الأحد 12 صفر 1440 هـ :: 21 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

مقدمة في العقيدة


عناصر المادة
مقدمة عن أهمية دراسة العقيدة: 00:01:31
مقدمة عن أهمية دراسة العقيدة: 00:01:31
مقدمة عن أهمية دراسة العقيدة:
تعريف العقيدة لغةً واصطلاحاً:
كلمة السنة:
معنى كلمة التوحيد:
أصول الدين:
تسمية العقيدة بالفقه الأكبر:
إطلاق اسم الشَّريعة على العقيدة:
تسمية أهل البدع للعقيدة:
منزلة العقيدة:
مزايا العقيدة:
معالم العقيدة:
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،  وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:
فنفتتح هذه الدورة الصيفية في هذا المسجد بمشيئة الله تعالى في ربوع العقيدة، وسيكون عنوانها: معالم العقيدة الصحيحة.
مقدمة عن أهمية دراسة العقيدة:
00:01:31
سنتناول فيها إن شاء الله طائفة من أصول المعتقد الصحيح، والجوانب المتعددة للعقيدة الإسلامية؛ عقيدة أهل السنة والجماعة، نتحدث فيها بمشيئة الله تعالى عن مقدمة في العقيدة وأهميتها وأصولها ومميزاتها وخصائصها وفوائدها، وثمرات المعتقد الصحيح، ونتحدث كذلك عن سلسلة في التوحيد وأنواعه، والشرك وأنواعه، والإيمان قولاً وعملاً، والقضاء والقدر، وكذلك الصحابة والتوسل، والشفاعة، والإيمان بالغيب ومصادر التلقي، والعقل والنقل، والتبرك، وغير ذلك من الخطوط العريضة التي ذكرها علماء أهل السنة والجماعة رحمهم الله عن هذه العقيدة المباركة.
وسيكون في كل مرة بمشيئة الله من أيام السبت والاثنين والأربعاء، بين المغرب والعشاء، عرض لأحد هذه العناوين، وهو مجموع من كلام العلماء من مصادر متعددة وكتب مختلفة، ولذلك لا يوجد معنا متن معين سنقتصر عليه، وإنما سنجمع شتات هذه الموضوعات في كل مرة من المرات، بمشيئة الله تعالى.
إن هذ العقيدة الإسلامية التي بعث الله بها رسله، وأنزل بها كتبه، وأوجبها على جميع خلقه سبحانه وتعالى، أن يعبدوه وحده لا شريك له، هذه العقيدة المباركة اتجهت لها همم العلماء، فأفردوها بالتصنيف، واجتهدوا في تعليمها ونقلها، فنتعرف بمشيئة الله في الدرس الأول على العقيدة لغة واصطلاحاً، وكذلك ماذا يطلق عليها عند العلماء مثل كلمة العقيدة، وكذلك السنة، وكذلك التوحيد، وأصول الدين، والفقه الأكبر، والإيمان والشريعة.
تعريف العقيدة لغةً واصطلاحاً:
00:04:17
أما بالنسبة لمعنى العقيدة لغة فإنها: مأخوذة من العقد، وهو الربط والشد بقوة، ومنه: الإحكام والإبرام والتماسك والإثبات، ويُطلق على العهد وتأكيد اليمين، يُطلق عليه عقد أيضاً، وكل ما عقد عليه الإنسان به قلبه جازماً به فهو عقيدة.
وأما اصطلاحاً فإن العقيدة تطلق على أمرين: عام وخاص.
فأما في الاصطلاح العام: فإن العقيدة هي الإيمان الجازم، والحكم القاطع الذي لا يتطرق إليه الشك لدى المعتقد، بصرف النظر عن نوع الاعتقاد حق هو أو باطل.
وأما في الاصطلاح الخاص كلمة عقيدة في كلام العلماء فهي: الإيمان الجازم بالله، وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة من أصول الدين، وأمور الغيب، وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح، وكل أمر سواء كان عقدياً أو عملياً يعتريه الشك والاضطراب فلا يسمى عقيدة، فالعقيدة لابد أن يكون مجزوماً بها ومقطوعاً بها، والقلب معقود عليها، وهي تخص الأعمال القلبية غالباً من أمور الدين مثل: الإيمان، التصديق، الخوف، الرجاء، ونحو ذلك، ولا ترتبط بالأعمال الظاهرة إلا من جهة خاصة مثل: اعتقاد تحريم الربا، والعمل بهذا الاعتقاد.
هل ورد اسم "عقيدة" في الكتاب أو السنة؟
واسم العقيدة أو كلمة العقيدة شائعة، لكن لو قال قائل: هل وردت هذه الكلمة في الكتاب والسنة؟ فربما لا تجدها في الكتاب والسنة بهذا النص عقيدة، ولكن معناها حق؛ لأن مادة عقد في اللغة مدارها على توثيق الشيء وتوكيده، وقد قال الله تعالى:  لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ  [المائدة: 89].
مِن المُؤلَّفَات في العقيدة:
وقد ألف العلماء تحت هذا الاسم العقيدة مؤلفات فمن ذلك:
شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم هبة الله اللالكائي المتوفى سنة 418هـ رحمة الله عليه.
كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث لأبي عثمان أسماعيل الصابوني المتوفى سنة 449هـ رحمه الله.
الاعتقاد على مذهب السلف أهل السنة والجماعة لأبي بكر البيهقي المتوفى سنة 458هـ رحمه الله.
وكذلك الدرة المضية في عقيدة الفرقة المرضية للعلامة أحمد السفاريني المتوفى سنة 1118هـ رحمه الله تعالى. وكذلك ما ألَّفَ الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله كتاب العقيدة الصحيحة وما يضادها.
كلمة السنة:
00:07:49
كلمة السنة: اسم للعقيدة الصحيحة، السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:  لتتبعن سنن -جمع سنة- من كان قبلكم  [رواه البخاري: 3456، ومسلم: 2669]. أي: طريقتهم في الدين، وقال:  من سن سنة حسنة  [رواه مسلم: 1017]. وشرعاً لها معاني متعددة عند العلماء في اصطلاحاتهم المتعددة.
فعند علماء الحديث: السنة ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف.
