الأربعاء 4 ذو الحجة 1439 هـ :: 15 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كيف تقرأ كتاباً؟


عناصر المادة
مقدمة:
لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟
أسباب النفور من قراءة الكتب ووسائل علاج ذلك:
شرود الذهن أثناء القراءة وعلاج ذلك:
أسباب الخطأ في الفهم أثناء القراءة:
طرق القراءة وأنواعها:
مقدمة:
00:00:03
 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب فقال له:اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ[العلق: 1].
والحمد لله القائل:نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ[القلم: 1]، وقال عز وجل:خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ[الرحمن: 3 - 4].
قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "مفتاح دار السعادة": "ثم تأمل نعمة الله على الإنسان بالبيانين: البيان النطقي، والبيان الخطي، فقال في أول سورة أنزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ[العلق: 1 - 5]..
التعليم بالقلم الذي هو من أعظم نعمه على عباده، إذ به تخلد العلوم وتثبت الحقوق وتعلم الوصايا وتحفظ الشهادات، ويضبط حساب المعاملات الواقعة بين الناس، وبه تقيد أخبار الماضين للباقين اللاحقين، ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض الأزمنة عن بعض، واندرست السنن" يعني: ذهبت واضمحلت "وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مذاهب السلف، وكان معظم الخلل الداخل على الناس في دينهم ودنياهم إنما  يعتريهم من النسيان الذي يمحو صور العلم من قلوبهم فجعل لهم الكتاب" لما صار الناس ينسون من نعمة الله عليهم أن جعل لهم الكتاب "وعاءً حافظاً للعلم من الضياع، كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان، فنعمة الله -عز وجل- بتعليم القلم بعد القرآن من أجل النعم" [مفتاح دار السعادة: 1/ 27- 279]، فهو الذي علم الإنسان الكتابة، علمه ما لم يعلم، علمه الكلام فتكلم، وأعطاه الذهن الذي يعي به، واللسان الذي يترجم به، والبنان الذي يخط به، فكم لله من آية نحن عنها غافلون في تعليمنا بالقلم.
وأنزل الله أعظم كتاب فدعانا رسوله إلى القراءة فيه، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن:من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف [رواه البيهقي في الشعب: 2027، وأبو نعيم في الحلية: 7/209، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2342].
ثم دونت السنة، والعلم والفقه، وكان لهذه الكتب التي دون فيها العلم بالأقلام، كان لها في نفوس علمائنا أثراً عجيباً ومكانة عظيمة.
قال أصحاب ابن المبارك له: "ما لك لا تجالسنا؟ فقال ابن المبارك: أنا أذهب فأجالس الصحابة والتابعين" [صيد الخاطر، ص: 246]، وأشار بذلك أنه ينظر في كتبهم.
وكان الزهري -رحمه الله- قد جمع من الكتب شيئاً عظيماً، وكان يلازمها ملازمة شديدة، حتى إن زوجته قالت: "والله إن هذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1/101].
وكان العلماء يحسبون عند تفصيل ثيابهم حساب الكتب، فهذا أبو داود -رحمه الله- كان له كُم واسع، ومعنى الكم يعني الجيب، وكُم ضيق، فقيل له في ذلك فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يحتاج إليه.
وكان منهم من إذا أصابه مرض من صداع أو حمى كان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب عليه الصداع ترك الكتاب، فدخل عليه الطبيب يوماً، وهو على هذه الحال يأخذ الكتاب متى استطاع أن يقرأ ويدعه إذا غلبه الصداع، فلامه على ذلك.
وكان سلفنا وعلماؤنا -رحمهم الله- يقرؤون في الكتب على كل أحيانهم، فكان الخطيب البغدادي يمشي وفي يده جزء يطالعه [سير أعلام النبلاء: 18/281].
وكانوا يقرؤون عند الاضطجاع، وينفلت الكتاب من يد أحدهم مرة أو مرتين أو أكثر فيعود إليه، فيأخذه، يسقط من النعاس ويعود إليه فيأخذه.
وكان البخاري -رحمه الله- يقدم له الطعام، طعام الإفطار مثلاً وهو يقرأ، ثم تأتي الخادم بعد فترة، فتأخذ الطعام ولم يمسه، لم ينتبه أصلاً أن الطعام قد جاء، ثم يأتي وقت الغداء فيوضع له الطعام وهو يقرأ، وتأتي بعد فترة فتسحب الطعام ولم يمس؛ لأنه لم يدر أن الطعام وضع ولا أنه سحب.
وبعضهم كان يجلس يقرأ في الظل فينحسر عنه، وتأتي عليه الشمس وهو لا ينتبه.
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: وإني أخبرك عن حالي: ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على كنز، فلو قلت: إني قد طالعت عشرين ألف مجلد لكان أكثر، وأنا بعد في طلب الكتب، فاستفدت بالنظر فيها ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم، وعاداتهم، وغرائب علوم لا يعرفها من لم يطالع [ينظر: صيد الخاطر، ص: 454].
أرسل أحد الخلفاء في طلب أحد العلماء ليأتيه، فاعتذر إليه، بأن عنده قوماً من الحكماء يحادثهم، ثم عرف الخليفة أنه لم يكن عنده أحد، فعاتبه وسأله: من الذي كان عندك؟
فقال:
 

لنا جلساء ما نمل حديثهم *** ألباء مأمونون غيبا ومشهدا
يفيدوننا من رأيهم علم من مضى  *** وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا
بلا مؤنة تخشى ولا سوء عشرة  *** ولا تتقي منهم لسانا ولا يدا
[تقييد العلم، للخطيب، ص: 144].
من المقصود؟
الكتب.
والكتاب -أيها الإخوة- جار بار، ورفيق مطاوع، لا يعصيك أبداً، ومعلم خاضع، هل رأيت معلماً يخضع للتلميذ؟ كذلك الكتاب يخضع للقارئ، وصاحب كفء، وشجرة معمرة، دائماً مثمرة، يجمع الحكم الحسنة، والعقول الناضجة، وأخبار القرون الماضية، والبلاد المترامية، يجلو العقل، ويشحذ الذهن، ويوسع الأفق، ويقوي العزيمة، ويؤنس في الوحشة، يفيد ولا يستفيد، ويعطي ولا يأخذ.
نعم المحدث والرفيق كتاب  *** تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيا للسر إن أودعته  *** وينال منه حكمة وصواب
[تقييد العلم، ص: 120].
هذه الكتب لا تعترف بالفواصل الزمانية ولا المكانية ولا الحدود الجغرافية، فيستطيع القارئ أن يعيش في كل العصور، وفي كل الممالك والأقطار، وأن يصاحب العظماء وأعمالهم وإن استغرقت أعواماً، وتأمل حال المسلم عندما يقرأ قصص الأنبياء في القرآن الكريم، أين عاشوا؟ في بلاد متباعدة، متى عاشوا؟ في أزمنة متطاولة قديمة جداً، ومع ذلك يقرأ قصة موسى وفرعون كأنه يعيش معهم، وكذا إبراهيم، وكذا هود، وصالح وآدم، وغيرهم من الأنبياء والصالحين في القرآن والسنة نقرأ أخبارهم كأننا نعيش معهم، كيف أتتنا؟ إلا بالكتاب، فشأنه عظيم جداً.
وبعض الناس يجمع الكتب ولكن لا يقرأ فيها ولا يحصل منها شيئاً، قال الشاعر في شأن مثل هؤلاء:
عليك بالحفظ فيما تكتبه *** فإن للكتب آفات تمزقها
الماء يغرقها والنار تحرقها *** والفأر يقرضها واللص يسرقها
[لطائف من دقائق المعارف، ص: 343].
إذا لم تكن واعيا حافظا *** فجمعك للكتب لا ينفع
أشاهد بالعي في مجلس *** وعلمي في البيت مستودع
[الجامع لأخلاق الراوي، ص:252].
ولذلك -أيها الإخوة-: النصيحة إذا اشتريت كتاباً فلا تدخله مكتبتك، إلا بعد أن تمر عليه جرداً أو على الأقل قراءة لمقدمته أو فهرسته ومواضع منه، حتى إذا احتجت في المستقبل إلى هذا العنوان أو هذا الموضوع تعرف أنه موجود في الكتاب الذي اشتريته.
أما إذا جعلته في المكتبة مباشرة فربما يمر عليك زمان وقد يفوت العمر دون النظر فيه، أليس هذا قد حصل؟
موضوعنا في هذه الليلة -أيها الإخوة- بعد هذه المقدمة عن: كيف تقرأ كتاباً؟ كيف نستفيد من القراءة؟ ما هي الطريقة الصحيحة للقراءة؟ ما هي العوامل التي تسبب العداوة بين الناس والكتاب وكيف نزيلها؟ ما هي أسباب الفهم الخطأ أثناء القراءة؟ وكيف نقضي عليها؟ ما هي أنواع القراءة وأنواع القراء؟ إلى مسائل أخرى ستستمعون إليها -إن شاء الله- في هذا الدرس.
عند تعرضنا لموضوع القراءة، تبرز ثلاثة أسئلة:
السؤال الأول: لماذا نقرأ؟ ما هي أهمية القراءة؟
السؤال الثاني: ماذا نقرأ؟ ما هي الكتب التي نقرأها؟
السؤال الثالث: كيف نقرأ؟
لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟
00:10:38
 والكلام عن لماذا نقرأ؟ وماذا نقرأ؟ قد يكون أكثر أهمية من كيفية القراءة، ولعلنا نتعرض لهذين السؤالين في درس قريب -إن شاء الله-.
لا بد أن تكون قراءتنا -أيها الإخوة-: قراءة واعية.
المنهج الجاهلي يقول: القراءة للقراءة، الفن للفن، أي أنهم يجعلون القراءة غاية وليست وسيلة، ولذلك فهم يقرؤون ما هب ودب، دون تمحيص ولا تمييز.
أما المسلم فإن القراءة عنده وسيلة لتحقيق الهدف وهو أشياء متعددة، وعلى رأسها: طلب العلم الذي يعرف به المسلم كيف يعبد ربه، هذا الهدف، الوسيلة: القراءة.
