الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

تربية النفس على التوسط والاعتدال


عناصر المادة
مفهوم التوسط والاعتدال:
بعض مجالات التوسط:
التوسط في العقيدة:
الحث على التوسط والاعتدال وترك الغلو:
التفريط مشكلة العصر:
الرد على الفكر العقلاني:
التوسط في عامة أمور الدين:
بعض جوانب التوسط والاعتدال:
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
مفهوم التوسط والاعتدال:
00:00:20
 فإن مما ينبغي أن يربي المسلم نفسه عليه أيها الإخوة: التوسط والاعتدال.
وقد تحدثنا في هذه السلسلة "في تربية النفس" عن عدد من القواعد والأسس التي يربي المسلم نفسه عليها.
فأما بالنسبة لمسألة: التوسط والاعتدال، فهي من القواعد الإسلامية العظيمة، والشؤون الخطيرة التي لها مكانة مهمة جداً، ينبغي الاهتمام بها.
فأما التوسط والوسطية، فإن وسط الشيء ما بين طرفيه، والأوسط والوسط، هو المعتدل من كل شيء، وسميت: صلاة العصر، بالصلاة الوسطى؛ لأنها وسط بين صلاتي النهار وصلاتي الليل، وهي أفضل الصلوات، وأعظمها أجرًا، كما قال عدد من أهل العلم.
فالوسطية تدل على العدالة والخيرية.
والوسط أيضاً يفيد البعد عن الإفراط والتفريط.
ولما كان الوسط مجانبًا للغلو والتقصير كان محمودًا.
فهذا التوسط أيها الإخوة، والاقتصاد من المبادئ الإسلامية العظيمة.
وقد ورد الاقتصاد في قول الله عز وجل:  فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ [لقمان: 32] أي: معتدل، متوسط، لا ينحرف نحو الإفراط ولا التفريط.
وقال عز وجل:  مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ  [المائدة : 66] أي معتدلة تلزم الحد الوسط.
وكذلك، فإن الاعتدال مما يدل أيضاً على ذات المعنى.
وهذا التوسط والاعتدال أيها الإخوة أمر مطلوب، وينبغي أن يحرص عليه؛ لأن كثيرًا من النفوس تقبل الإفراط والتفريط، وتذهب إلى هذا المذهب أو ذاك، ويترتب على ذلك كثير من المفاسد.
وفقدان التوازن في حياة الإنسان المسلم تنكب عن الفطرة، ويؤدي إلى الانقطاع عن الدين، وكم من أناس كان عندهم التزام بالدين، فلما دخلوا في الإفراط لم يتحملوا، فتركوه؟ بينما عامة الناس يركبون مراكب الشهوات، ويدخلون في التفريط، فيتركون الأحكام الشرعية، ويهملون في الواجبات، ويعملون المحرمات، فهذا التفريط الذي يعم أكثر الناس.
بعض مجالات التوسط:
00:04:00
 وعندما نلاحظ أيضًا: قضية الأخلاق التي يتصف بها الشخص نجد أن الكلام في قضية التوسط والاعتدال مسألة في غاية الأهمية، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان أن حسن الخلق يقوم على أركان أربعة: وهي الصبر، والعفة، والشجاعة، والتوسط، وعبر عنه بلفظ: "العدل"، وقال: "إن العدل يحمل الإنسان على اعتدال أخلاقه، وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو التوسط بين الذلة والوقاحة، وعلى خلق الشجاعة الذي التوسط بين الجبن والتهور، وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة، فكانت التوسط هذه في هذه المكانة الجليلة؛ لأن كل خلق محمود هو وسط بين خلقين ذميمين، وطرفاه خلقان ذميمان، مثل الجود يكتنفه البخل والتبذير، البخل من جهة، والتبذير، والجود وسط بينهما، التواضع ممكن يكون عند بعض الناس ذل ومهانة". [مدارج السالكين: 45/5].
وعند الناس الآخرين كبر، والتواضع وسط بين الذل والمهانة وبين الكبر، ولذلك النفس إذا انحرفت عن التوسط وقعت إما في هذا الانحراف أو ذاك.
التوسط في العقيدة:
00:05:48
على أن الأمر الأهم أيها الإخوة في هذه المسألة، ولا شك في قضية التوسط، هي مسألة العقيدة، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كيف أن التوسط والاعتدال مذهب أهل السنة والجماعة، ومنهجهم؟
كيف أن بعض الناس قد نفوا أسماء الله وصفاته بالكلية، والبعض الآخر شبهوه بالخلق، فكان أهل السنة والجماعة وسط في هذه المسألة، مثلاً: القدر بعض الناس، قالوا: الإنسان يخلق قدره بنفسه، بل نفوا علم الله السابق، ونفوا مشيئته وإرادته للأمور، قالوا: إنه لا يشاء المعصية والشر، ونحو ذلك.