عند علماء الفقه السنة: ما يُثاب فاعله، ولا يُعاقب تاركه.
عند الأصوليين: ما أمر به الشارع لا على سبيل الإلزام والحتم.
عند علماء العقيدة كلمة السنة: هي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها هو وأصحابه، السالمة من الشبهات في الاعتقادات في مسائل الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وغير ذلك من أصول هذه العقيدة.
إطلاق اسم السُّنَّةِ على العقيدة:
لماذا أطلقوا على العقيدة السنة؟
تمييزاً لأهلها عن الذين اتفرقوا عن السنة من المبتدعة بأنواعهم، وقد ساد هذا الاصطلاح -كلمة السنة تعني العقيدة- في القرن الثالث الهجري، في عصر الإمام أحمد رحمه الله وما بعده، لما ظهرت الفرق وراجت عقائد المعتزلة والرافضة والصوفية وأهل الكلام، فصار أئمة الإسلام يطلقون على العقيدة كلمة السنة تمييزاً لها عن هؤلاء المبتدعة، وقد قال عمر رضي الله عنه: "من ترك السُّنة كفر" [المعجم الأوسط: 7846 عن ابن عمر]، فهذه الكلمة هي بمعنى العقيدة التي نتحدث عنها، والتكفير معلوم أنه لا يكون إلا في أمر عظيم، في أصول الدين، وأمور الاعتقاد الأساسية.
مِن المُؤلَّفَات في السُّنَّة بمعنى العقيدة:
هل ألَّف العلماء في السُّنَّة بمعنى العقيدة؟
الجواب: نعم، لقد ألَّف الإمام ابن أبي شيبة المتوفى سنة 235هـ كتاب السُّنَّة، وألَّف الإمام أحمد رحمه الله المتوفى سنة 241هـ كتاب السُّنَّة، وألَّف الأثر المتوفى سنة 273هـ كتاب السُّنَّة، وألَّف أبو داود رحمه الله المتوفى سنة 275هـ كتاب السُّنَّة، وألَّف ابن أبي عاصم رحمه الله المتوفى سنة 287هـ كتاب السُّنَّة، وألَّف عبد الله بن الإمام أحمد رحمه الله المتوفى سنة 290هـ كتاب السُّنَّة، وألَّف المروزي، والخلال، وابن منده، والهروي وغيرهم كتباً تحت اسم السُّنَّة، بمعنى العقيدة أيضاً.
معنى كلمة التوحيد:
00:10:47
كلمة التوحيد إطلاق ثالث على العقيدة المرادة والمقصودة، والتوحيد لغة: هو الإفراد، ولا يكون الشيء مفرداً إلا بأمرين: الأول: الإثبات التام، والثاني: النفي العام، فلو قلت: زيد قائم، فهل أفردته بالقيام بعبارتك هذه؟ لم تفرده؛ لأن غيره قد يكون قائماً، لكن متى تُفرِد زيداً في القيام؟ إذا قلت مثلاً: ما قامَ إلا زيدٌ، فأثبتَّ القيام له، ونفيته عن غيره، ولذلك فإن التوحيد هو إثبات الوحدانية لله عز وجل في ربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته، ونفي ذلك عن غيره، فتقول: لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، هذا توحيد، أما لو قال الواحد: الله، الله، هذا ليس توحيد، لا إله إلا الله، ولو قلت مثلاً: لا معبود، فالتوحيد هو: أن الله هو المعبود، فنقول: أن هناك معبودات غير الله، لابد أن تقول: لا معبود بحق إلا الله، هذا هو التفسير الصحيح لكلمة لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله؛ لأنَّ هناك معبوداتٌ أخرى، فأنت تنفي أن يكون من يُعبَد بحق إلا الله عز وجل.
التوحيد: يُطلق في باب العقيدة من باب وليس هو كلها، فكلمة عقيدة التوحيد منها ليس كلها، فالاعتقاد الصحيح في الصحابة داخل في عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن هل يدخل في كلمة التوحيد؟ لا؛ لأن التوحيد هو إفراد الله بالحقوق، ولله ثلاثة حقوق: حقوق مُلك، وحقوق عبادة، وحقوق أسماء وصفات، فحقوق الملك هي الربوبية، وحقوق العبادة هي الألوهية، وحقوق الأسماء والصفات توحيد الأسماء والصفات، هذا التوحيد هو جزء من العقيدة، لكن العلماء أحياناً يقولون: علم التوحيد، يقصدون بها العقيدة، فلماذا؟ وكيف صاغ إطلاق التوحيد على العقيدة؟ من باب تسمية الشيء بأشرف أجزاءه، وأشرف أصوله؛ لأن التوحيد هو أهم مباحث العقيدة، إذا قلنا العقيدة فروع فالتوحيد هو أهمها، فإذا أطلقنا التوحيد على العقيدة من باب إطلاق تسمية الشيء بأشرف أجزاءه، ألم يقل:  الحج عرفة  [رواه أحمد: 18774، وابن ماجه: 3015، والترمذي: 889 ، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: 2441]. من باب تسمية الأمر بأهمِّ شيءٍ فيه، فهو أشرف المباحث في الاعتقاد الذي هو التوحيد، مع أنه يشمل الإيمان بالملائكة والكتب والرسل، ولكن التوحيد هو أساسها وجوهرها؛ ولأن الرسل أيضاً بدءوا به، فإذا أردت تَعلُّم العقيدة، فماذا تُعلم أول شيء؟ التوحيد، إفراد الله تعالى بالعبادة، والغاية من وجود الإنسان هو أن يوحد الله.
التوحيد في القرآن والسُّنَّة:
هل ورد في القرآن والسنة لفظة التوحيد؟
نعم، قال الله تعالى:  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]، ولما أرسل االنَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام معاذاً إلى اليمن، قال:  وليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله  [رواه البخاري: 7372].
مِن المُؤلَّفَات في التوحيد:
هل ألَّف العلماء في العقيدة كُتباً سموها التوحيد؟
نعم، ألَّف كتاب التوحيد أبو العباس ابن سُريج البغدادي المتوفى سنة 306هـ، وألَّف كتاب التوحيد، وإثبات صفات رب العالمين الحافظ أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة 311هـ، وألَّف كتاب التوحيد الحافظ ابن منده المتوفى سنة 395هـ، وألَّف كتاب التوحيد المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.