وهذا المنهج الجاهلي الذي أشرنا إليه، وهو: القراءة من أجل القراءة مهما كانت المهم أن يقرأ، ويعتبر الشعب مثقفاً إذا كان فيه أعداد كبيرة من القراء بغض النظر عما يقرؤون، هذا المفهوم الجاهلي، قد نتج عنه في مجتمعات المسلمين تكوين فئة من القراء بما يصلح أن نطلق على هذه الفئة: القارئ الإمعة، الذي يكون بوقاً مضخماً لهجمات أعداء الإسلام؛ لأنه لا يعرف ماذا يقرأ، فيقرأ الضار، ويقرأ أشياء سطرتها أيدي أعداء الإسلام، وينشرها بين الناس، دون وعي ولا إدراك.
كيف تكون قراءتنا واعية؟
لا بد أن يكون التكوين العقدي للقارئ المسلم سليماً وقوياً حتى يستطيع أن يقرأ بوعي، وهذا يعني أن تكون قراءاته الأولية تأسيسية ينتقي ماذا يقرأ في البداية، حتى يؤسس وعياً يستطيع من خلاله أن يعرف بعد ذلك إذا قرأ في أي كتاب، هل هذا من الإسلام، أم هو ضد الإسلام؟ بغير تكوين بغير تأسيس وتربية لا يمكن للناس أن يعرفوا هل ما يقرؤون هو مخالف للشريعة أو موافق للشريعة.
يجب أن نقرأ بطريقة نقدية، يعني: أن ننقد ما نقرأ على ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة، وما نعرفه من الأدلة الشرعية ورصيدنا من الأحاديث الصحيحة والسقيمة، على ضوء تميزنا السابق نستطيع أن ننقد ما نقرأ، أو موثوقية العلماء الذين ينقل عنهم الكاتب.
ومن الأخطاء: أن يغير الشخص قناعاته فجأة لأدنى قراءة يقرؤها، مثل بعض المسائل الفقهية تجد بعض الناس يغير قناعته الفقهية لأدنى قراءة، بل يجب أن يمحص ويفكر وينقد قبل أن يتبنى فكرة أو موقفاً أو رأياً.
ومن الخطأ: أن ننسى ما قرأناه من قبل، وما سمعناه من قبل، وما تعلمناه من قبل لأجل أول قراءة نقرؤها.
لا بد أن تمر مرحلة تكوين القناعة مروراً تأسيسياً صعباً، حتى نستطيع بعد ذلك أن نصمد أمام كل ما نقرؤه من الأفكار التي تصادم القناعات الشرعية التي لدينا.
وبعض الناس -أيها الإخوة- عندهم عقدة، وهي الثقة بكل شيء مطبوع، أحياناً يعرض لك واحد من الناس فكرة خاطئة، تقول له: يا أخي هذا الكلام خطأ، هذا الكلام مصادم للشريعة، يقول لك: كيف؟ هذا مكتوب في كتاب، تعال انظر، ويفتح لك الكتاب ويقول: انظر مكتوب، لو كان خطأ ما كانوا طبعوه.
سبحان الله العظيم! التقليد الأعمى لكل ما هو مكتوب آفة أصيب بها كثير من قراء المسلمين.
وبعض الناس يشكون في معلوماتهم المؤكدة لمجرد أن الشيء المخالف مطبوع في كتاب.
ونحن -أيها الإخوة-: قد نلتمس الأعذار للكتاب، فنقول: ربما أخطأ لكذا، ربما وهم لكذا، لكن هذا لا يجعلنا نتابعهم في أخطائهم مهما كان الكاتب عظيماً.
وكذلك من القراءة الواعية: أن نلاحظ التناقضات التي يقع فيها الكاتب أثناء الكتاب، وإن تباعدت المواضع، فأحياناً يأتي كاتب بفكرة في موضع، ثم يأتي بعكسها في موضع آخر، القارئ الواعي يحفظ ماذا قال هنا وماذا قال هنا، ثم تجده يراجع فيقول: عجباً إنه كتب في البداية أشياء غير التي كتبها هنا، فأيهما هو الصحيح يا ترى؟
ومن القراءة الواعية أيضاً: أن نقرأ لنقوم الأشخاص والكتب، وننصح بناءً على ذلك الناس بها.
والمسلم عندما يقرأ فإنه يكون متجرداً، فمن الخطأ مثلاً: أن يصدر القارئ حكماً مسبقاً على أفكار الكتاب من خلال اسم المؤلف فقط، أو الناشر أو العنوان مثلاً، بل يقرأ ويفكر ويقوم ما يقرأ.
ونحن بهذا الكلام لا ندعو إلى الإقبال على كتب المبتدعة، أو الناس الذين نعرف أنهم مضلون من خلال كتاباتهم، لا ندعو الناس لهذا أبداً، بل إننا ندعوهم إلى الحذر عند قراءة كتب المبتدعة، بل إن كتب المبتدعة أصلاً لا يصلح أن يقرأها أي شخص.
الناس في البداية لا بد أن يقرؤوا الكتب السليمة، كتب أهل السنة والجماعة.
بل إننا ندعو الناس ألا يفتحوا صدورهم لأي فكرة، وخصوصاً إذا كان المؤلف مجهولاً.
والقراءة الواعية هي التي تكشف لنا خداع المضللين، الذين يجتزئون أشياء من أحاديث مثلاً، يجتزئون: يأخذ جزءاً، كأن يقول: حديث الرسول ﷺ: لعن الله اليهود والنصارى  ويحذف: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد [رواه البخاري: 1330، ومسلم: 529] لماذا يحذفها؟ لأن له غرضاً؛ لأنه يعتقد ببناء المساجد على القبور، فيحذف جزء الحديث، ويقول لك: انظر هذا الحديث الذي تستدلون به، ليس فيه دليل، لأن الرسول ﷺ قال:  لعن الله اليهود والنصارى  فقط.
وكذلك بعض المضللين يأخذون من كلام علمائنا الثقات جزءًا ويتركون الأجزاء الباقية، سواء كانت قبله أو بعده، ويقول: انظر فلان العالم يقول كذا، لكن لأنه أتى بجزء من الكلام غير المقصود، كما فعله الكوثري المتعصب الهالك الذي كان ينقل كلام بعض أئمة الجرح والتعديل في شخص، ويخفي الأقوال الأخرى مثلاً، وكشف زيفه العالم الجليل عبد الرحمن المعلمي اليماني -رحمه الله- في كتابه: "التنكيل".
أسباب النفور من قراءة الكتب ووسائل علاج ذلك:
00:19:06
 وأما بالنسبة للمشكلة الحاصلة اليوم بين أكثر الناس وبين الكتاب، وهي: النفور، الذي يصل إلى حد العداوة.
بعض الناس لا يريدون أن يقرؤوا نهائياً.
-طبعًا- يقرؤوا في كتب أهل العلم الشرعي، الكتب المفيدة كتب العلم الشرعي، وإلا الناس أكثرهم يقرؤون الجرائد، يقرؤون المجلات التافهة وأخبار الرياضة، يقرؤون في الغالب ولا يوجد أحد لا يقرأ نهائياً، إلا إذا كان أمياً.
لكن المشكلة -أيها الإخوة-: لماذا لا يقبل الناس على الكتاب وبالذات الكتاب الإسلامي، لماذا ينفرون من القراءة؟ لماذا توجد عقدة عند بعض الناس وعداوة بينه وبين الكتاب؟ كيف ننشأ العلاقة بين المسلم والكتاب؟ كيف نجعل الكتاب صديقاً؟ بحيث يصبح الأمر كما قال القائل: إذا قرأت كتاباً جديداً للمرة الأولى شعرت أنني كسبت صديقاً جديداً، وإذا قرأت ثانية أحسست بأنني أقابل صديقاً قديماً.
في الحقيقة: أن هناك أسباباً للعداوة والنفور بين الناس وبين الكتاب؛ منها مثلاً: الاصطدام بأمور صعبة في بداية القراءة.
منها مثلاً: عدم معرفة المصطلحات المتكررة أثناء القراءة.
منها مثلاً: أن بعض الناس طبيعتهم حركية ويحبون الذهاب والمجيء لا يحبون الجلوس في مكان واحد لمدة طويلة.
منها مثلاً: طول الكتاب أو طول الموضوع، وهكذا..
وهذه المشكلات لها علاجات ولا شك؛ فمنها مثلاً: أن القارئ المسلم ينبغي أن يقرأ في الكتب السهلة في البداية قبل الكتب الصعبة، الخطأ الذي يصد بعض الناس عن القراءة أنه يقرأ كتباً متقدمة في الفن، أقصد الموضوع العلمي، الفن كلمة شريفة، كلمة جميلة عند المسلمين، ويقولون: فن الفقه، فن التجويد، فن القراءات، فن الأصول، فن النحو، فن الصرف، وهكذا، لكن الآن أهل الجاهلية هم الذين استخدموا هذه الكلمة استخداماً معيناً، وجعلوا لها مدلولاً معيناً في نفس المستمع، فهو إذا سمع كلمة: الفن، فإنها تعني الموسيقى، الغناء، الرقص، نحت التماثيل، وكما يسمونها: الفنون الجميلة، ولا أقبح منها عند الله.
نعود فنقول: إن القراءة في الكتب المتقدمة في الفن قبل الكتب المبسطة أو الأساسية من الأخطاء التي تجعل بعض الناس ينفرون من القراءة، فمثلاً: لماذا يقرأ الشخص المراجع الكبيرة قبل الكتب الصغيرة المبسطة؟ لماذا يبدأ بالأصعب قبل الأسهل؟
بعض الناس عندهم نوع من الغرور، فيقول: أنا مثلها، وأنا على مستوى القراءة ولا يهمني أنه كبير أو صغير، ولكن النتيجة تنعكس على نفسيته، فمثلاً: أليس من الخطأ أن يبدأ إنسان يريد أن يقرأ في الفقه بكتاب "المغني" قبل كتاب "العدة"؟
أليس من المفروض مثلاً: أن الإنسان إذا أراد أن يقرأ بالتفسير -نأتي بأمثلة توضح الفكرة، وفي نفس الوقت نعطي شيئاً في الموضوع- لو أردت أن تقرأ في التفسير مثلاً وأنت لم تقرأ نهائياً من قبل، أليس من الأفضل أن تأخذ كتاباً مبسطاً في التفسير جداً، مثل "زبدة التفسير من فتح القدير"، فتح القدير للشوكاني، بسطه محمد سليمان الأشقر، مثلاً في كتاب: "زبدة التفسير" كلمة ومعناها، مع أشياء أخرى إضافية مفيدة.
