الأحد 5 رمضان 1439 هـ :: 20 مايو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

توحيد الربوبية


عناصر المادة
العقيدة هي التوحيد:
من معاني التَّوحيد:
مفهوم التَّوحيد عند الفِرق المنحرفة:
الرّد على من ينكر تقسيم التَّوحيد:
توحيد الأُلوهية:
منهج الدعوة في الأولويات:
التَّوحيد عند أهل الكلام:
التَّوحيد عند الصُّوفية:
توحيد الرُّبوبيَّة:
الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فتحدثنا عن العقيدة معناها وأهميتها ومميزاتها مميزات العقيدة الصحيحة، وتحدثنا كذلك عن مصادر تلقي العقيدة الصحيحة، القرآن والسُّنَّة والإجماع، المصادر الأساس، والمصادر الثانوية كذلك العقل والفطرة، ومسألة العقل والنقل، ذكرنا بعض القواعد فيها في الدرس الماضي، ونتحدث في هذه الليلة إن شاء الله عن التوحيد.
العقيدة هي التوحيد:
00:00:50
العقيدة الصحيحة تتضمن أموراً كثيرة وعلى رأسها التوحيد، وقلنا أنَّ العقيدة هي التوحيد، وأن السَّلف يُطلِقون على العقيدة الصحيحة عدة أسماء ومن ذلك التوحيد، فما هو تعريفه؟ وما هي أنواعه وأقسامه؟
تعريف التوحيد لغةً:
قال ابن فارس رحمه الله: "التوحيد الواو والحاء والدال: أصل واحد، يدل على الانفراد" [معجم مقاييس اللغة: 6/68].
وقال الجوهري رحمه الله: الوحدة: الانفراد، تقول: رأيته وحده. [الصحاح في اللغة: 2/109].
كذلك قال الأزهري رحمه الله قال الليث: الوَحَد: المنفرد. [تهذيب اللغة: 2/169].
وقال أبو العباس: يحتمل أيضاً أن يكون الرجل في نفسه منفرداً كأنك قلت رأيت رجلاً منفرداً، ثم وضعت وحده موضعه. [لسان العرب: 3/446].
ولا يضاف إلا في قولهم: فلان نسيب وحده، ويقال: وحده وأحده كما يقال ثناه وثلثه، ورجل وحد ووحِد ووحيد أي منفرد، وسأل عن الآحاد أهي جمع أحد؟ فقال: معاذ الله! ليس للأحد جمع ولكن إن جعلته جمع الواحد آحاد فهو محتمل كشاهد وأشهاد. [تاج العروس: 7/376].
الأحد أصله الوَحَد ويقال: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد بُني لنفي ما يُذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد. [تاج العروس: 9/264].
وقال الأزهري وأما اسم الله جل ثناءه أحد فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره، فلا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، كما يقال رجل وحد أي فرد؛ لأن أحداً صفة من صفات الله التي استأثر بها فلا يُشركه فيها شيء[تهذيب اللغة: 2/171].
والواحد في صفة الله معناه أنه لا ثاني له. [تاج العروس: 9/269].
والتوحيد مشتق من الفعل وَحد، أي جعله واحداً، وحد توحيد، وكذلك فإن التوحيد يكون بالاعتقاد والقصد والإرادة والجوارح، وقال قوام السنة وهو إسماعيل الطلحي رحمه الله وكان من أئمة أهل السنة: التوحيد على وزن التفعيل مصدر وحدته توحيداً كما تقول كلمته تكليماً وهذا النوع يأتي متعدياً إلا أحرفاً -يعني: مواضع يسيرة جاءت لازمة- ولهذا الفعل معنيان: أحدهما تكثير الفعل وتكريره، والمبالغة فيه، فإذا قلت وحدت يعني: وحدت ووحدت ووحدت كما تقول كسَّرت وغلَّقت وفتَّحت، إذا أكثَرتُ من الفَتح والغَلق والكسر، فتقول: كسَّرت، وفتَّحت، وغلَّقت، أكثرت من القيام بالفعل، فإذاً وحَّدت أكثرت من القيام بالتوحيد، والوجه الثاني وقوعه مرة واحدة كقوله: غديت فلان وعشَّيته وكلَّمته، فيُستعمل هنا على المرة الواحدة، ومعنى وحدته يعني جعلته منفرداً عما يشاركه أو يشبهه، جعلته منفرداً عما يشاركه أو يشبهه، والتشديد فيه للمبالغة، فإذاً: وحدّ يوحد توحيداً، جعل الشيء واحداً. [الحجة في بيان المحجة:1/305-306].
تعريف التوحيد شرعاً:
وأما شرعاً: فإنه إفراد الله بربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، وإن قلت: إفراد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته وحقوقه كان ذلك وجيهاً.
التَّوحيد في القُرآن الكريم:
كيف استُعمِلَت قضية التوحيد في القرآن والسنة؟
أما بالنُّسبة لكتاب الله عز وجل: فإنَّ الله سبحانه وتعالى ذكر في آيات ما يدلُّ على توحيده بالعبادة، وقصرها عليه عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى:  قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ [آل عمران:64]وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا  [النساء: 36].
وكذلك فإنَّه قد جاء في القرآن استعمال التوحيد على نفي الشَّراكة عن الله عز وجل، ما قال:  لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا [الكهف: 38]. وكذلك جاءت ما يدُلُّ على حَصر الأسماء الحسنى وقصرها على الله سبحانه كقوله: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [طه: 8].
هذه مواضع جاء فيها التَّوحيد في القرآن، وكذلك ورد التوحيد فيما يدل على تفرد الله بالألوهية وتوحيده بها، وأنها لا تجوز لغيره،  قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [ص: 65].
 فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [محمد: 19]. كما جاء التأكيد في القرآن في مواضع دالَّة على تَفرُّد الله بالربوبية كقوله عز وجل:  قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ [الرعد: 16]. كذلك جاء التَّوحيد في القرآن فيما يدلُّ على تفرُّد الله بالإيمان به وحده كقوله عز وجل:  فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: 84].
وكذلك جاء فيما يدلُّ على أنَّ الإسلام يكون له وحده أيضاً  قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [غافر:66].
