الأربعاء 4 ذو الحجة 1439 هـ :: 15 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الزوجة الوفية


عناصر المادة
المقدمة:
أحاديث نبوية في فضل خديجة -رضي الله عنها-:
نسب خديجة -رضي الله عنها-:
وقوف خديجة -رضي الله عنها- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأوقات الصعبة ومؤانستها له:
بعض خصائص خديجة -رضي الله عنها- ومآثرها:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
المقدمة:
00:00:09
 فإن من القصص العظيمة التي تذكر لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في عهده عليه الصلاة والسلام؛ قصة تلك الزوجة الوفية، المخلصة النقية، التي دافعت عن زوجها صلى الله عليه وسلم، وكانت تقية؛ خديجة بنت خويلد -رضي الله تعالى عنها-، التي يجهل سيرتها الكثيرون، ولا يقدر حق قدرها إلا من عرف حياتها، واطلع على سيرتها.
أحاديث نبوية في فضل خديجة –رضي الله عنها-:
00:00:57
 وهاكم بعض الأحاديث الصحيحة في فضل هذه المرأة، وشأنها، تكون نبراساً للنساء والرجال.
عن علي -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ [رواه البخاري: 3432، ومسلم: 6424].
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما غرت على امرأة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما غرت على خديجة، هلكت قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة، فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن" [رواه البخاري: 3816، ومسلم: 6430].
وعنها -رضي الله عنها- قالت: "ما غرت على امرأة، ما غرت على خديجة -رضي الله عنها- من كثرة ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياها، وتزوجني بعدها بثلاث سنين، وأمره ربه -عز وجل- أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب" [رواه البخاري: 3817].
وعنها -رضي الله عنها- قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- ما غرت على خديجة -رضي الله عنها- وما رأيتها، ولكن كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكون في الدنيا امرأة إلا خديجة؟!  فيقول:  إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد  [رواه البخاري: 3818].
وعن إسماعيل قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما-: بشر النبي -صلى الله عليه وسلم- خديجة؟ قال: نعم، ببيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب" [رواه البخاري: 3819].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "أتى جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله هذه خديجة -رضي الله عنها- قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب" [رواه البخاري: 3820].
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة -رضي الله عنها- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعرف استئذان خديجة، فارتاع -فزع- لذلك، فقال:  اللهم هالة  قالت: فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها؟" [رواه البخاري: 3821، ومسلم: 6435].
نسب خديجة –رضي الله عنها-:
00:0351
 أما خديجة، فهي: بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي.
وفيه تجتمع مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي من أقرب نسائه إليه في النسب، ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها، إلا أم حبيبة.
وتزوجها سنة خمسة وعشرين من مولده صلى الله عليه وسلم.
زوجه إياها أبوها خويلد.
وقيل: غيره.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يتزوج خديجة، قد سافر في مالها مقارضاً إلى الشام، فرأى منه "ميسرة" غلامها ما رغبها في تزوجه.
قال الزبير: "وكانت خديجة -رضي الله عنها- تدعى في الجاهلية الطاهرة، وماتت بعد المبعث بعشر سنين في شهر رمضان... فأقامت معه صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة" [فتح الباري: 7/134].
وكذلك، فإنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين.
وقوف خديجة -رضي الله عنها- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأوقات الصعبة ومؤانستها له:
00:05:05
 ومن ثباتها في الأمر، ما يدل على قوة يقينها، ووفور عقلها، وصحة عزمها؛ ما حدث عندما أوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحادثة المشهورة؛ أول ما جاءه الوحي.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قد غط من جبريل مرة ومرتين وثلاثا، غطه جبريل -عليه السلام-، حتى بلغ منه الجهد، وهو يقول له: اقرأ، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يخبره: أنه لا يقرأ:  ما أنا بقارئ   حتى علمه:  اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  [العلق:1-3].
