفدا، ويحشر المجرمون إلى جهنم عطاشاً. 
أرض المحشر:
00:43:30
 قال تعالى:  يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [إبراهيم: 48]، قال الراغب: "الإبدال والتبديل جعل شيء مكان آخر". [لسان العرب: 11/48].
وقال صاحب روح البيان في تفسير الآية: "اذكر وارتقب يوم تبدل الأرض المشاهدة غير الأرض، والتبديل قد يكون في الذات كما تقول بدلت الدراهم بالدنانير، فاختلفت الذات تماماً، وقد يكون في الصفات" [تفسير روح البيان: 4/289].
وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد  [رواه البخاري: 6521، ومسلم: 2790].
ومعنى العفر بياض ليس بالناصع يضرب إلى الحمرة قليلاً، وقال بعضهم: عفراء خالصة البياض، ما معنى  كقرصة النقي  يُحشر الناس إلى أرض يوم القيامة يخرجون من القبور، سيحشرون إلى أرض بيضاء عفراء ، شبهها كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد ، كقرصة النقي مثل قرص الدقيق النقي الخالي من الغش والنخالة، مستوية ما فيها علامة لأحد لا سكن، ولا بناء ولا أثر، ولا أي علامة يُهتدى بها من جبل أو صخرة بارزة إلى آخره.
وهذا شيء عظيم يدل على قدرة الله تعالى، اقتضت حكمته أن يكون المحل الذي يُحشر إليه الناس واضحاً جداً، ظاهراً بارزاً مستوياً ما لأحد فيه معلم.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "أرض بيضاء كأنها فضة لم يُسفك فيها دم حرام، ولم يُعمل بها خطيئة". [الطبراني في الأوسط: 7167].
وقال ابن حجر: "رجاله رجال الصحيح وهو موقوف" [فتح الباري: 6/147]. فالأرض هذه جديدة تماماً.
قال ابن حجر رحمه الله: "وقد وقع للسلف في ذلك خلاف في المراد بقوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم: 48].
هل التبديل تبديل ذات أو تبديل صفات؟ هل الأرض التي سنحشر إليها بعد القيام من قبورنا هي هذه الأرض نفسها التي نحن عليها، وندفن فيها، وقبورنا فيها لكن تغير تغيير صفات، فتمد وتصبح بلون آخر، وتزول جبالها، ووديانها، وصخورها، وتصبح مستوية تماماً ملساء، هل تتغير صفاتها أو هي أرض ثانية مختلفة تماما غير الأرض هذه؟
اختلف العلماء في هذا بحسب النصوص الواردة: قال ابن حجر: وحديث الباب يؤيد الأول، يعني تغيير ذات ولا تغيير صفات؟ تغير ذات، يقول مرتبة  يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ  [إبراهيم: 48].
قال ابن حجر: هل معنى تبديلها تغيير ذاتها وصفاتها أو تغيير صفاتها فقط؟ قال: وحديث الباب يؤيد الأول، طيب ما هو حديث الباب؟  يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد ، قال: ويؤيده ما جاء عن ابن مسعود: "أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة"، قال ابن جحر: "رجاله موثقون"، كأنها سبيكة فضة، ولأحمد: "أرض كالفضة البيضاء"، قيل: فأين الخلق يومئذ؟ قال: هم أضياف الله لن يعجزهم ما لديه. [فتح الباري: 11/375].
وعن مجاهد: "أرض كأنها فضة والسموات كذلك"، وإلى هذا القول ذهب القرطبي، وقال: "الصحيح إزالة هذه الأرض تزال كلها"، قال: "والأحاديث تنص على أن الأرض والسموات تبدل وتزال ويخلق الله أرضاً أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر" [الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: 9/383].
فسينتقل الناس من القبور إلى منطقة الجسر -على كلام القرطبي- الجسر الذي على جهنم في الظلمة دون الجسر، ويؤتى بأرض أخرى يتجهون إليها والأرض هذه التي نحن عليها ورد ما يدل على أنها تتحول إلى خبزة.
قال ابن حجر: وأما من ذهب إلى أن التغيير إنما يقع في صفات الأرض، القول الثاني ما هو؟ أن الأرض التي نحشر إليها هي ذات هذه الأرض لكن التغيير يكون في الصفات، فمستنده حديث الحاكم عن عبد الله بن عمرو قال: "إذا كان يوم القيامة مُدت الأرض مد الأديم وحُشر الخلائق"، فإذاً هي نفسها تُمد "مدت الأرض مد الأديم"، مثل البساط "وحُشر الخلائق"، ومن حديث جابر رفعه: تُمد الأرض مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه  [بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث:1131] ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على الزهري في صحابيه [فتح الباري: 11/376].