أصول الدين:
00:10:47
معنى "أصول" لغةً واصطلاحاً:
العلماء يطلقون على العقيدة أصول الدين، هذه كلمة مركبة من أصول والدين، مضاف ومضاف إليه، فأما كلمة أصول: جمع أصل، والأصل لغة: ما يُبنى عليه غيره ،كأساس المنزل يُبنى عليه غيره، فتقول: هذه القاعدة التي بُني عليها المنزل، وأما شرعاً أو اصطلاحاً كلمة أصول أو أصل: تطلق باعتبارات فمنها: الدليل، يقولون: أدلُّ دليل، أو أشهرُ دليل، وأعظم دليل على توحيد الأسماء والصفات في القرآن الكريم مثلاً سورة  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]، الأصل لو قلت: أعطني أصل من القرآن في توحيد الألوهية، أن لا تعبد إلا الله، فتقول مثلاً: سورة الكافرون، أعطيني أصل من القرآن آية في توحيد الربوبية:  الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة: 1]، وهكذا، فكلمة أصل تُستعمل بمعنى دليل، وكذلك تُستعمل كلمة أصل بمعنى القاعدة المستقرة، تقول مثلاً: من أصول التوحيد أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وأنسب هذه الاصطلاحات هو المعنى الثاني، القاعدة المستقرة، فيكون معنى أصول الدين:  قواعد الدين، قواعده المستقرة، ومبادئه العامة، قواعده الكلية التي يُبنى عليها.
معنى "الدين" لغةً واصطلاحاً:
الدين هو: الذل والخضوع لغة، وامتثال المأمور، واجتناب المحظور شرعاً، إذا قلت فلان من الناس متدين، ما معنى متدين؟ يقوم بالواجبات، ويمتنع عن المحرمات، وأصول الدين إذاً: هي المبادئ العامة والقواعد الكلية الكبرى، وهذه العقيدة.
مِن المُؤلَّفَات في أصول الدين:
هل ألَّف العلماء في أصول الدين بمعنى العقيدة مؤلفاتٍ؟
الجواب: نعم، ألَّف مثلاً: الإبانة عن أصول الديانة أبو الحسن الأشعري رحمه الله، المتوفى سنة 329هـ، وألَّف الشرح والإبانة عن أصول السنة والديانة الإمام أبو عبد الله ابن بطة العُقبري المتوفى سنة 387هـ.
تسمية العقيدة بالفقه الأكبر:
00:18:16
يُطلق على العقيدة أيضاً الفقه الأكبر، وقد سماه بذلك أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وألف فيه كتاباً، وكذلك يُنسب إلى الإمام الشافعي كتاب اسمه: الفقه الأكبر.
لماذا سموا العقيدة بالفقه الأكبر؟
تمييزاً عن فقه الفروع، مثل أحكام الطهارة والحج والنكاح والطلاق، ولأهمية ذلك، وتوقف صحة قبول الأعمال عليه.
قد يسمون الاعتقاد بكلمة الإيمان، نعلم أن الإيمان هو التصديق.
واصطلاحاً: هو القول والعمل في القلب والجوارح، تصديق بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان وهي الجوارح، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. ويسمون العقيدة أحياناً الإيمان، ويؤلفون في ذلك مثل: كتاب الإيمان لأبي عُبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224هـ، كتاب الإيمان لأبي بكر ابن أبي شيبة المتوفى سنة 235هـ، كتاب الإيمان للإمام أحمد رحمه الله، كتاب الإيمان لابن منده، كتاب الإيمان لأبي يعلى، ابن تيمية رحمه الله ألف كتاب الإيمان الأوسط والإيمان الكبير.
إطلاق اسم الشَّريعة على العقيدة:
00:19:46
يطلقون أيضاً على العقيدة: الشَّريعة، من الشَّرع، وهو: السنن والبيان والمورد والطريق.
واصطلاحاً تطلق كلمة الشريعة على أمرين: عام يشمل ما شرعه الله من الدِّين عقيدةً وأحكاماً، ومن ذلك عقيدة وأحكام، وَرَدَ في القرآن إطلاق كلمة شرع على العقيدة والأحكام،  شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الشورى: 13].
التوحيد والأحكام والعقيدة كلها يُطلق عليها شريعة، وقد تطلق الشريعة فقط على الأوامر والنواهي والأحكام من الحلال والحرام التي تختلف، ويقولون: شرائع الأنبياء تختلف في الأحكام الفقهية، أيضاً مثال:  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة: 48]. فالعقائد واحدة، والأحكام قد تختلف من شريعة إلى أخرى، كما أراد الله سبحانه وتعالى وشاء، وخُصت كل أمة بما يُناسبها من الأحكام.
مِن المُؤلَّفَات في ذلك:
هل ألَّف العلماء كلمة الشريعة مؤلفاتٍ في موضوع العقيدة؟
نعم، لقد ألَّف الإمام العالم أبو بكر الآجوري المتوفى سنة 360هـ كتاب الشريعة، وألَّف ابن بطة العُقبري الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية كتابه هذا وتوفي رحمه الله سنة 387هـ.
هذه الكلمات كلها تُطلق على العقيدة، وأياً ما أطلقت عليها فهو مقبول عند أهل السنة والجماعة سواء أطلقت العقيدة: كلمة العقيدة علم العقيدة، علم أصول الدين، علم الإيمان، علم التوحيد، علم الشريعة، كله صحيح، هذا ورد في كلام علمائنا.