وفي المقابل ظهر أناس، فقالوا: إن الإنسان مجبور على عمله لا إرادة له، وكالريشة في مهب الريح، والساقط من أعلى إلى أسفل.
فكان أهل السنة والجماعة، وسطًا في مسألة القدر بين هؤلاء الغلاة القدرية، وأولئك الجبرية.
وهكذا في سائر أبواب العقيدة.
انظر إلى مسألة: الإيمان، هؤلاء الخوارج والمعتزلة، كفروا مرتكب الكبيرة، وحكموا عليه بالخلود في النار.
والمرجئة، جعلوا الإيمان هو المعرفة فقط، وبناء على ذلك يكون إبليس مؤمن، وفرعون مؤمن؛ لأنه عرف الله، فقالوا: معرفة الله تكفيه.
وبعضهم أرجأ العمل عن الإيمان، وآخره عنه، وقال: العمل ليس داخلاً في مفهوم الإيمان.
فكان أهل السنة والجماعة وسطًا، لا يكفرون مرتكب الكبيرة، ويدخلون العمل في الإيمان، ويقولون: إن الإيمان مركب من أربع حقائق: قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
وهكذا في سائر الأبواب، تجد هناك فرقًا غالية، كما في الصحابة مثلاً أناس كفروهم، آل البيت، أناس ناصبوهم العداء، وأناس رفعوهم فوق منزلتهم، فعبدوهم من دون الله.
وهكذا تجد أن هناك انحرافات كثيرة ترجع إلى قضية الإفراط والتفريط، وهذه يترتب عليها مفاسد عظيمة.
والله عز وجل من رحمته: أنه يبعث من عباده من يعيد الناس إلى الوسط؛ لكثرة الانحرافات في الجانبين:  يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين , كما قال عليه الصلاة والسلام. [سنن البيهقي الكبرى: 20700، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 248].
قال ابن القيم رحمه الله: "فأخبر أن الغالين يحرفون ما جاء به، والمبطلون ينتحلون ببطالهم غير ما كان عليه، والجاهلون يتأولونه على غير تأويله، وفساد الإسلام من هذه الطوائف الثلاث، فلولا أن الله يقيم لدينه من ينفي عنه ذلك لجرى عليه ما جرى على أديان الأنبياء من قبل". [إغاثة اللهفان: 1/159].
لقد جاءت النصوص الشرعية تأمر بالوسط، والله سبحانه وتعالى وصف الأمة بأنها وسطًا:  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ  [البقرة : 143].
فهذه الأمة ما غلت غلو النصارى في أنبيائها، ولا قصروا تقصير اليهود مع أنبيائهم.
هذه الوسطية والاعتدال مذكورة في صفات عباد الرحمن، لما قال الله سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا  [الفرقان: 67].
هذه الوسطية منافية للغلو الذي نهى الله عنه عز وجل بقوله:  يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ  [النساء: 171].
والغلو: التجاوز في الحد.
وكذلك، فإن الشاعر أشار إلى هذا الخلق الإسلامي العظيم بقوله:
وأوف ولا تستوفِ حقك كله *** وسامح فلم يستوف قط كريم
ولا تغل في شيء من الأمور واقتصد *** كلا طرفي قصد الأمور ذميم
عليك بأوساط الأمور فإنها نجاة *** ولا تركب ذلولاً ولا صعبًا
 فهذه من وصايا الحكماء في هذه المسألة.
الحث على التوسط والاعتدال وترك الغلو:
00:10:24 
والنبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر لنا أحاديث كثيرة تدل على التوسط والاعتدال، فمن ذلك: ذمه صلى الله عليه وسلم لقضية الغلو، قال عليه الصلاة والسلام:  هلك المتنطعون  [رواه مسلم: 2670].
وقال عليه الصلاة والسلام:  القصد القصد تبلغوا  [رواه البخاري: 6463].
وقال عليه الصلاة والسلام أيضاً في الحديث الصحيح:  إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق  [رواه أحمد: 13074، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير: 2246].
فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبدل:  أيها الناس عليكم بالقصد، فإن الله لا يمل حتى تملوا [رواه البخاري: 5861، ومسلم: 782، وهذا لفظ ابن ماجه: 4241].
 خير دينكم أيسره  [رواه أحمد: 15978، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 3309].
 إنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم  [رواه البخاري: 7288، ومسلم: 1337].
ندب إلى أخذ رخص الله عز وجل:  عليكم برخصة الله التي رخص لكم [رواه مسلم: 1115].
وأن الناس لا يصح أن يشددوا على أنفسهم فيما أعطاهم الله فيه فسحة ورخصة:  أحب الأديان إلى الله تعالى الحنفية السمحة  [رواه أحمد: 2107، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 160].