أما تفسير الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس هذا السند تالف لكن ورد "أنه يزاد فيها وينقص ويذهب آكامها وجبالها ووديانها وتمد مد الأكيم العكاظِ" [فتح الباري: 11/376].
قال الحافظ: وهذا وإن كان ظاهره يخالف القول الأول فيمكن الجمع بأن ذلك كله يقع لأرض الدنيا، يعني: التغيير يقع في أرض الدنيا، لكن أرض الموقف غيرها، قال: ويؤيده ما وقع في الحديث أن أرض الدنيا تصير خبزة، والحكمة في ذلك أنها تعد لأكل المؤمنين منها في زمان الموقف، ثم تصير نزلاً لأهل الجنة". [فتح الباري: 11/376].
ما هو الدليل؟ الحديث الذي سنسمعه الآن أن الأرض التي نحن عليها الآن ستتحول إلى خبزة، وعلى القول الأول ستكون أرض المحشر أرض أخرى غير الأرض هذه.
إذاً ابن حجر رحمه الله قال في قوله تعالى:  يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ  [إبراهيم: 48]، هل التبديل تبديل ذات وإلا تبديل صفات؟ فذكر أن حديث الباب في البخاري يؤيد أنها تبديل ذات، وأن الأرض الثانية مختلفة تماماً عن الأولى، وأيده برواية ابن مسعود "أرض بيضاء كأنها سبيكة فضة"، وحديث الباب: يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد ، وذكر في الشرح: وفيها تعريض بأرض الدنيا وأنها ذهبت وانقطعت العلاقة منها، حتى أن أبا محمد بن أبي جمرة رحمه الله قال: "وفيها إشارة إلى أن أرض الموقف أكبر من هذه الأرض". [فتح الباري: 11/375]، الموجودة جداً.
والقول هذا قال به القرطبي أيضاً، وقال: "هذه الأحاديث تنص على أن السموات والأرض تبدل وتزال، ويخلق الله أرضاً أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر". [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 9/383].
الذين قالوا: إن أرض المحشر هي أرضنا ولكن تغير صفاتها استدلوا بحديث عبد الله بن عمرو وهذا حديث موقوف ليس بمرفوع: "إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وحشر الخلائق"، وحديث جابر المرفوع:  تمد الأرض مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم منها إلا موضع قدميه  ورجاله ثقات إلا أنه اختلف على الزهري في صحابيه، قال ابن حجر: "ويمكن الجمع إن ذلك كله" -يعني: التغيير بعد ما نقل من تفسير الكلبي عن ابن عباس- "أن ذلك كله يقع لأرض الدنيا لكن أرض الموقف غيرها، ويؤيده ما وقع في الحديث أن أرض الدنيا تصير خبزة"، فإذاً أرض المحشر أرض أخرى.
ما الدليل على أن الأرض هذه تصبح خبزة يؤكل منها؟ ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر، يتكفأها الجبار بيده))، لمن؟ قال: ((نزلاً لأهل الجنة ، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خبزة واحدة" -انظر اليهودي لما جاء ما سمع ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، جاء يستعرض العلوم التي عنده - "فقال: ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى، قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك" -يعني: من هذه الموافقة، أنه هو يخبرهم بمعلومة من الوحي، واليهودي جاء فأخبر بها كما هي، طبعاً اليهود عندهم شيء صحيح وأشياء محرفة، فهذا كان من الصحيح الباقي عندهم- "ثم ضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا أخبرك بإدامهم؟ قال: إدامهم بالام ونون، قالوا: وما هذا؟ قال: ثور ونون" - يعني في الجنة ثور يأكل من أطرافها أول ما يدخل أهل الجنة الجنة يُنحر لهم ثور الجنة، فهذا يكون يعني بداية النزل الذي يقدم لأهل الجنة، والنون الحوت زيادة كبد الحوت "يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفاً". [رواه البخاري: 6520، ومسلم: 2792]، هذا كان زيادة الكبد، فكيف الكبد، وكيف الحوت، شيء عظيم.