ثم إذا أردت أن تتوسع تأخذ مثلاً تفسير ابن سعدي -رحمه الله- الذي ليس فيه ذكر المرويات بالأسانيد التي تنفر بعض الناس، وهو بأسلوب أيضاً مبسط وسهل.
ثم إذا أردت أن تنتقل إلى تفسير ابن كثير، تنتقل إلى تفسير ابن كثير، ثم إلى غيره مما هو أطول وأصعب.
أليس من الحكمة إذا أردت أن تقرأ في السيرة النبوية أن تبدأ بكتاب دروس وعبر مثلاً للسباعي -رحمه الله-، ثم تنتقل للرحيق المختوم للمباركفوري على سبيل المثال، قبل أن تصل إلى البداية والنهاية لابن كثير.
إذا أردت أن تقرأ في العقيدة، أليس من المناسب أن تقرأ لمعة الاعتقاد مع شرحه، ثم الواسطية، قبل أن تنتقل إلى الطحاوية، فالسفارينية.
أليس من المناسب إذا أردت أن تقرأ في الحديث على سبيل المثال: أن تقرأ الأربعين النووية مع شرح مبسط، قبل أن تنتقل إلى رياض الصالحين، ومشكاة المصابيح بعد ذلك؟
ومن الأمور التي تجعل بعض الناس ينفرون من القراءة في كتب القدامى من علمائنا الأجلاء: أن هذه الكتب التي يسمونها بالكتب الصفراء، مع أنها الآن والحمد لله بدأت تطبع طبعات بيضاء، وأكثر العلم موجود فيها، مؤلفات الأولين قليلة كثيرة البركة، ومؤلفات المتأخرين كثيرة قليلة البركة.
من الأسباب التي تنفر بعض الناس من الكتب القديمة -أقصد التي ألفت قديماً- كتبها علماء المسلمين الأجلاء: أسلوب الكتاب الذي قد يكون مكتوباً بلغة ذلك العصر، ويناسب مستوى القارئ في ذلك العصر، وذلك العصر كان مستوى القراء يختلف في العربية عما عليه قراؤنا الآن، وهذا بلا شك.
والقراءة في كتب القدامى إذا انتقيت ومشيت بالأسلوب المبسط ستصل إلى مستوى تستطيع به أن تقرأ كتب القدامى، ولو استصعبت عليك بعض الألفاظ، لكن ستخرج بفوائد عظيمة.
زد على ذلك أن كتب القدامى قد كتبت في عصر كان الإسلام فيه في عزة، وعندما يكتب الكاتب بروح العزة الإسلامية وروح الانتصار يكون أسلوبه وروح كتابته تختلف عما يكتب به أحد الكتاب الآن في الوقت الذي أصبح المسلمون فيه في ذلة وهزيمة، وهذه نقطة مهمة جداً.
قراءة كتب الماضين تأسس في نفوسنا الثقة بهذا الدين؛ لأنهم يكتبون من منطلق القوة، ومن منطلق الاستعلاء، ولذلك نحرص الناس أن يقرؤوا الكتب الحديثة التي يكتب فيها الكاتب المسلم من روح الاستعلاء كما هي كتابات سيد قطب -رحمه الله- مثلاً، هناك كتاب يتأثرون بالانهزامية الموجودة الآن، فتحس وأنت تقرأ بالانهزام، وتحس بأن الكاتب يتراجع عن كثير من الأمور الإسلامية الشرعية تحت ضغط الحضارة الغربية مثلاً.
ولذلك الحذر الحذر -أيها الإخوة- عندما تقرأ للكتاب المحدَثِين.
وهذا يقودنا إلى مسألة وهي الاهتمام باللغة العربية، وتعميق فهمنا لهذه اللغة، والوقوف أمام من يدعو إلى إشاعة اللهجات العامية كما يريد المستشرقون وأعداء الدين، فخرجوا علينا بلغة: شرشر، ونحو ذلك من الأمور التافهة.
وهنا قاعدة: كلما كان الكتاب ألصق بالقرآن والسنة، يعني فيه استشهادات من القرآن والسنة كثيرة كلما كان أيسر، وكلما كان المؤلف الذي يكتب قريباً من القرآن والسنة كان كتابه أيسر وأبسط وأقرب للفهم؛ لأن الله قال: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17].
وينبغي -أيضاً- بالنسبة للمؤلفات القديمة: أن ننتقي أصحاب الأسلوب الرشيق، والقلم السيال، والعبارة الجميلة، مثل: ابن القيم -رحمه الله-؛ لأنك إذا قرأت في كتبه، أو بعض كتبه على الأقل، تحس بانجذاب لكتب القدامى، هذا قبل أن تنتقل إلى قراءة كتب من في أسلوبهم شيء من التعقيد أو تداخل العبارات، أو كثرة الاستطرادات.
بعض الناس يقولون: نقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لكن لا نفهم، نقول: نعم، يحصل كثيراً، ابن تيمية -رحمه الله- كان ذهنه سيالاً، كان يكتب وهو  يكتب تتدفق الأفكار، كالسيل العارم الجارف، فيخرج كل ما عنده، ويفرغ في الكتاب.
ولذلك تجد في المسألة الواحدة أقاويل كثيرة جداً وتعليقات ونقد وعرض بشكل مذهل، لكن قد لا يستطيع القارئ البسيط أن يفهم مثل هذا، لكن في نفس الوقت له رحمه الله كتب بسيطة مثل كتاب "العبودية" مثلاً.
ومن أسباب النفرة بين القارئ والكتاب: صعوبة اللغة، أن يكون مكتوباً بلغة عربية قوية، أو تكون الكلمات غير معتادة الاستعمال في وسط الشخص القارئ، ولذلك من الممكن التغلب على مثل هذا بأن يكون لدى القارئ المسلم مثلاً قاموساً مختصراً جداً مثل "مختار الصحاح"، "مختار الصحاح" كتاب جيب يمكن أن يوضع في الجيب، كل كلمة بمعناها، أو "القاموس المحيط" مثلا.
وإذا مرت عليه كلمات في الأحاديث غريبة فعنده كتاب "النهاية في غريب الأثر والحديث" يستطيع به أن يفك رمز هذه الكلمة التي لا يعرف معناها.
فإذاً، هناك كتب -أيها الإخوة- بسيطة يمكن أن يحتفظ بها القارئ بجانبه تساعده أثناء القراءة.
وهو سيلاقي صعوبة في البداية لكن بعد فترة سيتعود.
والكلمة الصعبة الآن إذا عرفت معناها في المستقبل لن تحتاج أن تنظر في معناها مرة أخرى أليس كذلك؟ وستتقوى الملكة اللغوية تدريجياً مع كثرة القراءة.
ونعود فنقول: إن تعلم قواعد اللغة العربية، شيء ضروري، فمعرفة الفاعل من المفعول، يؤثر كثيراً عند القراءة، ومعرفة المضاف من المضاف إليه يؤثر كذلك، المبتدأ والخبر، الشرط، فعل الشرط وجواب الشرط، تقديم ما من شأنه التأخير ماذا يعني في لغة العرب، وهكذا..
وإذا لم يفهم القارئ شيئاً في البداية فليس من الضروري أنه يقف حتى يفهم ولو وقف ساعات، يتجاوز الآن ويكمل حتى يسهل عليه الأمر في المستقبل.
ومن الأمور التي تنفر الناس عن القراءة: الملل، أنه يقرأ نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين وبعد ذلك يمل، فماذا يفعل؟ يستريح بين فترة وأخرى، يريح عينيه، يقوم يتحرك، حركة بسيطة، ثم يرجع إلى القراءة.
ومن الأساليب أيضاً: أن يغير الكتاب الذي يقرأ فيه، أو يغير نوعية العلم الذي يقرأ فيه، كما ذكر عن ابن عباس -رضي عنه- أنه كان إذا مل قال: هاتوا ديوان الشعراء.
الشعر يغير، وأيضا الشعر مفيد، يفهم لغة العرب، تقوى سليقته.
وكان محمد بن الحسن -رحمه الله- قليل النوم في الليل، وكان يضع عنده الدفاتر، فإذا مل من نوع ينظر في نوع آخر، وكان يضع عنده الماء ويزيل نومه بالماء، كلما نعس.
من الأمور التي تشد أو تحبب القراءة للشخص: أن يحس بالمردود، وإذا كان المردود سريعاً كان حبه للقراءة أكثر، فمثلاً: لو أن الإنسان قرأ مسألة فقهية، ثم تعرض لها، فإنه يستأنس جداً؛ لأنه يعرف الجواب، مثلاً: لو قرأت عن الحج ثم ذهبت إلى الحج كم سيكون إحساسك بفائدة القراءة كبيراً.
لو قرأت كتاباً في صفة الوضوء، أو صفة الصلاة، وأنت تطبق ذلك يومياً، ستشعر بحب للقراءة؛ لأن الثمرة مرئية ومشاهدة وسريعة.
ومن الأمور أيضاً: أن يقيد الإنسان الفوائد الجميلة، اللآلئ التي يقرؤها، أحيانًا الواحد لما يقرأ ليس كل ما يقرأ يشد انتباهه، وليس كل ما يقرأ يقع في نفسه موقعاً جميلاً، فلو أن القارئ يدون الأشياء الجميلة التي يقرؤها، الأحداث المؤثرة، فإنه بعد فترة ستتجمع عنده أشياء، لو فهرسها ستخرج في كتيب جميل، إذا قرأه استأنس؛ لأن عنده فواكه عذبة مما قرأه.
وكثير من العلماء لهم مصنفات هي عبارة عن فوائد حصلت لهم أثناء البحث والقراءة، انظر إلى كتاب "بدائع الفوائد لـابن القيم -رحمه الله- مثلاً، يتحدث الناس بأحسن ما يحفظون، ويحفظون أحسن ما يكتبون.
وأحياناً يحب الإنسان القراءة أكثر؛ لأنه يعيد القراءة فيستفيد من إعادة القراءة معاني جديدة لم يكن قد عرفها من قبل، وبالذات الذين يتدبرون القرآن الكريم، فإن هذا القرآن لا يشبع منه العلماء، كلما قرأت بتدبر وجدت معاني جديدة.
وكذلك عندما تقرأ في كتب العلم وتعيد الكتاب مرة أخرى تثبت ما كنت حفظته، وتحفظ شيئاً جديداً، وتفهم شيئاً جديداً، وهذا يحببك في القراءة بزيادة.