تسمية أهل البدع للعقيدة:
00:21:57
لكن أهل البدع يُطلقون على العقيدة، أو موضوعات العقيدة أسماء أخرى، فمثلاً: يسميها بعضُهم علم الكلام، وهو الاسم السائد لدى المعتزلة والأشاعرة، فلو قال لك واحد يجوز نسمي العقيدة علم الكلام، نحن نريد نُقَرِر مُقَرراً على طلاب الجامعة في العقيدة، ونسميه علم الكلام؟ نقول: هذه التسمية باطلة؛ لأن علم الكلام مصدره البصر، وفلسفات الهند واليونان، ويعتمد على الرأي، وهذه قضايا غيبية، فكيف تدخل الرأي فيها؟ ثم علم الكلام قد ذمه السلف، فكيف تسمي علماً ذمه السلف وتطلقه على العقيدة؟ والتوحيد علم يقيني ومجزوم به، قضيته قضية إيمان، وعلم الكلام حيرة وشك وجهل، واضطراب واختلافات كبيرة جداً بين المتكلمين، فأين الثرى من الثريا! بعض الجامعات والكُّليات في بعض أنحاء العالم الإسلامي يُطلقون على علم العقيدة مقرر الفلسفة، والفلسفة أولها فلس وآخرها سفه فلسفه، هذه الفلسفة إطلاقها على العقيدة إطلاق باطل، بل هي من مُخلفات اليونان مبناها على الأوهام والتخيلات، أو العقليات الخيالية والتصورات الخرافية، بعضهم في بعض المقررات يُطلقون على العقيدة التَّصوف، يقولون: علم التَّصوف، أو مادة التَّصوف ويقصدون بها العقيدة، وهذه بدعة، ويُطلقها أحياناً بعض المستشرقين، ومن نحى نحوهم وهو إطلاق المبتدع، كيف تقترب شطحات الصوفية من عقيدة أهل السنة والجماعة الراسخة؟ أحياناً بعضهم يسمونها مثل الجامعات الغربية لما تدرس العقيدة تدرسها تحت اسم كلية الإلاهيات، وهذا أيضاً عند أهل الكلام والفلسفة والمستشرقين يطلقون على علوم العقيدة بالإلاهيات، وهذا أيضاً ليس من الأسماء التي وردت في كلام أهل السنة والجماعة وعلماء المسلمين الثقات، وإذا كان أي شيء يتعلق بأي إله إلاهيات، فكيف يكون هذا منطبقاً على عقيدة التوحيد؟!
بعض الناس الذين عندهم توجه علمي دنيوي يطلقون على العقيدة علم ما وراء الطبيعة أو الميتفيزقيا، الميتفيزقيا علم ما وراء الطبيعة، كذلك يسميه الفلاسفة والكُتَّاب الغربيون ومن نحى نحوهم.
وأما بالنسبة لنا فقد عرفنا إطلاق العلماء بأسماء على العقيدة وكلها صحيحة، وعرفنا بعض ما يطلقه المبتدعة، وأهل الدنيا على كلمة العقيدة، وكيف نحذر من استعمال أسماء هؤلاء؟.
منزلة العقيدة:
00:25:42
ما هي منزلة علم العقيدة؟
علم العقيدة هو أشرف العلوم منزلة، وأعلاها مكانة، وأوجبها مطلباً، وأرفعها قدراً، وذلك لأن:
أولاً: أن شرف العلم بشرف موضوعه، كيف تتفاضل العلوم في الشرف؟ بشرف موضوعاتها، وموضوع هذا العلم هو معرفة المعبود سبحانه وتعالى ومعرفة ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، لا يوجد علم من العلوم أشرف من علم العقيدة؛ لأنه يتعلق بأشرف موجود وهو الله عز وجل، فلو قلت: أيها أشرف علم العقيدة، أو علم الفقه، أو علم المواريث، أو علم اللغة، أو علم الأصول.
ما هو أشرف العلوم؟ علم العقيدة، لا شك في ذلك، فهو أشرف العلوم على الإطلاق، ولا يصل إلى درجته أي علم آخر من العلوم، ومعلوم أنه حتى في الأمور الدنيوية، كما تقول: علم الطب أشرف من علم النجارة، حتى عند أهل الدنيا، يقولون؛ لأن موضوع علم الطب هو جسد الإنسان، أما موضوع النجارة فهو الأخشاب، فعلم الطب عندهم أشرف من علم النجارة، فموضوع علم التوحيد موضوعه معرفة الله عز وجل، وليس هناك أعلى من هذا العلم على الإطلاق.
ثانياً: أن السلف كانوا يسمونه الفقه الأكبر، تمييزاً له في الشرف عن فقه الفروع.
ثالثاً: أن السعادة في الدنيا متوقفة على العلم به، وكذلك في الآخرة، وحاجة الناس إليه فوق كل حاجة، واضطرارهم إليه فوق كل ضرورة، فلا راحة ولا طمأنينة للعبد إلا بمعرفة إلهَهُ وسَيَّده وخالَقه عز وجل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه: "حاجة العبد إلى الرسالة أعظم بكثير من حاجة المريض إلى الطب، فإن آخر ما يُقدر بعدم الطبيب موت الأبدان"، إذاً ما في طب يموت البدن، "وأما إذا لم يحصل للعبد نور الرسالة وحياتها مات قلبه موتاً لا تُرجى الحياة معه أبداً، وشقي شقاوة لا سعادة معها أبداً"[مجموع الفتاوى: 19/69-97].
فإذاً علم العقيدة يتعلق بحياة القلوب، وإذا كان علم الطب يتعلق بحياة الأبدان، علم العقيدة يتعلق بحياة القلوب، وإذا الإنسان لم يجد طبيباً، ومات يمكن بعد الموت يحيى حياةً عظيمةً، إذا كان سليم الاعتقاد، أما إذا كان اعتقاده رديء، واعتقاده بالله تعالى سيء فإنه يشقى شقاوة عظيمة، ولو كان وَجَد طبيباً يعالج بدنه وعاش سنين زيادةً، وقد سمى الله تعالى ما أنزل على رسوله روحاً، فقال عز وجل:  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى: 52]، لتوقف الحياة الحقيقية عليه، وسماه نوراً لتوقف الهداية عليه، وسماه شفاءً؛ لأنه الدواء الحقيقي للنفوس من عللها، ولذلك فإن أهل العقيدة الصحيحة في سعادة، هذه السعادة التي لو يعلم بها الملوك وأبناؤهم لجالدوهم عليها بالسيوف، وفي الدنيا جنة ما لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، وهي جنة الإيمان ولذة الصلة بالرحمن.