السمحة هذه التي تكون ضمن دائرة الشريعة:  استقيموا ولن تحصوا  [رواه ابن ماجه: 277، وصححه الألباني في صحيح الترغيب: 192].
الزموا الاستقامة، واعلموا أنكم لا تستطيعون أن تحصوا جميع الاستقامة، وتستوفوا كل الدين، وتصلوا إلى كل شيء فيه، ولذلك اعملوا، وخذوا ما تطيقون:  يا أيها الناس، إنكم لن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وقاربوا وأبشروا  [رواه أبو داود: 1098، وحسنه الألباني صحيح أبي داود: 1006]، كل هذه الأحاديث صحيحة جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله:  عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه  [المستدرك: 1176، وصححه الألباني صحيح الجامع: 4086 ].
الذي يريد أن يهجم عليه دفعة واحدة، ويريد أن يأخذه كله، سيسقط، ولن يستطيع، خذوا من العبادة ما تطيقون: فإن الله لا يسأم حتى تسأموا [رواه أحمد: 26138، وصححه الألباني صحيح الجامع: 3217].
وفي رواية:  فإن الله لا يمل حتى تملوا  [رواه مسلم: 782].
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً:  ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية  [رواه البخاري: 6101].
فكان عليه الصلاة والسلام ينام، ويأكل اللحم، ويتزوج النساء، فلما خرج أناس يريدون أن يشددوا على أنفسهم، قاوم صلى الله عليه وسلم هذا المنحى، وقال: ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا، لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني  [رواه مسلم: 1401].
والذي يظن أنه إذا شدد على نفسه يكون أخشى لله، فهذا مخطئ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم الذي  قال الكلام السابق هذا هو الذي قال:  أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له ، كما جاء في بعض روايات الحديث:  إن الله تعالى رضي لهذه الأمة اليسر، وكره لها العسر [المعجم الكبير الطبراني: 707، وصححه الألباني صحيح الجامع الصغير وزياداته: 1769].
وامتدح النبي صلى الله عليه وسلم التوسط بقوله:  الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد؛ جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة ، حديث حسن رواه الإمام أحمد رحمه الله. [رواه أبو داود: 4778، وأحمد: 2698، وحسنه الألباني صحيح الأدب المفرد: 611/791].
وقال عليه الصلاة والسلام:  إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا  ما بعثه شقاء على عباد الله، ولا طالبًا للتعنت:  ولكني بعثني معلمًا ميسرًا  حديث صحيح. [رواه مسلم: 1478].
ولما أتى العلماء إلى مناقشة قضية الرخصة في القصر في السفر، وذكروا: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتم في السفر أبدًا، وكان سنته القصر فيه:  إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه  [سنن البيهقي الكبرى: 5199، وصححه الألباني صحيح الجامع: 1885].
ويمر على بعض الشباب في بعض الأوقات فترات من الحماس، وربما يكون هذا لطبيعة شخص خارج من ضلالة -مثلاً-، ويشعر بتقصيره الشديد، وأنه قد مضى عليه فترة طويلة في عالم الضلالة والزيغ، فيريد أن يعوض، فلا يكون عنده حكمة، وعلم كاف، فيهجم، يريد أن يحصل الدين كله بالمغالبة، وهذا أمر غير ممكن، لا يمكن، الرسول عليه الصلاة والسلام قال:  إنكم لن تدركوا هذا الأمر بالمغالبة  حديث حسن. رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. [أحمد: 18992، وصححه الألباني صحيح الجامع: 2311].
وحذرنا من الغلو في الدين، وقال:  هلك المتنطعون  [رواه مسلم: 2670].
وهم المتعمقون المجاوزون للحدود في أقوالهم وأفعالهم.
وكان عليه الصلاة والسلام يقاوم قضية الجنوح إلى الزيادة أو التشديد، أو حمل الناس على الأشد، وقد غضب عليه الصلاة والسلام غضبًا شديدًا لم يغضب مثله، عندما بلغه أن فلانًا من أصحابه يطيل الصلاة، فسبب ذلك نفور بعض الناس، فقال:  إن منكم منفرين، فمن أم بالناس فليتجوز، فإن خلفه الكبير، والضعيف، وذا الحاجة [رواه البخاري: 704].
ولا شك أن النهي عن التشديد، وأن الإنسان يعمل إلى حد السآمة، خطورته تكمن في أنه سيترك العمل، ولا يتحمل الإنسان الانقطاع عن شهوات الدنيا بالكلية، فالذي يشدد على نفسه بالعبادة تشديدًا كبيرًا تتعب نفسه، تكل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص:  نفهت نفسك  [رواه البخاري: 1102]. أي: كلت وملت.