عندما نقول: أن من الأشياء التي تنفر القارئ من الكتاب: أنه يمر بأشياء لا يفهمها، يجب أن يكون للقارئ موقف مهم جداً في هذا المكان، وهو ما جاءنا من سنة علمائنا أنهم كانوا إذا استغلقت عليهم المسألة، أو مر بهم الأمر الصعب أثناء القراءة، كانوا يلجؤون إلى الله، ويتضرعون إليه ويسألونه أن يفتح عليهم سر هذه المسألة، كما كان يقول شيخ الإسلام -رحمه الله- مناشداً ربه: يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني؛ لأن الله قال: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ .
وهذه المناشدة لله هي التي تفتح عليك هذا الذي استغلق من المسألة أو الكلمة أو العبارة الصعبة في الكتاب.
لكن بعض الناس مع الأسف ليست عندهم هذه الروح، أو هذه النفسية: التوجه إلى الله إذا استصعب عليه شيء في القراءة.
ومن الأشياء التي تحبب الإنسان إلى الكتاب: الاعتناء بالكتاب.
وكان علماؤنا -رحمهم الله- يعتنون بكتبهم اعتناءً شديداً، فكانوا يقولون مثلاً أشياء عجيبة فعلاً كتبها علماؤنا بالاعتناء بالكتب: لا تجعل كتابك بوقاً ولا صندوقاً، بعض الناس يأتي بكتاب ويلفه ويمسكه بيده فيكون كالبوق، تلاحظ في طريقة الحمل، أو يجعله صندوقاً، يضع فيه الأوراق والأقلام والدفاتر، وينتفخ الكتاب ويتشقق بفعل هذه الأشياء التي تكوم داخله، وتحصل كل شيء في الكتاب.
وذكروا في صفة القراءة قالوا: لا يفرشه، بعض الناس لما يأتي بكتاب يفتح الكتاب ثم يدعكه بيده بشدة حتى يفتحه، فالكتاب يتفلت، وتتفلت الأوراق، هذا الخيط الذي يمسك الأوراق والملازم يتفلت، والصمغ يتفكك، لا يفرشه لكي لا يتقطع حبله بسرعة، ولا يوضع على الأرض مباشرة، إذا جاء يرص الكتب في الخزانة أو في الدولاب أو في الرفوف، لا يضعه على الأرض مباشرة وإنما فوق خشبة، لئلا يبتل، وإذا وضع على خشب وضع فوقها جلداً، وتحتها جلداً، إذا لم يكن هناك عازل، أو بينه وبين الحائط يضع جلداً.
ويراعي في وضعها أن يكون أعلاها هو أشرفها، ثم يراعي التدريج: القرآن ثم الحديث ثم شرح الحديث، ثم العقيدة، فالفقه فالنحو، فأشعار العرب، حتى الكتب لها ترتيب، فإن استوى كتابان في فن معين، صاروا مثل بعض، جعل أعلاهما أكثرهما قرآناً أو حديثاً، فإن استويا فبجلالة المصنف، فإن استويا فأقدمهما كتابة، فإن استويا فأكثرهما وقوعاً في أيدي الصالحين والعلماء، الكتاب الأكثر استخداماً، فإن استويا فأصحهما، وهكذا..
وحفظ الكتاب يشرح الصدر، عندما ترى كتابك جميلاً جيداً يفتح نفسك للقراءة.
بعض الناس يضعون كتبهم على الرفوف بشكل مائل، ماذا يحدث للكتاب؟
تختلف الصفحات.
ولا بد من الاعتناء بتجليدها وتلصيق ما تمزق منها، ولا يرمي الكتاب، بعض الناس إذا أراد أن يناول أحداً كتاباً رمى له بالكتاب، وهذا يساعد في تشققه وتلفه، بل يناوله مناولة، ولا يكتب عليه بأقلام لا تمحى، إلا الأشياء المهمة.
-طبعاً- الإنسان عندما يشتري ينتقي الطبعات النظيفة، والأوراق التي يسهل القراءة فيها، والحرف ترى له أهمية في القراءة، لما يكون صغيراً جداً يتعب في القراءة، لذلك بعض السلف قال: لا تقرمط فتندم وتشتم، "لا تقرمط" يعني لا تكتب بحروف صغيرة جداً، فإذا احتفظت فيها ثم كبرت وصار بصرك ضعيفاً تندم في المستقبل؛ لأنك ما تقرأ بسهولة، وإذا ورثتها لغيرك مثل المخطوطات التي كانت تورث "تشتم" يقال: فلان هذا كاتب الخط، هذا الذي ما يقرأ.
وكذلك لا يبقي الكتاب مفتوحاً لفترة طويلة، أو مقلوباً بعدما يفتح لفترة طويلة، ولا يضع ذوات القطع الكبيرة فوق ذوات القطع الصغيرة لئلا تسقط.
ولا يجعل الكتاب خزانة للكراريس، أي يضع فيه أشياء كراريس، ولا مخدة، بعض الناس ينام عليه، ولا مروحة، ولا مكبساً يكبس به، ولا مسنداً ولا متكأً، ولا مقتلة للبعوض، ولا يطوي حاشية الورق، بعض الناس إذا أراد أن يعلم المكان الذي وقف عليه، طوى الصفحة، ثم يطوي صفحة ثانية، وكان العلماء يكتبون: بلغ، عند المكان الذي وصل عليه، حتى يعرف أين وصل، ونحن الآن نطوي الأوراق.
وإذا أراد الإنسان أن يضع علامة يضع ورقة رقيقة في المحل الذي وصل إليه، ولا يُعلِّم بعود أو شيء جاف.
وحتى طريقة قلب الصفحات، بعض الناس يقلب بعصبية كأنه يريد أن ينتقم من الصفحة، مع أنه يمكن أن يقلب بكل تؤدة وسهولة، ويحافظ على صفحات الكتاب.
ويتفقده عند الشراء حذراً من المسح أو النقص أو عكس الملازم وقلبها، وهذا يلاحظ كثيراً في الكتب.
ويعيرها لمن يأتمنه عليها، حتى لا تضيع، ولا يجوز له أن يحبس الكتاب المعار عنده، المستعار إذا استعار كتاباً لا يحبسه، ولا يحشيه ويكتب في بياضه إلا إذا علم رضا صاحبه، إذا علمت أن صاحبه يرضى أنك تكتب اكتب وإلا لا تكتب.
ولا بد من الاهتمام بالكتب ذات علامات الترقيم الجيدة، فواصل ونقط، ويبدأ فقرة جديدة من أول السطر.
وكذلك إذا حصل لك كتب فيها تقسيمات وتفريعات في أشكال توضيحية تساعد في فهم الفكرة، مثل: كتابة الجداول الجامعة للعلوم النافعة، فيكون هذا طيب.
ومن الأشياء التي صرفت الناس عن القراءة -أيها الإخوة-: الأشرطة، وهذا حق، ونحن لا نقول: يجب أن نلغي الأشرطة، ولكن نقول: لا بد أن يكون المسلم عنده توازن بين سماع الأشرطة وقراءة الكتب؛ لأن بعض الناس خلاص بعد الأشرطة هذه ما عادوا  يقرؤون شيئاً، كل شيء بالأشرطة، مع أن هناك فروقاً كبيرة، فمثلاً: الأشرطة لا يمكن أن تستخدم مراجع، وإذا أردت أن تبحث عن شيء صعب جداً أن تبحث عنه بخلاف الكتاب.
وهذه الأشرطة تقتل روح البحث العلمي إذا واحد فقط يسمع الأشرطة ولا يقرأ الكتب يقتل عنده روح البحث العلمي ، والأشرطة لها مجالات معينة، مثلاً: في السواقة، أي في الأوقات أو الظروف والأوضاع التي لا يستطيع فيها الشخص أن يقرأ يمكن أن يسمع عند الاسترخاء، يضع ويسمع، مثل ما فعل جد شيخ الإسلام ابن تيمية، إذا دخل الخلاء أمر قارئاً أن يرفع صوته ليسمع ويستفيد، بدل ما واحد يتروش نصف ساعة ويجلس فاضي، ممكن يفعل هذا، يسمع الشريط، لكن أن نقلع عن الكتاب ونرغب عنه بالأشرطة فقط خطأ كبير جداً.
حتى الفهارس التي صدرت فإنك ترى مع إيجابيتها الكبيرة إلا أنها قتلت روح البحث عند الناس، خلاص بس يرجع ولا يمر على أي مسألة أخرى، قد يكون بدون الفهرس سيمر عليها.
وكذلك من الأمور التافهة التي شغل بها الناس: متابعة المسلسلات والبرامج في الشاشة الصغيرة مثلاً، أو هذه الأفلام في الفيديو، ونحو ذلك، هذه قتلت القراءة عند الناس قتلاً، وذبحت القراءة ذبحاً؛ لأن الناس انشغلوا تماماً بهذه الأشياء، كم ساعة يجلسون أمام الشاشة؟! وبعدين يقول: ما عندي وقت أقرأ!
-طبعاً- صور ملونة وأحداث وأشياء تتحرك، من أين له أن ينجذب إلى الكتاب؟ مع أنه ماذا يستفيد من النظر والمتابعة؟ تقريباً لا شيء.
ونستطيع أن نشجع الناس على القراءة بأمور كثيرة، مثلاً: معارض الكتاب لها دور.
الغرب عندهم أسبوع الكتاب، ونادي الكتاب، واتحاد القراء، وأشياء كثيرة.
لكن نحن نستطيع مثلاً: إقامة معارض الكتاب، والإعلان عن الكتب في الوسائل المختلفة.
إقامة محاضرات عن القراءة، وفقرات منهجية في المدارس والجامعات، وحصص خاصة بالقراءة الحرة إذا أمكن.
وإنشاء مكتبة في البيت، وتكون هناك مسابقات للقراءة.
الشاهد: هناك وسائل يمكن أن نشجع عامة الناس على القراءة من خلالها.
شرود الذهن أثناء القراءة وعلاج ذلك:
00:45:52
 نأتي الآن -أيها الإخوة- إلى مسألة شرود الذهن أثناء القراءة ومشكلة عدم التركيز، وهذه المشكلة فعلاً تسبب نفور الناس من القراءة وشعورهم بأنهم لا يستفيدون شيئاً.