قبول الأعمال متوقف على صحة العقيدة:
رابعاً: قبول الأعمال متوقف على صحة العقيدة، فالعقيدة هي الأساس، وإذا كان الأساس فاسداً، فكل ما بُني على فهو فاسد  وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان: 23]. افترض أن رجلاً قد أجاد البيوع والنكاح، وأجاد علوماً في الفقه، وأجاد علوماً في اللغة العربية، وأجاد علوماً في الأصول، وأعماله من جهة العبادات صحيحة شكلاً، يُخرج الزكاة بالمقادير 2.5%، يحج البيت، يصوم من الفجر إلى المغرب، صحيحةً كاملةً، لكنه مُشركٌ، فما فائدة كل الأعمال التي يعملها؟ لا شيء، ما فائدة العلوم التي يعلمها إذا كان علمه في العقيدة منحرفاً أيضاً، فلذلك قبول الأعمال متوقف على علم العقيدة، وصحة العقيدة.
خامساً: تتوقف عليه النجاة في الآخرة، فالتوحيد يمنع الخلود في النار، ولا يخلد في النار موحدٌ، وأعظم ما فيه أن من حققه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب.
سادساً: يتحرر المخلوق بالعقيدة الصحيحة من رق المخاليق، وعبوديته لهم، والخوف منهم، والنظر إلى مدحهم وقدحهم وهذه قمة العزة في الحياة،  وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  [آل عمران: 139].
سابعاً: من أهمية العقيدة أنها أول دعوة الرسل، أي رسول يُبعث يقول:  اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [المؤمنون: 32].
ثامناً: أنها أول واجب على المكلف، أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله  [رواه البخاري: 25، ومسلم: 20].
تاسعاً: أنها آخر واجب على المكلف، ففي السنن:  من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة  [رواه أبو داود: 3118، وصححه الألباني في صحيح أبي داود:  3118]. وفي حديث مسلم:  لقنوا موتاكم لا إله إلا الله  [رواه مسلم: 917].
القرآن الكريم نزل كلُّه في التوحيد:
عاشراً: أن القرآن كله نزل في التوحيد، قال ابن القيم رحمه الله: "غالب سور القرآن متضمنة لأنواع التوحيد، بل كل سور القرآن، فإن القرآن إما:
أولاً: خبر عن الله وأسمائه وصفاته وهذا التوحيد العلمي الخبري، مثل:  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]. وسورة الأنعام وكثير من السور.
ثانياً: أن يكون ما في القرآن دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يُعبد من دون الله من الطواغيت والأنداد، وهذا ضد التوحيد وضد العقيدة الصحيحة.
ثالثاً: أن يكون ما في القرآن أمر أو نهي، وهذا من حقوق التوحيد ومكملاته، ولذلك العاصي لا يُعتبر وحد الله توحيداً كاملاً، ولا تعتبر عقيدته كاملة وتامة، ولا يعتبر إيمانه كاملاً، بل إنه نقص من إيمانه بقدر ما عصى.
رابعاً: أن يكون ما في القرآن خبر عن إكرامه تعالى لأهل توحيده في الدنيا والآخرة، وهذا جزاء الموحدين.
خامساً: أن يكون ذكر ما في القرآن عقوبة ذكر عقوبة أهل الشرك المضاد للتوحيد، فهذا ذكر جزاء من خرج عن التوحيد، فإذاً كل شيء في القرآن يخطر ببالك يدور عن التوحيد، إما خبر عن الله، أو دعوة لعبادته، أو أمر ونهي يكمل التوحيد التي هي الأحكام والشرائع والإلزامات، وخبر عن جزاء الموحدين، وهو أحوال أهل الجنة، وخبر عن جزاء من خالفوا التوحيد الذي هو خبر أحوال أهل النار. [ مدارج السالكين: 3/449-450].
العقيدة الصحيحة تَعصم مال الإنسان ودمه:
الحادي عشر: ثم إن العقيدة الصحيحة تعصم الإنسان دماً ومالاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا إن لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله  [رواه البخاري:  25، ومسلم: 20].
العقيدة أساس بناء المجتمع:
الثاني عشر: وكذلك فإن العقيدة الصحيحة أساس بناء المجتمع الإنساني، فإذا كانت خالية عن الشوائب، وتأسست بالمجتمع بأفراده ارتفع شأنه، وأما إذا كانت عقائد أفراد المجتمع مُخلخلة، فإن المجتمع ينحدر في أسفل سافلين.
الثالث عشر: أن هذه العقيدة تُجيب على جميع التساؤلات التي تشغل الفكر الإنساني إجابات سديدة وصحيحة، فلو قال أحد: من أين جئنا؟ فقد تسآءل الشعراء والمفكرون من أين جئنا؟ ومن أين جاء هذا الكون؟ من الذي أوجده؟ إلى أين سنذهب؟ ما علاقتنا بمن خلق الكون؟ وهكذا، هل هناك عوالم أخرى غير منظورة؟ فنحن نعتقد الملائكة الجن إلى آخره، الحور العين مخلوقات أخرى غير منظورة، كل هذه الأسئلة لا توجد عقيدة تُجيب عليها أجوبةً صحيحةً إلا العقيدة الصحيحة.
الرابع عشر: وكذلك فإن هذه العقيدة تُخفِّف على العبد المكاره وتُهَوِّن عليه الآلام، فيعيش آمناً مطمئناً؛ لأن القضاء والقدر الذي هو من أصول العقيدة: الإيمان به هو الذي يجعل الإنسان مرتاحاً في عيشه، الإيمان بالقضاء والقدر.
مزايا العقيدة:
00:36:26
وهذه العقيدة لها مزايا:
أولاً: فمن جهة أنها سالمة من التحريف؛ لأن الله قال:  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9]. والله سيحفظ الدين كله أصولاً وفروعاً، ومن ذلك ما يتعلق بأمور الاعتقاد، فإذاً العقيدة الصحيحة من مزاياها أنها محفوظة ما فيها تبديل، ولا تغيير، ولا زيادة، ولا نقصان.