وحتى عينك إذا كنت تطيل الصلاة جداً بحيث لا تجعل لجسدك حظًا من النوم، فإن عينك ستتضرر، وجسدك سيتضرر، فسيؤدي هذا بالتالي إلى الانقطاع عن العمل، ويؤدي إلى إعطاء نماذج غير صحيحة عن تطبيق الإسلام، عندما يرى بعض الناس هؤلاء المتشددين.
التفريط مشكلة العصر:
00:17:10

ولا شك أيها الإخوة، أن مشكلتنا في هذا العالم اليوم ليست في التشدد، بقدر ما هي في التفريط، وذلك لضعف الدين عند أكثر الناس، ولهذا، فإن الحديث في هذه القضية يجب أن يركز على جانب التفريط أكثر من جانب التشديد؛ لأنك إذا تأملت حال الناس الآن، هل تجد أن أكثرهم يقومون الليل كله، ويصومون النهار كله، وأنهم قد عكفوا على العبادات، يسردون الصوم سردًا، وأنهم يختمون القرآن في ركعة -مثلاً-، وأنهم مجتنبون للذات الدنيا وشهواتها؟ كلا.
إنك ستجد الأمر على النقيض تمامًا.
إن حال أكثر الناس اليوم  في قضية ترك الواجبات، وفعل المحرمات، والإغراق في المباحات، والاشتغال بالملذات، حتى رق دينهم، وابتعدوا عن كثير مما أراده الله سبحانه وتعالى، فعندما نذكر نماذج -مثلاً- نقول: النبي عليه الصلاة والسلام أنكر التشدد، وفعل، وقال ولما رأى حبلًا مربوطًا في المسجد، وأن زينب رضي الله عنها تتعلق بالحبل قال:  ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر، فليقعد  [رواه البخاري: 1099، ومسلم: 784].
وجئنا ننظر أين هذه الحالات في الناس؟
نجد أنها قليلة جداً.
لكن من باب عرض الموضوع ينبغي أن نذكر قضية التشدد، وترك الرخص، يعني: مذهب الخوارج، يوجد له زبائن، لكن قليل، الآن -في هذا العصر- لو قلت: أيهم الأكثر والأعم فيه مذهب الإرجاء، أو مذهب الخوارج؟
مذهب الإرجاء أكثر، وأعم، صحيح يوجد غلو، ويوجد تشديد، ويوجد من هو على مذهب الخوارج، والرسول عليه الصلاة والسلام قال:  تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم  [رواه البخاري: 5058].
أناس آخذين بالتشديد على أنفسهم في العبادات، لكن الزمن هذا ليس هو الذي راج فيه سوق المشددين، ربما كان في بعض السنوات الماضية هذا له وجود أكثر، جانب المشددين، لكن هذه الأيام الجانب المصيبة الأكبر في قضية التفريط، والتسيب، والتساهل، فلذلك لو أن خطيب جمعة أراد أن يتحدث للناس اليوم عن هذه المسألة؟ سيغلب أي جانب في الشرح، والإيضاح، جانب التفريط، وليس جانب التشديد؛ لأن هذا هو واقع الناس، وبدأ هذا حتى في شباب الصحوة، أنهم صاروا يدخلون في أشياء يتساهلون فيها تؤدي إلى الوقوع في شبهات، ثم مشتبهات، ومحرمات، ولذلك، فإن قضيتنا الأولى في هذا الموضوع هو هذا الجانب.
الرد على الفكر العقلاني:
00:20:47
 ولذلك يا إخوان، ترون في كتابات بعض المنتسبين للدعوة طوامًا في هذا الموضوع، فتجد أحدهم -مثلاً- يتكلم عن قضية التطرف الديني، ويتحدث بإسهاب عن التزام التشديد، وإلزام الآخرين به، وقضية تقصير الثوب الذي التزمه كثير من الشباب المتدين، لاحظ عبارة من العبارات قضية تقصير الثوب الذي التزمه كثير من الشباب المتدين، رغم ما جر عليه من متاعب أسرية واجتماعية بدعوى أن لبس الثوب إذا زاد عن الكعبين فهو حرام، وحجتهم في ذلك الحديث الصحيح، يعني هذا ينتقد قضية الثوب، ويقول: جرت مشاكل، وإذا ناقشت المتشددين، قالوا: عندنا حديث صحيح سبحان الله! صار الأخذ بالحديث الصحيح الآن خطأ، وضلال، وتشديد.
خذ مثالاً آخر من كلام أصحاب الفكر الذي يسمون أنفسهم الفكر المستنير، التيار العقلاني، هذا الذي هو يتقاطع مع التيار العلماني في أشياء كثيرة.
يقول أحدهم: مثل ذلك يقال فيمن يتبنى الآراء المتشددة في الغناء، والموسيقى، والرسوم، والتصوير، ويخالف عددًا من علماء العصر البارزين، ولكن يتفق مع العديد مع علماء المسلمين المتقدمين، والمتأخرين، والمعاصرين، هذا اسمه لف ودوران، هذا خلط الأوراق.
