الثلاثاء 3 ذو الحجة 1439 هـ :: 14 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

طالب العلم والحفظ


عناصر المادة
مقدمة:
أهمية الحفظ لطالب العلم:
الأمور المساعدة على حفظ العلم:
التكرار للمحفوظات:
مذاكرة المحفوظات مع الإخوان:
العمل بما حفظ:
تعليم العلم ونشره:
المداومة على الحفظ ولو على القليل:
النية في الحفظ:
ترك المحرمات:
الإكثار من الطاعات:
الحجامة:
الأدعية والأذكار:
ذكر الله -عز وجل-:
رفع الصوت بالقراءة:
التمهل في القراءة:
حسن الاستماع لما يريد حفظه:
عدم إرهاق النفس بالحفظ:
التدرج وتقليل المحفوظ:
الاهتمام بالغذاء المناسب:
إصلاح المزاج:
السعي للتذكر:
افضل أوقات الحفظ:
الأماكن المناسبة للحفظ:
بعض النظريات الحديثة المتعلقة بالحفظ والذاكرة والنسيان:
المنهجية الصحيحة في الحفظ:
تميز المسلمين بقوة الحفظ وبعض النماذج في ذلك:
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلي وأسلم على عبده ونبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وصحبه والتابعين.
مقدمة:
00:00:17
 الحمد لله الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق: 5 - 4].
و  الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ [الأعراف: 43].
والحمد لله الذي جعل كتابه محفوظًا: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت: 42]، إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9].
فحفظ الله كتابه بأمور كثيرة، ومنها: صدور أهل العلم: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت: 49].
وحفظه بحفظ شرحه وبيانه في سنة نبيه محمد ﷺ لما ألهم أوائل هذه الأمة حفظ أحاديث النبي ﷺالتي تبين كلام الله.
وقد أنزل الله هذا الكتاب على أمة أمية، وهم العرب، الذين ما كانوا يعرفون القراءة والكتابة إلا في النادر.
وكانت معيشتهم في جو من الصفاء جعلت قرائحهم متقدة، وأذهانهم صافية؛ ولذلك كان الحفظ عليهم سهلاً، حتى إنهم كانوا يسمعون الخطبة والقصيدة الطويلة فيحفظون ذلك، وما روي أنهم استعادوا الخطيب والشاعر شيئًا من كلامهما، ولما صفت أذهانهم، وصحت أجسادهم، ونقاوة البيئة، وقلة الكتابة فيهم؛ كانت من العوامل التي ساعدت على شدة الحفظ، فأنزل الله الكتاب على تلك الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب، وهدى الله من العرب حملة كتابه ووراث نبيه الذين تلقوا عن النبي الكريم العلم فحفظوه، ثم أدوا ذلك كله إلينا بأمانة.
فرضي الله -تعالى- عنهم، وعمن نقل عنهم، ورضي الله عن الحفاظ الذين دونوا أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى وصلت إلينا كاملة، متقنة.
والحفظ من النعم التي أنعم الله فيها على الإنسان، ولو لم يكن الإنسان يحفظ لكان في حياته هم وصعوبة بالغة، ولكن الله أنعم علينا بهذه الذاكرة التي نحفظ بها.
إن موقع الحفظ في الدين موقع عظيم، ويكفي شرفًا الحافظ لكتاب الله أن الله جعله من أسباب حفظ كتابه، وأن الحافظ من أهل العلم.
ينبغي أن يضيف إلى علمه بحفظ الكتاب علمًا بفقه الكتاب.
وقد كان حفظ الكتاب وحفظ الحديث من العبادات العظيمة، والنبي ﷺ لما جاءه رجل يريد الزواج ولم يكن يملك ولا خاتمًا من حديد لم يأمره ﷺ بالاستدانة، وإنما قال له ميسرًا: ماذا معك من القرآن؟ لما طالب بالمهر وليس عند الرجل شيء، قال له عليه الصلاة والسلام في نهاية الأمر: ما معك من القرآن؟  قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا، عدها، قال: أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟  هذا الحفظ، قال: نعم، قال:  اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن [رواه البخاري: 5030، ومسلم: 5030]، فكان حفظه سببًا في تيسير زواجه.
والكلام في فوائد الحفظ كثير، ولكن قلنا: أن الحافظ له أجر عظيم، ويكفي في ميزاته: أن جسد الحافظ لا تمسه النار يوم القيامة، فإن القرآن إذا جعل في إهاب، وهو جلد الحافظ، نفس الحافظ التي بين جنبيه، لا تسمه النار، طالما كان قائمًا بأمر الله، فإن جسد الحافظ لا تمسه النار.
وحفظ بعض كتاب الله أيضاً له ميزات، فنحن نعلم حديث النبي ﷺ: من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من فتنة الدجال [رواه مسلم: 809].
وقد كان أصحاب النبي ﷺ يحفظون هذا الكتاب كما كان الله -عز وجل- قد يسر لنبيه حفظه: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة: 17 - 18].
وكان جبريل يراجع حفظ النبي ﷺ كل سنة، وفي السنة التي توفي فيها ﷺ راجع معه الحفظ مرتين.
وأما سنة النبي ﷺ فإن النبي قد ندب لحفظها، ومن أمثلة ذلك: ما أخرجه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه، في كتاب العلم، باب تحريض النبي ﷺ وفد عبد القيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم، ويخبروا من وراءهم؛ ولذلك جاء في الحديث: أنه علمهم شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن يعطوا من المغنم الخمس، ونهاهم عن أربع عن الحنتم، والدباء، والنقير، والمزفَّت، وفيها بعض الأواني إذا وضع فيها الشراب صار مسكرًا، وربما قال: المقيَّر، وقال:  احفظوهن، وأخبروا بهن من وراءكم [رواه البخاري: 53].
الشاهد: قوله ﷺ: احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم .
أما الحفظ فقد سأل مهنا -رحمه الله- أحمد: "ما الحفظ؟ قال: "الإتقان هو الحفظ".
وقال عبد الرحمن بن مهدي-رحمه الله-: "الحفظ الإتقان" [الآداب الشرعية، لابن مفلح: 2/119].
وسنبين -إن شاء الله- في هذا الدرس أموراً تتعلق بالحفظ؛ نظرًا لأهميته في طلب العلم، وطالب علم بغير حفظ لا يساوي شيئًا.
ولعلنا نتكلم -بإذن الله- عن أهمية الحفظ بالنسبة للكتابة.
وكذلك بعض الطرق والوسائل في الحفظ، والأمور المعينة على الحفظ، وأوقات الحفظ، وأماكن الحفظ.
وذكر بعض سير الحفاظ فيما يتعلق بالحفظ.
ونورد بعض الفوائد من النظريات الحديثة المتعلقة بالحفظ والذاكرة والنسيان.
أهمية الحفظ لطالب العلم:
00:09:33
  ينبغي لطالب العلم أن يكون جُل همته مصروفاً إلى الحفظ والإعادة، فلو صح صرف الزمان إلى ذلك كان الأولى، أهم شيء لطالب العلم أن يحفظ، غير أن البدن مطية، وإجهاد السير مظنة الانقطاع.
وكان الخليل بن أحمد -رحمه الله- يقول مبينًا أهمية الحفظ لطالب العلم: الاحتفاظ بما في صدرك أولى من درس ما في كتابك، واجعل كتابك رأس مالك، وما في صدرك للنفقة [الحث على طلب العلم، ص: 69- 70].
وقال عبد الرزاق -رحمه الله-: "كل علم لا يدخل معه صاحبه الحمام فلا تعده علمًا" [الجامع لأخلاق الرواي: 2/250]؛ لأن الصفحات والكتب التي فيها ذكر الله لا يمكن أن تدخل الحمام، لكن الحفظ الذي يكون في صدر الحافظ يذهب معه في كل مكان.
وقال هبة الله البغدادي:
علمي معي أينما همت يتبعني ***بطني وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم معي ***  أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقال عُبيد الله الصيرفي:
ليس بعلم ما حوى القمطر *** ما العلم إلا ما حواه الصدر
وقال ابن شبيل الأزدي:
أأشهد بالجهل في مجلس *** وعلمي في البيت مستودع
إذا لم تكن حافظا واعيًا *** فجمع للكتب لا ينفع
[الجامع لأخلاق الراوي: 2/250- 251].
فبعض الناس يكثرون من شراء الكتب، وترى كثيرًا من الشباب إذا صارت الفرصة في معارض الكتاب اشتروا الكتب، وهذا أمر مهم، لا يمكن التزهيد فيه، أن يحوي المراجع عنده، ويشتري من الأمهات والكتب المهمة، والرسائل النافعة، ما يعينه على الطلب، والبحث.