فرجع منها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة -رضي الله عنها- بنت خويلد -رضي الله عنها-، فقال:  زملوني زملوني   فزملوه -يعني: غطوه، حتى ذهب عنه الروع- فقال لخديجة -رضي الله عنها- وأخبرها الخبر:  لقد خشيت على نفسي  فقالت خديجة: "كلا والله... " هذه هي الكلمات المهمة في الوقت العصيب، التي قالتها هذه المرأة الصالحة -رضي الله عنها-، لزوجها محمد -صلى الله عليه وسلم-، فثبتت بها فؤاده، قالت خديجة: "كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم -تعرف زوجها- وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
ثم انطلقت به إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عمها، فقالت له خديجة: "يا ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا -ليتني عندما تقوم بالدعوة أكون قوياً حتى أنصرك- ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  أو مخرجي هم؟   قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي" [رواه البخاري: 3].
فهذه خديجة -رضي الله عنها- التي كان لها الفضل العظيم في تثبيت زوجها محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأنها قالت له: "والله لا يخزيك الله".
ثم استدلت من سيرته عليه الصلاة والسلام، ومن خبره وحاله، وما تراه من شأنه في الاستدلال على أنه على صراط مستقيم.
وكذلك: فإنها آنسته بذكر ما ييسر عليه الأمر، ويهونه عليه.
وأن من نزل به أمراً يستحب له أن يطلع، أو يطلع من يثق بنصيحته، وصحة رأيه، وهكذا أول ما لجأ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك الموضوع المخيف الذي حصل له عليه الصلاة والسلام إلى زوجته، هذه الأمينة، وهو يقول:  لقد خشيت على نفسي .
ثم قامت هي بواجبها خير قيام، في إلقاء الطمأنينة في نفسه، وإشاعة الأمن في قلبه -رضي الله تعالى عنها-.
وهذا مما يدل على قوة قلبها ويقينها، ووفور عقلها، وثبات أمرها، فلا جرم أنها كانت أفضل نسائه صلى الله عليه وسلم على الراجح.
بعض خصائص خديجة -رضي الله عنها- ومآثرها:
00:09:11
 أفضلية خديجة -رضي الله عنها- على نساء الدنيا:
وهي التي قال فيها صلى الله عليه وسلم:  وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ .
والمقصود بالضمير في  نِسَائِهَا  أي الدنيا، أي: خير نساء الدنيا خديجة -رضي الله عنها-.
وجاء في رواية: "وأشار وكيع إلى السماء والأرض" [رواه مسلم: 6424].
والمراد: أن يبين أنها خير نساء الدنيا، تحت السماء، وفوق الأرض، خيرهن خديجة -رضي الله عنها-.
وكذلك: فإنها كانت في الأرض معه صلى الله عليه وسلم، حتى صعد بروحها إلى السماء.
وكذلك: فإنها قد وازت مريم بنت عمران، لما ذكرهما معاً في هذا الحديث.
وإذا كانت مريم خير نساء زمانها، فإن خديجة -رضي الله عنها- خير نساء زمانها.
وقد جاء في رواية عنه صلى الله عليه وسلم قال:  لقد فضلت خديجة -رضي الله عنها- على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين  وهذا حديث حسن الإسناد، كما قال الحافظ -رحمه الله تعالى- [رواه البزار في مسنده: 1427].
واستدل به من استدل على أن خديجة -رضي الله عنها- أفضل من عائشة –رضي الله عنهن-.
و نسائها   يشمل كل امرأة على الأرض، ممن كانت موجودة في زمن خديجة -رضي الله عنها-، وممن ستوجد بعد ذلك.
وقد أخرج النسائي بإسناد صحيح، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعاً:  أفضل نساء أهل الجنة؛ خديجة -رضي الله عنها- بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد -صلى الله عليه وسلم- ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون  [رواه النسائي: 8297، وأحمد: 2903، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح" وصححه الألباني في صحيح الجامع: 1135].
فهؤلاء خير نساء الجنة.
وقد قال صلى الله عليه وسلم أيضاً:  سيدة نساء العالمين مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية .
وقيل: إن مريم نبية.
وقال بعضهم: إن مريم ليست نبية؛ لأنه الأنبياء لا يبعثون من إلا الرجال:  وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً  [يوسف: 109].