وكثيراً ما تلاحظ على نفسك أنك وأنت تقرأ قد ختمت الصفحة دون أن تفهم شيئاً؛ لأن العين هي التي تشتغل ولكن القلب لاهٍ.
هناك نوعان من الشرود: شرود النظر والفكر طبعًا، وشرود الفكر فقط، أنت أحياناً قد تقرأ -كما ذكرنا- والعين تعمل والقلب لا يعمل، فهذا شرود الفكر، شرود القلب، النظر موجود لكن القلب ما في، ما في  متابعة.
وأحياناً تجد نفسك وأنت تقرأ قد نظرت في شيء وجلست تبحلق فيه فترة من الزمن، أو وضعت يدك على فكك وجلست تسرح في موضوع، أو ترى نظرك في جهة والكتاب في جهة، وأنت سرحت في وادٍ آخر أثناء القراءة، هذا الشيء طبيعي بالنسبة للشخص الذي يريد أن يتعود على القراءة في البداية، والناس كل واحد فيهم تقريباً لا بد أن يشرد، لكن القضية أنهم يختلفون في الشرود، فمنهم من يطول شروده، ومنهم من يقصر، ومنهم من تخطر له خاطرة أو خاطرتان، ومنهم من تخطر له عدة خواطر.
هذه المسألة أكبر حلٍ لها هو المجاهدة، مجاهدة النفس عند قدوم الخواطر الطارئة.
وعندما يقفز النظر بين السطور وينهي الصفحة والصفحتين، وإذا توقفت فجأة وجدت نفسك لم تستوعب شيئاً، لا بد أن تراجع طريقتك في القراءة.
التجاوب مع القراءة من أكبر الأسباب التي تؤدي للتركيز، ولذلك مثلاً إذا نظرت إلى قراءته ﷺ للقرآن وجدت فيها أمراً عجيباً، فمثلاً: ماذا تفهم إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية عذاب استعاذ، وإذا مر بآية نعيم سأل الله: أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى[القيامة: 40] قال: بلى.
إذا مر بآية فيها سجدة سجد، ما معنى هذا؟
التفاعل مع القراءة، التفكر في الأشياء التي تقرأ.
بعض الناس إذا نظرت إليه وهو يقرأ أحيانًا إذا نظرت قسمات وجهه أنه أحياناً يعبس، وأحياناً تجده ينبسط، وأحياناً تجده يبتسم، وأحياناً تجده مستغرباً، وأحياناً تجده مندهشاً، وأحياناً فجأة تكون أنت جالساً في حجرة وواحد يقرأ في سكون وفجأة تسمعه يقهقه، ماذا حصل؟ طبعًا قرأ شيئاً مضحكاً.
هذه العلامات على الوجه أثناء القراءة تدل على أن الشخص متابع لما يقرأ.
التركيز لا يأتي من أول وهلة، ولا يأتي بسهولة جداً لا بد له من مران مستمر وصبر، وعدم استجابة للمؤثرات الخارجية.
وإذا استطاع القارئ بالمجاهدة أن يرد عقله مرة بعد أخرى إلى الموضوع فإن الخواطر الطارئة لا تلبث أن تعود من حيث أتت وبتكرار ذلك يصبح تركيز الذهن من الأمور المألوفة، قضية صبر ومجاهدة.
العين -أيها الإخوة- ترى رسم الحروف فقط لكن العين لا تفهمك معنى الكلام، لكن القلب هو الذي يفهمك المعنى، وعن طريق التدبر تلتذ بالقراءة.
هناك أمر وهو: هل إذا أشغلت حواس أكثر تستفيد أكثر من القراءة؟ بمعنى إذا لاحظنا القراء الآن نجد أنهم يختلفون، فمنهم قارئ سماعي، لا يقرأ إلا برفع الصوت، ولذلك يصير مزعجا بالنسبة لواحد آخر.
هناك قارئ آلي يحرك شفتيه ولكن بدون صوت فهو يقرأ بشفتيه.
وهناك قارئ بصري لا يقول شيئاً ولا يسمع شيئاً، لكن فقط ينظر ويفكر، لا تسمع صوتاً ولا ترى حركة، وإنما يتابع ببصره وقلبه.
بعض الناس المفكرين يقولون: إن الأخير هو أجود الأنواع؛ لأنه يركز تركيزاً شديداً جداً، بحيث أنه لا يحتاج إلى أشياء أخرى تنبهه وتجعله كأنه يعيش داخل الموضوع، ولكن الناس يتفاوتون، وممكن واحد ما يستوعب إلا برفع الصوت، وممكن واحد ما يستوعب إلا بتحريك الشفتين، وممكن واحد لا يركز إلا فقط بالنظر مع استعمال الفكر والقلب، فالناس يتفاوتون، كل واحد يرتاح بطريقة معينة.
وكذلك الأشياء نفسها المقروءة تختلف فمثلاً: ذكر بعض أهل العلم قال: ينبغي للدارس أن يرفع صوته في درسه حتى يسمع نفسه فإن ما سمعته الأذن رسخ في القلب، ولهذا كان الإنسان أوعى لما يسمعه منه لما يقرؤه، وإذا كان المدروس مما يفسح طريق الفصاحة يكون رفع الصوت به مهماً، مثل قراءة الشعر، قراءة الأشياء التي تحسن الأسلوب، التي تحسن النطق، التي تجلب الفصاحة، هذه رفع الصوت بها مهم مثلاً، ويقول أحد أهل العلم: وحكي لي عن بعض المشايخ أنه قال: رأيت في بعض قرى النبط فتى فصيح اللهجة، حسن البيان، فسألته عن سبب فصاحته مع لكنة أهل جلدته، فقال: كنت أعمد في كل يوم إلى خمسين ورقة من كتاب الجاحظ.
طبعًا الجاحظ هو  من المعتزلة هو  ضال في العقيدة، لكن له كتب جيدة في الأسلوب الفصاحة، كتاب: البيان والتبيين، له كتب جيدة في هذا.
"فأرفع بها صوتي في قراءتها، فما مر بي إلا زمان قصير حتى صرت إلى ما ترى".
لذلك رفع الصوت أن يسمع القارئ نفسه القرآن من الأمور التي تجعله فصيحاً جداً.
وانظروا -أيها الإخوة-: من الأمور السيئة لكن هذا ما حصل واحد مطرب مغني ينصح الشباب الذين يريدون الإقبال على الغناء، فيقول لهم: وصية: أنصحكم بدراسة التجويد؛ لأنه يساعدكم على أداء الغناء بكفاءة عالية، طبعاً التجويد فيه علم مخارج الحروف، والتفخيم والترقيق، أي أشياء كثيرة، لكن شوف السفيه يريد أن يستغل أي شيء في أي شيء.
من الأمور المهمة التي تساعد على التركيز: استخدام القلم أثناء القراءة، وهذه وصية مهمة نافعة إن شاء الله لك أيها الأخ المسلم، استخدم القلم أثناء القراءة.
إن كثرة التعليقات التي تكون موجودة على كتابك دالة على تركيزك وتفاعلك مع القراءة.
واستعمال القلم عند القراءة لشد الانتباه والتعبير عن الموقف المقروء يدل على الاستيعاب أصلاً، إذا قرأت ورأيت أنك ملأت الصفحة بالكتابة فاعلم بأنك ناجح في الاستيعاب، وربط الجمل والأفكار.
الكتابة على الهوامش، هامش الكتاب سواء كان الأعلى أو الجانبي أو الأسفل، ينبغي أن تكون التعليقات كأنها حوار بينك وبين الكاتب، وليس المقصود ما يفعله بعض القراء، وبعض الناس الذين يقرؤون من خرابيش، تفتح الكتاب تجد: سيارة، طيارة، مثلثاً، دوائر، مكعبات، وأشكالاً، ورسوماً سريالية، ونحو ذلك، المقصود باستخدام القلم مثلاً: وضع خط تحت النقط الأساسية والأفكار الهامة، وضع خطوط رأسية في الهامش للإشارة إلى أهمية الفكرة.
في واحد الشباب كان في المذاكرة أيام الجامعة، الكتاب ضخم فيه ما هب ودب، فكان يستخدم الألوان، اللون الأصفر للأشياء المهمة جداً، قانون يجب حفظه، الشيء الأزرق أقل أهمية، الشيء الأحمر أقل شيء، أو خليه بياض الباقي، أو يرقم، رقم واحد هذا مفهم جداً، اثنين يعني وسط ثلاثة ممكن أن يؤجل في المذاكرة إلى آخر شيء إذا زاد وقت قرأه، وإذا ما زاد وقت ما قرأه، فهذه أشياء مهمة نافعة جداً في التحصيل.
وكذلك وضع الأرقام بالإشارة إلى أهم عشر نقاط، ترقيم الأشياء، أحيانًا بعض الكتب ما تحصل فيها شيء مرقم، فإذا رقمته أنت تحس بنوع من التركيز أكثر.
والإشارة إلى أرقام الصفحات التي ذكرت فيها النقاط لها علاقة بهذه النقطة، وهذا يدل على أنك مستوعب، ولذلك يقول مثلاً: انظر صفحة كذا، تقدم الكلام عن هذا الموضوع في صفحة كذا، معناه أنك متابع، وأنك تربط بين هذه الفكرة والفكرة التي سبقت.
وكتابة أسئلة، فأحياناً الواحد يكتب سؤالاً على أساس أنه يقول: سأسأل عنه العالم  أنا ما فهمت سأسأل عنه كذا، أو يذكر نقطة فيكتب سؤالاً: هل يدخل فيها كذا.
أو تبسيط الفكرة في الهامش، أنت إذا نظرت إلى كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم" طبعة الشيخ/ محمد حامد الفقي -رحمه الله-، ماذا تلاحظ في هذا الكتاب؟
فيه عناوين جانبية كثيرة جداً، كل مقطع عنوان جانبي، لأن الأولين كانت كتبهم: فصل، ويسرد لك فيه عشرين صفحة، فصل، ويسرد خمسين صفحة، يعني ذهن سيال ما شاء الله! حفظة.
الناس الآن بدأوا يكتبون بهذا التفصيل وهذا التنقيط، وهذا الترقيم الموجود، فأنت إذا قرأت في كتب الأقدمين استخدم هذه الوسائل.
العناوين الجانبية مثلاً: اكتب موضوعاً ستلاحظ أول شيء مثلاً: التعريف اللغوي.