ولذلك أقول: إن التيار الذي يريد أن يكتسح الساحة، هو تيار التساهل، والتفريط، ولذلك، فإننا ينبغي أن نعنى بجانب التفريط أكثر، ومع الإشارة إلى قضية الغلو في الجانب الآخر، حتى طريقة عرض الموضوع يجب أن تكون متوازنة، ويوجد لكل ضلال زبائنه، يوجد مذهب التشديد، والغلو يوجد له أتباع وناس واقعون فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما قال:  إياكم والغلو في الدين  [رواه ابن ماجه: 3029، وصححه الألباني الصحيحة: 1283].
قال شيخ الإسلام رحمه الله: "عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال". [اقتضاء الصراط المستقيم: 4/237].
فهذا يشمل الاعتقادات والأعمال، وقد حصل عند الناس غلو وانحرافات في قضايا في العقيدة، في قضايا في الأخلاق، في قضايا في التعامل مع الناس، في التعامل مع النفس أيضاً، والذي يريد أن يقول: إن بعض الناس لما نطرح قضية التشديد، يقول: إن الإسلام ما فيه تشديد، ما فيه أي شدة، وهذا غلط، كيف الإسلام ما فيه أي شدة؟ خذ -مثلاً- قول الله عز وجل:  قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً [التوبة: 123].
وقال عز وجل:  تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ  [الأنفال: 60].
وقال عز وجل في حد الزنا:  وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ  [النور: 2].
وقال عز وجل في أهل الذمة:  حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  [التوبة: 29].
لا بد أن يكون هناك صغار في أخذ الجزية منهم، كأن يطال وقوفهم، ولا بدّ يأتي يسلمها بنفسه، فلا يقبل أن يرسل بها خادمه، أو يرسلها بشيك، يسلمها يدًا بيد:  حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ  [التوبة: 29].
فلو أن هذا حصل في هذا الزمان، وطبق الحكم، ما يقبل أخذ الجزية من الذمي بالشيك والحوالة، يأتي هو بنفسه، ويطال وقوفه عند بيت مال المسلمين، إذلالاً له، وتؤخذ منه بشدة، ولا يقال له: شكرًا، ويعطيك العافية،  حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: 29].
فالمراد أن بعض الناس يعرض الإسلام خصوصًا من أصحاب تيار المفرطين المتساهلين الذين يريدون أن يميعوا الدين، ويتراجعون تحت ضغط الواقع، يعني يريدون أن يقولوا: الإسلام كله ما فيه أي شدة، وهذه النصوص أين نذهب بها؟ لكن على من يستحق الشدة، على الزاني والزانية، وعلى الكفار.
أما على المؤمنين، فإن الله سبحانه وتعالى قال:  أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين [المائدة: 54].
لكن قال:  أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِين  [المائدة: 54]  أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِين .
فالذي يريد أن يصور الإسلام أنه كله دين تسامح، ودين رأفة مع الجميع، هذا انحراف واضح في فهم الإسلام، وفي عرضه على الناس.
والذي حملهم على ذلك -إذا أحسنا الظن بهم- ما يرونه من كتابات الغربيين، وانتقاداتهم للمسلمين: أن عندهم شدة، وعندهم غلظة.
نقول: نعم، عندنا شدة، وغلظة على من يستحق، يعني أناس كفروا بالله، وأشركوا به، هكذا نعاملهم، نعم ندعوهم باللين، لكن إن عاندوا، المعاند ماذا يكون جزاؤه؟  وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً  [التوبة : 123]
وهجر المبتدع، ماذا يكون المبتدع حقًا، وليس من يبدع بالباطل. المبتدع حقًا ما حكمه؟
يهجر.
والهجر ما فيه غلظة؟ ما فيه شدة؟
أليس نوعًا من الشدة والقسوة؟
نعم، لكن يستحقها.
التوسط في عامة أمور الدين:
00:27:12
 أيها الإخوة: إن مسألة التوازن والتوسط، هي عامة في أمور الدين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلاحظها الصحابة، ويتابعهم في هذه المسألة، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه زوجه أبوه، ثم جاء يتفقد كنته، فسألها، فقالت: نعم الرجل لكن لم يكشف لنا سترًا، ولا غطاء، ولا كنفًا.
معناه: أنه منشغل بالعبادة، تارك للزوجة.
فحدث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لقي عبد الله بن عمرو، فنصحه في هذه القضية؛ لأنه حصل هناك خلل، حصل زيادة في جانب أدت إلى تضييع جانب آخر، فقال له:  إن لنفسك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزورك عليك حقًا  [رواه البخاري: 1975، ومسلم: 1159].