ولكن الأهم من هذا كله هو الحفظ.
وبعض الأغبياء يهونون من أمر الحفظ، فإذا رأوا شخصًا حفظ صحيح البخاري مثلاً، قالوا: وماذا استفادت الأمة لما زادت نسخة من صحيح البخاري؟!
فهؤلاء ما علموا أهمية الحفظ، ولا فائدة الحفظ.
الحفظ هو الذي يجعل العلم في صدرك فتستفيد منه، فإذا احتجت إليه كان معك، في تعليم، في دعوة، في نصيحة، في فتوى، العلم معك، حتى في تحضير الدروس، وعدد من العلماء الكبار لا يحضرون الدروس؛ لأن العلم في صدورهم محفوظ، ومن العلماء المعاصرين الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله- لم يكن يحضر دروسه مطلقًا؛ لأن العلم في صدره مستودع، ومتى احتاجه وجده؛ لأنه في صدره، لو كان في سفر ليس معه مكتبته ولا مراجع، عنده العلم في صدره.
والحفظ كما لا يخفى أمر صعب، قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار له؛ خصوصًا تكرار ما ليس في تكراره وحفظه حظ، مثل مسائل الفقه، بخلاف الشعر والسجع، فإن لها لذة في إعادته وإن كان صعبًا؛ لأنها تلتذ به مرة ومرتين، فإذا زاد التكرار صعب عليها، ولكن دون صعوبة الفقه وغيره من المستحسنات عند الطبع فتراها النفس تخلد إلى الحديث، والشعر، والتصانيف، والنسخ؛ لأنه يمر بها كل لحظة ما لم تره" هناك تجديد "فهو في المعنى كالماء الجاري؛ لأنه جزء بعد جزء" [صيد الخاطر، ص: 274- 275].
لكن الحفظ هو: إعادة شيء موجود، قد لا يشعر الشخص وهو يعيد بشيء جديد، وهنا يكون هذا من أسباب الملل، وهذا مما يبين صعوبة الحفظ.
ولكن على أية حال: الحفظ لا يأتي إلا بالمران، ومجاهدة النفس، قال الزهري-رحمه الله-: "إن الرجل ليطلب وقلبه شعب من الشعاب" يطلب العلم وقلبه شعب صغير "ثم لا يلبث أن يصير واديًا، لا يوضع فيه شيء إلا التهمه".
أول الحفظ شديد يشق على الإنسان، فإذا اعتاده سهل عليه.
وكان العلماء يقولون: "كل وعاء أفرغت فيه شيئًا فإنه يضيق إلا القلب، فإنه كلما أفرغ فيه اتسع".
وقال بعض أهل العلم: "كان الحفظ يثقل عليّ حين ابتدأت، ثم عودته نفسي إلى أن حفظت قصيدة رؤبة:
وقاتم الأعماق خاو المخترق *** .......................
قال: حفظتها في ليلة، وهي قريب من مائتي بيت [الحث على طلب العلم، ص: 71].
وكانت هذه انطلاقة.
الأمور المساعدة على حفظ العلم:
00:15:15
 التكرار للمحفوظات:
00:15:15
 ومن أعظم الأمور التي تساعد على الحفظ؛ بل هي السبب الحقيقي في الحفظ، بل لا يوجد سبب يفوقه أصلاً، التكرار.
لا شك في ذلك مهما حاولت أن تأتي بوسيلة أو سبيل للحفظ لا يمكن أن تأتي بأعظم ولا أحسن ولا أفضل ولا أشد أثرًا، ولا أعظم مردودًا من التكرار.
التكرار هو الحفظ، هو الوسيلة الحقيقية للحفظ.
وتكرار المحفوظ هذا هو السبب الحقيقي، والإعادة على النفس، حتى يحصل الإتقان، وهكذا كان العلماء، يقرؤون المرات الكثيرة، يعيدون مرارًا وتكرارًا، حتى يحفظوا، قال بعضهم: "سمعت صائحاً يصيح: والأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، والأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ساعة طويلة فكنت أطلب الصوت إلى أن رأيت ابن زهير وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/267].
وعن معاذ بن معاذ قال: "كنا بباب ابن عون فخرج علينا شعبة وقد عقد بيديه جميعاً فكلمه بعضنا، فقال: لا تكلمني فإني قد حفظت عن ابن عون عشرة أحاديث أخاف أن أنساها" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1/238]، فهو لا يزال يعيد ويكرر حتى يحفظ.
وكان أبو إسحاق الشيرازي يعيد الدرس مائة مرة. إذا أراد أن يحفظ درسًا أعاده مائة مرة.
وكان الكيا من فقهاء الشافعية يعيد سبعين مرة.
وكان الحسن بن أبي بكر النيسابوري يقول: لا يحصل الحفظ لي حتى يعاد خمسين مرة [الحث على حفظ العلم، لابن الجوزي، ص: 43 - 44].
لابد من الإعادة، لا تفكر يا طالب العلم بأن تأتي بوسيلة أخرى غير التكرار والإعادة، مهما اجتهدت وطلعت ونزلت وبحثت ونقبت لا يمكن أن تأتي بوسيلة للحفظ غير الإعادة والتكرار.
قد تختلف وسائل الإعادة والتكرار، لكن يبقى الأصل هو الإعادة والتكرار، ولما سئل البخاري-رحمه الله تعالى- عن سبب حفظه، قال كلامًا معناه: لم أجد أنفع من مداومة النظر، إعادة ومداومة النظر هو سبيل الحفظ.
وحكي أن فقيهًا أعاد الدرس في بيته مرات كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد والله حفظته أنا؟ فقال: أعيديه؟ فأعادته، فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز أعيدي ذلك الدرس؟ فقالت: ما أحفظه، قال: أنا أكرر عدد الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك [الحث على طلب الحديث، ص: 44].
فلابد من إعادة الكلام مرارًا وتكرارًا، هذا هو سبب الحفظ.
وكلما كان التكرار أكثر ثبتت قاعدة الحفظ، فلا يحتاج إلى أوقات أخرى لاسترجاعه عند النسيان.
التأسيس البطيء الذي يكون فيه التكرار الكثير قاعدة للحفظ.
ثم لابد من المراجعة المستمرة بين الحين والحين؛ لأنهم قالوا: إن القلوب تربٌ، والعلم غرسها، والمذاكرة ماؤها، المراجعة المذاكرة، فإذا انقطع عن الترب ماؤها جف غرسها.
لا بد من الإعادة والمراجعة؛ ولذلك، فإن النبي ﷺ قال: تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها [رواه البخاري: 5033، ومسلم: 791] أشد هربًا من صدور الرجال  من الإبل في عقلها  أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم في عقلها، يعني: الإبل التي تحاول دائمًا التفلت؛ ولذلك: تعاهدوا القرآن يعني: دائمًا كرر وراجع، هذا هو الحفظ.
وكان بعضهم لا يخرج كل غداة حتى ينظر في كتبه، ويتعاهد المحفوظ دائمًا.
ومراجعة الحفظ السابق أولى من حفظ شيء جديد؛ لأن المحافظة على رأس المال أولى من جلب الأرباح.
وقال الخليل بن أحمد: "تعهد ما في صدرك أولى بك من تحفظ ما في كتبك" [الجامع لأخلاق الراوي: 14].
ولذلك بعض العلماء كان لهم أوقات مراجعة لا يخرج لأحد، ولا يسمح لأحد أن يأتي إليه، ولا يعطي موعداً أبدًا في وقت المراجعة، من السابقين واللاحقين، ومن المعاصرين على سبيل المثال الشيخ علي الزامل النحوي اللغوي، العلامة في القصيم، له بعد الفجر وقت يومياً يراجع فيه حفظه من القرآن، وهو ضرير، ومعه رجل ضرير آخر، يراجع معه، ولا يمكن أن يقبل موعداً أو درساً في هذا الوقت؛ لأنه وقت مراجعة.
مذاكرة المحفوظات مع الإخوان:
00:21:11
 ومن الأمور المهمة في الحفظ: مذاكرة المحفوظات مع الإخوان، المذاكرة مع الأصحاب، قيل: إن ابن عباس كان يقول: يا سعيد، اخرج بنا إلى النخل، ويقول: يا سعيد حدث، فأقول: أحدث وأنت شاهد؟ قال: إن أخطأت فتحت عليك [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 5/269].
قال إبراهيم-رحمه الله-: "إنه ليطول عليّ الليل حتى ألقى أصحابي فأذاكرهم" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 5/269].