ثانياً: أنها عقيدة واضحة سهلة يفهمها كل أحد، العامي وغير العامي، إذا قلت:  قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص: 1]. أو  اعْبُدُوا اللَّهَ [نوح: 3]. وغير ذلك من العقيدة، فإنه يفهمها فهماً ويستقر في نفسه، دع عنك الفرعيات والرد على أهل البدع، قد لا يفهم الرد على الأشاعرة، لكن أي عامي يفهم أُسس هذه العقيدة، لو شُرحت له وقُدمت إليه، بخلاف بقية المذاهب لو تعرف العقيدة عند الأشاعرة مثلاً لعرفت أنه العذاب الأليم، لا يمكن أن يفهم الكلام العامي، قائمةٌ على فلسفاتٍ، وعلى قاعدة في علم الكلام والمنطق، بخلاف العقيدة السلفية الصحيحة التي يمكن للعامة أن يفهموها بكل سهولة.
ثالثاً: كذلك فإن هذ العقيدة سالمة من كل عيب ونقص، لا يوجد شيءٌ تخجل من ذكره، لكن أهل العقائد الباطلة عندهم أشياء يخفونها، الدروز مثلاً لا يمكن أن يُخبر بعقيدته إلا بعد سن الأربعين، وكذلك بعض هؤلاء الباطنية لا يخبرون بعقيدتهم إلا الخواص وبعد سِنٍّ معينٍ، وعندهم كُتُب مسدوسة في الإسماعلية لو تقول: أين كتبكم؟ لن تجدها منشورة، مخفية ولا يُطلِعون عليها إلا خواص أصحابهم، إلا العقيدة السلفية ليس فيها أسرار، ليس فيها شيء يُخشى منه، ولا شيء يُخبى، كل شيء مكشوف واضح، أما عقائد أهل البدع فيها كثير من هذا القبيل.
رابعاً: العقيدة الإسلامية عقيدة موافقة لفطرة الإنسان، لا يَحس المسلم صاحب الفطرة السليمة بأي حرج من أي شيء فيها؛ لأن الله قال:  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم: 30]. فإذاً موافقة للفطرة، لكن بعض العقائد فيها أشياء كثيرة مخالفة لفطرة الإنسان، لا تستقيم مع فطرته، فيتعذب حتى يتعلمها.
خامساً: كذلك فإن هذ العقيدة ثابتة لا تتغير، وتتطور بمرور الأزمان وتعاقب الأجيال، ليس فيها مجال للإضافات، أما العقائد الأخرى، كالأشاعرة؛ متقدموا الأشاعرة غير المتوسطين والمتأخرين، فيقول مثلاً: جرت إضافات على هذا المذهب وتعديلات وتنقيحات، كل فكر ضلالي مثلاً، إذا قلت المتشيعون الأُوَل غير الذين بعدهم، المذهب يتطور ويتبدل ويتغير ويتلون، وهكذا، فإذا نظرت إلى عقائد أهل الباطل تجد في زيادات وأشياء تنقيحية، مثلاً عقيدة النصارى كما طرأ عليها من التبديلات والتغييرات! وجمعوا أناجيل وحذفوا أناجيل، فأما عقيدة السلف هي هي، هي عقيدة أبي بكر الصديق، هي عقيدة محمد بن عبد الوهاب، هي عقيدة الإمام أحمد، هي عقيدة ابن تيمية، هي عقيدة كل العلماء، العقيدة لم تتغير، يقوم أهل السنة بالرد على المبتدعة، إذا أحدثوا شيئاً جديداً، فتنشأ ردود على أهل المبتدعة ليست إضافات جديدة للعقيدة، لكنها علم ذُكر للرد على من ابتدع، وهذا الذي يُفسر: لماذا لا يوجد مثلاً كلام للصحابة في الرد على من قال بخلق القرآن؟ لأنه لم يجد أحد في عصرهم قال بخلق القرآن، ولو سألت الصحابي: كلام الله منزل أو مخلوق؟ مع أن فكرة الكلام في القرآن أنه مخلوق أو غير مخلوق طارئة، طرأت بعد الصحابة، لكن الصحابي يعرف أنه منزل، غير مخلوق، وهكذا، فإذا رأيت مباحث جديدة أُضيفت إلى كتب العقيدة لعلماء أهل السنة فهذه ليست إضافات على أصل وصلب العقيدة، هذه ردود أمَرَ الله بها على أهل البدع، وبذلك نعلم أنه لا توجد أشياء أو إضافات جديدة، وما حصل من ردود على أهل البدعة؛ لأن الله أخذ العهد على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه، وأن الله عز وجل يخلق من خلقه أُناساً يردون عن هذا الدين كيد المعتدين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين يردون عليهم.
سادساً: وكذلك فإن هذه  العقيدة: عقيدة مُبرهنة، قائمة على الأدلة والبراهين، وليست مسألة تسليم أعمى كما يشترط أهل العقائد الباطلة على أتباعهم، فإذا استفسر عن شيء قيل له: سَلِّم فقط، والله سبحانه قد قال: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111].
ولا ينافي هذا الإيمان بالغيب، لو قال قائل: نحن عقيدتنا ليس فيها تسليم؟ بل فيها تسليم، فإثبات أن هناك غيب بالأدلة ممكنٌ، شيء موجود ولا تراه، فبالبراهين نثبت ذلك، فإذاً الإيمان بالغيب لا يتعارض مع كون هذه العقيدة: عقيدة براهين وأدلة، فكُلُّ شيء غيبي في العقيدة  تدلُّ عليه أدلة صحيحة من القرآن والسنة.
سابعاً: وكذلك فإن هذه العقيدة عقيدة وسط لا إفراط ولا تفريط.
ثامناً: هذه العقيدة مستقاه من مصادر الإسلام الأولى: الكتاب والسنة، وبعيدة عن تأثير كل أجنبي.
تاسعاً: وكذلك فإن هذه العقيدة تبتعد بالمسلم عن الشكوك والأوهام، وتجعله آمناً مطمئناً، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات: 15]. فغير أهل السنة يعيشون في حيرة وضلال، وقلق، وتنقل، ولهذا قال الإمام مالك لما طُرحت عليه قضية الجدل: "أرأيت إن جاء من هو أجدل منه، أيدع دينه كل يوم بدين جديد؟"[جامع بيان العلم وفضله: 2/942].
