الخميس 6 ربيع الآخر 1440 هـ :: 13 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الشرك الأكبر والشرك الأصغر


عناصر المادة
من نواقض الإيمان: كفر الإباء والاستكبار والامتناع:
الطَّائفة الممتنعة: هل تقاتل قتال بغاة أو كفَّار؟
من نواقض الإيمان: الشِّرك الأكبر:
الشِّرك بالنِّية:
شرك المحبة:
من نواقض الإيمان: الكفر بالتَّشريع:
مفهوم الطَّاغوت:
أنواع الشِّرك الأكبر:
متى يكون الحكم بغير ما أنزل كفراً أكبر، أو أصغراً:
من نواقض الإيمان: مظاهرة المشركين على المسلمين:
من نواقض الإيمان: الاستهانة والاستهزاء بالدين، أو بشعائره:
مسألة سب الصَّحابة:
من نواقض الإيمان: السِّحر:
الشِّرك الأصغر:
الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد سبق الحديث في درس ماضٍ عن نواقض الإيمان: فمنها قولية، ومنها عملية، وتحدثنا عن طائفة من أنواع الشِّرك الأكبر، وسنتم هذا الموضوع إن شاء الله ونتحدث أيضاً عن الشِّرك الأصغر.
من نواقض الإيمان: كفر الإباء والاستكبار والامتناع:
00:00:43
 فمن أنواع المكفرات، ونواقض الإيمان: كفر الإباء والاستكبار والامتناع، وهذا مناقضٌ لعمل القلب، وهو ككفر إبليس وفرعون واليهود، الذين عرفوا الحقَّ فلم ينقادوا، ولم يستسلموا له، وقال تعالى عن إبليس:  وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ [البقرة: 34].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: و"كفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التَّصديق والعلم؛ فإن إبليس لم يخبره أحدٌ بخبر، بل أمره الله بالسِّجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار لا لأجل التكذيب، وكذلك فرعون وقومه  وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل: 14][مجموع الفتاوى7/534].
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان أنواع الكفر الأكبر: "وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنَّه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنَّما تلقَّاه بالإباء والاستكبار" [مدارج السالكين: 1/337].
فإبليس ما أنكر ولا جحد، لكن أبى واستكبر، ومع هذا فإنَّه كافر كما هو معلوم، ويدخل في هذا أيضاً كما قال ابن القيم رحمه الله: "ومن هذا كفر من عرف صدق الرَّسول، وأنَّه جاء بالحقِّ من عند الله، ولم ينقد له إباءً واستكباراً، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل". [مدارج السالكين: 1/337].
وكذلك فإنَّ من امتنع عن التزام شريعة منن شرائع الإسلام الظَّاهرة المتواترة، ورفض الانقياد وتمنَّع وتسلَّح واستعدَّ للقتال فهذه المسألة التي يسميها العلماء قتال الطَّائفة الممتنعة، فأجمع العلماء على وجوب قتال الطَّائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظَّاهرة المتواترة.
الأدلَّة على وجوب قتال الطَّائفة الممتنعة:
واستندوا إلى عدة أدلَّة ومن ذلك: قتال الصَّحابة لمانعي الزَّكاة، وأحاديث الأمر بقتال الخوارج، وقول الله عز وجل فيمن لا يتوب من الربا:  فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  [البقرة: 279].
واستدلوا بآية الحرابة، وأيضاً واستدلوا بقوله تعالى:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: 39]، وبقول الله عزَّ وجلَّ:  فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة: 5].
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذه المسألة قائلاً: "فقد أخبر تعالى أنَّ الطَّائفة الممتنعة إذا لم تنته عن الرِّبا فقد حاربت الله ورسوله، والرِّبا آخر ما حرَّم الله في القرآن، فما حرَّمه قبله أوكد، وقال تعالى:  إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة: 33].
فكُلُّ من امتنع من أهل الشَّوكة عن الدُّخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير كتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض فساداً" [مجموع الفتاوى: 28/469-470]. ولذلك فإنَّ هؤلاء الممتنعين عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظَّاهرة المتواترة  كالزَّكاة مثلاً يجب قتالهم، حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا كما يقول ابن تيمية رحمه الله: "وإن كانوا ناطقين بالشَّهادتين، وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر الصِّديق والصَّحابة مانعي الزَّكاة" [مجموع الفتاوى: 28/502].
فعُلم أن مُجرَّد الاعتصام بالإسلام مع عدم الالتزام بشرائعه ليس بمُسقِطٍ للقتال، فالقتال واجبٌ حتى يكون الدِّين كُلُّه لله، وحتى لا تكون فتنةً، يقول ابن تيمية: "فَأَيُّمَا طائفةٍ امتنعت من بعض الصَّلوات المفروضة أو الصِّيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدِّماء والأموال والخمر والزِّنا والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدِّين ومُحرَّماته التي لا عذر لأحدٍ في جُحُودِها وتَركها، والتي يكفر الجاحد لوجوبها؛ فإنَّ الطَّائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مُقرَّة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطَّائفة الممتنعة إذا أصرَّت على ترك بعض السُّنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة -عند من لا يقول بوجوبها- ونحو ذلك من الشَّعائر. [مجموع الفتاوى: 28/502].
إذاً: هذه خلاصة قضية الطَّائفة الممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام أنَّهم يقاتلون.
بقي السؤال هنا: هل يقاتلون قتال بغاة أو قتال كفار؟
الطَّائفة الممتنعة: هل تقاتل قتال بغاة أو كفَّار؟
00:07:08
 لقد وقع خلاف في هذه المسألة، وقال شيخ الإسلام رحمه الله في مسألة كفر مانعي الزَّكاة: "ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها، وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب" كأن يقول: أنا مُعترِفٌ بالزَّكاة أنها واجبة، لكن لا أُخرج وأقاتل، "على قولين هما رواية عن أحمد كالروايتين عنه في تكفير الخوارج" لأنَّه قال مرَّةً بتكفيرهم ومرةً بأنَّهم بُغاة، قال شيخ الإسلام: "وأمَّا أهل البَغي المُجرَّد فلا يكفرون باتفاق أئمَّة الدِّين"[مجموع الفتاوى: 35/ 57].
وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى رجَّح تكفير الممتنع عن الشَّرائع الظَّاهرة المتواترة إذا كانوا طائفة وقاتلوا الإمام قال: يكفرون، فإذاً قتالهم يكون قتال كفر، قال في مسألة هل يجوز اتباع مدبرهم وقتل أسيرهم والإجهاز على جريحهم؟ على قولين للعلماء مشهورين الصواب: "أن هؤلاء ليسوا من البُغاة المتأوِّلين؛ فإنَّ هؤلاء ليس لهم تأويلٌ سائغٌ أصلاً، وإنَّما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعي الزَّكاة، والخُرمية ممن قُوتِلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام" [مجموع الفتاوى: 28/548]. إلى آخر كلامه في هذه المسألة.
لكن من الذي يقاتل هؤلاء؟ القادر عليه، ولذلك من الفتن التي حصلت في المسلمين في هذا الزَّمان أنَّ قوماً قد احتجوا بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في إعلان الجهاد بين المسلمين؛ لأجل هذه القضية، وقد يصح قولهم في وجود الطَّائفة الممتنعة في بلاد المسلمين، ممتنعة عن إقامة بعض أحكام الدِّين، أو الشَّريعة كُلَّها، لكن متى يجوز أن يُقاتَلوا؟ إذا قُدِر على ذلك، وإذا لم يُقدر عليه فيكون إشعال الحرب، ورفع السِّلاح فيه خطأٌ ظاهرٌ، فإذاً الذي يقدر على قتالهم والإمام إذا قام بقتالهم إذا وُجِد يجب عليه إن يقاتلهم، إذا استطاع المسلمون، وهذه مسألة دقيقة، ومهمة وحصل فيها غلو وخلط وتهاون في الجهة الأخرى، والمقصود أنَّه يجب أن يكون نظرة المسلم صحيحة، ومبدؤه صحيحاً، حتى لو كان غير قادر على تنفيذ الحكم، إنَّما أن تُشعل الفتن بدون قدرة على حسم الأمور ولا استطاعة فهذا واضح أن ضرره أكثر من نفعه.
من نواقض الإيمان: الشِّرك الأكبر:
00:10:49
 وكذلك من نواقض الإيمان: الشِّرك الأكبر، ويكون بعمل القلب كالمحبة والإرادة والقصد، وهذا الشِّرك في العبادة الذي هو صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله، وقد ذكره العلماء على أربعة أنواع: شرك الدُّعاء وهو أن يدعو غير الله، وشرك النِّية والإرادة والقصد، وشرك الطَّاعة، وشرك المحبَّة، وهذه الأنواع ترجع إلى شرك في الاعتقاد وهو عمل القلب، وشرك في الأقوال والأعمال وهذه ترجع إلى عمل القلب أيضاً.
الشِّرك بالنِّية:
00:11:38
 أمَّا بالنُّسبة لشرك النِّية والإرادة والقصد فإنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أمر بالإخلاص، وقال عزَّ وجلَّ:  فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110].  وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ  [البينة: 5]. وهذا من شروط لا إله إلا الله، فلمَّا نقول الشِّرك في النِّية والإرادة والقصد لابُدَّ أن نوضِّح ماذا نقصد؟ فالنِّية تُطلَق في كلام العلماء: على تمييز العبادات بعضها عن بعضها، كتمييز صلاة الظُّهر عن صلاة العصر مثلاً، أو تمييز العبادات عن العادات كتمييز غسل الجنابة عن غسل التَّبرُّد والتَّنظف، والمعنى الثاني: تمييز المقصود بالعمل هل هو لله وحده لا شريك له، أو لله ولغيره، أو لغير الله، هذه النِّية التي تكلَّم عنها العارفون في كلامهم عن الإخلاص وتوجد كثيراً في كلام المتقدمين، وهي النِّية التي يتكرَّر ذكرها في كلام النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم تارةً بلفظ النِّية، وتارةً بلفظ الإرادة، والله عزَّ وجلَّ قال:  مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ  [آل عمران: 152].  تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ  [الأنفال: 67].
 وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ  [البقرة: 265]. هذا الشِّرك في النِّية والإرادة والقصد المضاد للإخلاص، وهو درجات: فقد يكون شركاً أكبر، وقد يكون غير ذلك، وهاهنا كلام لابن رجب رحمه الله جيد في هذه المسألة يقول: "واعلم أنَّ العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضاً بحيث لا يُراد سوى مراءاة المخلوقين لغرضٍ دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم قال الله عزَّ وجلَّ:  وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]. لم يُصلِّ إلَّا لأجل النَّاس، ولم يُصلِّ لله؛ لأنَّه لم ينو وجهَ الله أبداً، فهذا العمل لا شكَّ أنَّه حابط، يعني: الدافع الأولى للعمل غير الله، فهو يُصلِّي لأجل النَّاس.
ثانياً: أن يكون العمل لله ويشاركه الرِّياء، فما هو حكمه؟ إن شاركه في أصله فالنُّصوص الصَّريحة تدُلُّ على بطلانه وحبوطه، يعني: لو أنَّ شخصاً من حين ابتداء عمله وهو لله ولغير الله، فهذا يَدُلُّ على أنَّه حابط، كما جاء في حديث:  أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه  [رواه مسلم: 2985].