ثانياً: التعريف الشرعي، اكتب: التعريف الشرعي.
ثالثاً: الأدلة.
رابعاً: أقوال العلماء.
خامساً: القول الراجح.
حاول أن تكتب في الهامش العنوان الذي يدلك ماذا يوجد في هذه الفقرة.
وإذا كنت لا تحب أن تكتب في كتابك أو لم يكن الكتاب كتاباً لك، استعرته مثلاً، خذ ورقة خارجية ودون فيها الملخص.
وإذا كنت لا تحب الكتابة حتى في كتابك أنت، خذ ورقة ودون فيها الأشياء، تكون مناسبة لمقاس الكتاب ثم ألصقها في الغلاف من الأخير أو من الأول.
وبعض الناس يقول: يا أخي الكتابة يضيع الوقت، أنا كل شيء أكتبه، هذا معناه أن أجلس في الكتاب أسبوعاً، نقول: اجلس أسبوعاً واستفد أحسن من أن تخلصه  في ساعتين وما تستفيد.
حاول أن تجعل كتابك ثرياً، كيف؟
بعض الناس يثرون كتبهم، يصير الكتاب عنده يساوي أضعاف أضعاف قيمته في المكتبة، وليس عنده استعداد أن يعطيه لأحد يخشى عليه؛ لأن الكتاب صار ثميناً، كيف صار ذلك؟
مثلاً: إذا مر على قول ذكره الكاتب قال مثلاً للعلماء أقوال أخرى، ونقل من كتب أخرى الأقوال في الهامش.
مثلاً حديث مر عليه راح إلى كتب التصحيح والتضعيف وخرج الحديث، صحة الحديث، صحيح، انظر صحيح الجامع رقم كذا، تلخيص الحبير رقم كذا، وهكذا..، ينقل درجة الحديث.
أو يكتب نقداً لفكرة خاطئة، يقول: وهم الكاتب هنا، والصحيح كذا؛ لأن فلاناً يقول من العلماء، ونحو ذلك.
أو يصوب الخطأ المطبعي، فيضع بالقلم الرصاص، ويكتب فوق الكلمة: الصحيح كذا..
ولا تستعجل؛ لأن الواحد أحياناً يظن ما ليس بخطأ خطأً فيصحح، وتصحيحه خطأ، والموجود في الكتاب هو الصحيح، مثلاً: واحد قرأ: تذهيب التهذيب، وفي تذهيب التهذيب قال كذا، اسم كتاب، قال: تذهيب التهذيب، ما عمره سمع: تهذيب التهذيب، ولكن المعروف: تهذيب التهذيب، شخط على تذهيب، وكتب فوقها: تهذيب، مع أن هناك كتاباً اسمه: تذهيب التهذيب، لكنه ما يدري أنه في كتاب آخر.
ومثلاً: قال الباوردي، يقول: إيش الباوردي هذا؟ البارودي هذا عائلة معروفة، شطب على الباوردي، وكتب: البارودي، مع أنه في عالم معروف: الباوردي، وهكذا..، فلا تستعجل بالتصحيح، وليكن بقلم رفيع وخط دقيق، يوضع فوق الكلمة، وبعض الناس يحك بحيث إنه يخرق الورقة.
ومن المفيد عند انتهائك من قراءة الكتاب: أن تكتب مذكرة على جلدة لكتاب، عبارة عن تقويم عام، أو اختصار للكتاب يحوي ما تضمنه من أفكار والملاحظات عليه سواء ما يتعلق بالشكل أو المضمون أو الأسلوب.
المربي والداعية الذي يعلم الناس يهمه جداً هذا الكلام؛ لأنه يعرف من خلال هذا التقويم من يصلح أن يهدى إليه هذا الكتاب، ومن يصلح أن يقرأه.
وإذا أردت أن تلخص كتاباً فلا بد أن تعرف فن التلخيص، والتلخيص له فن.
لا بد من الاستيعاب والفهم أولاً.
ثم تقدر حجم التلخيص ثانياً.
ثم تتحرر من عبارات الكاتب الأصلي إلا إذا كانت مهمة جداً، وتصيغها بكلماتك أنت وعباراتك، وهذه قدرات عند البشر التلخيص، لذلك بعض الطلاب عندما يقول المدرس: لخص لي الكتاب الفلاني، تجدهم يأخذون من هنا سطرين ومن هنا سطرين، وهنا سطرين، ينقل نقلاً، ثم يخرج في النهاية كلام ليس بينه ترابط على الإطلاق؛ لأن المؤلف استعمل عباراته هو فصاغة صياغة كاملة تامة مترابطة.
وكذلك من الأمور التي تساعد على التركيز أثناء القراءة: تلمس الأوضاع المريحة عند القراءة، ولا بد أن يحاول الإنسان أن يكون مرتاحاً، ولا شك أن القراءة التي بعد النوم والراحة أفضل من القراءة في حال النعاس، وإذا الإنسان يحتاج نظارة يقيس له نظارة، القراءة في ضوء النهار أفضل من القراءة في الضوء الاصطناعي.
وكذلك القراءة في النور الكافي، غير لما يكون  نور خافت جداً فإنه يتعب البصر، بحيث يكون وضع الضوء بحيث لا يلقي ظلاً على الكتاب، أو انعكاساً على صفحاته، فترتد على العين فتؤذيك.
ويستحسن أن يمسك الكتاب بحيث أن الضوء يقع عليه بشكل متساوٍ.
والنصيحة العامة في طريقة مسك الكتاب التي ذكرها بعض أهل الخبرة في هذا المجال أن يكون الظهر مستقيماً، لا هو منحني ولا هو راجع للخلف، والكتاب في مستوى وسط الجسم مرفوعاً بزاوية خمس وأربعين درجة تقريباً، والرأس مائل إلى الأمام قليلاً، بحيث تكون المسافة بينك وبين الكتاب 30سم تقريباً.
طبعاً هذا وضع ذكره أهل الخبرة أنه وضع مثالي، لكن لا يعني أنك لا بد أن تقرأ على هذا الوضع، وإذا ما تستطع لا تقرأ.
علماؤنا كانوا يقرؤون في ضوء القمر -رحمهم الله-.
وكانوا يقرؤون على ضوء السراج والشمعة.
ويقرؤون وهم في حالة الجلوس.
ويقرؤون في القيام.
ويقرؤون وهم يمشون.
ويقرؤون وهم مضطجعون.
ولكن الإنسان يحرص على أن يلتزم الوضع المريح، حتى يستطيع أن يستمر فترة أطول؛ لأن بعض الناس يجلس بكيفية خطأ ثم تؤلمه رجله فيترك القراءة، أو تؤلمه رقبته فيترك القراءة، أو تؤلمه عيناه فيترك القراءة.
السبب أن طريقته في القراءة غير صحيحة.
انظر إلى تصميم المكتبات العامة تجد أن مكان الجلوس فيه حواجز من اليمين واليسار والأمام، معناها: أن الشخص عندما يقرأ ينبغي أن يكون في مكان هادئ، بعيد عن الضجيج والأصوات، وبعيد عن المناظر، يعني الصور البراقة، الألوان الزاهية، المناظر المتحركة، الروائح الفائحة، كروائح الطبخ.
كذلك عدم تلبية المقاطعات والشواغل أثناء القراءة، مثل إجابات جميع الهواتف الهامة وغير الهامة، واستقبال كل طارق على الباب وكل نداء، إلا ما كان مهماً مثل نداء الوالدين فلا بد من إجابتهما.
طبعاً الكفرة يقولون: الموسيقى الهادئة تساعد على القراءة، هم يقولون: إنها تساعد على حلب البقر الهولندي، لكن أما أنها تساعد على القراءة، لا حول ولا قوة إلا بالله!
وبالمناسبة نحن نقول أيضاً: ليس المقصود أنك تستبدل وتفتح القرآن وتقرأ، القضية ترى فيها حرجاً، أنك تلهو، أن يصير فقط اللحن وأنت تقرأ في شيء ولا تنصت للقرآن.
أسباب الخطأ في الفهم أثناء القراءة:
010:06:00
 أما بالنسبة لأسباب الخطأ في الفهم أثناء القراءة، فهي من الأشياء المهمة جداً، ولعلنا نوجزها لكم فيما تبقى من الوقت، لماذا نقرأ ونخطئ في الفهم؟ لماذا نقول قال: يا أخي في الكتاب، قال هذا في الكتاب، ثم نراجع الكتاب نجد شيئًا آخر لماذا يحصل؟
أحياناً عدم فهم المراد من العبارة، مثلاً: واحد قرأ حديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يسق بمائه زرع غيره [رواه الطبراني في الكبير: 4482، وابن أبي شيبة في مصنفه: 17460، وحسن الألباني في الإرواء: 2137] كان عنده بستان وعند جاره بستان، فيمر الماء من بستانه إلى بستان جاره، والحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق بمائه زرع غيره)) قطع الماء عن الجار، اشتكى وين هذا؟ قال: حديث، شف الحديث، تراجع...
يا أخي: ((لا يسق بمائه زرع غيره)) يعني: لا تدخل بامرأة فيها حمل من زوج سابق، وتدخل  أنت  ولما يتبين الحمل وتضع حملها، لا بد أن يستبرئ الرحم أولاً، براءة الرحم، لا تدخل ماءك على زرع غيرك.
وين المقصود الصحيح؟ وأين الذي فهمه الرجل؟
أحياناً يكون للكلمة أكثر من معنى، أو لها معنى في اللغة ومعنى في الشرع، فيقرأ الإنسان في كتب الفقه مثلاً: والعقل على كذا، ويش يعرف معنى العقل؟ العقل هذا، لكن في الفقه العقل هو من العاقلة والدية أثناء القتل، يعني هذا شيء آخر تمامًا  غير العقل الذي هو يفهمه.
أو مثلاً: الإسلام، كلمة: الإسلام يفهم منها الدين،  فيجد في بعض الكتب: ولا يجوز الإسلام في كذا.. ويجوز الإسلام في كذا.. وإذا أسلم في خمسة دنانير وكذا فيصح الإسلام، كيف هذا الكلام؟
طبعاً المقصود بالإسلام الذي هو بيع السلم، نوع من أنواع البيوع.