حب النبي -صلى الله عليه وسلم- لخديجة -رضي الله عنها-:
وفي هذا الحديث: تقول عائشة -رضي الله عنها- فيه: "ما غرت على امرأة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما غرت على خديجة" [رواه البخاري: 3816، ومسلم: 6430].
وهذا يدل على أن الغيرة تكون من النساء الفاضلات، فضلاً عمن دونهن، وأن عائشة -رضي الله عنها- كان عندها غيرة عظيمة، فكانت تغار من خديجة، مع أنها لم تجتمع وإياها في مكان واحد، ولم تشترك وإياها في زوج في نفس الوقت، ومع ذلك غارت منها، لكثرة ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- إياها، ولذلك قالت في السبب: "من كثرة ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياها".
وغيرة المرأة ناشئة من تخيل محبة غيرها أكثر منها، فإذا تخيلت أن زوجها يحب غيرها أكثر منها، هذا مبعث الغيرة ومنشأها.
ولا شك أن كثرة ذكر الرجل للمرأة يدل على كثرة المحبة، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يكثر من ذكر خديجة، لكثرة محبته لها، يمدحها، ويثني عليها، ويذكر أياديها البيضاء، وسالف أيامه الجميلة، مع تلك الزوجة الوفية.
تقول عائشة -رضي الله عنها-: "هلكت قبل أن يتزوجني" مع أنها ماتت قبل أن يتزوج النبي -عليه الصلاة والسلام- عائشة -رضي الله عنها-، مع ذلك كانت الغيرة موجودة، فكيف لو كانت خديجة -رضي الله عنها- حية؛ لكانت الغيرة أشد!.
تقول في الحديث: "وأمره الله أن يبشرها" وهذا دال على محبة الله لها.
قالت: "وإن كان ليذبح الشاة، فيهدي في خلائلها" أي صاحبات خديجة، يذبح الشاة، وفاءً لذكرى زوجته؛ يقسم الشاة في صديقاتها، فيرسل قطعة من هذه الشاة لهذه، وقطعة لهذه، وقطعة لهذه، يرسل إليهن "ما يسعهن" أي ما يكفيهن، ويتسع لهن، ويشبعهن.
تقول عائشة -رضي الله عنها-: "وتزوجني بعدها بثلاث سنين".
أرادت بذلك زمن الدخول، وأما العقد؛ فإنه كان قبل ذلك، بسنة ونصف.
تقول عائشة -رضي الله عنها-: "وما رأيتها" ولم أدركها.
في رواية لمسلم: "وما رأيتها قط" [رواه مسلم: 2435].
أما إدراكها لها؛ فلا نزاع فيه؛ لأن عائشة -رضي الله عنها- كانت عند موت خديجة -رضي الله عنها- عمرها ست سنوات، لكنها لعلها أرادت أنها ما اجتمعت بها عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبناءً عليه لم تدركها في تلك الحال "ولقد هلكت قبل أن يتزوجني".
ثناء النبي -صلى الله عليه وسلم- على خديجة –رضي الله عنها- بعد موتها وتعديده لصفاتها:
وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما يذكر خديجة -رضي الله عنها- يكثر من ذكرها، تقول عائشة -رضي الله عنها-: "كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟" فكان عليه الصلاة والسلام يرد عليها بقوله:  إنها كانت وكانت...  يعدد صفاتها: كانت فاضلة، كانت عاقلة، كانت وفية، إنها رعتني، إنها دافعت عني، إنها أنفقت علي من مالها، ونحو ذلك.
وفي رواية:  آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء  [رواه أحمد: 24908، وقال محققو المسند: "حديث صحيح" وهذا سند حسن في المتابعات"].
جميع أولاد النبي –صلى الله عليه وسلم- من خديجة -رضي الله عنها- عدا إبراهيم:
وقوله صلى الله عليه وسلم:  وكان لي منها ولد ؛ لأن جميع أولاد النبي -صلى الله عليه وسلم- من خديجة، إلا إبراهيم؛ فإنه من جاريته "مارية".
وأولاده صلى الله عليه وسلم من خديجة: القاسم، وبه يكنى عليه الصلاة والسلام قبل البعثة، أو بعدها.