يشتاق إلى أصحابه لكي يتذاكر معهم العلم، يقرأ عليهم، ويقرؤون عليه، يسرد عليهم، ويسردون عليه.
والتسميع، وكانوا أيضاً في هذه التسميعات، وهذا السرد المزدوج، كان بعضهم ينبه بعضا على أشياء، ويمتحن بعضهم بعضًا في أشياء، قال أبو بكر بن أبي داود لأبي علي النيسابوري الحافظ: يا أبا علي، إبراهيم عن إبراهيم عن إبراهيم من هم؟" هناك سند فيه إبراهيم ثلاثة وراء بعض من هم؟ فقال: "إبراهيم بن طهمان، عن إبراهيم بن عامر البجلي، عن إبراهيم النخعي، فقال: أحسنت" [سير أعلام النبلاء: 16/55].
وينبغي للعاقل أن يكون جل زمانه للإعادة؛ خصوصًا الصبي والشاب، فإنه يستقر المحفوظ عندهما استقرارًا لا يزول.
وكان من فعل بعض السلف في إعادة العلم ما يلي، وعلى رأسهم الزهري-رحمه الله-، روي عن الزهري: أنه كان يرجع إلى منزله وقد سمع حديثًا كثيرًا فيعيده على جارية له، من أوله إلى آخره كما سمعه، ويقول لها: إنما أردت أن أحفظه.
وكان غيره يعيد الحديث على الصبيان، يجلسهم في الطريق، ويسرد عليهم حفظه؛ لأجل الاسترجاع، إذا ما لقي أصحاب يحفظ معهم يسرد على النساء والصغار.
العمل بما حفظ:
00:23:38
 ومما يعين على الحفظ: العمل بما تحفظ، وهذا من أهم الأمور، هذا ثمرة العلم، ما هو ثمرة العلم؟ العمل به؛ ولذلك فإن الله -عز وجل- نبهنا على العمل مرارًا في القرآن الكريم، وأخبر أن العاملين هم الناجون الفائزون يوم الدين، وأن الإثم في ترك العمل بالعلم.
وقد تواترت على ذلك الآيات والأحاديث والشواهد الكثيرة في أهمية العمل بالعلم، وألف العلماء، وصنفوا في اقتضاء العلم العمل.
ولا شك أن العمل بالعلم يزيد الحفظ، استعمال الآثار، وتوظيف السنن، الإمام أحمد-رحمه الله- ما كان يضع حديثًا في مسنده إلا ويعمل به، حتى أنه احتجم وأعطى الحجام دينارًا؛ لأجل فعل النبي ﷺ.
وكان إسماعيل بن إبراهيم بن مجمع بن جارية، يقول: "كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/258]، فإذا عملت بالعلم كان ذلك سببًا عظيمًا من أسباب الحفظ.
تعليم العلم ونشره:
00:25:07
 ومن أسباب الحفظ: تعليم العلم للناس، ونشره بين الناس، وقد قدمنا قبل قليل قصة ابن شهاب الزهري -رحمه الله-: أنه كان يسمع العلم من عروة وغيره فيأتي إلى جارية له وهي نائمة فيوقظها، فيقول: اسمعي، حدثني فلان كذا، وفلان كذا، فتقول: ما لي ولهذا الحديث، فيقول: قد علمت أنك لا تنتفعين به، ولكن سمعته الآن فأردت أن استذكره.
وكان الزهري  يجمع الأعاريب فيحدثهم، يريد أن يحفظ [الجامع لأخلاق الراوي: 2/268].
الداعية إلى الله إذا حفظ العلم، فإنه يؤديه إلى الناس، وتعليم الناس، هذا زكاة العلم، تبليغه إلى الناس.
وكلما بلغته كلما رسخ في ذهنك؛ لأن التبليغ هو نوع من التكرار والإعادة؛ ولذلك العلماء الذين يفتون الآن يحفظون أدلة الفتاوى من أسباب حفظهم للأدلة رغم تقدم أسنانهم: أنهم كثيرًا ما سردوه على مسامع الناس، لقد ألقوه إليهم، وسئلوا فأجابوا، فمن كثرة الإلقاء والإجابة على الأسئلة رسخ العلم في الأذهان.
المداومة على الحفظ ولو على القليل:
00:26:35
 ومن القواعد المهمة في الحفظ: المداومة ولو على القليل، ولعل من الحكمة في نزول القرآن منجمًا مفرقًا ولم ينزل جملة واحدة أنه أثبت في الحفظ، حفظ النبي ﷺ قال الله -عز وجل-: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا [الفرقان: 32].
وكانت طريقة الصحابة -رضي الله عنهم- أخذ عشر آيات يحفظونها، ويفقهونها، ويعملون بها، ويأخذون العشر التي تليها، وهكذا..
وتعلم ابن عمر البقرة في ثمان سنين.
وقيل: غير ذلك.
قال حماد بن أبي سليمان لتلميذ له: "تعلم كل يوم ثلاث مسائل، ولا تزد عليها" [الفقيه والمتفقه: 2/201].
وكان أحمد بن الفرات لا يترك كل يوم إذا أصبح أن يحفظ شيئًا، وإن قل.
فإذًا -يا إخواني- لا بدّ من المداومة على الحفظ؛ لأن بعض الناس، قد يحفظ أياماً، ويترك شهوراً، يترك أسابيع بدون حفظ.
وهذه الذاكرة كلما استمر المران كلما ازدادت قابليتها للحفظ أكثر، وإذا تركتها انكمشت؛ ولذلك فإن المداومة مهمة، والمداومة أصل من أصول الشريعة، المداومة على الأعمال الصالحة؛ كما جاء في حديثهﷺ: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل [رواه مسلم: 2818].
وإذا كان ما جمعته من العلم قليلاً، وكان حفظك له ثابتًا كثرت المنفعة به، ولو كان قليلاً.
ولو قرأت أشياء كثيرة جداً، أنهيت كتباً، لكن المحفوظ قليل قلت المنفعة، مهما كانت قراءتك واسعة، إذا كانت هذه القراءة غير محفوظة قلت المنفعة، ولو كان الشيء الذي اطلعت عليه قليلاً لكنه محفوظ متقن، فإن المنفعة كبيرة.
النية في الحفظ:
00:29:02
 ولا شك أن من أكبر الأسباب المعينة على الحفظ، وينبغي البدء به، ولكن حتى لا نكون في شيء من التكرار الذي يقلل أهمية هذا الأمر أحيانًا، فنقوله الآن وهو: النية في الحفظ.
ما هي النية؟ هل هي المباهاة؟ هل هي لمناقشة العلماء وإظهار العلم، أو مماراة السفهاء، أو أن تصرف وجوه الناس إليك؟
إن كانت هذه هي النية، فالنار فالنار، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وكلما كان الإنسان أخلص لله كان حفظه أفضل، وأشد بركة، قال ابن عباس: "إنما يحفظ الرجل على قدر نيته" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/1780].
ترك المحرمات:
00:30:15
 ومن الأمور المهمة في الحفظ: الصلاح، وترك المحرمات، سأل رجل مالك بن أنس -رحمه الله-: يا أبا عبد الله هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/258].
وهذا معنى الأبيات التي تنسب إلى الشافعي-رحمه الله-:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي*** فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم فضل *** وفضل الله لا يؤتاه عاصي
[الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/258].
ولهذين البيتين ألفاظ كثيرة.
فالمعاصي كما ذكر ابن القيم -رحمه الله- تذهب العلم، وتنسي المحفوظات؛ لأن المعصية لها شؤم، وشؤم المعصية ينعكس على العلم المحفوظ، وعدد من الناس حفظوا كتاب الله ثم نسوه، من أسباب نسيانهم لآيات كثيرة من كتاب الله أي شيء؟
المعصية: فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد: 16].
ولما قست القلوب ذهبت الأشياء المحفوظة، وضيع اليهود والنصارى كتاب الله بالمعاصي، وقد أوكل حفظه إليهم: بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ  [المائدة: 44]، فضاع.
وكان من عقاب الله لهم ضياع هذه الكتب منهم بسبب معاصيهم.
وقد ذكر الله هذا في كتابه؛ ولذلك كلما كان الطالب أتقى لله كان حفظه أحسن.
وقد يوجد نماذج من العصاة يحفظون، ولكن حفظهم لا بركة فيه، وقد يكون حفظهم من باب الاستدراج لهم، ولا تجد فيه نفعًا، لكن أهل التقى حفظهم نافع، مبارك.