إذا كان الاعتقاد قائم على الجدل، فالذي يجيب حجة أو جدلاً أو قادر أن يقنع أكثر سأتبعه، فلذلك أهل الكلام والفلسفة عاشوا في الجحيم، ولو نظرت إليهم كيف يقررون التوحيد لتعجبت! فإن الأشاعرة مثلاً يقولون: يجب على كل مكلف أن يشك ثم يؤمن، بمعنى: إذا بلغ ما يكفيه من الإيمان والتوحيد الذي علَّمه أبوه وأستاذه، لازم يشك يقول: هل الله موجود؟ بعد ذلك يقول: استدل بالبراهين العقلية، ثم يقول: الآن صار عندك إيمان، وقد صرَّح كبار المتكلمين أنهم خاضوا البحر الذي نهوا عنه فضاعوا فيه وغرقوا، وأنهم ندموا على السنوات الطويلة التي قضوها في علم الكلام، ولم يورثهم ذلك إلا الحيرة والضلال والاضطراب.
عاشراً: من مزايا العقيدة الصحيحة من فوائدها وثمارها أنها تجعل المسلم معظماً للنصوص، لا يرد نصاً شرعياً، ولا يتلاعب بتفسير النصوص، أما أهل البدع يتلاعبون، إذا قيل لك يقول الله تعالى:  إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ  [القيامة: 23-24]. على حسب التفسير فكل واحد من أهل العلم يعرف هذه الآية، ويقول: تنظر إلى الله، ويقول أهل البدعك ناظرة منتظرة، وكذلك قوله تعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء: 164].
يفهم صاحب العقيدة الصحيحة أن الله كلم موسى كلاماً حقيقياً، وأكد ذلك بقوله  تَكْلِيمًا ، والمبتدعة يقولون: كَلَّمه جرحه بأظافير الحكمة؛ لأنهم يريدون نفي الكلام، وهذا سخيف جداً،  الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى  [طه: 5].
استوى وعلا على عرشه كما يليق به عز وجل، عند أصحاب العقيدة الصحيحة، أما أهل البدع يقولون بمعنى: استولى، ويدخلون في قضية من مصيبة أخرى، من الذي كان مستولياً عليه أو متغلباً عليه قبل أن يغلبه ويستولي عليه منه ويسلبه إياه؛ لأن استولى معنى أنه كان قبله مستولى، ثم جاء هو واستولى عليه وطرد الأول، فهذه مصيبة، كل ذلك نتيجة التلاعب والحط من هيبة النصوص، تأويل تحريف باطل، ثم عقيدة أهل السنة والجماعة العقيدة الصحيحة تربط المسلم بالسلف بالصحابة، فيُحس أن له تاريخاً، فلو تسأل أشعرياً إلى من تكون نسبته؟ فيقول مثلاً: إلى أبي الحسن، والماتريدي نسبته لمن؟ إلى أبي منصور الماتريدي، وهذا من الكلابية لفلان ابن كلاب! أما أهل العقيدة الصحيحة فنسبتهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فهو إمامهم، وهم أسعد الناس به يوم القيامة:  يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء: 71].
فيُحس أن له تاريخاً، وأنه يسير على ما كان عليه الصحابة والسلف وليس المتأخرون، فليس إمامه في العقيدة هو الغزالي وغيره، إمامه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه والعلماء الذين شرحوا هذا.
الحادي عشر: هذه العقيدة تنشئ في النفوس الحذر من اتباع غير سبيل المؤمنين، وتحمي صحابها من الانحراف،  اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة: 6- 7].
الثاني عشر: وكذلك أنها تجعل المؤمنين صفوفاً متوحدة لإعلاء كلمة الله،  وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ [آل عمران: 103]. اعتصموا بالعقيدة الصحيحة، فتُوَّحِد المسلمين، ولذلك أهل السنة والجماعة لا يتلاعنون فيما بينهم إذا صدقوا مع الله، أما الفرق الأخرى داخل كل فرقة في توجد فرق، الباطنية كم فرقة؟ الإسماعيلية كم فرقة؟ الصوفية كم فرقة؟ أهل الكلام كم فرقة؟ كلها فرقٌ في فرقٍ، وكلُّ ما هوى واحد شيئاً خرج بفكرةٍ جديدةٍ، وهكذا.
الثالث عشر: العقيدة السليمة الصحيحة تُوفِّر وقت المسلم؛ لأنها تجنبه الخوض في المسائل التي لا طائل من ورائها فتحفظ عليه وقته وعقله، ولا تدخله في متاهات الجدل العقيم.
الرابع عشر: العقيدة الصحيحة تورث تعظيماً للرب عز وجل، فيعظم في نفس الإنسان فيَخشىَ اللهَ فلا يعصيه، ويقوم بما أوجب عليه، أما عقيدة المتكلمين الذين يقولون: قواعد علم الكلام، والفلسفة لا تورث تعظيماً للرب ولا خشية، بل تورث قسوة في القلب، ولذلك ممكن تجد كتاب المواقف للإيجي من كتب الأشاعرة، لا تكاد تجد آيةً ولا حديثاً إطلاقاً، أما كتب عقيدة أهل السنة والجماعة كلها آيات وأحاديث؛ لأن كلَّ شيء من المعلومات الموجودة في العقيدة تستند على آية أو حديث.
الخامس عشر: وكذلك فإن هذه العقيدة ترقق القلوب، وتربط الناس بعلام الغيوب سبحانه وتعالى.
معالم العقيدة:
00:52:32
فهذه العقيدة لها معالم وسنذكر معالماً سريعةً في عقيدة  أهل السنة والجماعة على وجه الإجمال، فلو قال قائلٌ ما هي عقيدة أهل السنة والجماعة؟ وما هي المعالم العامة؟
فنقول: عقيدة أهل السنة والجماعة لها معالم واضحة، فمن ذلك:
أولاً: توحيد الله في ربوبيته، وإلهيته، وأسمائه، وصفاته.