وكذلك بناته الأربع: زينب، رقية، أم كلثوم، وفاطمة.
وقيل: إن أم كلثوم كانت أصغر من فاطمة.
وعبد الله، ولد بعد البعثة، فكان يقال له: الطيب، أو الطاهر. ويقال: هما أخوان له.
ويقال: إن لقب "عبد الله" الطاهر، أو الطيب.
ويقال: هما أخوان مستقلان.
وكل ذكور النبي -عليه الصلاة والسلام- ماتوا صغاراً، باتفاق.
فهو عليه الصلاة والسلام له أجر فقد الولد؛ فقد أخبر عليه الصلاة والسلام: أن أجر فقد الولد الذي لم يبلغ الحنث؛ أنه يأتي إلى باب الجنة، ويفتحه لأبيه.
وتقول عائشة -رضي الله عنها-: "فأغضبته يوماً، فقلت: خديجة؟! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا  [رواه مسلم: 6431].
وكان حبه صلى الله عليه وسلم لخديجة -رضي الله عنها- لما تقدم ذكره من الأسباب، وهي كثيرة، كل واحد منها يكفي، لئن يكون سبباً مستقلاً لإيجاد المحبة.
عدم زواج النبي –صلى الله عليه وسلم- على خديجة -رضي الله عنها- حال حياتها:
ومما كافأ به النبي -عليه الصلاة والسلام- خديجة -رضي الله عنها- في الدنيا: أنه لم يتزوج عليها في حياتها، ولذلك تقول عائشة -رضي الله عنها-: "لم يتزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- على خديجة، حتى ماتت" [رواه البخاري: 6434].
فمن عظم قدرها عنده، ومزيد فضلها: أنها أغنته عن غيرها، فما عاد يحتاج إلى أن يتزوج عليها امرأة أخرى.
استئثار خديجة -رضي الله عنها- بثلثي الحياة الزوجية للنبي -عليه الصلاة والسلام-:
واختصت بقدر لم يشترك فيه غيرها مرتين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم عاش بعد أن تزوجها ثمانية وثلاثين عاماً، انفردت خديجة -رضي الله عنها- بخمسٍ وعشرين عاماً منها، يعني ثلثي المدة، ومع طول المدة التي قضاها معها؛ صان قلبها من الغيرة، ومن نكد الضرائر؛ لأن الضرة تسمى: ضرة؛ لأنها تضر بصاحبتها وهي الزوجة الأخرى، وذلك بما يكون بينهما من النكد، والحسد، والتنافس، والخصومات، ونحو ذلك.
فخديجة -رضي الله عنها- استأثرت بثلثي الحياة الزوجية للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وأغنته عن غيرها من النساء، وواسته بمالها، ودافعت عنه، وحمته، وثبتته، وصبرته.
ولذلك؛ ما نسي عليه الصلاة والسلام لها ذلك الفضل، فلم يتزوج عليها في حياتها البتة.
أسبقية خديجة -رضي الله عنها- النساء في الإسلام:
ومما اختصت به خديجة -رضي الله عنها-: أنها سبقت نساء الأمة كلهن في الإيمان، وهذا من أفضل ما حصل من الخير لهذه المرأة.
ولذلك سنت لكل من آمنت بعدها من النساء سنة حسنة، فيكون لها مثل أجرهن؛ لأن من سن سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من استن به فيها، إلى يوم القيامة.
وقد شاركها في ذلك أبو بكر الصديق، بالنسبة للرجال، ولا يعرف قدر ما لكل منهما من الثواب إلا الله -عز وجل-؛ لأن الصديق فتح الباب، سن السنة للرجال، وخديجة -رضي الله عنها- فتحت الباب، وسنت السنة للنساء، فكل امرأة بعد خديجة -رضي الله عنها- تسلم مقتدية بخديجة، فلخديجة -رضي الله عنها- مثل أجرها.
وفاء النبي -صلى الله عليه وسلم- مع زوجته خديجة -رضي الله عنها- بعد موتها:
وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام عاش معها بهذا الوفاء، وحسن العهد، وحفظ الود، ورعاية حرمة الصاحب والمعاشر، حياً وميتاً؛ لأن حسن العهد من الإيمان، كون الإنسان يكون وفياً لصاحبه الذي عاش معه السنوات الطويلة، فهذا من الإيمان.