أحياناً تكون عنده أفكار خاطئة سابقة، خلفية سابقة خاطئة تجعله يحمل الكلام المقروء على غير الوجه الصحيح بسبب الخلفية الغلط، مثلاً: أحياناً المفوض والأشعري يقرأ كلام ابن تيمية يقول: أوه هذا يؤيد مذهبنا، لأن فكرته خطأ هو، فهو سيحمل كل كلام يقرؤه على هذه الخلفية.
وبعض الناس من أسباب عدم الفهم: أنهم لا يكملون القراءة للأخير، لا بد من إكمال المقروء، بعض الناس يقول: إن اللبيب بالإشارة يفهم، أول ثلاثة كلمات، خلاص، الباقي واضح.
طيب أكمل العبارة، أكمل الفقرة، اكمل المقطع.
أحيانًا واحد يقرأ  أول الآية فيقول: يقصد الآية الفلانية ويترك مع أنه يقصد الآية الأخرى فيهما تشابه في البداية.
وكثيراً ما نراجع في معلومات ونؤكد أنا قرأناها بشكل صحيح، ويقول الإنسان: يا أخي أنت متأكد؟ يقول: نعم متأكد أني قرأتها في الكتاب الفلاني، نراجع ونتبين خلاف المقصود.
فلا بد إذاً من التوثق والمقارنة، كل ما أشكل شيء نرجع إلى الأصل، وهكذا..
أحياناً تكون صياغة المؤلف قصيرة جداً أو مختصرة، فتحتاج إلى تركيز في القراءة، وهذا شأن علمائنا، وقد يكون الكلام طويلاً متداخلاً يحتاج إلى تحليل، وحذف الأشياء الزائدة، وترتيب العبارات من جديد لتفهم.
أحياناً يقول العالم: أولاً... ثانياً... وبعد ذلك يستطرد وبعد عشرين صفحة يقول: ثالثاً، فينبغي أن يكون القارئ متابعاً، لا يفقد الخيط.
وهذا الخطأ في الفهم يؤدي إلى مشاكل؛ منها: نسبة الكلام إلى غير قائله.
ومنها: تعميم الخاص، يكون الكاتب يقصد شيئاً معيناً، العالم يقصد شيئًا معينًا، يقول: يقصد في كل الحالات الأخرى.
أحياناً فهم شيئاً أنقص مما قصده المؤلف، وأحياناً يفهم خطأً أن هذا هو رأي المؤلف ولكن ليس كذلك.
بعض الناس من المشاكل التي يقعون فيها يفتح الكتاب من منتصفه ويقرأ، مثلاً: مجموع الفتاوى لابن تيمية، يقرأ من منتصفه كلاماً في العقيدة، يا أخي! هذا غريب غير عقيدة أهل السنة والجماعة، لكن ما دام أنه ابن تيمية يقول ثم يقفل الكتاب، ثم بعد ذلك ينسبه لابن تيمية في المجالس وقال ابن تيمية، وبعد المراجعة يتبين أن ابن تيمية -رحمه الله- نقل هذا عن مبتدع من المبتدعة، كلامًا طويلاً جداً ثم بدأ يرد عليه، وصاحبنا فتح من منتصف الكتاب، فقرأ كلام المبتدع كله وقبل أن يرد عليه ابن تيمية حدث أقفل الكتاب، ويقول: قال ابن تيمية، وهذا يحدث كثيراً، ويظلم العلماء بنسبة كلام إليهم لم يقولوه.
من الأشياء التي تساعدك على فهم الكلام إذا قرأت مثلاً أدلة الأمور ثم أراد أن يذكر الحكم: أغلق الكتاب، ثم حاول أن تستنبط ماذا سيقوله الكاتب أو المؤلف أو العالم، حاول تفكر في المقدمات وتستنبط النتيجة، ثم افتح وقارن ما فكرت فيه وما استنبطته بما كتبه العالم، هذا يساعد على تمرين الذهن للفهم، وخصوصاً في المسائل الفقهية.
ومن الأمور التي تسبب سوء الفهم أثناء القراءة: الدخول في الكتاب بدون قراءة المقدمة، ويقول: الناس يريدون الزبدة، مع أن الزبدة أحياناً جزء كبير من الزبدة موجود في المقدمة، مثال: المصطلحات، أعطيكم مثالاً واحداً: يفتح تقريب التهذيب لابن حجر يقول: فلان من الطبقة التاسعة، مات سنة إحدى وسبعين، ماذا سيفهم؟
مات سنة إحدى وسبعين هجرية، مع أنه إذا رجع إلى مقدمة الكتاب سيجد ابن حجر يقول: وذكرت وفاة من عرفت سنة وفاته منهم، فإن كان من الأولى والثانية -عرف الطبقة الأولى والثانية، طبعاً  وهو عرف الطبقة الأولى والثانية- فهم قبل المائة، وإن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة، فهم بعد المائة، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات، فهم بعد المائتين، فلما يقول ابن حجر: من التاسعة مات سنة إحدى وسبعين، ما معناها؟ مائتين وإحدى وسبعين، خلاص ما يكرر، ويقول: من التاسعة مات سنة مائتين وإحدى وسبعين، خلاص ذكر في البداية، فالذي لا يعرف مصطلح العالم لا يعرف ماذا يقصد بالكلام.
مثلاً الرموز: "خ" البخاري ، "م" مسلم، "ت" الترمذي ، "ن" النسائي، "هـ" ابن ماجه، أحياناً هذه الرموز تختلف من مصنف إلى آخر، بعضهم "ق" متفق عليه، وبعضه يقول: "ق" ابن ماجه مثلاً.
أحياناً يختلف من كتاب إلى آخر لنفس المصنف.
وعلى أقل الأحوال لو أن الإنسان يعني ما فاته مصطلحات، ستفوته فوائد من عدم قراءة المقدمة، وإن لم يقع في أخطاء، كمثل أنه لا يعرف ما معنى سكوت ابن حجر على حديث في كتاب: تلخيص الحبير، إيش معناه؟ إذا أنت ما قرأت المقدمة، وعرفت أن ابن حجر يقول: إذا سكت عنه، يعني ما قلت شيء بعده، يعني: أنه حسن، لا يمكن أن تعرف درجة الحديث، خلاص ذكره ابن حجر وما قال شيئاً.
وبعض الناس يقولون: إيش معنى: نا، ثنا، أنا؟ يقول: هذا كل شوية يقول: أنا فلان، أنا فلان، يقول: ما شاء الله الرواة يعرفون بأنفسهم، والمقصود أنا، يعني: أنبأنا، ثنا: حدثنا، اختصارات.
وأحياناً يحتاج القارئ أن يقرأ كتاباً آخر ليعرف طريقة مؤلف أو كتاب، مثل صحيح البخاري ، العلماء استقرؤوا منهج البخاري ووضعوه في كتب.
وبعض كتب الفقه لها مصطلحات مثلاً: مغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام لابن عبيدان الحنبلي، هذا إذا قال: اتفقوا معناه يقصد الأئمة الأربعة مثلاً.
أحياناً إذا قال: اتفقت يقصد ثلاثة إلا فلاناً.
أحياناً إذا قال: اتفقا يقصد فلاناً وفلاناً، بس ما هو  دائماً، ما يقول هذا، خلاص أنت لازم أن تعرف ذلك، وقد ذكر لك الاصطلاح في البداية.
ما معنى قول الترمذي: "حسن صحيح؟" ما معنى قوله: "حديث غريب؟".
وما هو مصطلح البغوي في المصابيح؟
المنذري في الترغيب والترهيب له مصطلح معين يدل على درجة الحديث، يقول عن وروي، بعض الناس عندهم سطحية تسبب سوء فهم، وبعض الناس عندهم بعد نظر أكثر من اللازم فيتجاوز العبارة ويحمل العبارة ما لا تحتمل، وهكذا..
الانتباه للأخطاء المطبعية، والأخطاء في التشكيل من الناسخ أو من المطبعة يغير المعنى تماماً ويجعلك تفهم خطأ.
أحياناً يقع في السند، أحياناً يقع في الحديث، بعض الناس صحفوا في القرآن، مثال في الجامع لأخلاق الراوي عن محمد بن يونس الكديمي قال: حضرت مجلس مؤمل بن إسماعيل، فقرأ عليه رجل من المجلس: حدثكم سبعة وسبعين، الآن من زمان الكلمات كانت تكتب من غير نقاط، فمثلاً: كلمة "سبعة" ما فيها نقطة عند الباء، ولذلك كان من أول القراءة هذه لها خبرة، والسين لها طريقة، والباء لها طريقة، والتاء لها طريقة حتى يدل على أنها تاء، ما كان في تنقيط، التنقيط ظهر فيما بعد، اعطني الحديث الذي حدثك فيه سبعة وسبعين، فقال مؤمل وهو العالم الجليل، ضحك: كيف حدثكم سبعة وسبعين، فضحك، وقال: الفتى من أين؟ قال: من أهل مصر، فقال: حدثنا شعبة وسفيان، لكن هذاك قرأ شعبة: سبعة، وسفيان، من زمان  كانت تكتب من زمان مثل سفين ما كان يكتب الألف، كانت  الألف شيء بسيط فوق.
وعن الفضل بن يوسف الجعفي قال: سمعت رجلاً يقول لأبي نعيم : حدثتك أمك عن فلان، عن فلان، أمك إيش أمك؟ ماذا يقصد ؟ يقصد راوي اسمه: أمي الصيرفي، فقرأها هذا "أمي" وقال: حدثتني أمي، أعطني الحديث حدثتني أمك عن فلان، فقال: سنينك، سنينك متى كانت أمي تدخل يدها في جرة العسل.
وعن أبي العيناء قال: حضرت مجلس بعض المغفلين، فأسند حديثاً قدسياً، فقال: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن جبريل، عن الله، عن رجل، فقال: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله؟ عز وجل كيف! فأخذ الكتاب ففحصه، فوجد أن قوله: عن الله، عن رجل، طلعت عز وجل، لكن عز الزاء صارت من  فوق شوية طويلة صارت عن، "وجل" الواو صارت راءً.
وبعضهم كان لا يحلق يوم الجمعة، لماذا؟ قال: نهى رسول اللهﷺ عن الحلق يوم الجمعة، كيف عن الحلق يوم الجمعة؟ قرأ حديث: "نهى عن الحِلَق يوم الجمعة" [رواه أحمد: 6676، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"] يعني الناس لا يتحلقوا قبل الصلاة، حتى لا يقطعوا الصفوف في صلاة الجمعة، وحتى لا يلتهوا يعني يفوت غرض الخطبة والتهيؤ النفسي لها بالحلقات والأحاديث.