قال في آخر الآيات:  وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [غافر: 66].  ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة: 208]وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [لقمان: 22]. الآية، كذلك جاء في سياق ما يدل على أن الدين يكون له وحده:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ [البقرة: 193].
جاء أيضاً في سياق التوحيد في القرآن ما يدلُّ على تفرُّده سبحانه وتعالى بالولاية:  قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام: 14].
فهذا توحيد، في أي موضع جاء التوحيد؟ في قضية الولاية، جاء أيضاً التوحيد في مسألة الحكم فقال عز وجل:  إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام: 57].
جاء كذلك في قضية أنَّ الله سُبحانه وتعالى متفَرِّد بالخلق والملك والتدبير والرزق والإحياء والإماتة والنفع والضر، فمثلاً:  أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: 54]. التوحيد هنا في كونه مُنفَرد بالخلق والأمر، مثلاً:   تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1]. توحيد في كونه منفرد بأنَّ له الملك التَّام عز وجل، كذلك:  تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ [آل عمران:26].
 وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [يونس: 18]. انفراد الله تعالى بأنَّه هو الذي يَضُرُّ ويَنفع عزَّ وجلَّ، كذلك جاء التوحيد في القرآن في أنَّ جميع المعبودات ناقصة وعاجزة بنفسها، لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، كقوله سبحانه وتعالى  أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ [الأعراف:191- 192]. وكذلك جاء التَّوحيد في سياق قضية تَفرُّد الله عزَّ وجلَّ بالنِّعَم الظَّاهرة والبَاطنة على الخلق أجمعين، كما جاء في آيات كثيرة  اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنهَارَ [إبراهيم: 32]. إلى آخر الآيات، وكذلك قضية التَّوحيد في فوقية الله تعالى وقهره لخلقه، وكذلك في نصر أوليائه وإهلاك أعداءه.
التَّوحيد في السُّنَّة:
وأما في سُنَّة النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم: فإنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم أخبر أنَّه بُعث بالحنفية السمحاء وهي التوحيد، وأنَّه كذلك بُعث به إلى الناس كافة:  يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا  [رواه أحمد: 16023، وابن حِبَّان: 6562، وابن خزيمة: 159، والطبراني: 4584، وصححه الألباني في صحيح السيرة النبوية: 1/143].
وأنه بعث به رسله إلى الناس كما أرسل معاذ إلى أهل اليمن بالتوحيد[رواه البخاري: 1395]. وأرسل بالتوحيد كتباً إلى الملوك كما أرسل إلى هرقل:  أدعوك بدعاء الإسلام أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين [رواه البخاري: 7، ومسلم: 1773].
علمه الوفود كما جاءه وفد علمهم، كما جاء وفد عبد القيس قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟  قالوا: الله والرسول أعلم، قال:  شهادة أن لا إله إلا الله [رواه البخاري: 53]. و
كذلك قاتل النَّاس على التوحيد، أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله  [رواه البخاري: 392، ومسلم 20]. وكذلك بايع  على التوحيد كما قال جرير رضي الله عنه:  بايَعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على شهادة أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم  [رواه البخاري: 2157]. وكذلك في سائر شؤونه عليه السلام كان يُرَبِّي أصحابَه على التَّوحيد، وهذه سورة الفاتحة التي يُقرأ بها في الصَّلاة هي توحيد من أولها إلى آخرها، سواء كان توحيد الربوبية أو توحيد الألوهية أو توحيد الأسماء والصفات، وكذلك فإنَّه من تتبَّع الأذكار التي علَّمها عليه الصَّلاة والسَّلام لأُمته عندما يقومون من النَّوم وعندما ينامون، وعند طعامهم، وعند كربهم، وعند سفرهم، وعند فطرهم في الصيام، وعند المجلس الذي يقومون منه الذي كثر فيه الغلط، وهكذا كلها تُذَكِّر العبد بالتَّوحيد في سائر أذكار اليوم والليلة.
من معاني التَّوحيد:
00:11:45 
أما بالنُّسبة لإطلاق التَّوحيد، فإنَّ التَّوحيد يُطلَق بعدة إطلاقات:
فأما بالنُّسبة لإطلاق التَّوحيد على الأعمال، فقد يُقسَّم على ثلاثة أقسام: توحيد القلب، وتوحيد العمل، وتوحيد القول.
توحيد القلب:
وإذا قلت أنَّ توحيد القلب ينقسم إلى: قول القلب، وعمل القلب، فقول القَلب: هو التصديق، وعمل القلب: هو الحب والخضوع والانقياد والمحبة والرجاء والحياء وغير ذلك، فيكون توحيد القلب قولاً وعملاً، وبَقِي تَوحيد الجوارح، فإذا قلت توحيد القلب، أو توحيد القول، أو توحيد العمل: هذا أيضاً واضحٌ وسائغٌ ولا بأس به، وقلنا: توحيد القلب يكون بالتصديق قولاً قول القلب، وعمل القلب يكون بالحب والخوف والرجاء ونحو ذلك، وأما تَوحيد العمل بالجوارح  قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام: 162].  فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر: 2]. توحيد بأعمال الجوارح.
هل ممكن نقول: أن التوحيد ينقسم إلى توحيد قول وتوحيد عمل؟ ممكن أيضاً، وتفصيلاً يكون أربعة، توحيد القول باللسان، وتوحيد القول بالقلب، توحيد العمل بالقلب، توحيد العمل بالجوارح، وهذه الأقسام متلازمة لا ينفَك بعضها عن بعض، ولا يمكن لشخص أنَّ يوحِّد بجوارحه وهو مشرك ويصلي.
توحيد المعرفة والاثبات:
وكذلك يمكن أن يُقسَّم التَّوحيد من جهة أخرى من النَّاحية اللفظية إلى توحيد في المعرفة والإثبات، وتوحيد في القَصد والطَلب، فيكون التَّوحيد: توحيد المعرفة والإثبات شاملاً لتوحيد اللسان، وهو قول اللسان، وللبعض توحيد القلب وهو التصديق، وتوحيد القصد والطلب كذلك توحيد القصد والطلب شاملاً لبعض توحيد القلب ولأعمال الجوارح.