وكذلك في هذا الحديث: إكرام معارف الصديق والصاحب، فلو مات لك صاحب عزيز، فإكرام أصدقائه أيضاً من السنة.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- لما ماتت زوجته خديجة، أكرم صاحباتها؛ لأجل خديجة، وكان يهديهن، ويذبح الشاة، ولا ينساهن.
تبشير النبي -صلى الله عليه وسلم- خديجة -رضي الله عنها- ببيت في الجنة ومواصفاته:
وأمره ربه -عز وجل-: أن يبشر خديجة -رضي الله عنها- ببيت في الجنة من قصب.
والمراد به: اللؤلؤة المجوفة الواسعة؛ كالقصر المنيف.
كأنه قصد قصب اللؤلؤ، بيت من لؤلؤة مجوفة، ليس من هذا القصب الذي في الدنيا، إنه قصب منظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت.
ولعله اختار لفظ: "القصب"؛ لعلة كما يقول السهيلي شارح السيرة: "لكونها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الايمان دون غيرها"[سبل الهدى والرشاد: 11/160].
ولذلك، قال: "بيت من قصب".
ثم إن القصب من طبيعته وصفته: أن أغلب أنابيبه مستوية؛ فلخديجة -رضي الله عنها- من الاستواء ما ليس لغيرها، إذ كانت حريصة على إرضائه، بكل ممكن عليه الصلاة والسلام، ولم يصدر منها قط ما يغضبه، كما وقع من غيرها، فغيرها أغضبنه، أما هي فلم تغضب زوجها أبداً، ولم يُنقل أنها أغضبته صلى الله عليه وسلم في شيء.
ولذلك أعد الله لها بيتا "من قصب، لا نصب فيه" فمثلما أنها ما أتعبت زوجها أبداً في الدنيا، وما كدرت خاطره، وما شقت عليه؛ كان الجزاء من جنس العمل.
فكان بيتها لا نصب فيه؛ لأنها لم تتعب زوجها، فكذلك البيت الذي لها في الجنة لا نصب فيه.
خصه بأنه "لا نصب فيه" مع أن الجنة كلها لا نصب فيها، خص بذلك لمزيد من العناية، ولمزيد من الراحة في الجنة لهذه المرأة.
تأسيس خديجة -رضي الله عنها- لأول بيت في الإسلام:
ولماذا قال: "بيت" ولم يقل: "قصب" فقط؟
أيضاً من المناسبات: أنها كانت أول ربة بيت في الإسلام، لم يكن على وجه الأرض عندما بعث محمد -صلى الله عليه وسلم- بيت إسلام إلا بيت هذه المرأة. وهذه فضيلة لم يشاركها فيها غيرها، وجزاء الفعل يذكر غالباً من جنسه.
مرجعية نسب أهل البيت إلى خديجة –رضي الله عنها-:
وكذلك؛ فإن مرجع أهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها، ولذلك قال: "بيت في الجنة"؛ لأن مرجع آل البيت إلى خديجة:  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ  [الأحزاب:33].
فلما نزلت هذه الآية، قالت أم سلمة -رضي الله عنها-: "دعا فاطمة وحسنا وحسينا، فجللهم بكساء، وعلى خلف ظهره، فجللهم بكساء، ثم قال:  اللهم هؤلاء أهل بيتى  [رواه الترمذي: 3510، وصححه الألباني في الروض النضير: 976 ، 1190].
فمرجع أهل البيت إلى خديجة؛ لأن الحسنيين من فاطمة، وفاطمة من خديجة، وعلي -رضي الله عنه- نشأ في بيت خديجة، ثم تزوج بنتها بعد ذلك، فمرجع أهل البيت النبوي في النهاية إلى خديجة، دون غيرها.
إسعاد خديجة -رضي الله عنها- للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
فبما أن خديجة -رضي الله عنها- لم تزعج زوجها بشيء، ولم تتعبه بشيء، ولم تحوجه إلى صياح، أو زعيق، أو خصام، أو أي شيء يكدر العلاقة بينهما؛ كان بيتها: "لا صخب فيه، ولا نصب".