وجاء رجل إلى الليث بن سعد فقال: كيف حدثك نافع عن النبي ﷺ في الذي نشرت في أبيه القصة؟ قال: أعطني حديث الذي نشرت في أبيه القصة، هاتوا لي الآن أصلها إيش؟ إيش تتوقع؟  في الذي يشرب في آنية الفضة، فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم  فبدَّل ((يشرب في آنية الفضة)) نشرت في أبيه القصة.
وبعضهم صحف حديث: "صلَّى صلى اللهﷺ إلى عنزة" العنـزة هي حربة كانت تركز له فيصلي وراءها إذا صار في الخلاء، فقال: (ﷺ إلى عنـزة) جاء بعنـزة وحطها سترة.
وبعضهم عرف أنها عنـزة لكن جاء الخطأ من شيء ثانٍ، هذا الرجل اسمه: محمد بن مثنى العنزي من قبيلة عَنَـزَة، قال لهم يوماً: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنـزة قد صلى إلينا النبي ﷺ، فتوهم أنه صلى إلى قبيلته.
وأما التصحيف في القرآن مع الأسف فهو كثير، اجلس بجانب أي واحد من العامة واسمع قراءته لتسمع التكسير والتخبيط في القراءة، شيء عجيب، واحد فجعل السقاية في رجل أخيه، وهي في رحل أخيه، قال: في رجله، وهكذا..
سمع أعرابي إماماً يقرأ واحد قارئ قال رجل يقول: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ  [البقرة: 221] يعني: لا تتزوجوا المشركة حتى تؤمن: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا [البقرة: 221] إيش يعني تنكحوا المشركين لا تزوج بنتك أو أختك إلا لواحد مسلم، فالقارئ أخطأ، قال: ولا تَنكِحُوا المشركين حتى يؤمنوا، فقال الأعرابي: ولن ننكحهم حتى ولو آمنوا، كيف نكاح الذكر للذكر والرجل للرجل؟! قبحه الله لا تجعلوه بعدها إماماً فإنه يحل ما حرم الله. وهذا أعرابي جاء من البادية.
لذلك -أيها الإخوة- العلماء القدماء كانوا يضبطون، ما هو مثل المطابع الآن بالضمة والفتحة والكسرة، يقول: بفتح المثلثة، وكسر المعجمة، إيش المثلثة؟ أي: الثاء، المثناة الفوقية: التاء، بالموحدة، الباء أو النون، فيكتبون كتابة: بضم أوله، وفتح ثانيه، وهكذا..، حتى ما يحصل الخطأ في هذا.
ولذلك لا بد من الضبط والانتباه والتركيز والتثبت أثناء القراءة، وصف رجل رجلاً فقال: كان يغلط في علمه من وجوه أربعة: يسمع غير ما يقال له، ويحفظ غير ما يسمع، ويكتب غير ما يحفظ، ويحدث بغير ما يكتب، ما بقي شيء.
وإذا كتب لحان عن لحان صار الحديث بالفارسية، إذا جاء واحد يغلط ونقله، وجاء واحد نقل من نسخة الذي يغلط، وواحد يغلط مثله ضاعف الغلط ثانياً، ولذلك الناس الذين يشتغلون بالمخطوطات يهمهم المخطوطة الأصلية، حتى يتجنبوا تحريف النّساخ.
طرق القراءة وأنواعها:
01:23:08
 ومن طرق القراءة واحد يتساءل ويقول: هل نقرأ كل شيء عن شيء معين موضوع معين نقرأ فيه ونتوسع فيه في كل شيء أم نقرأ بعض الأشياء في كل شيء، وإلا نأخذ يعني نتفاً من كل موضوع؟ كيف نقرأ من هذه الجهة؟
نقول: طبعاً  كلاهما خطأ، في البداية لا بد أن يكون هناك قاعدة عند الشخص، فلا بد أن يكون عنده قاعدة في كل شيء يحتاجه، قاعدة في التفسير، وقاعدة في العقيدة، وقاعدة في الفقه، وقاعدة في التجويد، وقاعدة في الحديث والمصطلح، وهكذا..
ثم يتبحر الإنسان بحسب إقباله على هذا الفن وحاجته له ويتخصص فيه.
ولذلك ما في جواب واحد على هذا السؤال.
وأما بالنسبة لسرعة القراءة  كان علماؤنا -رحمهم الله- يقرؤون بسرعة.
كان ابن حجر يقرأ قراءة سريعة مركزة، كيف سريعة ومركزة؟
قرأ السنن لابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس، سوى مجلس الختمة في يومين وشيء، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس كل مجلس نحو أربع ساعات، وأسرع شيء وقع له أنه قرأ في رحلته الشامية، معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر، وهذا الكتاب مجلد يشتمل على نحو ألف وخمسمائة حديث.
وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس أربع ساعات، يقرأ على شيخ، حتى قراءة الضبط.
فالقراءة أنواع: قراءة دقيقة متأنية، يعني بمعدل مائة وخمسين كلمة إلى ثلاثمائة كلمة تقريباً في الدقيقة، هذه قراءة بدقة متأنية، لماذا؟ مثلاً الواحد مثلاً كلام مركز، أو واحد يريد أن يرد على كتاب، فلابد أن يقرأ بتؤدة شديدة.
القراءة السريعة بمعدل ثلاثمائة كلمة إلى ستمائة كلمة في الدقيقة مثل مراجعة الحفظ، قراءة الحدر.
وفي قراءة التصفح والاستعراض، أي: بواقع تقريباً ألف وخمسمائة كلمة في الدقيقة.
-طبعاً- يعني يشقح ألف وخمسمائة في الدقيقة؟! ما هو يقرأ ألف وخمسمائة كلمة.
مثل: يقرأ أول جملة من كل مقطع، يقرأ أسطراً معينة حتى يأخذ فكرة عن الكتاب قبل شرائه مثلاً، أو واحد مثلا مسؤول مكتبة يريد أن يعرف هل الكتاب جيد أو لا؟
الكتب كثيرة جداً، كيف يفعل؟
فيقرأ من كل صفحة، يأخذ مقاطع.
فيتحكم في سرعة القراءة أمور؛ منها: الغرض من القراءة، والخلفية عن الموضوع، بعض الناس يستطيع أن يسرع، وبعض الناس ما يستطيع، لماذا؟ واحد عنده خلفية، وواحد ما عنده خلفية، وهكذا..
هناك قراءة إطلاع، مثل واحد يقرأ الجرائد والمجلات، فهذه ما هي  قراءتها  مثل قراءة كتب العلم التي تكتسب فيها أشياء جديدة، وحتى قراءة كتب العلم تختلف من فن إلى آخر، فمثلاً: قراءة كتب الفقه ما هو مثل أصول الفقه، قراءة كتب التاريخ ما هو مثل قراءة كتب العقيدة، ولذلك يجب على الإنسان ألا يتأثر، المبتدئ يقول: والله فلان ينجز كتاباً في ساعتين أنا ما أنجزه إلا بعشر ساعات، فتتحطم معنوياته.
وإذا توسع عدد الكلمات التي يعرفها الشخص فإن قراءته تصبح أسرع، يتحكم في سرعة القراءة.
بعض الخبراء يقترح لزيادة سرعة القراءة أشياء، يقول: إذا كانت سرعة قراءتك أقل من مائة وخمسين كلمة في الدقيقة، طبعاً أنت اقرأ خمس دقائق ثم عد الكلمات، اقسم على خمسة يطلع سرعتك في الدقيقة كم كلمة، فإذا كان أقل من مائة وخمسين كلمة في الدقيقة معناها أنك بطيء في المواضيع العادية، فيقترح بعض الخبراء أن تقرأ خمس دقائق كل يوم لمدة شهر بأسرع ما تستطيع من غير أن تهتم بما فاتك من المعاني، مع مرور الزمن ستلاحظ أنك بدأت تفهم مع السرعة.
الحل الثاني: توسيع نطاق النظر، بإقلال زمن الوقف على رسم الكلمة الواحدة، بدل أن تقف هنا، ثم هنا، حاول أن تسرع في الانتقال من كلمة إلى الأخرى.
وثالثاً: عدم رفع الصوت، وعدم تكرار الكلمة ولو فاتك معناها، فإن الغالب أنك سوف تفهم من سياق الكلام لو ما فهمت.
هناك القراءة الجماعية، القراءة الجماعة مفيدة في أمور، أحياناً، مثلاً: ما لا تفهمه أنت قد يفهمه زميلك، ولذلك لما تكونون مجتمعين واحد يقرأ والبقية يستمعون قراءة جماعية، هذا مفيد من هذه الناحية، وبالعكس، ما قد لا يفهمه زميلك قد تفهمه أنت، بالإضافة أنه يشجع بعضهم بعضاً، بالإضافة للفوائد والاقتراحات المفيدة أثناء القراءة، إلى غير ذلك من الأسباب التي تولدها البركة في الاجتماع، لكن هناك شرط مهم جداً جداً في القراءة الجماعية وهو: الجدية؛ لأن كثيراً من الطلاب يجتمعون في المذاكرة فيضيع بعضهم وقت بعض، بالنكت والأضحوكات، والتسالي، وكل واحد يجيب شيء وشاي يدور وشاي يذهب وشاي يأتي، وضاع الوقت، فالقراءة الجماعية لها شروط حتى تنجح.
وأخيراً: عندما يكون -كما يحدث في الجامعات- هناك اثنان في الغرفة أو أكثر، عندما تقرأ أنت وزميلك في الغرفة، فلا بد من وضع معاهدة، ولو غير مكتوبة عن أوقات معينة يحترمها الطرفان، لا تنتهك إلا لمرض مفاجئ أو حريق لا سمح الله، وإذا كان جدول الشخصين متفق الواحد مع الآخر فإن هذا يسهل؛ لأن بعض الناس إذا جلس مع واحد في الغرفة كل واحد يضيع وقت الثاني، وأثر على النتيجة الدراسية، فلا بد من احترام أوقات المذاكرة من قبل الطرفين.
هذه -أيها الإخوة-: هذا بعض الأمور في كيفية القراءة.
والمسألة جهاد ومجاهدة وجد ومثابرة، وتوفيق من الله، لتستوعب وتفهم وتحفظ.
فإليه الملتجأ، وعليه التكلان، والله تعالى أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.