ممكن نقسم التوحيد أيضاً باعتبار آخر فنقول: توحيد الله بأفعاله، وتوحيد الله بأفعال المكلفين، فتوحيد الله بأفعاله وكماله وأسمائه وصفاته، وتوحيد الله بأفعال المُكَلَّفين، مثل: صلاتنا، نذرنا له فقط، وهكذا.
ممكن يُقسم التوحيد باعتبار آخر: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات.
مسألة تقسيم التَّوحيد:
مسألة تقسيم التوَّحيد: هل هي مسألةٌ فنيةٌ، أم أنَّها مسألة منصوص عليها في القرآن والسُّنَّة؟ هذه مسألة فنية، فيمكن لا يوجد نص مذكور فيه، وتوحيد الله: توحيد الرُّبوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات، أو توحيد القول وتوحيد العمل، أو توحيد القلب وتوحيد الجوارح، أو توحيد الله بأفعاله، وتوحيد الله بأفعال العباد، إذاً هذه التَّقسيمات: هي تقسيمات فنية مأخوذة من النَّصوص، يعني: العلماء نظروا في النُّصوص فأخذوا أقسام التوحيد لتسهيل فهمه فقط، لا يوجد نص ملزمٌ لنا أنَّ نُقَسِّم التَّوحيد بطريقة معينة.
فإذاً: لو قال قائل: أنتم ابتدعتم، كما قال بعض الجَهلة، قال: أنتم يامَن تَنتسبون للسَّلف أنتم مبتدعة، لأنَّكم قسَّمتم التوحيد إلى أقسام ثلاثة، أين الدليل على ذلك؟ نقول: عندنا تقسيم أربعة، وتقسيم اثنين، وتقسيم ثلاثة، بل عندنا أكثر من تقسيم إذا أردت، فمسألة التَّقسيم للتفهيم وليس تقسيم بنص، فلا يمكن الخروج عنه، ولا تغييره، فهذه مسألة لا بُّد من فهمها؛ لأنَّ بعض هؤلاء المبتدعة قد هاجموا أهل السُّنَّة، وكثُر الكلام أيضاً في هذا العصر كما في كتابات الضَّال حسن السَّقاف في قضية تبديع أهل السُّنَّة في مسألة التَّقسيم، هم يقولون هذا التقسيم: تقسيمٌ فنيٌ لأجل أن تُفهم القضية.
إذاً اعتقاد أنَّ الله واحد، ونُوحِّده عزَّ وجلَّ بأسمائه وصفاته وأفعاله، ونوحِّده بأفعالنا، فالخُلاصة: نوحِّد الله بأفعاله أنه هو فقط الذي يرزق، والذي يحيِّي ويُميت، وهو الذي ينزل الغيث بأفعاله، ونُوحِّده بأفعالنا أن صلاتنا لله، واستغاثتنا بالله، وكذلك سائر أنواع العبادات: الدعاء، والنَّذر، والصِّيام ونحو ذلك، هذه خلاصة التوحيد، فتقسيمه إذاً باعتبارات لأجل الشَّرع فحسب.
الخُلاصة في تعريف التَّوحيد:
خلاصة تعريف التّوحيد: هو: إفراد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته وحقوقه، -حقوقه أعمالنا نحن- هذا هو عند أهل السنة والجماعة، ولهذا بُعثت وأُرسلت الرُّسل، وأنزِلت الكُتب، ولهذا جُرِّدت السَّيوف للجهاد، وأُمر الأنبياء أن يقاتلوا المخالفين، كلُّ ذلك لأجل إفراد الله بهذه الأمور، وأنَّ لا يكون له فيها شريك، فكلُّ الدُّنيا خُلِقت لأجلها والسَّموات والأرض، ونُعادي ونُوالي من أجلها، فإذاً هذه  الحقيقة إفراد الله بهذه الأمور، وعليها نحيا وعليها نموت وعليها نبعث وعليها نحاسب، وما خَلَق الله السَّموات والأرض إلا لأجل تحقيق إفراده عز وجل بهذه الأمور، وهي خلاصة الدِّين كُلّه، والقرآن من أوله إلى آخره توحيد، إما بيان أسمائه وصفاته وأفعاله وحقوقه، ومن حقوقه أن نقوم بالأوامر والنواهي، وبيانُ جزاء أوليائه، ومَن وحدَه، التي هي الجنَّة، وبيان عقوبة من أشرك وخالف وعصى، وهو عذاب أهل النَّار، فكل القرآن يدور على هذه الأشياء.
مفهوم التَّوحيد عند الفِرق المنحرفة:
00:20:36
 أما مفهوم التَّوحيد عند المخالفين؛ فإنَّ البشرية قد ضلَّت في التَّوحيد ضلالاً بعيدا.
مفهوم التَّوحيد عند الفلاسفة:
فذهب الفلاسفة كابن سيناء وأرسطوا وأتباعهما إلى أنَّه إثبات وجود الله مجرَّد عن الصفات، إذا سألتهم ما هو توحيد الله؟ قالوا: أن نثبت وجوده، فهذا هو التَّوحيد عند ابن سيناء الذي يتقدم المسلمون اليوم في الطِّب على يديه، ليس إلا تخلف؛ لأن ابن سيناء ممن ضلَّ في التَّوحيد ضلالاً بعيد، أحياناً يقال: من أعلام المسلمين في الطب، أو في الرياضيات، ويأتون بأمثلة، أناسٌ قد لا يكونوا مسلمين، يقول ابن سيناء: إنَّ التَّوحيد إثبات وجود مطلق، ومن المعلوم أنَّ هذا الإثبات يساوي نفي الوجود؛ لأنه لا يُتَصوَّر ذات مجردة عن الأسماء والصفات، فإذا قال قائل: إنَّ الله ليس له أسماء ولا صفات، نثبت وجوده، فنقول: كأنَّك أثبتَّ عدمه؛ لأنك إذا نفيت الأسماء والصفات، وقلت: لا يد ولا سمع ولا بصر ولا حياة، تصف الحياة لا، ولا يحب ويرضى، إذاً أنت تَصِفُ وتثبت عدماً في الحقيقة، ولذلك قال ابن القيم في هؤلاء الذين يثبتون ذاتاً مجرَّدة عن الأسماء والصفات: "فتوحيد هؤلاء هو غاية الإلحاد والجحد والكفر"[ مدارج السالكين: 3/447].