الإكثار من الطاعات:
00:32:39
 ومن أسباب الحفظ: الطاعات؛ صلاة الليل، وقراءة القرآن من أسباب الحفظ، حتى قال بعض العلماء: ليس شيء أزيد للحفظ من قراءة القرآن نظرًا، فقد جاء في الحديث الحسن: من سره أن يحبه الله ورسوله فليقرأ في المصحف [رواه البيقهي: 2027، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 2342].
فالقراءة في المصحف نظر وغيب وتدبر هذه من الأشياء المعينة على الحفظ.
ولاحظ أن الحافظ لكتاب الله يسهل عليه حفظ ما بعده.
حفظ القرآن يسهل ويذلل الصعوبات في الحفظ؛ لأن الإنسان إذا جمع القرآن وتذلل لسانه بهذه الآيات، والله ييسر هذا الأمر:  وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ [القمر: 17] فإن حفظ ما بعد القرآن يسهل بسبب حفظ القرآن. ومن أسباب الحفظ: التقلل من الدنيا، وأنتم تذكرون أن أبا هريرة -رضي الله عنه- كان متقللاً من الدنيا، وكان ذلك من أهم أسباب حفظه، حتى عدها ابن حجر -رحمه الله- فائدة في حديث أبي هريرة قال: وفيه أن التقلل من الدنيا أمكن للحفظ.
فإذًا، ترك المعاصي، وفعل الطاعات من أسباب الحفظ.
وفعل المعاصي من أسباب نسيان العلم، وقال عبد الله: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم بالخطيئة يعملها" [الزهد، لأحمد، ص: 129].
قيل لسفيان بن عيينة: بم وجدت الحفظ؟ قال: بترك المعاصي.
الحجامة:
00:34:37
 ومن الأسباب التي وردت في الأحاديث للحفظ: الحجامة؛ كما جاء في الحديث الحسن عند ابن ماجه والحاكم وابن السني وأبي نعيم مرفوعًا من حديث ابن عمر: الحجامة على الريق أمثل، وفيها شفاء وبركة، وتزيد في الحفظ وفي العقل [رواه ابن ماجه: 3487، والحاكم: 7481 وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة: 766].
والحجامة مؤكد عليها في الشريعة، حتى قال النبي ﷺ: ما مررت على ملأ من الملائكة في المعراج إلا وأمروني أن آمر أمتي بالحجامة، وأوصي أمتي بالحجامة [رواه الطبراني: 3176، وصححه الألباني في الجامع الصغير: 9600].
فالحجامة من الأشياء التي تزيد الحفظ نعم ليست هي كل شيء أو بعض الناس يفكر أنه لو احتجم اليوم غداً يحفظ صحيح البخاري، طبعًا هذا لا أساس له، لكن قال ﷺ: وتزيد في الحفظ  تزيد، قال: فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واجتنبوا الحجامة يوم الجمعة ويوم السبت ويوم الأحد، واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء، فإنه اليوم الذي عافى الله به أيوب من البلاء، واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء فإنه اليوم الذي ابتلي به أيوب" إلخ.. هذا الحديث الذي حسنه الألباني، ورواه ابن ماجه وغيره كما قدمنا.
الأدعية والأذكار:
00:36:16
 ومن أسباب الحفظ العظيمة: الأدعية والأذكار، وقد قال النبي ﷺ:  ماء زمزم لما شرب له [رواه ابن ماجه: 3062، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 883].
وقد شرب عدد من العلماء ماء زمزم وهم يدعون الله أن يعطيهم حافظة قوية، وشرب ابن حجر ماء زمزم وسأل الله أن يبلغه مرتبة الذهبي في الحفظ.
على أية حال: شرب ماء زمزم والدعاء من أسباب الحفظ.
ذكر الله -عز وجل-:
00:36:57
 ولا شك أن من أسباب الحفظ العظيمة: ذكر الله -عز وجل-: قال الله: وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف: 24].
ذكر الله مما يزيل النسيان، ويقرب الأشياء في الذهن، ذكر الله من أدوية النسيان؛ سواء كان النسيان نسيان الذهن والذاكرة، أو كان النسيان غفلة فإن ذكر الله علاجها.
رفع الصوت بالقراءة:
00:37:25
 ومن الأمور المعينة على الحفظ: رفع الصوت بالقراءة، الجهر بالقراءة فيما يريد حفظه؛ لأن الجهر بالقراءة يجعل هناك حاسة السمع مشتركة في الحفظ مع حاسة البصر، وإن كان الرجل أعمى فإن حفظه يكون شديدًا؛ لأجل أن منفذ السمع إلى القلب أقوى وأشد من منفذ البصر إلى القلب.
لذلك قلنا: العرب كانوا يحفظون الخطبة الطويلة والأبيات الكثيرة من أول مرة، ما كانوا يقرؤون ولا يكتبون.
وهكذا تلقى معظم الصحابة الأحاديث، كيف تلقوها؟ كيف حفظوها؟
بالسماع.
السماع مهم جداً، قال الزبير بن بكار: "دخل علي أبي، وأنا أروي في دفتر ولا أجهر، أروي فيما بيني وبين نفسي، فقال لي: "إنما لك من روايتك هذه ما أدى بصرك إلى قلبك فإذا أردت الرواية فانظر إليها واجهر بها فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك وما أدى سمعك إلى قلبك" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/266].
وهم يقولون الآن: أنه كلما اشتركت حواس أكثر في الحفظ كان الحفظ أكثر.
وعلى أية حال: هذه مسألة يختلف فيها الناس، بعض الناس لا يحفظ إلا إذا رفع صوته.
وبعض الناس يكون الحفظ عنده أحسن إذا كان يقرأ بصمت، وينظر، ينطبع في ذهنه، حتى إن بعض الحفاظ كان يضع يده على صفحة إذا أراد أن يحفظ الصفحة التي تليها؛ حتى لا تختلط عليه السطور.
وينبغي للدارس أن يرفع صوته في درسه، حتى يسمع نفسه، فإن ما سمعته الأذن يرسخ في القلب؛ ولهذا كان الإنسان أوعى لما يسمعه.
وعن أبي حامد أنه كان يقول: لأصحابه: "إذا درستم فارفعوا أصواتكم، فإنه أثبت للحفظ، وأذهب للنوم".
وكان يقول: "القراءة الخفية للفهم" يعني: إذا أردت أن تتدبر وتفكر تنظر، تنظر، "والرفيعة" التي فيها رفع صوت للحفظ، يقول: "القراءة الخفية للفهم والرفيعة للحفظ" [الحث على طلب العلم، لابن الجوزي، ص: 72].
التمهل في القراءة:
00:40:00
 وكذلك من أسباب الحفظ: التمهل في القراءة، وكان بعضهم يقرأ الكتاب ثم يذاكر به حرفًا حرفًا، كأنّ قارئاً يقرأه عليه فيفسره له، يعني: قراءة مبينة مفسرة مترسلة بطيئة؛ حتى يكون أرسخ.
علمًا أن بعض الناس يحفظ إذا سرد سرداً يحفظ أكثر.
حسن الاستماع لما يريد حفظه:
00:40:27
 وكذلك مما يعين على الحفظ: حسن الاستماع لما يريد حفظه، عن سفيان قال: "كان يقال أول العلم: الصمت" [حلية الأولياء: 6/362].
أول شيء يأتي الطالب المبتدئ ويجلس في الحلقة لا يتلفظ بكلمة، يسمع فقط، لا يسأل ولا يقاطع، ولا شيء، يسمع فقط.
أولاً: يصمت ما يتكلم.
والثاني: الاستماع له وحفظه.
والثالث: العمل به.
والرابع: نشره وتعليمه.
ونقل عنه أنه قال: "تعلموا هذا العلم، فإذا علمتموه فتحفظوه، فإذا حفظتموه فاعملوا به، فإذا عملتم به فانشروه بين الناس" [الجامع لأخلاق الراوي: 2/340].
وقال هذا الناظم:
يا طالبا للعلم كي تحظى به *** دينا ودنيا حظوة تعليه
اسمعه ثم احفظه ثم اعمل به *** لله ثم انشره في أهليه
[أدب الاملاء والاستملاء، للسمعاني: 1/144].
عدم إرهاق النفس بالحفظ:
00:41:44
 وينبغي لمن يريد الحفظ أن لا يرهق نفسه ويملها، فإذا تعب في الحفظ أخذ قسطاً من الراحة، وكان العلماء، كيف كانت راحتهم؟
يجعلون أوقات التعب من الإعادة والتكرار يجعلونها للنسخ ونقل الأشياء.
وكانوا يجعلونها كذلك من التعب في قراءة الأشياء التي فيها نوع من الترويح؛ كالأشعار، والأمثال، والقصص، والطرائف، وغير ذلك.