الحالة الثَّالثة: إن كان أصل العمل لله، ثم طرئت عليه نية الرِّياء فلا يَضرُّه إن كان خاطراً ودفعه، مثلاً: رجلٌ عمل لله وأثناء العمل طرأ رياءٌ، فإن دافعه فلا يَضرُّه، وإن استرسل معه فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل النِّية؟ اختلف العلماء في ذلك، قال ابن رجب: "وأرجوا أن عمله لا يبطُل بذلك، وأنَّه يُجازى بنيته الأولى، فأمَّا إذا عمل العمل لله خالصاً ثم ألقى الله له الثَّناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل الله ورحمته واستبشر بذلك لم يضرُّه ذلك، وفي هذا جاء حديث:  تلك عاجل بشرى المؤمن  [رواه مسلم: 2642].
ولكن يجب على الإنسان إذا طرأ عليه طارئُ رياءٍ أن يدافعه ولا يستمر معه ويسترسل، لكن إذا قلت: يحبط، فهناك فرق بين يحبط ويأثم، يحبط يقول ابن رجب: أرجو أن لا يحبط؛ لأنَّه بدأه لله، بخلاف ما لو عمله لغير الله أو عمله لله ولغير الله من بدايته، فيجب أن يدافع الرِّياء إذا طرئ ولا يسترسل معه. [جامع العلوم والحكم: 16-17].
شرك المحبة:
00:17:01
 وأما شرك المحبة: فإنَّ محبة الله أصل كُلِّ عمل من أعمال الدِّين، وهي شرط من شروط لا إله إلا الله، فلابُدَّ من إخلاص المحبَّة لله عزَّ وجلَّ، وإذا كانت المحبة أصل كل عمل وحركة، وكذلك الإرادة فلابُدَّ أن تُجعل لله تعالى، وهذه المحبة لو بطلت: بطلت جميع مقامات الإيمان، والإحسان، وتعطلَّت منازل السَّير إلى الله، فهي كالرُّوح في العمل، إذا انتهت انتهى العمل، والعلامات التي تدُلُّ على المحبة كثيرة منها: فعل الواجبات: من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة، محبة أولياء الله، وبغض أعدائه، اتباع الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم  قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ  [آل عمران: 31]. إذاً هذه له علامات.
أمَّا شرك المحبة المذكور في قوله تعالى:  وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ  [البقرة: 165]. فهؤلاء الذين أشركوا مع الله تعالى في المحبة والتَّعظيم بأن يُحب مخلوقاً كما يحب الله، فهذا من الشِّرك الذي لا يغفره الله عزَّ وجلَّ  إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: 98].
ومن جعل غير الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم تجب طاعته مثل الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، أو حبَّه مثله، أو استغاث به  مثلما يستغيث بالله، فهذا يكون مشركاً بالله تعالى، وكل من اتخذ من دون الله نداً يدعوه ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمِّله من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، حتى لو كان النَّبي محمد صلَّى الله عليه وسلَّم فهو كافر مشرك؛ لأنَّ الله عزَّ وجلَّ لابُدَّ أن يُفرد بالتَّوحيد، وأن لا يُلجَئ في تفريج الكربات وقضاء الحاجات إلَّا إليه سبحانه وتعالى، إذا كان لا يقدر على ذلك إلَّا الله فلا يجوز أن يُلجئ إلى غير الله، واللجُوء إلى غير الله فيما لا يقدر عليه إلَّا الله شرك، أمَّا الاستعانة بالمخاليق في قضاء أمور الدُّنيا التي يقدرون عليها فما دامت في مباح فهي جائزة.
من نواقض الإيمان: الكفر بالتَّشريع:
00:19:46
 وأمَّا بالنُّسبة للنَّواقض التي تنقض الإيمان فإنَّ منها أيضاً: كفر التَّشريع، من المعلوم أنَّ الحكم لله عزَّ وجلَّ، وأنَّ هذا الأمر من توحيد الرُّبوبية كما اختصَّ الله عزَّ وجلَّ بالخلق والرِّزق والإحياء والإماتة، كذلك التَّشريع مختصٌّ به، فهو حق لله وحده، فإذا علمنا أنَّ التَّشريع من خصوصيات الرَّب عزَّ وجلَّ ولا يجوز أن يُشرِّع إلا هو سبحانه وتعالى، فإننا نعلم عند ذلك أيها الإخوة: أنَّ الذي يدَّعي حقَّ التَّشريع كافر خارج عن الملة، والله عزَّ وجلَّ قد أنزل شريعته وحكمه، وقال سبحانه وتعالى:  إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [يوسف: 40].  وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: 10]، فإذاً قوله:  إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]. وقال:  وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:70]، دليل واضح على أنَّ قضية التَّشريع خاصَّة بالله تعالى.
مفهوم الطَّاغوت:
00:21:35
 وقد ذكرنا سابقاً أنَّه لا يكفي الإيمان بالله حتى يكفر الإنسان بالطَّاغوت، ومن المعلوم أنَّ الله عزَّ وجلَّ سمَّى الحكم بغيره طاغوتاً، فما الدَّليل على أنَّ الحكم لغيره طاغوت؟  يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60]، فأيُّ واحدٍ يُحكِّم أو يشرع غير الله فهو طاغوت، يعني: لما تقول شرَّع يُشرِّع مُشرِّع تشريع، فهذه المسألة مختصة بالله، ومن ادَّعا أنَّها لغير الله يَكفُر، ومن صدَّق ووافق وأجاز لغير الله أن يُشرِّع كفر، فكما أنَّ الصَّلاة مختصة لله فلايجوز أن يُصلِّي لغير الله، كذا التَّشريع، وكما أنَّ الله متَفرِّد بالخلق والرِّزق، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، فلا يُشرِّع إلا هو، فيجب صحة تصوُّر هذه المسألة؛ لأنَّ فيها عند كثير من النَّاس غبشٌ، وهو عزَّ وجلَّ لا يُشرِك في حكمه أحداً،  وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: 70].
 اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ [التوبة: 31]، اتخذوا الأحبار والرُّهبان أرباباً في صفة الرُّبوبية، فالشِّرك في الرُّبوبية حصل عند هؤلاء لمَّا جعلوهم يُشرِّعون، وأخذوا تشريعهم، ولذلك فإنَّ قوله تعالى:  وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [الكهف: 26]، يُفهَم منه كما قال الشنقيطي رحمه الله: "أن متبعي أحكام المشرعين في غير ما شرعه الله، أنهم مشركون بالله[أضواء البيان: 19/128].