وهذا مبدأ التوازن والاعتدال والتوسط، لاحظ كيف جمع له الأشياء، وعالج القضية؟ مربي لاحظ أن واحدًا ممن تحته صار عنده تضخيم في جانب على حساب جوانب أخرى، واهتمام لجانب على حساب جوانب أخرى، ومما أدى نقص في الطرف الآخر وخلل، فماذا قال له؟  ألم أخبر أنك تفعل كذا وكذا؟  قال: نعم، أقوم الليل، وأصوم النهار كله، قال: فلا تفعل .
فإذًا، نهاه عن التركيز على هذا الجانب، وإعطائه كل الجهد، قال:  فلا تفعل، صم وأفطر، قم ونم .
ثم وضح له في جوانب أخرى، الإنسان الذي يحصل عنده خلل في التوازن قد يغيب عن باله الجوانب الأخرى، لو كان مستحضرًا لها لربما ما صار عنده الإغراق هذا، أو التركيز الكلي في جانب معين.
فإذًا، إصلاح التصور مهم جداً في علاج الخلل الذي يكون عند بعض الشباب أو بعض الناس في هذه المسألة، فجمع له الأطراف والجوانب الأخرى، قال:  فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا .
الجسد له عليك حقًا؛ لأن الصيام المتواصل ينهك الجسم، القيام المتواصل ينهك العين:  فإن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينيك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا...  [رواه البخاري: 1975، ومسلم: 1159].
حتى وطء الزوجة من حقوقها، وليس له أن يترك وطؤها، غير القيام عليها بما يصلحها، والاهتمام بشأنها في الأمور الأخرى،  وإن لزورك عليك حقًا ، حتى الضيوف، والزوار لهم حق، أن تكرمهم، وتستقبلهم، وتحسن وفادتهم.
إذًا، لما جمع الجوانب الأخرى ظهر الخلل.
كيف تقنع شخص أن عنده خلل في مسألة التوازن، إذا عرضت الجوانب الأخرى التي هو مقصر فيها يتبين له الصورة الكاملة، وكيف مالت الكفة، وفقد قضية التوازن الاعتدال في هذه المسألة، فرجح جانب وخف جانب، فصار خلل في حياته، وهذا يؤدي إلى خلل في حياة من حوله.
لاحظ الخلل في التوازن و في الاعتدال والتوسط لا يتضرر به الشخص نفسه فقط، وإنما يتعدى الضرر، ممكن يتعدى إلى الضرر إلى الأشخاص المحيطين به.
انظر بعض الدعاة مثلاً لو انشغلوا في قضية الدعوة انشغالاً كليًا، بحيث ذهبوا في العلاقات مع الناس، والزيارات، والذهاب والمجيء، ونحو ذلك، وتركوا أولادهم وزوجاتهم، الخلل الذي حصل هذا لا يتضرر به الشخص نفسه في هذا الموضوع بقدر ما يتضرر به من حوله، أو من هو مسؤول عنهم وبالدرجة الأولى أحيانًا كالأولاد والزوجة، فلا بدّ من معالجة القضية؛ لأن ضررها يعم إلى أطراف وأشخاص آخرين.
ولما لاحظ أحد السلف أو واحد من الصحابة، وهو مطرف بن الشخير رضي الله عنه أن ابنه عبد الله عنده إغراق في هذا الجانب، يعني جانب العبادة على حساب الجوانب الأخرى، فقال: "يا عبد الله الحسنة بين السيئتين" .
قاعدة: الحسنة وسط بين السيئتين" وخير الأمور أوساطها وشر السير الْحَقْحَقَةُ" [شعب الإيمان: 3888]، الْحَقْحَقَةُ عند العرب: أن يسار بالبعير، ويحمل عليه ما يتعبه ولا يطيقه، حتى يبدع براكبه، ويسقط، وينهار البعير، ولا يكمل الطريق.
فكان معنى كلامه رحمه الله ورضي عنه: عليك بالقصد في العبادة، لا تحمل على نفسك فتسأم، وخير العمل ما ديم وإن قل، وإذا حملت على نفسك ما لا تطيق بقيت حسيرًا، إن المنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى، الذي يريد أن يسير سيرًا متواصلا لا تقوى الدابة عليه، ستنهار الدابة، فلا هو قطع المسافة، ولا هو أبقى الظهر، وأبقى هذه الدابة، وحافظ عليها، لأجل أن تستمر في المسير به.