وينبغي أن نعلم أن الناس في الحفظ طاقات متفاوتة.
فمنهم من يحفظ عشر ورقات في ساعة.
ومنهم من لا يحفظ نصف صفحة إلا في أيام.
فإذا ذهب الذي مقدار حفظه نصف صفحة يريد أن يحفظ عشر ورقات تشبهًا بغيره لحقه الملل، وأدركه الضجر، ونسي  ما حفظ.
فليستقر كل امرئ على مقدار ما يستوعبه، وعليه أن يشفق على نفسه من أن يحمل فوق ما تطيق.
لكن كيف يعرف الإنسان طاقته؟
الجواب: بالتجربة.
ولا ينبغي للعاقل أن يزج نفسه في ما يستفرغ جهوده، فيتعلم في يوم ضعف ما يتحمل، فهذا وإن تهيأ له أنه حفظها هذه المرة، وأنه ضبطها في هذا اليوم، فإنه في الغد سيثقل عليه جداً إعادة ما مضى، وحفظ شيء جديد، وهذا كمن يحمل حملاً ثقيلاً يرهق نفسه في أول يوم فيحدث ضرر.
نعم، هو حمله لكن حصل ضرر في جسده، في الغد لا يستطيع أن يحمل شيئًا.
وينبغي أن يجعل الحافظ لنفسه مقدارًا كلما بلغه وقف، لا يزيد، لأجل المراجعة، يستريح ثم يواصل الحفظ.
ولا يأخذ الطالب نفسه بما لا يطيق، بل يقتصر على اليسير الذي يضبطه، ويحكم حفظه، ويتقنه، قال سفيان: "كنت آتي الأعمش ومنصور فأسمع أربعة أحاديث، خمسة، ثم أنصرف؛ كراهة أن تكثر وتفلت".
وعن شعبة قال: "كنت آتي قتادة فأسأله عن حديثين، فيحدثني ثم يقول: أزيدك؟ فأقول: لا، حتى أحفظهما وأتقنهما".
وقال بعضهم: "من طلب العلم جملة فاته جملة".
قال بعضهم: "إنما كنا نطلب حديثًا أو حديثين" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/232].
هذه تجارب حفاظ.
وعن الزهري قال: "إن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة عسر عليك، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذًا رفيقًا تظفر به" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/232].
التدرج وتقليل المحفوظ:
00:45:11
 فمن الأمور المهمة في الحفظ: التدرج والاقتصاد، وتقليل المحفوظ، مع المداومة على الحفظ أصل عظيم، ولا تشرع في شيء جديد حتى تحكم ما قبله، ومن لم يجد نشاطًا في الحفظ بعد مدة من الحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح.
وقال ابن الجوزي: "اعلم أن المتعلم يفتقر إلى دوام الدراسة، ومن الغلط: الانهماك في الإعادة ليلاً ونهارًا، فإنه لا يلبث صاحب هذه الحال إلا أيامًا ثم يفتر ويمرض. ومن الغلط تحميل القلب: حفظ الكثير أو الحفظ من فنون شتى، فإن القلب جارحة من الجوارح، وكما أن من الناس من يحمل المائة رطل، ومنهم من يعجز عن عشرين رطلًا، فكذلك القلوب" [صيد الخاطر، ص: 191].
هذه القلوب أوعية بعضها يستوعب كثيراً، وبعضها يستوعب قليلاً، فليأخذ الإنسان على قدر قوته، فإنه إذا استنفذ القوة، في وقت ضاعت منه أوقات.
والصواب أن يأخذ قدر ما يطيق ويعيده في وقتين، من النهار والليل.
يأخذ مثلاً، قال: أنا أستطيع أحفظ خمس آيات، نقول: طيب احفظ خمس آيات أعدها مرتين بالليل والنهار، تحفظها الآن ثم أعدها بالليل، ثم أعدها بالنهار.
فكم ممن ترك الاستذكار بعد الحفظ فضاع زمن طويل في استرجاع محفوظه، يعني: ينبغي على الإنسان أن يراجع باستمرار؛ لأنه إذا حفظ بتأني سهل عليه الاسترجاع، إذا حفظه دفعة واحدة الآن صعب عليه أن يسترجعه فيما بعد.
وكذلك ذكرنا أنه لا بدّ من ترفيه النفس مع الإعادة يومًا في الأسبوع، يجعل يوماً في الأسبوع للمراجعة ليثبت المحفوظ، وتأخذ النفس قوة كالبنيان يترك أيامًا حتى يستقر ثم يبنى عليه، لا يبنى مرة واحدة وإلا ينهار.
الاهتمام بالغذاء المناسب:
00:47:40
 وكذلك فإن مما يعين على الحفظ: الاهتمام بالغذاء المناسب، فإن التخمة من الأسباب المانعة من الحفظ، ولذلك كانوا يقللون الطعام هذا شيء؛ لأن كثرة الطعام تتخم النفس، وتجعل القلب مشغولاً مثقلاً، فلا تتمكن النفس من الحفظ، وكانوا حتى يعتنون بأنواع الطعام وليس فقط بكميته.
ومن الأشياء التي ذكروها المجربة مما يزيد الحفظ: شرب العسل، وتناول الزبيب، والرمان الحلو، والحبة السوداء، واللبان على الريق، ليس اللبان هذا الذي يستخدموه الآن، يعملون منه بالونات الأطفال، وإنما هو نوع من اللبان كانوا يمضغونه على الريق.
وكانوا يجتنبون الأشياء الحامضة؛ حتى كان الزهري -رحمه الله- يجتنب التفاح الحامض، وهذا مجرب، يعني: الأشياء من الحوامض مما يقلل الحفظ.
وكان العلامة الشنقيطي محمد الأمين -رحمه الله- كما حكى عنه بعض أولاده، قال: "كان أبي يزجرنا زجرًا شديدًا إذا رأى مع أحدنا لبناً حامضًا".
على أية حال: هذه الأشياء نسبتها في الحفظ قليلة، يعني: الزبيب والعسل، لا يجعل الزبيب غير الحافظ حافظاً، أو اللبان هذا، وإنما هي أشياء معينة ومساعدة، ونحن نذكر العوامل وإن كان نسبتها في الحفظ كثيرة أو قلية من باب جمعها وذكرها.
إصلاح المزاج:
00:49:37
 وكذلك: إصلاح المزاج من الأصول العظيمة في الحفظ، ولا شك أن بعض الأطعمة تؤثر في الأمزجة فتسبب تعكيرًا، وتسبب أشياء في المعدة، وتسبب أيضاً شيئاً من الغثيان، وهذا الغثيان يضاد الحفظ.
السعي للتذكر:
00:50:01
 وكذلك من الأمور المهمة: السعي للتذكر، بعض الناس إذا سئل عن شيء وهو لا يتذكره خلاص يمضي، لكن ينبغي عليه لكي يمرن ذاكرته أن يتوقف يتذكر، ويعصر ذهنه وذاكرته، يعتصرها حتى يتذكر؛ لكي يدرب الذهن والذاكرة على استرجاع المعلومات.
أما كلما نسي شيئًا للوهلة الأولى تركه ومضى فإنه يتعود على النسيان السريع.
أما إذا كان يعود نفسه كلما نسي شيئًا أن يحاول جاهدًا أن يتذكره فإنه يكون أحسن وأنفع في استرجاع المعلومات.
ومما يضعف الذاكرة: كثرة الكتابة، والاعتماد على الأشياء المكتوبة.
أما بالنسبة لتوزيع وظائف طالب العلم فهي كثيرة، يحتاج يحفظ، ويحتاج يقرأ، ويحتاج ينسخ، وربما يحتاج أن يلقي ويدرس، فعليه أن يوزع هذه الأشياء على وقته، قال ابن الجوزي-رحمه الله-: "ولما كانت القوة تكل تحتاج إلى تجديد، وكان النسخ والمطالعة والتصنيف لابد منه مع أن المهم الحفظ وجب تقسيم الزمان على الأمرين؛ فيكون الحفظ في طرفي النهار وطرفي الليل، ويوزع الباقي بين عمل النسخ والمطالعة، وراحة البدن، وأخذه لحظه.
ولا ينبغي أن يقع الغبن بين الشركاء، فإنه متى أخذ حقهم فوق حقه أثر الغبن، وبان أثره، وإن النفس لتحدب إلى النسخ والمطالعة والتصنيف عن الإعادة والتكرار؛ لأن ذلك أشهى وأخف عليها، "ومع العدل والإنصاف يتأتى كل مراد" [صيد الخاطر، ص: 219].
فإذًا، حسن توزيع الوظائف يا طالب العلم على الوقت من الأمور المهمة.