فإذاً سمَّى الله الحكم بغير شرعه طاغوتاً،  أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء: 60].
والطاغوت: كُلُّ ما عُبد من دون الله من متبوع أو مطاع فهو طاغوت، فإذاً قلنا: الحكم بما أنزل الله من توحيد الرُّبوبية، ومن مقتضى ربوبيته أن يُشرِّع سبحانه وتعالى، وهو من مقتضى ملكه وتصرُّفه؛ لأنَّه هو يملك البَشر والدُّنيا، ويملك كُلُّ شيءٍ وهو يُصرِّف أمور النَّاس والخلق، وذلك هو الذي يُشرِّع سبحانه وتعالى.
أنواع الشِّرك الأكبر:
00:25:14
 فإذاً من الشِّرك الأكبر ما يلي:
أ: أن يأتي إنسان يُشرِّع غير ما أنزل الله عزَّ وجلَّ، كأن يُشرِّع قانوناً ودستوراً للبشر غير ما شرعه الله تعالى، فهذا الذي يُشرِّع قانوناً ودستوراً غير ما شرعه الله كافر كفراً أكبر مُخرج عن الملة، ولنتخيل حجم الكارثة العظيمة عندما نعلم بأنَّ بعض النَّاس في هذا الزَّمان قد رفضوا مبدأ سيادة الشَّريعة، بل رفضوا أن تكون الشَّريعة حتى رقم واحد أو رقم اثنين، وقالوا: يُحتكم أولاً إلى القانون، فإن لم يوجد فبالعرف، فإن لم يوجد فالسَّوابق القضائية، فإن لم يوجد فبالشَّريعة، ومن هنا نعلم أيضاً أن من يقول: الشَّريعة: المصدر الرئيسي للقوانين أن هذا كلام ضلال مبين؛ لأنَّك لما تقول الشَّريعة مصدر رئيسي للقوانين، فمعناه أن هناك مصادر فرعية، فلابُدَّ أن تقول: الشَّريعة هي المصدر الوحيد للقوانين، فمن قال إنَّ الشَّعب يُشرِّع، أو الحاكم يُشرِّع، أو العالم يُشرِّع، أو مجلس النُّواب، أو البرلمان له حق التَّشريع كافر كفر أكبر خارج عن الملَّة؛ لأنَّ التَّشريع خاصٌّ بالله تعالى.
ب: يكفر كفراً أكبر كذلك من جَحَد، أو أنكر أحقِّية حكم الله تعالى ورسوله  وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة: 44]، فمن اعتقد تحليل ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحلَّ الله فهو كافر.
ج: أن يُفضِّل حكمَ الطَّاغوت على حكم الله تعالى، سواءً كان ذلك مطلقاً أو مقيداً، قال شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ضمن نواقض الإسلام: "من اعتقد أنَّ غير هدي النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أكمل من هديه، أو حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضِّل حكم الطَّواغيت على حكمه فهو كافر. [التبيان شرح نواقض الإسلام: 22].
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله من أحفاد الإمام المجدد: "من اعتقد أن حكم غير الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم أحسن من حكمه وأتم وأشمل لما يحتاجه الناس من الحكم بينهم عند التنازع، إمَّا مطلقاً أو بالنُّسبة لما استجدَّ من الحوادث فلا ريب أنَّه كفر لتفضيله أحكام المخلوقين التي هي محض زبالات الأذهان وصِرف نحاتة الأفكار على حكم الحكيم الحميد"[فتَاوى ورَسَائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم: 12/299].
فإذاً لو قال شخصٌ: أنا اعتقد أنَّ الشَّريعة أفضل إلَّا في الجانب الاقتصادي فالقانون الوضعي أفضل، والشريعة في المواريث أحسن لكن في الجنايات فالقانون البشري أحسن فهذا كافر، حتى لو فصَّل وأطلق، وقال: أعتقد أن القانون الوضعي أفضل فهو كافر، ولو اعتقد أنَّهما متساويان، وقال: القانون حسنٌ والشريعة حسنةٌ فهو كافر، ولو قال الشَّريعة أحسن لكن يجوز التَّحاكم إلى القانون الوضعي فهذا كافر أيضاً؛ لأنَّه اعتقد جواز التَّحاكم إلى غير ما أنزل الله، قال الشنقيطي رحمه الله: "وأمَّا النِّظام التَّشريعي المخالف لتشريع خالق السَّموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض، كدعوى أن تفضيل الذَّكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنَّه يلزم استوائهما في الميراث، وكدعوى أن تعدد الزَّواجات ظلم، وأنَّ الطَّلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية، ونحو ذلك. [أضواء البيان19/130].
فإذاً من قال يجب المساواة بين المرأة والرَّجل في الميراث والدِّية والشَّهادة فهو كافر؛ لأنَّه يعرف حكم الله ولكنه جاحد، ويقول: حكم الله ليس بصحيح، فتجب المساواة، فالتَّفريق وجعل المرأة نصف الرَّجل غلط، فهذا كافر إذا كان يعلم حكم الله، وكذلك من لم يحكم بما أنزل الله إباءً وامتناعاً واستكباراً، وليس عنده أيَّ سبب ولا عذر ولا بمُكره، فكذلك  كافر خارج عن الملَّة.