مفهوم التَّوحيد عند غلاة الصُّوفيَّة:
الطائفة الثانية التي ضلّت في التَّوحيد: الاتحادية من غلاة الصوفية، فما هو التوحيد عندهم؟ قالوا: أنَّ الحقَّ هو عين الخَلق، كل ما تَرى بعينك فهو الله، فالكون هو الله، والحقُّ هو عين الخلق، فالخلق يساوي الخالق، هذا التَّوحيد عندهم، وهذا نظير النَّصارى في كُفرهم، بلَّ أعظم من كفر النَّصارى؛ لأنَّ النَّصارى خصوه في المسيح، وقالوا: المسيح هو الله، وهؤلاء عَمَّوا به كل الخلق، وقالوا: لا يوجد فرقٌ بين:
الرب عبدٌ والعبد ربُّ *** يا ليت شعري من المكلَف
إن قلت عبدٌ فذاك ربُّ *** وإن قلت ربٌ أنا يُكلَف
وما الكلب والخنزير إلا إلهُنا *** وما الله إلا راهبٌ في كنيسة

تعالى الله عن قولهم علواً كبيرا، هذا فكلُّ شيء تراه هو الله، وأنَّ موسى أخطأ لما أنَكر على فرعون عندما قال: أنا ربُّ العالمين، وهؤلاء لا فرق عندهم بين عبادة الرحمن وعبادة الأوثان؛ لأنك إذا عبدت أوثاناً فأنت تعبد الله؛ لأنَّ الأوثان هذه من الخلق والخلق كُلُّه هو الخالق، وهذا أكثر من كفر النَّصارى، وهؤلاء طوائف يدَّعُون الإسلام من الصُّوفية، ويقولون نحن مسلمون نحن نوحِّد، فكلُّ شيءٍ هو الله، يقول عبد الكريم الجيلي في كتابه اللسان الكامل: "أضلُّ النَّاس المحمديون -انظر إلى كفره سبحان الله- يقول: أضلُّ النَّاس المحمديون، وأهدى منهم الثَّانوية، الذين يقولون في إِلَهَيْنِ، وأهدى منهم المثلثون النصارى، وأهدى منهم من يرى ربه ويعبده في كل شيء".
مفهوم التَّوحيد عند الجهمية:
وأما التَّوحيد عند الجهمية: فهو نفي الصِّفات، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: "إن التوحيد عندهم هو المبالغة في إنكار التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب"[مدارج السالكين: 3/448].
الجهمية عندهم التوحيد هو نفي الصفات، وهذا في الحقيقة تعطِيل؛ لأنَّه لا يُتَصوَّر: وجود ذات من غير صفات، وقول الجهمية هو الذي أدى إلى مذهب الاتحاد والحلول، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن نفي الجهمية للعلو أوقع الاتحادية في القول بوحدانية الوجود" [مجموع الفتاوى: 2/367].
لما قالوا أنَّ الله ليس في العلو، وأنَّه في كلِّ مكان، هذا القول الذي أدَّى إلى وجود قول: وحدانية الوجود، هذا الانحراف نفيُّ العلو.
مفهوم التَّوحيد عن القدريَّة:
والتوحيد عند القدرية: هو إنكار قَدرَ الله، وإنكار مشيئة الله، سموا ذلك عدلاً، ومتأخروا القدريَّة ضمَّوا إلى مذهبهم هذا المنحرف توحيد الجهمية: وهو نفي الصفات، فقالوا: التَّوحيد عندنا نفي الصفات، ونفي مشيئة الله وقدرته، أو نفي عِلمه وأنَّه لم يعلم الأشياء، وقالوا: نحن أهل العدل والتَّوحيد.
مفهوم التَّوحيد عند الجبرية:
وأما التَّوحيد عند الجبريَّة فقالوا: إنَّ العِباد غير فاعلين، فكل شيء هو من أفعال الله، والعَبد مجبورٌ، فلا مشيئة ولا اختيار، وهذه مقالة خارجة عن الإسلام.
مفهوم التَّوحيد عن أهل السُّنَّة والجماعة:
أهل السُّنَّة والجماعة -كما قلنا بتأمل دعوة الرسل والآيات والأحاديث- نجد أن التَّوحيد نوعان: إثبات حقيقة ذات الرب عز وجل وصفاته وأفعاله وأسمائه  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11].
والثاني: توحيد الطلب والقصد من قِبل العباد، والأول: ممكن نقول: هو توحيد الربوبية والأسماء والصفات.
والثاني: هو توحيد الألوهية، على أحد التقسيمات.
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه: "ومن يتأمل دعوة الرسل عليهم  الصلاة والسلام وحال الأمم الذين دعتهم الرَّسل يتضح له أن التَّوحيد الذي دعوا إليه ثلاثة أنواع: نوعان أقر بهما المُشركون فلم يدخلوا بهما في الإسلام" -مع أنهم أقرّوا بهما لكن لا يكفي هذا دخولهم في الإسلام وعصمة دمائهم- وهو أنهم آمنوا بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات". [مجموع فتاوى ابن باز: 2/34].
والنوع الثالث: وهو توحيد العبادة، وهذا الذي وقع فيه النِّزاع المسلَّح وغير المسلَّح بين الرُّسل وأقوامهم.
بعض العلماء جعلوا توحيد الأسماء والصفات نوعين: توحيد الأسماء وتوحيد الصفات، كما جعل ذلك ابن المنذر رحمه الله، وعليه فلا مشاحة في الاصطلاح، وفي التقسيم إنَّما هي قضية فنية.
الرّد على من ينكر تقسيم التَّوحيد:
00:28:03
 وإنكار هؤلاء المبتدعة للتَّقسيم، وأنَّ هذا ما جاء به، الرُّسل وليس عليه دليل، لكن نظرنا في النصوص فوجدنا فيها توحيد الله بأفعاله، ووجدنا فيها توحيد الله بأفعال العباد، ووجدنا فيها توحيد الرَّب بالأسماء والصِّفات، إذاً القضية قضية استقرائية من القرآن والسُّنة، فمثلاً توحيد الرُّبوبية أو توحيد الله بأفعاله وهو إفراد الله، إفراد الله بالملك والخلق والتدبير، أن نعتقد توحيد الرَّبوبية أنَّ الله لا خالق غيره ولا مدبر سواه، قال عز وجل: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف: 54].
 لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الشورى: 49]، ولما يُقدِّم شيئاً من حقه أن يؤخر في اللغة، يدلُّ ذلك على الحَصر، فإذا قال:  لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الشورى: 49]. فأصل العبارة: مُلكُ السَّموات والأرض لله، فملك مبتدأ فقدَّمه في البداية، إذا أخرت ما حقه التَّقديم لا بُّد يدلُّ على شيء، بأن قلت: لله ملك معناها: يدل على اختصاص الملك لله عزَّ وجلَّ، لو قال قائل: كذلك البشر يملكون، نقول: يكون مُلكه ناقصٌ، فقد يملكه ولا يستطيع أن يتصرَّف فيه، يُحجر عليه أو يُمنع، أو يأتي ظالم يعتدي عليه، فإذاً ملك البشر مُلكٌ ناقصٌ، نحن نتكلم عن الملك التام  لله عز وجل.
توحيد الأُلوهية:
00:30:02
 وتوحيد الأُلوهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة، كما قال عز وجل:  وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23]. وإفراده بأسمائه وصفاته بأمرين: إثبات جميع ما جاء عن الله من الأسماء والصفات، والثاني: نفي المماثلة وسنتعرض لذلك بالتفصيل في مسألة توحيد الأسماء والصفات.
العلاقة بين أقسام التَّوحيد:
لا بُّد أنَّ نعرف أنَّ علاقة أنواع التوحيد الثلاثة ببعضها علاقة وثيقة جداً وهي علاقة تلازُم وشمول وتضَمُّن، فتوحيد الربوبية مثلاً مستلزِم لتوحيد الأُلوهية، فتوحيد الرُّبوبية مقدِّمةٌ وتوحيد الأُلوهية نتيجة، إذا أنت آمنت أنَّه هو الرُّب المالك المتصرِّف المحيي المميت إلى آخره،  سينتج عن ذلك أنك تُفِرده بالعبادة، ولا يستحق العبادة إلا هو، فإذا أنت أفردته بالخلق والربوبية الإحياء الإماتة، أفردته بالملك والتدبير، فالنتيجة لهذا الإفراد أنك ستُفرده بالعبادة؛ لأنه لا يستحِّق العبادة إلا هو، الذي خلق السموات والأرض ودبَّر وأحيا وأمات، فإذاً توحيد الرُّبوبية يستلزم توحيد الأُلوهية، وتوحيد الأُلوهية متضَمِّن لتوحيد الرُّبوبية؛ لأنَّك إذا أفردته بالعبادة وعبدته وحده لا شريك له، لا بُّد أنَّك تعتقد أنَّ هذا هو الرَّب الذي لا رب غيره، ولذلك أنت عبدته.
وأما توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنَّوعين جميعاً؛ لأنَه يقوم على إفراد الله بكل ما له من أسماء حُسنى وصفات عُليَا لا تنبغي إلا لَه، ومن جملتها كونه ربٌّ واحدٌ لا شريك له، فاسم الرَّب لا ينصرف إلا إليه عند الإطلاق، إذا قلت الرَّبُّ بالإطلاق فلا ينصرف إلا لله فقط، فالأنواع الثلاثة متلازمة، ولا يَكمل توحيدُ عبدٍ إلا باجتماعها كاملةً فيه، ومن عَبَدَ الله وحدَه ولكن اعتقد أنَّ هناك واحدٌ آخر عنده القُدرة مثل قدرة الله، أو أنَّه ينفع أو أنه يضرُّ فهذا إنسانٌ مشرك، ومن أقرَّ بتوحيد الرُّبوبية والأُلوهية ولكنَّه عطَّل توحيد الأسماء، قال: لا ربُّ غيره، ولا أصلِّي إلا له، ثم قال: لكن لا أُثبت له أسماءً وصفاتٍ، وأنازع فيها، لم ينفعه توحيده في رُبوبيته وإلاهيته، ولا يَصحُّ توحيدٌ إلا بأن يؤمن بالأسماء والصفات، فمن كَفرَ ببعض وآمنَ ببعض فقد ضلَّ ضلالاً بعيدا، ولقد كانت دعوة الرسل الصحيحة أكثرها في توحيد الألوهية  لكثرة الضُّلال فيه، ليس لأن الأنواع الأخرى غير مهمة.
منهج الدعوة في الأولويات:
00:33:37
 ولذلك فانحراف البشرية منذ أن خلق الله آدم إلى اليوم ليس أكثر انحرافهم في نفي وجود الله الكُلِّي، ولا أكثر انحرافهم في جحد الأسماء والصفات، لكن أكثر انحرافهم في مسألة العبودية، وتوحيد الأُلوهية، عبادة الله، يُشركون أو يُريدون أن ينزعوا عن الله أشياءً في الأُلوهية يصرفها إلى غيره، فيعبدون غيره، يشركوا معه غيره، فهذه هي مشكلة البشرية بدرجة أولى.
ولذلك انصبَّت دعوة الرُّسل عليها بالأساس، وليس معنى ذلك أنّه لا يوجد هناك انحراف غيره، فالانحراف أنواع، فوُجِد الشِّيوعيون والملحدون ينكرون وجود الله بالكلية، كما وجد الجهمية الذين يشركون في الأسماء والصفات أو ينفون توحيدَ الأسماء والصفات، ولذلك العالم النَّابغ الذكي الذي يفهم الأمور ينصبُّ جُهدَه على مُنكَر عصره، والمصلح الداعية الذي يريد الأجر الأكثر ينصبُّ جهده على أكثر ما وقع النَّاس عليه في زمنه من الانحراف، فلما تريد أن تُقوِّم أخطاءً ومنكراتٍ عند الناس فلا تقوم تَصبُّ جهدك في قضية الناس مُسلِّمين فيها، فمثلاً: النَّاس مؤمنون بوجود الله، فتقول أُريد أُخَصِّص عشرين خطبةً وأُألِّفُ الكتبَ وأُلقِي كلَّ المحاضرات في إثبات وجود الله، فإذاً ليس من الحكمة أنَّك تصب معظم الجهد في قضية الناس مسلِّمين فيها، لكن ستصب الجهد الأكبر في منكر عصرك الشائع، تنظر ما هو أكثر منكر شائع في عصرك فتصبَّ عليه الجهد، هذه هي الحكمة، ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، -لمن استعظم مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية- صبَّ جُهدَه لكثرة المنحرفين في باب الأسماء والصفات في عصره، تكلَّم فيه كلاماً كثيراً جداً، وتَكلَّم في أبواب أخرى: المنحرفون في القضاء والقدر، وشاتم الرَّسول، وأشياء كثيرة أخرى، وحتى في قضايا السلوكيات ألَّف كتاب الاستقامة، وأنكر على الصوفية في مسائل كثيرة جداً، لكن انصبَّ جُهدَه في أكثر ما وقع الانحراف فيه في عصره.
الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ألّف كتاب التوحيد، إذا أخذت هذا الكتاب فهل تَجِده وزَّع الكلام بنُسَب متساوية في الربوبية والأُلوهية والأسماء والصفات؟ لا، لأنَّ أكثر مشاكل عصره في قضية الأُلوهية، وذلك تجد أكثر عناوين كتاب التوحيد في هذه القضية.
فالداعية المصلح الذي يسير على خُطى الأنبياء يعرض الدِّين كاملاً، حتى يفهمونه النَّاس، فلا يعرض لهم مقطعاً واحداً من الدِّين ويهمل الباقي، ويكون الجُهدُ الأكثرُ في الإنكار في قضية المعصية أو المُنكر الموجود في عصره، وقد لا يكون منكراً واحداً، او المُشكلة واحدة، يمكن تكون المشاكل كثيرة، كحال النَّاس اليوم واقعون في مشاكل كثيرةٍ جداً، فهل من الحكمة أن تقول أُريد أنَّ أُخَصِّص عشرين خطبةً في قضية خَلق القرآن، في هذا العصر: فهل يوجد من يُؤَلِّف وينشُر في قضية خلق القرآن، وأن القرآن مخلوق؟ لكن في عصر الإمام أحمد يكاد أنَّ يكون هذا أكبر مُنكرٍ ظَهر، ولذلك خَصَّصَّ له جهداً عظيماً في الإنكار، ومَرَّت سنوات من المعارك بينه وبين خصومه، في السجن وخارج السجن وفي التألِيف والفتاوى؛ لأن القضية كانت منتشرة، فلذلك لو شخص في بلد فيها قبوريات وأضرحة، فيَصُب عليها التَّركيز، وآخر عندهم قضية شرك لله في مسألة القوانين الوضعية والدَّساتير المخالِفة للشريعة، ويعطون البرلمان حق التشريع، ويُقَاطعون مواد مخالفة للدين، فيصب الجهد على قضية أنَّ الحكم لله، ومحاربة قضية الحكم بغير ما أنزل الله، وإذا كان في بلد فيها مثلاً الصوفية كثُر جداً ووحدة الوجود، سيتكلم عن هذا الموضوع ويخصُّه بمزيد من العناية، وهكذا يكون منهج الدَّعوة وهي: استعمال الجهد في الأولويات، فهذه مهمة جداً، مع عَرض شامل للدِّين، حتى لا يفهم الناس أنَّ الدِّين كُلّه هو أنك لا تعبد القبور، ولا أنَّ الدِّين كله أنك لا تقول البدع بالأذكار، ولا أنَّ الدِّين هو فقط أن الحكم فقط بما أنزل الله، فلازم نعرض الدين شاملاً، لكن يجب أن نحاور ونُؤلِّف ونُحاضر ونخطب في المجالس على المنكرات التي يكون الناس واقعين فيها ومنتشرة في أوساطهم بكثرة، ومن سوء عصرنا هذا أنَّ أكثر شيء مُنتَشِر في هذا العالم هي قضية العولمة، وهذه سيكون لها تأثير حتى في قضايا عرض الدِّين والتَّوحيد والعقيدة والدعوة، فقبل العولمة كان الشَّخص  في القرية أو في بلد ما يتكلَّم على مشكلات واقعه في العقيدة والدِّين والأخلاق وفي العبادات وفي الأذكار، يتكلم على المشكلة المعينة، لكن لما تتعولم المسألة وتتكوكب -كما يقولون- ويصير كل الذي عند غيرنا عندنا والذي عندنا عند غيرنا، فتصير القضية مُعقَّدةً أضعافاً مضاعفة؛ لأن الناس يطَّلِعون على كل شيء بسهولة، على كل كفرٍ ومنكر في الأرض، فالفضائيات تنقل السِّحر والشعوذة، والقبوريات، والطريقة الرفاعية، والدَّساتير الغربية، والتَّشبُّه بالكفار، والرذائل، وعرض الأزياء، ومسابقات ملكات الجمال، وكلُّ شيءٍ سَيء، فالآن بالعولمة ستصبح عملية الدَّعوة والإنكار والبيان والعمل ومقاومة المنكرات العقدية والأخلاقية قضية شاملة.
اليوم حتى في القرية أصبحوا يرون ويسمعون كل شيء، صار الشخص يدخل على الإنترنت ويفتح كلَّ المواقِع، الكفر والانحلال والزَّندقة والرذائل، يطَّلِع على كل شيء، فما وقفت الآن على منكر معين أو على نوع معين، في أثناء التخطيط الاستراتيجي الدعوي.
التَّوحيد عند أهل الكلام:
00:41:40
 فإنَّ الله سُبحانه وتعالى واحدٌ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وأن نوحده بأفعالنا. ومن أنواع التَّوحيد عند المخالفين: أنواع التوحيد عند أهل الكلام، يقولون: واحدٌ لا قسيمَ ولا جزء ولا بَعض له، فالتَّوحيد عندهم، يقولون: أن نعتقد أنَّ الله لا يتجزأ ولا يتقسَّم ولا يتبعَّض، قد يقول قائلٌ: ما الفكرة السخيفة هذه؟ لكن ورائها نفي الصفات، لما نقول: لله يد ووجهٌ وقدمٌ يَلِيق بجلاله وعظمته، يقول: لا، هذه أبعاض وأجزاء، فنحن عرفنا التَّوحيد، وأنَّ الله لا يتبعَّض ولا يتجزَّأ ولا يتقسَّم، إذاً من وراء العملية نفي الصفات التي لله تعالى مما أخبر عزَّ وجلَّ به، ولذلك لو قال: الله لا قسيم له ولا جزء ولا يَتجَزَّأ ولا يتبعَّض ويُنَزَّه يقول إذاً فالتوحيد: هو تنزيه الله عن الأبعَاض والأجزاء والأقسام، فنقول له: ما هو قصدك؟ وهذه القاعدة العظيمة التي أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله. [بيان تلبيس الجهمية: 2/310].