نعود إلى موضع الشاهد الذي نريده من الحديث:  تكون الأرض يوم القيامة  -يعني: أرض الدنيا- خبزة ، وهو عجين يوضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها، هذه الخبرة، قال: والناس يسمونها الملة ولا هي الطلمة، المهم الخبزة العجين الذي يوضع في الحفرة بعد إيقاد النار فيها،  تكون الأرض خبزة يتكفأها الجبار [المنتخب من مسند عبد بن حميد: 960].
وفي رواية لمسلم [2792]:  يكفؤها ،  كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر ، يعني: هذه الخبزة التي يصنعها المسافر؛ لأن المسافر على عجل ما عنده كل المعدات فخبزه ما هو مثل خبز أهل الحضر، قال:  كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر ، يعني: لا تدحى كما تدحى الرقاقة وإنما تقلب على الأيدي، فالآن خبز الحضر يأتون بهذه الآلة التي يدحون بها العجين فيصبح رقيقاً، لكن في السفر ما في آلات معدات المسافر قليلة فماذا يفعل؟ يأخذها بيده فيرققها بيده، فهذا معنى يتكفأها الجبار بيده، قال:  يتكفأها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر ، فلماذا يفعل الجبار ذلك -سبحانه وتعالى-؟ قال: نزلاً لأهل الجنة ، ما يقدم للضيوف في أول مجيئهم، ما يُعجل لهم من الطعام.
قال الشارح الداودي: المراد أنه يأكل منها من سيصل إلى الجنة من أهل المحشر فيأكلونها في المحشر، لا أنهم لا يأكلونها حتى يدخلون الجنة، إذاً يأكلون منها قبل دخول الجنة، يقول ابن حجر: قلت وظاهر الخبر يخالفه. [فتح الباري لابن حجر: 11/373].
وكأنه بنى على ما أخرجه الطبري عن سعيد بن جبير:  تكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه ، ومن طريق أبي معشر عن محمد بن كعب أو محمد بن قيس نحوه. [جامع البيان: 7/372].
وللبيهقي بسند ضعيف عن عكرمة: تبدل الأرض مثل الخبزة يأكل منها أهل الإسلام حتى يفرغوا من الحساب ، واعتقاد كون هذا التبديل حقيقة أبلغ، ويستفاد منه أن المؤمنون لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف، خمسين ألف سنة هل يأكلون شيئاً فيها؟ مجموع هذه الآثار تدل على أن الأرض هذه تتحول إلى خبزة يتكفأها الجبار  وأن الناس في أرض المحشر وهي أرض أخرى على القول الأول يأكلون من الخبزة هذه التي تتحول إليها أرضنا أهل الإسلام.
قال: "ويستفاد منه أن المؤمنين لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف بل يقلب الله لهم بقدرته طبع الأرض حتى يأكلوا منها من تحت أقدامهم ما شاء الله بغير علاج ولا كلفة، يعني: شيء متناول اليد يأكلون منه في أرض الموقف المحشر، حتى يصيروا إلى الجنة" [فتح الباري: 11/373].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "السموات وإن طويت وكانت كالمهل، واستحالت عن صورتها فإن ذلك لا يوجب عدمها وفسادها، بل أصلها باق بتحويلها من حال إلى حال، وإذا بدلت فإنه لا يزال سماء دائمة وأرض دائمة" [مجموع الفتاوى: 15/110].
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "وهذا التبديل تبديل صفات لا تبديل ذات، فإن الأرض يوم القيامة تسوى، وتمد الأديم، ويلقى ما على ظهرها من جبل ومعلم فتصير قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا  [طه: 106-107]، و  يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ  [المعارج:  8] من شدة أهوال ذلك اليوم، ثم يطويها الله -تعالى- بيمينه". [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/428].
ونقل القرطبي عن أبي الحسن بن حيدرة صاحب الإفصاح أنه جمع بين هذه الأخبار بأن تبديل السموات والأرض يقع مرتين [فتح الباري: 11/376].