وليس الجحد والتَّكذيب مشكلة في المرجئة فقط، وأنَّهم يقولون: لا يكفر إلا الجاحد المكذِّب، فهذا ليس صحيحاً، فقد يكون مقِرَّاً ويَكفُر، مثل الذي يُصرُّ على التَّحاكم إلى غير شرع الله ويرفض تحكيم شرع الله إباءً واستكباراً، وكذلك فإنَّ المحكوم إذا رضي بالقانون الوضعي، واعتقد جواز التَّحاكم إليه يكفر، لكن إذا كان مُكرهاً أو يستعمل شيئاً في القانون، لا يمكن أنَّ يحصل على حقِّه إلَّا بالقانون الوضعي فهو يعرف أنَّ القانون الوضعي كفر ومخرج عن الملَّة، ولا يجوز التَّحاكم إليه وزبالة ويؤمن بهذا، لكن يقول: في بلدي الذي أنا فيه لا توجد شريعة ولا حكم شرعي، وأنا مظلوم ولا يمكن أحصل على حقي إلا بالقانون الوضعي، فقد يكون لجوئه للقانون الوضعي اضطراراً ولا يكفر بهذا.
متى يكون الحكم بغير ما أنزل كفراً أكبر، أو أصغراً:
00:33:30
 أليس قد روي عن ابن عباس أنَّه كفر دون كفر؟ فمتى يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أصغراً؟ يكون الحكم بغير ما أنزل الله كفراً أصغر إذا كان قد حكم في واقعة معينة لهوى أو رشوة أو محاباة لا يكفر، لكنه أتى كبيرةً عظيمةً من الكبائر، لكن شخص يُحكِّم شريعة ًكاملةً غير شريعة الله، ويُبدِّل الشَّريعة ويحط قانون يفرضه على النَّاس، فهذا كافر خارج عن الملَّة، أو يأبى التَّحاكم إلى شرع الله، أو يعتقد أن حكم الله لا يناسب الزَّمن والحال ونحو ذلك فهذا كافر، وأمَّا إذا حكم في واقعةٍ معينةٍ بغير ما أنزل الله فهذا فاسق أو ظالم كما قال الله:  وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة: 47].  وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  [المائدة: 45]، فمتى يكون؟ في هذه الحالة، لا يكفر في هذه الحالة ويكون ظالماً أو فاسقاً، فينغي إذاً تنزيل المسائل على وجوهها الصحيحة.
من نواقض الإيمان: مظاهرة المشركين على المسلمين:
00:37:07
 كذلك من نواقض الإيمان مظاهرة المشركين على المسلمين؛ لأنَّ هذا مما ينقض عقيدة الولاء والبراء، فلو أنَّ إنساناً عاون المشركين على المسلمين وأمدَّهم بالسِّلاح، أو الرِّجال، أو قاتل معهم ضد المسلمين، فلا شكَّ في كفره، كما قد جاء كلام العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة كما حصل في بعض الحروب الصَّليبية، حيث قام بعض المنسوبين للإسلام يعاون النَّصارى ضد المسلمين في الحملات الصَّليبية على الشَّام والأندلس، وما حصل من معاونة بعض المسلمين للنَّصارى على المسلمين، فهذه كارثة عظيمة، وهذه ردة وخروج عن الملَّة، ولذلك يجب الحذر من قضية الموالاة؛ لأنَّ موالاة الكفار خطيرة جداً، فقد تكون كفراً وقد تكون فسقاً، مثلاً: لو عاون المشركين على المسلمين، وقاتل المسلمين مع المشركين فهذا يكون ردة كما يحصل الآن، فبعض المنافقين في الشِّيشان يقاتلون مع الرُّوس ضد المسلمين، ويقول أنا شيخ الإسلام الصُّوفي، فلذلك يجب الانتباه لهذه المسألة، وقلنا: أنَّ الموالاة قد تكون فسقاً، وقد تكون كفراً، فمثلاً لو تشبَّه بالكفار في اللباس ماذا يكون؟ فاسقاً مثلاً، لكن لو قال أواليكم على دينكم فإذا والاهم في دينهم يكفر، وكذلك فإنَّ بعض المسلمين مثلاً لا يُكفِّر الكفار، يرفض أن يُكفِّرهم، وقلنا: أنَّ عدم تكفيرهم، أو الشَّك في كفرهم كفر، كذلك زعم التَّقارب معهم في شرائعهم، يقول مثلاً: وحدة الأديان عمل جيد في مصلحة البشرية، وتقارب بين الأديان طريقة جيدة لتحقيق السَّلام في البشرية، فماذا يعني تقارب الأديان ووحدة الأديان؟ يعني: نقترب منهم ويقتربون منَّا، فهم إذا اقتربوا منَّا يتحسن حالهم، ونحن إذا اقتربنا منهم إمَّا يسوء حالنا وقد يخرج الإنسان عن الملَّة، وإذا قالوا نوجد ديناً مشتركاً يجمع بين الجميع فهذا لا شكَّ أنَّه كفر  وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ  [آل عمران: 85].
من نواقض الإيمان: الاستهانة والاستهزاء بالدين، أو بشعائره:
00:38:02
 وكذلك فإنّ من الأمور الخطيرة أيضاً في مسألة النَّواقض: الاستهانة بالدِّين، الاستهانة بالمصحف، أو الاستهانة بالنَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام، ولا شكَّ أنَّ هذا كفر، أيضاً من استهزأ بالمسلمين لأجل إسلامهم فقال: المسلمون متخلِّفون لأنَّهم مسلمين، إذا تركوا الدِّين سيتقدمون، فهذا كافر؛ لأنَّه استهان بالإسلام نفسه، لو قال: إنَّ في المسلمين خُلف في المواعيد وإهمال في العمل، فصحيح، لكن إذا قال: الدِّين هو السَّبب في التَّخلف، فهذا يكفر.
مسألة سب الصَّحابة:
00:38:46
 وأمَّا مسألة سب الصَّحابة ففيها تفصيل طويل: من سب الصَّحابة بإطلاق، أو لعنهم بإطلاق كفر، كما صرَّح بذلك العلماء، وسبُّ كلِّ الصَّحابة أو لعنهم، أو لعنهم إلا ثلاثة أو أربعة، وعند كثير من العلماء أنَّ من سبَّ الشَّيخين ولعنهما كفر، ومن اتَّهم عائشة بما برئها الله منه وهو الفاحشة والزِّنا كفر؛ لأنَّه مُكذِّب لله، والله قال إنها بريئة، وهو يقول ليست بريئة، فهذا مُكذِّب لله تعالى، وكذلك فإن الإمام أحمد رحمه الله سُئل عن من يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟ فقال: "ما أراه على الإسلام" [السُّنَّة للخلال: 782].