افضل أوقات الحفظ:
00:52:19
 فإذا قلت: ما هي الأوقات المناسبة للحفظ؟
أول شيء: العمر مراحل: الطفولة، والصبا، وسن الشباب، ثم الكهولة، والشيخوخة، والهرم.
فلا شك أن أحسن الأوقات للحفظ هو: الصبا والطفولة، الفترة المبكرة من العمر.
فللحفظ أوقات من العمر أفضلها: الصبا، وما يقاربه من أوقات الزمان، وقديمًا قالوا: حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر، وحفظ الرجل الكبير كالكتابة على الماء.
وقال علقمة: "ما حفظت وأنا شاب كأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة".
وعن الحسن قال: "قدموا إلينا أحداثكم فإنهم أفرغ قلوبًا وأحفظ لما سمعوا، فمن أراد الله أن يتمه له أتمه" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1/676].
وعن معمر قال: "جالست قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة فما سمعت منه شيء وأنا في ذلك السن إلا وكأنه مكتوب في صدري" [الفقيه والمتفقه: 2/182].
الآن بعض الشباب يقول: نحن الآن أنهينا سن الطفولة، والعلماء كانوا يحفظون القرآن وهم أبناء ثمان، وتسع، وعشر سنين، فهل فاتنا القطار؟
الجواب: لم يفت القطار، مهما بلغ الإنسان من التقدم في السن فإنه يستطيع أن يحفظ، وليس هناك سن لا يستطيع أن يحفظ فيها شيئاً ما دام العقل باقياً، ما دام العقل باقياً فالحفظ ممكن، لكن في الصغر أسهل، كلما كان في الصغر كان أسهل، ولو فاتك أنت وقت الحفظ الجيد ينبغي ألا يفوتك ما يلي:
أولاً: أن تحفظ فيما بقي من عمرك.
وثانيًا: أن تتدارك هذا مع ولدك الصغير، فلو فاتنا أشياء نتيجة لعدم التربية الجيدة في الماضي، فإننا نستدرك هذا مع أولادنا الآن فنجعلهم يحفظون، ونساعدهم على الحفظ، ونضع لهم الجوائز التشجيعية، حتى لا يندموا إذا كبروا، ويكون لك أنت من الأجر نصيب عظيم.
وأما بالنسبة لوقت اليوم، قال العلماء: في الوقت المناسب للحفظ في اليوم أقوال، فمن ذلك قالوا: أفضلها إعادة الأسحار، وأنصاف النهار، والغدوات خير من العشيات، وأوقات الجوع خير من أوقات الشبع.
وقال بعضهم ينصح ولده بالحفظ بالليل: أحب لك النظر في الليل، فإن القلب بالنهار طائر، وبالليل ساكن.
وقال أبو بكر الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "المطالعة بالليل لخلو القلب فإن خلوه يسرع إليه الحفظ" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/265].
وعن عبد الرزاق قال: "كان سفيان الثوري عندنا ليلة، قال: وسمعته قرأ القرآن من الليل وهو نائم، ثم قام يصلي فقضى حزبه من الصلاة، ثم قعد فجعل يقول: الأعمش والأعمش والأعمش، ومنصور ومنصور ومنصور، ومغيرة ومغيرة ومغيرة، فقلت له: يا أبا عبد الله، ما هذا؟ قال: هذا حزبي من الصلاة، وهذا جزئي من الحديث" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/265].
وقال الشافعي: "الظٌلمة أجلى للقلب" [حلية الأولياء: 9/104] يعني: الظلمة في الليل، يستطيع الإنسان أن يحفظ بهدوء الليل أكثر.
وقال أحمد بن الفرات: "لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون أشياء في الحفظ فأجمعوا أنه ليس شيء أبلغ فيه إلا كثرة النظر، وحفظ الليل غالب على حفظ النهار" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/265].
وقال إسماعيل بن أبي أويس: "إذا همت أن تحفظ شيء فنم وقم عند السحر" [الجامع لأخلاق الراوي: 2/265] يعني: قبيل الفجر، فأسرج سراجك، والآن يعني: اضغط الزر "وانظر فيه في هذا الكتاب، فإنك لا تنساه بعد إن شاء الله، قالوا: حفظ الأسحار قبيل الفجر من أحسن أنواع الحفظ، يعني: إذا نام مبكراً قام وهو نشيط، ذهنه صافي؛ لأنه ما قبل اليقظة شيء إلا الراحة، ما هو مشغول بأشياء كثيرة وسمع أشياء كثيرة، قام من النوم ذهنه صافي قبيل الفجر، وقد نام مبكرًا، فهذا يكون من أصفى الأوقات للحفظ على الإطلاق.
وقال ابن جماعة الكناني -رحمه الله-: الخامس في آداب المتعلم في نفسه: أن يقسم أوقات ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، جمع بكرة، وهي أول النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل، وللكتابة وسط النهار.
وقالوا في أجود أوقات الحفظ: الأسحار، وبعده وقت انتصاف النهار، وبعده الغدوات دون العشيات، وحفظ الليل أصلح من حفظ النهار.
وقيل لبعضهم: بم أدركت العلم؟ قال: بالمصباح والجلوس إلى الصباح.
وقال آخر: بالسفر والسهر والبكور في السحر [الفقيه والمتفقه: 2/207].
والسحر آخر الليل، وانتصاف النهار عند الظهيرة، والغدوات أول النهار.
الأماكن المناسبة للحفظ:
00:58:00
 أما بالنسبة لأماكن الحفظ، فقد قالوا: إنها في الغرف العالية أحسن من السفل؛ لأن المكان العالي يكون في الغالب خالياً، لا يكون فيه زوجة ولا أولاد ولا ضوضاء، ولا دخول وخروج.
وكل موضع بعيد عما يلهي، فإنه يجعل القلب خاليًا لأجل الحفظ.
وليس بالمحمود أن يتحفظ الرجل بحضرة النبات والخضرة، ولا على شطوط الأنهار، ولا على قوارع الطريق؛ لكثرة الشواغل والصوارف، والأشياء المارة والعابرة.
فالعجب من بعض الطلاب الذين يذاكرون في الحدائق العامة أيام الامتحانات!
وقالوا: لا يحمد الحفظ بحضرة خضرة ولا على شاطئ نهر؛ لأن ذلك يلهي، والأماكن العالية للحفظ خير من السوافل، والخلوة أصل، وجمع الهم أصل الأصول، ينبغي تفريغ الذهن من الشواغل.
بعض النظريات الحديثة المتعلقة بالحفظ والذاكرة والنسيان:
00:59:01
 ونذكر هنا بعض الأشياء من الأبحاث الحديثة المتعلقة بالذاكرة أشياء يسيرة جداً؛ لأن الجري وراء هذه متعب.
وبعض الأشياء أبحاث طبية وأبحاث نفسية، نعم، فيها فوائد، لكن اسأل مجرباً ولا تسأل طبيباً، هؤلاء العلماء المجربون قد تكلموا.
من الأشياء الموجودة عند المعاصرين، ويستفاد منها قالوا: الذاكرة في الإنسان مثل العضلة في الجسم كلما زدت في تمرينها واعتنيت بها كبرت وتوسعت، وإذا أهملتها تضاءلت وضعفت.
وقالوا: إذا استمر أي شخص في الحفظ والمراجعة بقيت ذاكرته قوية ونشيطة ما دام عقله سليمًا، فاعلاً قادرًا على التركيز، وإن جاوز الخمسين، أي يستطيع أن يحفظ وإن جاوز الخمسين، ما دام مواظباً على المراجعة والحفظ، وما دام عقله موجوداً.
وقالوا: إن الذاكرة عند الكثيرين غير مستغلة، وبإمكان الذاكرة أن تتسع لأعداد خيالية من الجزئيات والمعلومات.
وقالوا: ليس كثرة المعلومات هي التي تشوش الذاكرة، وإنما الطريقة الخاطئة في إدخال المعلومات واستخراجها، وضعف القدرة على التركيز والتفكير.
وقالوا: إن التكرار كان ولا يزال هو الوسيلة التقليدية للحفظ، ولكن التكرار له قواعد ينبغي الالتزام بها، من هذه الأشياء وقد مرت معنا، لكن هم يقولون أنها من تجاربهم واكتشافاتهم.