وكذلك، فإننا من المهم أن نهتم بقضية التوازن هذه يا إخوان، الاعتدال والتوسط؛ لأن تقديم نماذج صحيحة عن التطبيق الإسلامي للناس في المجتمع هو دعوة عملية بليغة جداً، أقوى من الكلام بكثير، وعدم الاهتمام بمسألة الاعتدال والوسط يؤدي إلى تقديم نماذج مشوهة عن التطبيق الإسلامي، تنفر الناس من هذا الدين، وتصدهم عنه، فالناس يركزون، ينظرون بنوع من التركيز إلى المتدينين؛ لأنهم يمثلون الدين في نظرهم، ويريدون أن يعرفوا الدين من خلال المتدينين، وهذه قضية ستحصل شئنا أم أبينا، ومهما حاولنا نشرح للناس، ونقول: يا أيها الناس: إن الإسلام لا يتحمل أخطاء المسلمين، لو رأيت بعض المتدينين أخطؤوا فإن الإسلام برئ من الخطأ، المخطئ يتحمل خطأه، هو جنى على نفسه، وجنايته على نفسه، والإسلام من هذا برئ، فالناس لا يفهمون دئماً هذا الكلام، ويقيسون عليه، وإنما يقيسون الإسلام على المسلمين، حتى الكفار.
فمن المهم: أن يكون عندنا هذا الخلق، نربي أنفسنا عليه، التوسط والاعتدال؛ لأننا نريد أن نخرج للأمة -في الداخل من المسلمين، والخارج من الكفار- نريد أن نخرج للعالم نماذج حية، فيها هذا الخلق، والقاعدة الإسلامية التوسط والاعتدال، حتى يعرفوا الدين، ويتبين لهم ما هو الإسلام، وتكون الدعوة دعوة عملية، ويكون الجذب للمنهج الصحيح الوسط، نحن نريد أن يروج المنهج الوسط في العالم، هذا مما أمرنا به، وهذا من مصلحتنا، فلذلك مراقبة تصرفاتنا، وموازنة أعمالنا في هذا الجانب، له أثر كبير على الموضوع الدعوي، والجهد الدعوي الذي يجب أن نقوم به.
بعض جوانب التوسط والاعتدال:
00:36:13
إذا نظرنا إلى الجوانب التي ينبغي أن نركز فيها على مسألة الاعتدال والتوسط، وهي كثيرة، فمثلاً:
جانب المعتقد، وهذا أهمها، وأكبرها، وضربنا أمثلة، ولا شك أن هناك كتب اعتنت بهذا الموضوع.
العقيدة الواسطية ذكر فيها رحمه الله هذا الجانب، ومن أراد أن يعود إلى شرحها، سيجد كيف الوسطية في جانب الاعتقاد.
جانب العبادة:
وأما في جانب العبادة، فقد مر بنا مثال على قضية الاهتمام، أو مسألة الاهتمام بالعبادات البدنية على حساب الواجبات الشرعية الأخرى، مثل حقوق الأهل، ونحو ذلك.
أيضاً مما يحصل من الخلل في موضوع العبادات، وينافي التوازن الشرعي والتوسط والاعتدال: أن بعض الناس ممكن يشتغل بالنوافل والمستحبات على حساب الواجبات، كمثل من قام الليل قيامًا يؤدي إلى نومه عن صلاة الفجر، وكذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم:  أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوماً، ولكنه لا يفر إذا لاقى  [رواه البخاري: 3420].
فصيام يوم وإفطار يوم في حق داود عليه السلام الذي أتاه الله قوة في البدن، قوة عجيبة في جسده، لم تؤد إلى ضعفه عن الجهاد.
يجب أن يكون إذا أردت أن تقوم بهذه العبادات البدنية، يشترط: ألا تخل بالواجبات الشرعية الأخرى، مثل الجهاد، فالجهاد هذا قد يكون واجبًا، صيام يوم وإفطار يوم هذا مستحب، ولا يمكن أن تعمل المستحب، وتضيع الواجب، ولكنه كان  لا يفر إذا لاقى ، الفرار في الجهاد حرام، فإذا كان صيام يوم وإفطار يوم، يؤدي للفرار من الجهاد فماذا فعلنا؟ انشغلنا بمستحب، وضيعنا واجبًا، وفعلنا محرمًا لأجل الاشتغال بالمستحب،  ولكنه كان لا يفر إذا لاقى ، فهذا من الجوانب المخالفة للتوسط والاعتدال.
وكذلك: التشديد على النفس تشديدًا يفضي إلى ترك العمل بالكلية، ولذلك كان أحب العمل إلى الله أدومه، المهم قضية المداومة، إذا نظرت إلى النصوص الشرعية هذه تجد أن المداومة عند الشارع أهم من الكثرة، فإذا صار عندك أمرين: كثرة مع انقطاع، ومداومة مع قلة، أيهما تختار، كثرة مع انقطاع أو مداومة مع قلة؟ مداومة مع قلة.
إذًا، يجب أن ندور مع الشرع حيث دار.