وسُئل عن من يشتم عثمان فقال: "هذه زندقة"[السُّنَّة للخلال781].
وقال محمد بن يوسف الفريابي رحمه الله لما سُأل عن شتم أبي بكر؟ قال: كافر، وسُئل يُصلَّى عليه؟ قال: لا، سُأل: كيف يُصنع به وهو يقول لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته"[الصارم المسلول: 1/570].
ومن قدَّم علياً على الشَّيخين فهو مبتدع، لو قال: أنا أوقرُّ الشَّيخين، لكن علي أفضل منهم فهذا مبتدع، قد أزرى على أئمة الإسلام، وأمَّا بالنسبة لقذف أي امرأة من أمهات المؤمنين فهذا ولا شكَّ إيذاء للنَّبي صلَّى الله عليه وسلم وتنقص له، وقد قال الله:  الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: 26].
فإذا كانت عائشة خبيثةً مثلاً على زعمه فقد اتَّهم بالخبث النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، سُئل الحسن بن زيد عن رجل يذكر في عائشة الفاحشة فأمر بضرب عنقه، فقيل له: هذا رجل من المسلمين، فقال: معاذ الله هذا رجل طعن على النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، قال الله تعالى:  الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: 26]. فإذا كانت عائشة خبيثةً فالنَّبي صلَّى الله عليه وسلم خبيث فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه. [الصارم المسلول: 1/568]. وكذلك سبق الكلام بأن من زعم أنهم ارتدوا عدا خمسة أو ستة، كما قال الشَّيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه  الله أن هذا هدم لأساس الدِّين؛ لأنَّ أساسه القرآن والحديث، فإذا فُرض أنَّهم ارتدوا إلا خمسة أو ستة، فكل الرِّوايات التي ساقها هؤلاء الصَّحابة غير الخمسة أو السِّتة تسقط، فهذه حيلة خبيثة لإسقاط الدِّين، والاستهزاء بالعلماء والصَّالحين، إذا كان لدينهم وإسلامهم كفروا، وإذا كان لشيء شخصي، كأن استهزأ به في حركةٍ في حاسةٍ من حواسه، أو في أسلوبه وطريقته، فهذا فاسق فسقاً عظيماً؛ لأنَّ لحوم العلماء مسمومة، لكن لو أنَّه استهزأ بهم لدينهم، كالاستهزاء بالمطاوعة بالمتدينين لأجل تدينهم فهذا يكفر؛ لأنَّ استهزائه يعود على الدِّين نفسه، لكن استهزأ بهم مثلاً في قضية  أو في الأخلاق، فهذا يفسق بسخريته أو بسبه أو بشتمه لهؤلاء، إذا كان في مسألة ليست من تدينهم، مثلاً: عابه في شيء يتعلق بأمر غير تدينه أو شيء شخصي، فهذا طبعاً لا يكفر.
من نواقض الإيمان: السِّحر:
00:43:48
 وأمَّا بالنُّسبة لمسألة السِّحر وما أدرك ما السِّحر، فقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن ما يدل على كفر متعاطيه  وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ  [البقرة: 102].
فلذلك مسألة السَّاحر عند العلماء في الحقيقة يوجد فيها تفصيل: فمن اعتقد أنَّ السَّاحر ينفع ويضرُّ من دون الله فهذا كافر، وكذلك فإنَّ تعلُّم السِّحر واستعماله حرام بلا شكَّ، لكن ذكر بعض أهل العلم أن تعلُّم السِّحر كفر وإن لم يعمل به، وقال ابن قدامة رحمه الله: :ويكفر السَّاحر بتعلُّمه وفعله، سواءً اعتقد تحريمه أو إباحته. [الشرح الكبير:10/113].
وقال مرعي الكرمي رحمه الله: فساحر يركب المكنسة فتسير به في الهواء، أو يدَّعي أنَّ الكواكب تخاطبه كافر، كمعتقد حله، لا من يسحر بأدوية وتدخين وسقي شيء يضر ويُعزر بليغاً[مطالب أولي النهى: 6/304]. ويُعزر يعني: تعزيراً بليغاً.
فإذاً نُلاحظ أنَّهم يفرِّقون في قضية السَّحرة بين الذي يتعامل مع الشَّياطين مثلاً، وبين الذي يستعمل أدويةً ضارةً يعطيها لشخص يريد أن ينتقم من فلان من الناس ليضعها له فيتضرر، فهذا لا يكفر، كما ذكر بعض أهل العلم، إذاً السَّاحر الذي يتعامل مع الشَّياطين ويصرف لهم أنواعاً من العبادة، ولا يعاونوه على مقاصده في الغالب إلا إذا صرف لهم أنواعاً من العبادة، فهذا يكفر، وأمَّا إن كان سحره من قبيل الأدوية الضَّارة والتَّدخينات المؤذية فهذا يُعزر تعزيراً بليغاً، ولذلك فالسَّاحر له حال يقتل كفراً، وحال يقتل قصاصاً، وحال يقتل تعزيراً، فإذا عمل بسحره ما يبلغ الكفر قتل كفراً، وإذا عمل بسحره ما يقتل قُتِل قصاصاً، وقد ثبت أنَّه قُتِل فلان بالسِّحر قصاصاً، وإذا كان فَشِىَ أمره حتى في قضية الأدوية والتَّدخينات، ولم يندفع شره إلا بالقتل، حتى لو أن ليس عنده اتصال بالشَّياطين وشرك أكبر، ولم يثبت عليه أنَّه قتل شخصاً فيمكن قتله من باب التَّعزير.