قام أحد العلماء الألمان بتجربة جمع فيها مجموعة، أعطاهم نصًا معينًا في يوم واحد، قال: احفظوه اليوم، الآن، فاحتاجوا إلى تكراره ثمان وستين مرة حتى حفظوه، ثم طلب منهم حفظ نص آخر مثله في الطول والصعوبة، على فترة ثلاثة أيام فاحتاجوا لتكراره ثمان وثلاثين مرة فقط، يعني: تقريبًا النصف، يعني إذا كان عندك شيء تريد أن تحفظه فحفظته وكررته مثلاً خمسين مرة إلى أن تحفظه اليوم، ولم تفعل شيئًا في الأيام القادمة هذا أسرع للنسيان، وأصعب للحفظ أيضاً من أن تقرأه في كل يوم عشر مرات لمدة خمسة أيام، أي نفس عدد مرات التكرار لو جعلتها موزعة على الأيام أحسن في الحفظ وأثبت من أن تجعل كلها في يوم واحد، ثم لا تفعل شيئًا في الأيام التي بعدها.
وقالوا: العقل كالجسم يتعب عند الاستهلاك الشديد، ويحتاج إلى فترة راحة، ومن النادر أن تتعدى فترة التركيز عند أي شخص ساعة، أو ساعة ونصف، وبعد ذلك يتوتر الجهاز العصبي، ويبدأ الذهن برفض المعلومات التي تصل إليه، فلابد أن يتخلل الوقت للحفظ فترات قصيرة من الراحة والاسترخاء.
-طبعًا- هم يقولون: الموسيقى.
ونحن نقول: تجديد الوضوء، ودخول الخلاء، وشرب شيء من المباحات، لا بأس.
وقالوا: كلما ازداد الاهتمام بالموضوع، وأحس الشخص بأهميته كان حفظه أسرع وأشد، وكلما كان كارهًا مرغمًا كان الذهن أسرع في الشرود، والحفظ صعب؛ ولذلك الطلاب الذين يذاكرون لأجل النجاح ويحفظون، الحفظ صعب.
أما طالب العلم الذي همه العلم يحيا لأجل هذا العلم؛ لطاعة الله ليعبد الله على بصيرة، ويعلم قدر وجلالة الكتاب العزيز فإن انصرافه لهذا أشد وأفضل، وأعلى وأحسن من انصراف صاحب الدنيا إلى كتبه ودراسته الدنيوية ؛ لأن صاحب العلم يشعر أن العلم الذي عنده أهم بكثير وأجل؛ ولذلك العلماء حفظوا أشياء ما يستطيع الآن الكيمائي والفيزيائي أن يحفظ مثلهم.
وقالوا: كذلك إذا تخيلت صورًا لما تحفظ يكون حفظك أثبت، وهم يضربون أمثلة، ونحن يمكن أن نقول مثلاً: لو أراد إنسان أن يحفظ آيات فيها بناء الكعبة، فلو أنه وضع في ذهنه صورتها مثلاً، والطائفين حولها، أو البناء كيف يبنى؟ وهو يحفظ، ربما يكون أثبت له.
وكذلك لو قرأ نصوص الجهاد، فكان يستحضر في ذهنه للجهاد، والجياد، والسيوف، والطعان، فربما يكون أيضاً الصورة مرتبطة بالمقروء.
ولذلك من أصعب الأشياء حفظ الأرقام المجردة، لكن لو قلت: خمس صلوات، وكذا.. ربطت الأشياء بالأشياء صار أسهل؛ ولذلك عندهم من القواعد في الحفظ: الترتيب والتصنيف، فلو أخذنا مثلاً عشرين أداة من الأدوات هكذا مبعثرة مرتبة، ثم قلنا: احفظها، فإذا أردت أن تحفظها جميعًا يكون أصعب من تصنيفها، لو صنفتها فوضعت مثلاً أدوات الطبخ جانبًا، وقلت: هذه في خانة، وأدوات الكتابة جانبًا، وقلت: هذه في خانة، وأدوات اللباس، أو ما يتعلق باللباس في جانب، وقلت: خانة، وحفظت كل خانة لوحدها، هذا يكون أحسن.
فإذًا، تصنيف الأشياء وترتيبها يعين على الحفظ.
وكذلك من الترتيب الآن من الأشياء المهمة التي تستفاد في قضية الترتيب في حفظ القرآن، لو أراد إنسان أن يحفظ سورة البقرة مثلاً من الأشياء المعينة على الحفظ أن يعرف مواضيع السورة، وأن يعرف ترتيب المواضيع في السورة، فمثلاً: بدأ بذكر المؤمنين، ثم المنافقين، ثم اليهود، ثم خلق آدم، ثم بناء الكعبة، وهكذا..، فحفظ ترتيب المواضيع من الأمور المهمة؛ ولذلك هناك تفاسير تعتني بذكر مواضيع السورة قبل البداية في تفسير السورة، فمثلاً من كتب علوم القرآن في هذا كتاب: "البقاعي" -رحمه الله-، وكذلك كتاب: "بصائر ذوي التمييز" للفيروز آبادي، كتابان فيهما ذكر مواضيع كل سورة.
كذلك من الكتب الحديثة التي تعتني بهذا كتاب الأستاذ: "سيد قطب -رحمه الله-" يبين في مقدمة كل ماذا تتناول السورة من المواضيع.
وينبغي أن ننتبه إلى أن النظريات الحديثة: تزهد في الحفظ، وتركز على الفهم، وتقول: المهم الفهم، وربما يزهدون في الحفظ فلا تستمع لهم؛ لأننا نعرف أن الأمر مكون من حفظ وفهم، وهذه طريقة علمائنا -رحمهم الله تعالى- حفظ وفهم.
فإذا قالوا لك: لا داعي لإشغال الصغار والأولاد بحفظ هذه المقطوعات الطويلة، وهذا مضر تربويًا، فاعلم أنهم هم المأفونة عقولهم، الذين عاقبة أمرهم إلى زوال، وشأنهم في سفال، وهذه أفكار ضلال.
ولكن لا بدّ من هذه الطريقة التي سلكها العلماء وجربوها، وصاروا علماء؛ ولذلك دعك من هذه النظريات الحديثة التي تقول: إن حشو أذهان الأطفال بالمعلومات مضر، والمهم أن الولد يفهم.
كانوا يحفظونهم المتون ولو فهمها بعد ذلك، يستعين بحفظه.
المنهجية الصحيحة في الحفظ:
01:07:17
 ثم نأتي إلى نقطة مهمة وهي: قضية الأولويات في الحفظ.
ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله -عز وجل-؛ لأنه أجل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم، وهذه طريقة الصحابة، كانوا يحفظون الكتاب العزيز، وكذلك من بعدهم أول شيء القرآن الكريم، هذه معروفة، عن الوليد بن مسلم قال: "كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فينا حدثًا قال: يا غلام، قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم، قال: اقرأ: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ [النساء: 11] وإن قال: لا، قال: اذهب تعلم القرآن قبل أن تطلب العلم.
وكان يحيى بن يمان إذا جاءه غلام استقرأه رأس سبعين من الأعراف، ورأس سبعين من يوسف، وأول الحديد، فإن قرأه يعني: حفظا، حدثه وإلا لم يحدثه [الجامع لأخلاق الراوي: 1/ 108] .
وقال أهل العلم: وإن أقوامًا يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسنًا، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل، وأفضل ما تشوغل به حفظ القرآن الكريم: وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة: 282] [ينظر: صيد الخاطر، ص: 193].
فإذا رزقه الله -تعالى- حفظ كتابه فليحذر أن يشتغل عنه بالحديث، أو غيره من العلوم اشتغالاً يؤدي إلى نسيانه.
ثم الذي يتلو القرآن من العلوم أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسننه، فيجب على الناس طلبها إذ كانت أس الشريعة وقاعدتها، قال الله -تعالى-: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: 7].
وكذلك ينبغي: انتقاء الأشياء، فإذا أراد أن يحفظ من السنة ينتقي الأحاديث الصحاح الجياد، وأحاديث الأحكام مثلاً من الأحاديث الصحاح الجياد، قال أبو حاتم الرازي: قال سمعت أبي يقول: "اكتب أحسن ما تسمع، واحفظ أحسن ما تكتب، وذاكر بأحسن ما تحفظ" [تهذيب الكمال: 24/387].
ويبدئ سماع الأمهات من كتب أهل الأثر والأصول الجامعة، قال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-: "عجبت لمن ترك الأصول وطلب الفصول" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/185].
وبعض الطلاب الآن يريد أن يدخل بالتفاصيل قبل ما يحفظ، يعني: قصيدة وجيزة في مصطلح الحديث يبدأ بحفظ تقريب التهذيب، وأسماء الرجال، ومراتبهم، هذا خلل.
ولا شك أن أصح كتب الحديث الصحيحين، وبعدهما سنن أبي داود والنسائي، وكذلك الترمذي وغيرهم من أهل العلم -رحمه الله-.