والصخب، هو الصياح والمنازعة برفع الصوت.
فلأنها لم تحوج زوجها إلى صراخ، أو إلى منازعة؛ كوفئت ببيت لا صخب فيه، فكما أن بيتها في الدنيا لا صخب فيه؛ فكذلك بيتها في الآخرة لا صخب فيه.
وكما أنها وفرت الراحة للنبي -عليه الصلاة والسلام- في بيتها في الدنيا، وفر الله لها الراحة في الآخرة في هذا البيت العظيم: "لا صخب فيه ولا نصب".
لا عيب، ولا صياح، ولا تعب في هذا البيت، لم تحوجه إلى رفع صوت، ولا إلى منازعة، بل على الضد من ذلك؛ أزالت عنه كل نصب، وكل تعب، وآنسته من كل وحشة، وهونت عليه كل عسير، فناسب أن يكون منزلها الذي بشرت به من ربها بهذه الصفة.
بل أنها كانت عوناً له على دعوته.
وما أحوج نساء الدعاة اليوم إلى الاقتداء بسيرة خديجة -رضي الله عنها-، فنساء الدعاة؛ لسن كبقية النساء؛ لأن الداعية إلى الله -سبحانه وتعالى- من طبيعته الانشغال، والكد في الدعوة، فهو يتعب وينصب، فإذا لم تكن له زوجة موفقة، تزيح عنه الهموم والغموم، ولا تكدر خاطره، ولا تجلب له مشكلات، بل إنها تفرج عنه همومه، وتسكن خاطره، وتهدئ من روعه، وتزيل مخاوفه، وتثبت جنانه، بكلماتها التي تعلمتها، وأخذتها من الكتاب والسنة، لا شك أنها تكون هي الخط الخلفي، وهي عامل الأمان، وصمام الأمان، في حياة هذا الداعية.
إبلاغ النبي -صلى الله عليه وسلم- خديجة بسلام الله وسلام جبريل –عليه السلام- لها:
لقد جاءت خديجة -رضي الله عنها- مرةً بإناء فيه إدام أو طعام أو شراب، وجبريل كان عند النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال جبريل للنبي -عليه الصلاة والسلام-، والملَك يرى ما لا يرى النبي -عليه الصلاة والسلام-، فقال: "هذه خديجة -رضي الله عنها- قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي".
فقالت خديجة -رضي الله عنها- جواباً على ذلك لما أخبرها صلى الله عليه وسلم: "هو السلام، ومنه السلام، وعلى جبريل السلام".
وقد قال جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله يقرئ خديجة -رضي الله عنها- السلام" فقالت جواباً: "إن الله هو السلام، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته".
فأي شرف أعظم أن امرأة أو شخصا، يقال له: إن ربك يقرأ عليك السلام؟
"فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي" ولذلك لا يوازي فضل هذه المرأة العظيمة من بقية النساء بعدها شيء، فإن السلام حصل من الله، ومن جبريل -رضي الله تعالى عنها-.
فقه خديجة -رضي الله عنها- وأدبها مع الله:
كما أن هذا: دليل على فقه خديجة؛ لأنها لم تقل: "وعليه السلام" لما قال لها: "الله يقرأ عليك السلام"؛ لأن الله هو السلام، فكيف تقول: وعليه السلام وهو السلام؟ ولذلك قالت: "إن الله هو السلام، ومنه السلام" والسلام على جبريل، وعلى جبريل السلام، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته".
هذا الفقه، فات بعض رجال الصحابة، فقد حصلت لهم قصة بعد ذلك، فقد كان الصحابة، يقولون في التشهد: "السلام على الله من عباده" فنهاهم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقال: إن الله هو السلام  كيف تقول: السلام على الله؟ الله هو السلام؟  قولوا: التحيات لله... [رواه البخاري: 835].
فخديجة -رضي الله عنها- اكتشفت هذا الأمر وفقهته، وعرفته منذ سنوات، قبل هؤلاء الصحابة، فأول ما جيء إليها، وقيل: "إن الله يقرأ عليك السلام" قالت: "إن الله هو السلام، ومنه السلام".