التَّنجيم حكمه حكم السِّحر:
ويلحق بالسِّحر مسألة التَّنجيم وهي أحد أقسام الكهانة، ولذلك يسمون المنجم كاهناً، والكهانة: ادِّعاء علم الغيب، والذي يدَّعي علم الغيب يكفر أيضاً، ولكن يجب أن يُفرَّق بين من يذهب إليهم مصدقاً أنَّه يعلم ما في الغيب فهذا كافر مثله، وبين من يذهب إليهم من باب حب الاستطلاع، يقول: أريد أن أرى ماذا عنهم، فنحن نُهينا عن إتيانهم لا للا استطلاع ولا لنسألهم عن المغيبات، لكن لا نقول عن الذي يريد أن يذهب لحب الاستطلاع كافر لا، نقول هذا فاسق، لماذا؟ لأنَّه فعل ما نهى عنه النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم من إتيان هؤلاء، وهو على خطر عظيم لأنَّه قد يُعجب بعملهم، وقد يثق بهم، وقد يذهب أول مرَّة للتَّجربة، والمرة الأخرى ليسأل معتقداً، ولا شكَّ أن الشَّريعة تُحرِّم من باب سدِّ الذرائع أشياءً قد تكون في الأصل مباحة، لكن من باب سد الذرائع تحرمها.
الشِّرك الأصغر:
00:48:33
 وأخيراً مسألة الشِّرك الأصغر، فقد عرفنا الشِّرك الأكبر وأنواعه، وأمثلة كثيرة على الشِّرك الأكبر المخرج عن الملَّة، وهذا الشِّرك الأكبر يُحبط العمل، وصاحبه خالدٌ مُخلدٌ في النَّار وحلال الدَّم والمال ولا يرث ولا يورث إلى آخره.
أمَّا بالنُّسبة للشِّرك  الأصغر فتعريفه: كل ما نهى عنه الشَّرع مما هو ذريعة إلى الشِّرك الأكبر، ووسيلة للوقوع فيه، وقد جاء في النُّصوص بتسميته شركاً.
وحكمه: مُحرَّمٌ، ومن أكبر الكبائر بعد الشِّرك الأكبر: الشِّرك الأصغر، لكنَّه لا يُخرج من ارتكبه عن ملَّة الإسلام، والله عزَّ وجلَّ قد حذَّرنا من الشِّرك، كبيره وصغيره بجميع أنواعه، وقد قال الله عز وجل:  إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 48]. وقال:  فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا  [الكهف: 110].
ومع أنَّ الآية هذه في الأكبر لكن بعض السَّلف كابن عباس كانوا يحتجون بها على الأصغر، ويقولون الكُلُّ شركٌ، ومعلوم أنَّ الرِّياء رأس الشِّرك الأصغر، وليس شركاً أكبراً، إذ لم يكن مثل المنافقين، الذي يعمل أعمالاً: كصلاةٍ، وصيامٍ وغيرها لغير الله رياءً، نقول: الرِّياء المشهور بين المسلمين ليس شركاً أكبراً، فالرياء الذي هو الشرك الأصغر داخل في حديث:  أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه  [رواه مسلم: 2985].
وقد قال عليه الصلاة والسلام:  أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر  [رواه أحمد: 23630، وصححه الألباني في الجامع الصغير: 2435].
رواه الإمام أحمد رحمه الله، وذكر عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّ الشِّرك الخفي أخوف عنده على الأمة من المسيح الدَّجال.
الآثار المترتبة على الشِّرك الأصغر:
ما هي آثاره وما يترتب عليه وما هي أضراره؟
الشِّرك الأصغر يُبطل ثواب العمل، وإذا كان العمل واجباً يُعاقب الإنسان عليه، ويُنزَّل منزلة من لا يعمله، معاقباً على ترك الأمر كأنَّه لم يعمل المأمور، ولا عمل الواجب، فمن لم يُخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمره الله به، ولا يصح عمله ولا يقبل منه.
الفرق بين الشِّرك الأكبر والأصغر:
فإن قال قائل: نريد مزيداً من التَّفرقة بين الشِّرك الأكبر والأصغر؟ فنقول: الشِّرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا إذا تاب، والشِّرك الأصغر تحت المشيئة، وبعض العلماء شدَّد في الشِّرك الأصغر، وقال لا يُقبل إلا بتوبة، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: 48].
من أي نوع؟ ولذلك ينبغي الحذر منه جداً، الشِّرك الأكبر مُحبِطٌ لجميع الأعمال، والشِّرك الأصغر يُحبط العمل الذي قارنه فقط، الشِّرك الأكبر مُخرج عن الملَّة الشِّرك الأصغر لا يخرج عن الملَّة، فالمشرك شركاً أصغراً يعامل معاملة المسلمين: يُناكح، وتؤكل ذبيحته، ويرث يورث، ويصلَّى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وأمَّا الشِّرك الأكبر فصاحبه خالدٌ مخلدٌ في النَّار والشرك الأصغر لا يخلَّد صاحبه في النَّار.
أنواع الشِّرك الأصغر:
والشِّرك الأصغر منه شرك في النِّيات والمقاصد، وسبقت الإشارة إليه، وهو الرِّياء والسُّمعة، والرِّياء: متعلق بالنَّظر والبصر، والسُّمعة: متعلقة بالسَّمع والأذن، فإذا  عمل شخصٌ ليراه النَّاس فقد أشرك مع الله في العمل شركاً أصغراً، وسمَّع ليسمع النَّاس أنَّه عمل أو قال كلاماً ليسمع النَّاس أنَّه عمل، فهذا الفرق بين الرِّياء والسُّمعة، والرِّياء إمَّا أن يدخل في أساس العمل، أو في تحسينه، وقد سبق الكلام في هذا الموضوع.