أين يكون الناس حين تبدل الأرض؟
01:01:11
 وإذا قلنا أرضنا هذه تتحول إلى خبزة والناس سيحشرون إلى الأرض الأخرى، أين سيكون الناس في ذلك الوقت؟
روى مسلم أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال: "كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها"، من الذي دفع اليهودي؟ ثوبان، "فقال: لم تدفعني؟ قلت: ألا تقول يا رسول الله!"، يعني: تأتي وتقول السلام عليك يا محمد كذا يا محمد ألا تقول يا رسول الله، طبعاً لأنه يهودي لا يؤمن بأنه رسول الله، "فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي ، فقال اليهودي: جئت أسألك؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:  أينفعك شيء إن حدثتك؟  يعني: أنتم يهود ولا تؤمنون فالآن تأتي وتسأل، طيب لو أجبتك سينفعك الجواب بشيء، يعني: ستسلم،  أينفعك شيء إن حدثتك؟   قال: أسمع بأذني" -انظر الروغان اليهود- "فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال: سل؟ فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  هم في الظلمة دون الجسر  [رواه مسلم: 315]، في هذا الوقت تحديداً في الظلمة دون الجسر، هذا مكانهم، والجسر المراد به الصراط.
وجاء عند مسلم رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله عز وجل: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ  [إبراهيم: 48]، فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال:  على الصراط  [رواه مسلم: 2791].
فلاحظ أن بين الروايتين اختلافاً فواحدة أنهم يكونون  دون الجسر ، يعني: قبل الجسر، والثانية أنهم يكونون على الجسر على الصراط .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "جمع بينهما البيهقي بأن المراد بالجسر الصراط" ، وأن في قوله: على الصراط ، مجازاً  لكونهم يجاورونه، يعني: ليسوا عليه لكن بجواره، في الظلمة دون الجسر، قال: لأن في حديث ثوبان زيادة يتعين المصير إليها لثبوتها. [فتح الباري: 11/376].
إذاً أين مكان الخليقة هذه عند التبديل؟ أين سيكونون؟ اليهودي سأل وأجاب النبي عليه الصلاة والسلام قال:  في الظلمة دون الجسر ، قبل الصراط في الظلمة هذا مكانهم، ثم سيحدث الانتقال إلى أرض المحشر، أرض الحساب هذا ما أمكن جمعه من الأقوال في المسألة وتحتاج إلى تأمل أيضاً، ولاحظوا يا إخوان ترى هذه معلومات منقولة من النصوص الشرعية هذا مستقبلنا يعني هذا مصيرنا هذا شيء لا بد لنا منه، وسنأتي عليه فمن الآن الواحد يعرف خريطة الانتقالات وأحداث يوم القيامة؛ لأنه ما جاءت النصوص إلا لمصلحتنا يعني، فأنت الآن تعرف وتتكشف لك أشياء عن يوم القيامة حتى نعيشه واقعاً، حتى نفكر يعني ماذا سنستعد لذلك اليوم.
من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم الحاشر:
01:06:03
 محمد -صلى الله عليه وسلم- الحاشر ورد من أسمائه كما قال عليه الصلاة والسلام:  لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحى الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، العاقب الذي ليس بعده نبي ، [رواه البخاري: 3532، ومسلم: 2354].
فقوله:  أنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عقبي  [رواه مسلم: 2354]، ما معناه؟ وما صلته بالموضوع؟ وفي رواية:  يحشر الناس على قدمي 
قال العلماء: معناه يحشرون على أثري، وزمان نبوتي، ورسالتي، وليس بعدي نبي، قال ابن القيم: "هو الذي يُحشر الناس على قدمه فكأنه بُعث ليحشر الناس". [زاد المعاد: 1/87].
فهو أول أشراط الساعة، فمجيئه إيذان بحصول قيام القيامة وكذلك الحشر، وقيل: معناه أنه يحشر قبل الناس وهو موافق للرواية الأخرى:  يحشر الناس على عقبي ، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن أبي سعيد:  أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة  [رواه البخاري: 2412].
وعند الترمذي عن النبي عليه الصلاة والسلام:  أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، [رواه الترمذي: 3148، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3543].
يعني: يقول أنا ما أفتخر بهذا هذه فضيلة آتاني الله إياها، أنا لا أتعالى على الخلق بهذا، ولا أذكرها تكبراً إنما هي فضيلة آتاني الله إياها، وأما بنعمة ربك فحدث،  أول من تنشق عنه الأرض أول من يحيى ويبالغ في إكرامه ويخرج من قبره، هذا ما يتعلق بالحشر وسنأتي على مزيد من مشاهد القيامة وأحداثها العظام في الدروس القادمة بمشيئة الله تعالى.
وصلى الله على نبينا محمد.