من أسمائه سبحانه: السلام، الملك، القدوس.
"السلام" الذي سلم عباده المتقون من عقوبته.
"السلام" وهو: السالم من كل نقص وعيب سبحانه وتعالى، وسلم عباده المتقين من عقوبته، فهو السلام، وأي سلامة مصدرها من الله، فلا يقال: السلام على الله، فالله هو السلام.
فعرفت خديجة -رضي الله عنها- لصحة فهمها: أن الله لا يرد عليه السلام، كما يرد على المخلوقين؛ لأن "السلام" اسم من أسمائه.
ثم إذا قلت لإنسان: السلام عليك، فأنت تدعو له بالسلامة من كل شر.
أو السلام عليك، يعني أن الله فوقك يراقبك، فالسلام اسم من أسمائه؛ فوقك السلام، عليك يراقبك.
وأيضاً: السلام عليك، دعاء للشخص بالسلامة من الشرور والآثام، فلا يصلح أن يقال: السلام على الله.
ولذلك ردت بالرد الذي يليق بالله -عز وجل-، وقالت بعد ذلك: "وعلى جبريل السلام" وقالت: "وعليك السلام يا نبي الله ورحمة الله وبركاته".
وهذا فيه أيضاً من الفقه الذي تعلمناه من خديجة: رد السلام على من أرسل السلام، وعلى من بلغ السلام.
فلما يأتي إليك أحد الناس، يقول لك: فلان يقرأ عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فتقول أنت: وعليك وعليه السلام، فترد السلام على المسلم والمبلغ.
والذي يظهر: أن جبريل -عليه السلام- كان حاضراً عند جوابها، فردت عليه وعلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكنها كانت لا تراه، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ليبلغها.
وعائشة -رضي الله عنها- حصل لها موقف مشابه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلغها سلام جبريل؛ لكن خديجة -رضي الله عنها- أفضل؛ لأن خديجة -رضي الله عنها- النبي -صلى الله عليه وسلم- بلغها سلام الله، وسلام جبريل، من الله، ومن جبريل.
وعائشة -رضي الله عنها- بلغت بالسلام من جبريل فقط.
ولعائشة -رضي الله عنها- بطبيعة الحال من الفضائل ما لا يحصى، ولكن لعل الذي يترجح -والله أعلم- هو تفضيل خديجة -رضي الله عنها-.
وبقيت المسألة في المفاضلة بينها وبين فاطمة -رضي الله عنها- من جهة، وبين عائشة وفاطمة من جهة أخرى.
ولا شك أن من جهة أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن خديجة -رضي الله عنها- أفضل، ثم عائشة.
وهناك من العلماء من فضل عائشة، عائشة ثم خديجة.
وبقية نساء النبي -صلى الله عليه وسلم- مستويات.
شدة حب النبي -صلى الله عليه وسلم- لخديجة –رضي الله عنها-:
من كرامة خديجة -رضي الله عنها- عند زوجها على النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن هالة بنت خويلد أخت خديجة، استأذنت مرة على النبي -عليه الصلاة والسلام-، هالة كانت من المهاجرات إلى المدينة، فجاءت هالة إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكان في قيلولة، فلما سمع صوتها وهو في القيلولة ارتاع -فزع-، وقال:  هالة! هالة! .
وفي هذه الرواية:  اللهم هالة!  [رواه البخاري: 3821، ومسلم: 6435] يعني: اللهم اجعلها هالة! لتكن هالة، هذه التي أتت لتكن هالة!
كان راقداً فاستيقظ مرتاعاً؛ لأنه بعد هذه السنين الطويلة، تذكر فجأة صوت زوجته الأولى؛ لأن الصوت يشبه الصوت، استئذان هالة ذكره باستئذان خديجة، لشبه صوتها بصوت أختها، فتذكر خديجة -رضي الله عنها- فارتاع وقام من القيلولة، فزعاً متغيراً؛ من السرور الذي حصل له لهذه المفاجأة السارة، ومن أحب شيئاً أحب ما يشبهه، وما يتعلق به.