ومن الرِّياء ما يكون من جهة البَدن كأن يرائي بإظهار النُّحول ليَظنَّ النَّاس أنَّه كثير الصِّيام، ويرائي بتشعيث شعره ليقول النَّاس أنَّه زاهدٌ في الدُّنيا، ويلبس ملابسَ قديمةً، وقصده منها أنَّ النَّاس يقولون عنه فلان زاهد مثلاً من جهة الزَّي، كما هذا المثال، أو يجعل علامةً للسِّجود حتى يقول النَّاس هذا من المصلين وكثيري الصَّلاة، كذلك الرِّياء بالقول: كأن يقوم ويعظ، ويذكر، ويحفظ الآثار والأحاديث وأقوال العلماء، حتى يجلس في المجالس، ويقول: قال فلان، وقال فلان، لكي يرائي به العلماء ويماري بها السُّفهاء، ويَصرِف به وجوه النَّاس إليه، وهناك الرِّياء بالعمل: كتطويل الصَّلاة لأجل يراه النَّاس، والرِّياء بالأصحاب والزائرين، فيعزم المشايخ وأهل العلم قصده أن يقال فلان يحب المشايخ والعلماء، ولو كان قصده الفائدة والتَّقرب إلى الله بإكرامهم، وخدمتهم كان هذه طاعة وقربة.
أعمال ليست من الرِّياء:
وكذلك فإنَّ من الأمور التي قد تُختَلط على النَّاس في الموضوع: تحسين الثَّوب الذي يلبسه الإنسان يتجمَّل للنَّاس فليس من الرِّياء، وكتمان الذُّنوب، وعدم إظهارها لا يُعتبَر من الرِّياء، فالله أمر بالسِّتر، ونشاط الإنسان إذا رأى العابدين، قد يقول بعضهم: أنا لما أكون لوحدي لا أكون نشيطاً في العبادة، لكن لما أكون مع الشَّباب الطَّيبين، وأخالط أناساً صالحين أتشجَّع وأرى أنني أُطوِّل في صلاتي مثلاً، ولو كنت وحدي لا أصلي السُّنة الرَّاتبة، فإذا كنت مع إخواني رأيتهم كلَّهم قاموا يُصلُّون فاستحي وأتشجع، وأقوم أصلِّي، لكن لله، وليس لأجلهم، فأنا لا أطوِّل الصَّلاة لهم، ولا أصلي قيامَ الليل لهم، لكن أتشجع أن أفعل العمل بأنني أرى الكثرة في الخير والطَّاعة، وحيث أنني لو كنت وحدي يممكن لا أتصدق، لكن جاء وقت الصَّدقة وكل واحد قام يُعطي، فشجَّعت وقمت وأعطيت، فهذا ليس من الرِّياء، إذا كان قصده لله، ولو كان حصل بتشجيع النَّاس، كذلك لو أنَّ الإنسان عمل عملاً صالحاً ثم أثنى النَّاس عليه وذكروه بخير في المجالس فهذا الكلام لو انتشر ليس رياءً ولا يقدح في أحد.
إرادة بالعمل إصابة شيئاً من الدنيا:
النُّقطة المهمة الأخرى في قضية الشِّرك الأصغر التي هي إرادة الإنسان بعمله الدُّنيا، يعمل أعمالاً صالحةً يريد بها الدُّنيا: مال، أو جاه، أو ذِكر وثناء، وغير ذلك، مثل الذي يجاهد للمال والغنيمة، ويتعلَّم كذلك العلم الشَّرعي للمال، أو يواظب على الصَّلاة من أجل يُجعَل إماماً في المسجد، ونحو ذلك، ما هو الفرق بينه وبين الرِّياء؟ المرائي يعمل لأجل المدح والثَّناء، والمريد بعمله الدُّنيا يُريد المال والمنصب، ويريد أشياءً من الدُّنيا ومن حطامها الفاني، وهذا الذي يريد بعمله الدُّنيا لا يخلو من ثلاثة أمور:
أولاً: أن تكون إرادة العبد من عمله كُلِّها منحصرة في العمل لأجل الدُّنيا، ولولا هذا المقصد لم يعمل، فليس له في الآخرة نصيب، وعمله حابطٌ، بل إنَّه لا يصدر من مؤمن.
ثانياً: أن تكون إرادته من عمله وجه الله والدُّنيا، والقصدان متساويان أو متقاربان، فهذا شركٌ أصغرٌ منافي لكمال التَّوحيد، والواجب يُحبِط العمل الذي قارنه، مثل ما ذكرنا في الرِّياء، والله لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه.
ثالثاً: أن تكون إرادة العبد من عمله وجه الله وحده، وأخلص فيه، لكن يأخذ على عمله جُعلاً معلوماً يستعين به على العمل، مثل العطايا التي تُعطى من بيت المال وأرزاق أئمة المساجد والمؤذنين والمفتين والقضاة والوُعَّاظ، أو مثلاً الدُّعاة  كالذي يشتغل في مركز دعوة داعيةً، فهذا الشَّخص إذا كان يعمل لله، ويأخذ المال ليستعين به على التَّفرغ للإمامة، أو يأخذ راتباً ليستعين به على التَّفرغ للأذان، أو يأخذ راتباً ليستعين به على التَّفرغ للدِّعوة، أو يأخذ راتباً يستعين به على التَّفرغ للجهاد، أليس كان المجاهدون يُعطَون من بيت المال؟ حتى يتفرَّغ للجهاد، ولا يحتاج يذهب يعمل في حرفة يكسب قوته وقوت عياله، فهو يعطى من بيت المال لتفريغه للجهاد، أو للعلم، أو للدَّعوة، أو للإمامة والخطابة، أو للفتيا، هذا الإنسان لا حرج عليه فيما أخذ ما دام قصده الله، ويريد وجه الله بعمله، لكن لو قال أنا شغلي كُلُّه للمال، وأنا في الحقيقة لم أجد وظيفةً آخذ منها مالاً، فصرت داعيةً أو مؤذناً، أو ما وجدت سكناً فصرت مؤذناً حتى يكون عندي سكن، أنا لأريد المسجد، فهذا إنسانٌ واضحٌ أنَّ كُلَّ قصده بعمله الدُّنيا، والم