ثانياً: الإيمان بالملائكة إجمالاً وتفصيلاً، والكتب، وأن القرآن أفضلها وناسخها، وأن ما قبله قد أصابه التحريف، وكذلك الإيمان بالأنبياء والرسل، وأنهم أفضل من البشر، ومن زعم غير ذلك فقد كفر؛ لأن الصوفية يقولون الولي أفضل من النبي، وهذا كاذب، ويعتقد أهل السنة والجماعة العقيدة الصحيحة: أن الأنبياء معصومون في تبليغ الوحي، وكذلك الإيمان بانقطاع الوحي بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وأن محمد عليه السلام خاتم الأنبياء والمرسلين، بخلاف أهل العقائد الزائغة كالقاديانية الذين يعتقدون أن الإمام أحمد القادياني نبيٌّ، ولا زال، ونزل عليه وحيٌ بعد وفاة النبي عليه الصَّلاة والسَّلام، وكذلك اعتقاد البهائية في البهاء، ولا زال مدعوا النبوة حتى آخر واحد الصيدلي الذي في أرض الكنانة ادعى النبوة.
ثالثاً: عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان باليوم الآخر، وكل ما يتقدمه من الأخبار بالعلامات والأشراط الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الله من قبل.
رابعاً: عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بقدر الله خيره وشره، وهذا يتضمن أربعة أشياء: بأنه سبحانه عَلِمه، وكَتَبَه، وشاءَهُ، وخَلَقَه.
خامساً: عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن الأنبياء يشفعون والملائكة يشفعون والصالحون يشفعون، لمن أذن الله تعالى له، وأن النبي صلى الله عليه وسلم له شفاعة لأناسٍ من أهل النار أن يخرجوا منها، وأنهم مُوحِّدون ولا شك، ولكنهم عصاة.
سادساً: عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات كرامات أولياء الله الصالحين، وأن الله يُكرِم بعضَ أولياءِه بخرق العادة لهم، كما أكرَمَ مريم بأن جعل لها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، تكون عندها في محرابها ومكان عبادتها لا تشتريها من السوق، ولا تزرعها ولا تحصدها،  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ  [آل عمران: 37].
أي كرامات، كرامات الأولياء، وكما حصل لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الكرامات، هذا بخلاف المبتدعة الذين ليسوا على عقيدة صحيحة لو انخرقت لهم العادة لا تُعتَبر كرامة، فلو جاء واحد من الرفاعية وضرب سيخَ حديدٍ الجانب الأيمن وأخرجه من الجانب الآخر، ووضع سكيناً في رأسه وأخرجه، وأدخل سيفاً في بطنه، ولم بخرج الدم، فما عقيدته؟ يقول: أحمد الرفاعي هو النبيُّ بعد النبوة، يجأتيه وحيٌ، وأن كلامه تشريع، نقول: هذه الأشياء هي من الشياطين، ولو رأيناك تطير في الهواء وتمشي على الماء لم نرها لك كرامة بل هي فتنة، ومن تَعَاوِن الشياطين معكم.
سابعاً: كذلك من العقيدة: وجوب محبة أولياء الرحمن، وأن نوالي كل مؤمن بقدر إيمانه، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.
ثامناً: وجوب توحيد الله في أفعاله، وتوحيده بأفعال العباد.
تاسعاً: أن يُعبد الله بالحب والرجاء، والخوف، ومن عبده بواحدة دون الأخرى فهو ضال.
عاشراً: وجوب التسليم والرضا والطاعة لله تعالى، والحكم بما أنزل الله عز وجل، وأن استبدال الشرائع وتنحيتها أو حذفها، أو تبديلها أو الحكم بغيرها، كفر أكبر مخرج عن الملة.
الحادي عشر: من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات رؤية الله تعالى في الجنة وفي المحشر، ومن أنكرها فهو زائغ.
الثاني عشر: من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الشريعة مُلزمَة للجميع، ليس هناك شريعة خاصة وشريعة عامة، فالصوفيون يقولون: توجد شريعة خاصة وشريعة عامة، يوجد شيءٌ يلزم الجميع، وشيءٌ لايلزم الشيخ؛ لأنه وصل لليقين، فسقطت عنه التكاليف.
الثالث عشر: وكذلك من عقيدة أهل السنة والجماعة: أنه لا يعلم الغيب إلا الله عز وجل، وبناء عليه يكون إتيان العرافين والكهنة حرام.
الرابع عشر: من عقيدة أهل السنة والجماعة: إثبات التوسل المشروع، مثل التوسل بأسماء الله وصفاته، التوسل بالأعمال الصالحة، التوسل بدعاء الأحياء من الصالحين، أما التوسل بدعاء الأموات فهو شرك، والتوسل البدعي بجاه النبي بدعة.
الخامس عشر: من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن البركة من الله، وأنه لا يستطيع أحد أن يُنزّل بركة في مكان أو شخص أو شيء إلا الله عز وجل، والله يبارك ما يشاء، فيجعل البركة في ماء زمزم، ويجعل البركة في آل أبي بكر، ويجعل البركة في الغنم، وفي الجماعة، وفي الثريد والسحور، وغيره.
السادس عشر: وكذلك أن من عقيدة أهل السنة والجماعة: لا يجوز القطع لمُعَينٍ بجنة ولا نار إلا بنص.
السابع عشر: وكذلك أن الكفر منه ما يُخرج من الملة، ومنه ما لا يخرج من الملة.
وهذه العقيدة تحرر العقل والفكر من التخبط، وتجلب الراحة النفسية في القصد والعمل، والحزم والجد في الأمور.
وختاماً فإننا نعلم أن من العقائد ما يكون عقائد باطلة وفاسدة، فينبغي الحذر منها، ولا يمكن لأحدٍ يؤمن ويُوَحِّد حتى يَكفُر بالطاغوت، ولا يكفي أن يقول: أنا موحد أؤمن بالله، فلا يكتمل إلا بأن يكفر بالطاغوت، وبكل ما عُبد من دون الله عز وجل، وهذه هي عقيدة الولاء والبراء.
بهذا نكون قد أنهينا هذه المقدمة في العقيدة، وسنبدأ إن شاء الله في الدرس القادم بأول موضوع من موضوعاتها بمشيئة الله تعالى.
وصلى الله على نبينا محمد.