قال: لما تَشُدُّ على واحدٍ وتُنكر عليه، اسأل عن قصده ماذا يريد بالكلام؛ لأن بعض الكلام مُجملٌ يحتمل حقاً ويحتمل باطلاً، فما هو الموقف؟ تسأله عن قَصده، لابُّد أن يكون هذا دائماً وأبداً في أي معركة وحوار تدخل فيه مع مخالف يذكر لك كلام، أمَّا إذا كان الكلام باطل، كأن يقول: الله ثلاثة، فهذا شرك وكفر ولا يمكن الحوار عن قصده لأنه واضح ما يحتمل غير الشرك والكفر، لكن من يقول: الله لا يتبعَّض، تنزيه الله عن الأبعاض والأجزاء والأقسام، نسأله ما قصدك؟ إذا قال قصدي أنَّ الله صمد، والصمد ورد في تعريف الصمد: الذي يَصمد لحوائج الخلق، والشريف الذي كمُل فيه شرفه، وكمُل فيه سؤدده، والعظيم الذي كمُلت عظمته، أيضاً ورد في الصمد غير المصمد، غير الأجوف أي ليس له جوف، كل مخلوق له جوف، وإبليس لما طاف بآدم قبل أن تُنفَخ فيه الرَّوح وجده أجوف، فعلم أنَّه خلق لا يتمالك لابد يزول ويموت، فإذا قال: أقصد الصَّمَد ليس له جوف، فيمتنع أن يَتفرَّق ويتبعَّض ويتجزأ ويتمزق إلى آخره، نقول: هذا حق، لكن نحن إذا أردنا أن نتكلَّم عن الله لا نستعمل ألفاظ أو  كلمات لا تليق به عزَّ وجلَّ، ألفاظ ما وردت في الكتاب والسُّنَّة، فهذا ربنا وإلهنا، إذا أنت تريد أن تُكلِّم أميراً أو وزيراً فإنك تنتقي ألفاظاً لائقة، يمكن تمكث ساعات وأنت تكتب الرِّسالة تعدل وتمسح وتراجع، حتى تنتقي لفظاً لا يكون فيه ما يوهم أيّ مُشكلة، وأنك تريد أن تُفَخِّمه وتُعَظِّمه حتى يعطيك مطلوبك وتثني عليه وإلى آخر، فالله أحقُّ بهذا، فصحيح مقصود القائل في قضية نفي التَّمزُّق ونفي التَّفرُّق، فالله الصَّمد، وهذا يوافق قول الله الصَّمد يعني في تفسيره، لكن هذا الكلام ليس فيه توقير  مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا  [نوح: 13].
إذا أردت تُوحِّد الله فاستعمل ما يليق به من الألفاظ، توحيد الله هذه القضية العظيمة التي أُرسلت بها الرُّسل ومبنى الدين عليها، وعندهم تعريفه لا يَتمزَّق ولا يتبعَّض ولا يتجزَّأ، ما هذ الألفاظ؟ وما هذا التعظيم؟ هل هذا ما يليق بالله؟ هل هذا هو الأدبُ اللَّائِقُ بالله؟ إذاً لا تستعمل هذه الألفاظ، أيضاً لمَّا يَصِف الله بالجسم، شيخ الإسلام يقول: نسأله: ما قصدك بنفي الجسم عن الله؟ إذا قال قصدي أنفي أنَّ الله يشابه المخلوقين وأنَّه ليس كهذه الأجسام المخلوقة، نقول: لكن قولك الله ليس بجسم، ليس أدب في التَّعبير عن التَّوحيد، كما قلنا أنه ليس من الكمال لو قلت للملك تقوله: أنت لست بعامل نظافة، ولا سبَّاك، ولا أعور، ولا أعرج، ولا أفطَس، فهذا الملك  إذا ما قطع رأسك فسيبقيك في السِّجن، ويطردك، فالجهمية وبعض هؤلاء المنحرفون في التَّوحيد هذا توحيدهم، يقول: الله ليس بأعور ونحوه، فتوحيدهم النَّفي فقط؛ لأنَّهم لا يُريدون الإثبات، فعندهم مشكلة في الإثبات، إذا أثبَتَ أنَّ لله يدٌ، أو أنَّ الله يَحبَّ ويبغض تكون عنده مصيبة، فمعركتنا معهم أنَّهم لا يُثبِتون، توحيدهم قائمٌ على النَّفي، الشخص العادي من الدنيا لا يعتبره مدحاً، فكيف أنت تمدح به ربك؟ وتوحده بهذا؟
وكذلك قولهم: هو واحد في صفاته، لا شبيه له، فإذا قلت: ما مقصودك بذلك؟ قال: أي نفي التشبيه، ثم  إذا قال: قصدي ليس له يد ولا وجه ولا كذا عرفت أنه مخطأ في إرادته.
التَّوحيد عند الصُّوفية:
00:48:52
 أما بالنُّسبة للتَّوحيد عن الصَّوفية فيقولون: توحيد الخاصة وهذا يثبت بالمكاشفات، وتوحيد خاصَّة الخاصَّة، وتوحيد خاصة الخاصَّة لا فرق بين القِدم والحدوث عندهم، بمعنى: هو القول بالاتِّحاد. عند الصَّوفية يقولون توحيد العامة: لا إله إلا الله، فهذا لعامَّة النَّاس، أمَّا توحيد الخاصَّة قالوا يكون بالمكاشفات، وخاصَّة الخَاصَّة قالوا: الشَّخص يصل إلى مرحلة يرى الله في كلِّ شيء، وهذا هو القول بالاتِّحاد، وأحياناً يعبرون عنه: فناء عن إرادة السوى، يُسمُّونها السوى، وفناء عن شهود السوى وفناء عن وجود السوى، فناء عن إرادة السوى: أنَّك لا تريد سوى الله، نحن نقول به ما نريد سوى الله، وإن كُنَّا لا نستعمل العبارات هذه، لكن هم يُسمُّونه توحيد العامَّة إرادة السوى، لا تصلي لغير الله، ولا تقصد بعبادتك غير الله، نفي إرادة السوى. نفي شهود السوى هذه يُسمُّونها وحدة الشهود، وفناء عن وجود السوى هذه وحدة الوجود، ويقولون أنَّ الشَّخص يرتقي.