وهذه قاعدة معروفة في نفوس الناس: الذي يحب شيئاً يحب كل شيء يشبهه، بل ربما إذا أحب شخصاً أحب كل من اسمه نفس اسم هذا الشخص، وهكذا..
وإذا ذكر اسم شخص مشابه للشخص الذي يحبه، رجف قلبه، وتسارعت دقاته؛ مما سمع.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- من شدة حبه لخديجة، لما استأذنت هالة، وعرف صوتها ارتاع.
كل ذلك كان يوقظ في نفس عائشة الغيرة -رضي الله تعالى عنها-، فتقول: "ما تريد من عجوز حمراء الشدقين، هلكت في الزمن الغابر؟".
"حمراء الشدقين" لعل المقصود بذلك: أن المرأة إذا سقطت، أو الشخص إذا سقطت أسنانه من الشيخوخة، فإنه لا يبقى داخل فمه إلا اللحم الأحمر من اللثة، وغيرها، فتقول: "ما تريد من عجوز حمراء الشدقين؟".
هنا لا بد أن نتذكر: أن المرأة أو الزوجة تُسامح فيما لا يُسامح فيه غيرها من شدة الغيرة، فقالت: "ما تريد من عجوز حمراء؟" لا زلت تذكر: خديجة! خديجة -رضي الله عنها- "عجوز حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيراً منها".
إن سلمنا أنها خيراً منها، فقد يكون ذلك في حسن الصورة، وفي صغر السن، وأما في الفضل، فلا.
بل إنه قد ورد في بعض الطرق: أنه عليه الصلاة والسلام رد عليها، فقد جاء عند [الطبراني(18557)] قالت عائشة -رضي الله عنها-: "أبدلك الله بكبيرة السن، حديثة السن، فغضب حتى قلت: والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بخير" يعني غضب عليه الصلاة والسلام من هذا.
والروايات تفسر بعضها بعضا.
وفي رواية: أنه عليه الصلاة والسلام قال:  ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي إذ كفر بي الناس  من يكون خيراً منها؟!
ولكن هذا يدل على أن الغيرة تُسامح فيها الزوجة ولا تُعاقب، لما جبلت عليه من كثرة الغيرة، ولذلك فإنه عليه الصلاة والسلام لم يعاقب عائشة -رضي الله عنها- على هذا الكلام، ولعلها كانت في صغر سنها، وأول شبيبتها، فصفح عنها صلى الله عليه وسلم، وكان يدللها كثيراً.
وحملتها الغيرة على ذلك؛ فتجاوز عنها صلى الله عليه وسلم.
نصرة خديجة -رضي الله عنها- للإسلام:
هذا طرف من سيرة هذه المرأة -رضي الله عنها-، ولكن أعظم مآثرها، وأهم شيء فعلته، وهو الشيء الذي نتذكره كثيراً، وهي الفائدة التي حصلت للإسلام من وراء خديجة: نصرة الدين:
فعندما يكون الدين في أوله، ويكون المسلمون في خطر عظيم، وقلة، وحولهم أوباش قريش، ومن يترصد للمسلمين في أول الأمر، والخشية على الإسلام؛ يكون الأمر شديد جداً، فتكون التضحية في هذه المدة بالنفس والمال، وتقديم النصرة لله ورسوله:  لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا  [الحديد:10].
فكيف إذا كان في أول نزول الوحي؟ وكيف إذا كانت المسألة؛ لما ساموه عليه الصلاة والسلام أشد العذاب، وضيقوا عليه، وما كان معه شيء، فواسته خديجة، وكانت امرأة غنية، وأنفقت مالها عليه، وعلى الدعوة، وعلى أصحابه، فبيتها أول بيت في الإسلام؟!.
فأعظم مآثر هذه المرأة: نصرتها لدين الله، من ذلك القلب المعمور بالإيمان.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرضى عنها، وأن يجزل مثوبتها، وأن يرفع درجتها، وأن يجعلنا ممن نقتفي أثر هذه السيدة الكريمة -رضي الله تعالى عنها-، وأن يجعل نساءنا ممن يسرن على خطاها، غفر الله لها ورحمها، وصلى الله على نبينا محمد.