التوازن بين الدنيا والآخرة:
ثم من الجوانب أيضاً: التوازن بين الدنيا والآخرة، في العمل للدنيا والآخرة، كما قال الله عز وجل:  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا  [القصص: 77].
فمن الخلل الذي يمكن أن يحدث في قضية التوسط والاعتدال والتوازن: أن بعض الناس يركز على العمل للآخرة في العبادات البدنية مثلاً، يشتغل بها، وينسى أن يعمل حتى يكسب رزقًا ينفق على أهله، والنفقة على الأهل واجبة، فإذا راح يعمل مستحبات، ويقول: أنشغل بالعبادة، كما يفعل بعض أصحاب الطرائق الدعوية في قضية مثلاً أنهم يخرجون للدعوة، أو العبادة أيامًا طويلة، وقد تصل إلى شهر، وأربعين يومًا، وشهور متعددة، وأكثر، وسنة، وزوجته تقول: لا يوجد خبز عندي في البيت، ماء شرب للأولاد لا يوجد في البيت، وهذا شيء عرفناه حقيقة من خلال شكاوى وصلت من بعض النساء، تقول: ما عندي ماء شرب للأولاد، ولا عندي خبز، وأنا أروح أركب ليموزين لكي آخذ ولدي للمستشفى، وأجيب الأشياء للبيت أين زوجي؟
فهذا العمل انقطاع عن القيام بالمسؤوليات التي بعض الناس ينظرون أنها مسؤوليات دنيوية، يقول: الزوجة والأولاد يدبرون أنفسهم، وأنا أنشغل بالدعوة، وأذهب في سبيل الله، أليس الله عز وجل فرض عليك أن تهتم بزوجتك وأولادك بالنفقة؟  قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ  [التحريم : 6].
إن الله سائل كل راع عما استرعاه، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته.
هذه قضية فيها مسائلة يوم القيامة، فيها حساب، فهذا من جوانب الإخلال، هذا من فقدان التوسط والاعتدال، والتوازن.
إذا جئنا على قضية الدنيا والآخرة، فإننا نجد -بحمد الله- أن في ديننا الدنيا والآخرة متصلة ببعضهما، البعض طريق واحد ما عندنا فصل بين عمل الدنيا، وعمل الآخرة بحيث يشعر المسلم أن للدنيا جانب منفصل تمامًا، ولا علاقة له بالآخرة، حتى اللقمة تضع في في امرأتك لك صدقة، وحتى النفقة تنفقها على أهلك تحتسبها فهي صدقة، وحتى الزرع تزرعه فيأكل منه إنسان أو طير أو دابة، إلا كتب لك به أجر، يعني: حتى القضايا الدنيوية مثل الزرع، وقضية شراء الأغراض للبيت، هذه عبادة يؤجر عليها الإنسان، نعم هي ليست من الشعائر مثل الحج، والصوم، والصلاة، والاعتكاف، ولكنها إذا نوى الإنسان بها وجه الله: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي" يؤجر عليها.
إذًا، ما عندنا -ولله الحمد- هذا الفصام النكد بين الدنيا والآخرة، كما هو عند المنحرفين في الأديان الأخرى، كما قال بعضهم قال: "إن الناس يتوجهون إلى الكنيسة يوم الأحد، ويعبدون البنك المركزي ستة أيام في الأسبوع".
وآخر بريطاني يتكلم عن قومه، يقول: الناس يعبدون البنك المركزي ستة أيام في الأسبوع، ثم يذهبون في اليوم السابع إلى الكنيسة" فعندهم انفصام نكد عمل الدنيا لا يكون عندهم عمل ديني.
لكن عندنا نحن -الحمد لله- سلامة المنهج تريح الإنسان في حياته، سلامة المنهج تجعل معيشتك مريحة، فلما تحس أنت أن نومك إذا احتسبت وجه الله، وكذلك وطء الزوجة إذا احتسبت به، وكذلك الإنفاق عليها، وملاطفة الأولاد، وممازحتهم.
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يداعب الحسن والحسين.
الممازحة هذه للولد والحفيد هذه يؤجر عليها الإنسان، وإذا تركه يركب ظهره، ويلعب فوق ظهره يؤجر عليه، يؤجر عليه، والزرع إذا زرع، والتجارة إذا تاجر، والصناعة إذا صنع.
إذًا -الحمد لله- بناء على هذا الدين عيشتنا عيشة مريحة وسوية، لكن يحصل النكد أين؟
يحصل الخلل والخطر عندما يتم الانحراف بإفراط أو تفريط في هذا الجانب، فمثلاً: إذا تم التركيز في العمل الدنيوي على الأشياء العمل الوظيفي مثلاً، أو التجاري على حساب العبادات، فتجده مفرط في عباداته، لا يقيمها على الوجه الصحيح، لا يقوم بالواجبات، ويفعل محرمات، من أجل الوظيفة والتجارة، ه