توحيد الرُّبوبيَّة:
00:50:52
 وتوحيد الرُّبوبية مُرَّكب من كلمتين: توحيد وربوبية، وعرفنا معنى كلمة التوحيد، وأمَّا الرُّبوبيَّة مأخوذة من الرَّب، وكلمة الرَّب في اللغة لها أربعة معان:
الأول: مالك الشَّيء وصاحبه.
الثاني: السَّيد المطاع.
الثالث: المصلح للشَّيء.
الرابع: التَّربية والإنشاء.
وفي الشرع: توحيد الله بأفعاله والخلق والملك والتدبير، فمن أصول أهل الإيمان أن يَعتقِد المسلم أنَّ الخالق هو الله وحده، والملك له، والنفع والضر منه عزَّ وجلَّ، ومن اعتقاد أنَّ لله مشارك في هذه الأشياء، أنَّه يَرزق أو يضرّ أو ينفع غير الله، فهذا مشرك في الرُّبوبية، ومن قال مُطِرنا بنوء كذا، فهو مشرك بالرُّبوبية، ومن قال: أنَّ الدُّنيا والآخرة للإمام، كما يقول الإمامية الرَّافضة، كما جاء في كتاب الكافي الذي يُقدِّسونه، فهذا شرك الربوبية، ومن قال إنَّ الولي يتصرف في الكون وينفع ويَضرُّ، هذا شرك في الربوبية، كما قال غلاة  الصُّوفية، ومن قال فإنَّ من جودك الدنيا وضرتها أي: الآخرة، ومن علومك -"من" للتَّبعيض- علم اللوح  والقلم هذا شرك في الربوبية.
الفطرة والعقل يثبتان توحيد الرُّبوبية:
فأما بالنُّسبة لتوحيد الرُّبوبية فإنَّ الفطرة تدلُّ عليه، والفطرة كما عرفناها سابقاً هي الإسلام على القول الراجح، وأنَّ كلَّ مولدٍ يُولد عليها، وأنَّ الله فَطَر كلَّ مولدٍ على معرفته عزَّ وجلَّ وعلى توحيده لو عُرضت عليه، ولو تُرك من غير أيّ مؤثرات خارجية يبقى على الإسلام والتَّوحيد، ولكن لا يعني ذلك أنَّ الفِطرة تُفِهم الإنسانَ كلَّ شيءٍ!  وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل: 78].
لكن الأصل أنَّ الله واحدٌ، وأنَّ الله فوق، وأنه يُوجد خالقٌ مدبرٌ، اللُّجوء إليه في الشِّدة، فهذا كله يُدرَك بالفطرة، وأمَّا التَّفَاصيل فالفطرة لا تستَقِّل بمعرفتها، قلنا سابقاً الفطرة مصدر ثانوي مساند، لكن القُرآن والسُّنَّة هو المصدر الأساس، والعقل كذلك يُثبِت وجودَ الله وربوبيته، والعبد مجبولٌ على اللُّجوء إلى الله في المحن.
الأدِّلة الشَّرعية على توحيد الربوبية:
وقد دلَّت الأدِّلة الشَّرعية على توحيد الربوبية:  الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: 2].  هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان: 11].  رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ [الجاثية: 36]. وكذلك فإن آيات الأنبياء وكراماتهم، وإجابة الدُّعاء، والأدلَّة الحسِّية والعلمية في الأنفس والآفاق تدل عليه  سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53]. التنوع الموجود في الخلائق في البحر في البر  وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم: 22]. تدل على ربوبيته عز وجل، ومن الأدلة على وجود الحق قوله سبحانه وتعالى:  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: 35].
فإذاً الشَّيءُ لا يُوجِد نفسه، فلابُّد له من مُوجِد، ولذلك أبو حنيفة رحمه الله لما صار له موقف مع أناس في قضية توحيد الرُّبوبية، قال قبل أن أتكلَّم عن مسألة توحيد الرُّبوبية أخبروني عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع بنفسها، وتذهب بنفسها وترسوا بنفسها وتفرغ بنفسها وترجع بنفسها من غير أن يُدَبِّر ذلك أحدٌ، قالوا: هذا محال لا يمكن، فقال: إن كان محالاً في السَّفينة فكيف في هذا العالم علوه وسفله وتدبير الأمر فيه؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الإسلام وأسلموا على يد أبي حنيفة. [شرح الطحاوية: 1/236].
وكل مخلوق له خالق، فهذا موجود حتى في فطرة الأعرابي، ولذلك قال العاقل منهم: البَعرة تَدلُّ على البَعير، والأثر يدلُّ على المسير، فسَماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، وبحارٌ ذات أمواج، ألا يَدلُّ ذلك على اللطيف الخبير. [كتاب المواقف: 1/151].
ولما سأل الشافعي عن وجود الصانع، قال: هذا ورق التُّوت، طعمه واحد، تأكله الدُّود فيخرج الإبرسيم الذي يسمى الحرير، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، تأكله الشاة والبقر فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظباء فيخرج منه المسك. [معارج القبول: 1/111].
هذا دليل على وجود الله الخالق.
طريقة المتكلِّمين في إثبات الرُبوبية:
والمتكلِّمون سلكوا طرقاً لأجل إثبات الرُّبوبية، وأتوا بدليل التَّمانع، ما هو دليل التمانع؟ قالوا: لو كان للعالم صانعان فقد يختلفا فهذا يريد تحريك شيء وهذا يريد تسكينه، وهذا يريد إحياءه وهذا يريد إماتته، فإمَّا أن يحصل مراد أحدهما وإمَّا أن يحصل مرادهما جميعاً، وإمَّا أن لا يحصل مرادهما جميعاً، قالوا فالأول: ممتنع يحصل مرادهما جميعاً، فلا يحصل مثلاً إحياءٌ وإماتة