وينبغي على طالب العلم أن يحفظ من موقوفات الصحابة، وأقوال الصحابة؛ لأنها في لزوم العمل بها وتقديمها على القياس ملحقة بالسنن.
والموقوفات على التابعين، يعلم أقوال أهل العلم، ولا يشذ عنهم.
ويحفظ من أقوال المفسرين ما يلزم في معرفة معاني الآيات.
ويحفظ من مغازي وسير النبي -عليه الصلاة والسلام- في السيرة.
ويحفظ كذلك بعد ذلك أشياء ومنها: الشعر والحكم والأمثال.
هذه طريقة العلماء، لكن نحن الآن إذا قلنا: أن الغالب عدم التفرغ، فماذا يفعل الإنسان؟ لو قلنا له: اذهب واحفظ القرآن، ما تسمع منا ولا مسألة فقهية حتى تحفظ القرآن، الآن هذا لا يناسب، فينبغي على الطالب في هذا الزمان أن يحفظ من كتاب الله، يقدمه في الحفظ، ويحفظ أحاديث، ويحفظ فتاوى العلماء لكي ينقلها إلى الناس، يستفيد منها هو، فنقول: صحيح أن هذا الزمان تضاءلت الهمم، وقلت الأوقات، وكثرت الشواغل والصوارف، وصحيح أن برنامجًا مثل هذا البرنامج الذي يذكره بعض العلماء في حفظ الأشياء لا يكون متيسرًا، لكن نحن نسدد ونقارب، ولا نقول للشخص: هذه هي الصورة المثالية، لابد أن تفعل، ونحن نعلم أنه لا يستطيع أن يفعل، وأنه يحتاج لحفظ القرآن ربما إلى خمس عشرة سنة، ما نعلمه مسألة فقهية واحدة في خلال هذه السنوات، هذا غير صحيح.
تميز المسلمين بقوة الحفظ وبعض النماذج في ذلك:
01:11:42
 ونأتي في ختام المطاف إلى ذكر شيء من أخبار الحفظة، الحفاظ الذين أنعم الله بهم على هذه الأمة.
وثقوا -أيها الإخوة- أننا نشعر بالعز والفخار من معرفة سيرهم، وأننا نقارع بهم الأمم، ما يوجد أمة عندها حفاظ مثل الأمة الإسلامية مطلقًا، لا الإنجليز، ولا الألمان، ولا الأمريكان، ولا البيزنطنيون، ولا الروم، ولا الفرس، ما في ناس عندهم حفاظ مثل الأمة الإسلامية، أبداً، هذا شيء يشهد به القاصي والداني، والقريب والبعيد، يشهد به التاريخ، ولذلك عندما تسمع الآن أخبار هؤلاء هات مثلهم من الغربيين، إذا صار عندهم ندرة، خزنوا كل شيء في الكمبيوترات وصارت عقولهم خاوية، وإذا توقف الكمبيوتر، ما عاد يستفاد لا منه ولا من جهازه؛ ولذلك نقول: صحيح، نحن نستفيد من وسائل حفظ المعلومات، ولكن إلغاء الحفظ هذا شيء مضر جداً، ومن أسوأ الأشياء إلغاء الحفظ، بالزعم أن هناك طرق تخزين حديثة، وماذا ينفعك الكمبيوتر وأنت بين الصفا والمروة تريد أن تستذكر شيئًا فوق الصفا من الأذكار والأدعية؟ أو إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة، وتريد أن تستذكر الحكم فيها، وأين جهازك في الصلاة؟
فإذًا، أولاً وأخيرًا: الحفظ الحفظ.
وأما الحفاظ فإن على رأسهم طبعًا بعد الأنبياء الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم-، وعلى رأس الصحابة في الحفظ: أبو هريرة -رضي الله عنه-، روى البخاري -رحمه الله تعالى- عن أبي هريرة قال: إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا، ثم يتلو: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى [البقرة: 159] إلى قوله  الرَّحِيمُ  [البقرة: 60] إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، يعني: المزارع، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون [رواه البخاري: 118] هذا التفرغ وجمع العقل والهم، والهم هو: الحفظ.
وقال أبو هريرة: "إنكم تقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ وتقولون: ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله ﷺ بمثل حديث أبي هريرة، وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله ﷺعلى ملء بطني؟ لا آخذ إلا ما يكفيني من الطعام، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم، وكنت امرءاً مسكينًا من مساكين الصفة، أعي حين ينسون، وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول  فبسطت نمرة عليّ حتى إذا قضى رسول الله ﷺ مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول اللهﷺ تلك من شيء"[رواه البخاري: 2047].
هذا أبو هريرة -رضي الله عنه- ومع ذلك ما حدث بكل ما حفظ، وهو أكثر الصحابة رواية على الإطلاق، فإنه الذي قال: "حفظت عن رسول الله ﷺ وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم" [رواه البخاري: 120].
ولعل من ذلك مثلاً حديث: أن من أشراط الساعة: إمارة الصبيان؛ ولذلك كان أبو هريرة يقول: "أعوذ بالله من رأس الستين، وإمارة الصبيان"، ولذلك لما تولى الصبيان في عام ستين للهجرة من الأمويين الله -عز وجل- قبض أبا هريرة قبلها بسنة، فمات سنة تسع وخمسين للهجرة على قول [فتح الباري: 1/216].
ومن الحفاظ الأجلاء، ومن أعظم الحفاظ على الإطلاق، ومن أعظم من أنجبتهم هذه الأمة في الحفظ على الإطلاق: الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، بلا منازع، وهو مفخرة  في جبين هذه الأمة، وغرة ودرة -رحمه الله تعالى-، كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ -هذا كلام الحاشد بن إسماعيل- إلى مشايخ البصرة، وهو غلام، فلا يكتب، يأتي للحلقة ولا يكتب شيئاً، حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما تصنع؟ فقال لنا يومًا بعد ستة عشر يومًا: إنكما قد أكثرتما عليّ وألححتما، فأعرضا عليّ ما كتبتما؟ فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نحكم كتبنا على حفظه، نصحح كراريسنا على حفظ البخاري، خمسة وأربعون يوماً جلس مع الشيخ، هم يكتبون وهو لا يكتب، إلى أن قالوا: أنت تلهو، تلعب، تحضر وتكتب مثلنا وإلا تمشي؟ قال: اسمعوا فسرد علينا خمسة عشر ألف حديث من حفظه، قالوا: فصرنا نصحح كراريسنا على حفظه، ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا وأضيع أيامي، فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد [سير أعلام النبلاء: 12/408].
وقدم البخاري بغداد، فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا، وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، ركبوا متن هذا على سند هذا، ومتن هذا على سند هذا، عملوا لخبطة، ودفعوا إلى كل إنسان منهم حديثاً، وكانوا عشرة أشخاص، كم صار المجموع؟
مائة حديث.
ثم جلس البخاري -رحمه الله- في المجلس وقد جاء الناس وأهل العلم جلسوا، يأتي واحد يقول: يا أبا عبد لله، إني سائلك عن أحاديث؟ فيقول: سل، فيعطيه أول المغلوط، يقول البخاري: لا أعرفه، الثاني: يقول البخاري: لا أعرفه، الثالث، العاشر، يقول البخاري: لا أعرفه، يأتي الثاني يقول: سائلك عن أحاديث، يجلس الأول، والثاني، يأتي ويعرض العشرة التي عنده، والبخاري كل ذلك يقول: لا أعرفه، والثالث، والرابع، والخامس، والعاشر، عرضوا عليه مائة حديث مغلوطة، كل ذلك يقول: لا أعرفه.
أما أهل الغفلة، الناس الذين لا يعلمون من هو البخاري؟ كانوا يقولون: البخاري! البخاري! وجلسنا ما رأينا شيء، كله لا أعرفه، لا أعرفه.
وأما أهل العلم بالبخاري قالوا: ما سكت إلا لشيء.
فلما انتهوا قال: انتهيتم؟
قالوا: نعم، قال: أما أنت فقد قلت: كذا وكذا، والصحيح: كذا وكذا، وقلت: كذا وكذا، والصحيح كذا وكذا، فصحح له عشرة أحاديثه كلها.
ثم استلم الثاني، وصحح له أحاديثه، عشرة كلها إلى أن أكمل مائة حديث [ينظر: سير أعلام النبلاء: 12/408].
قال ابن حجر -رحمه الله-: ليس العجب أن يحفظ البخاري الصحيح، لكن العجب أن يحفظ البخاري الخطأ، أي يقول: أنت قلت: كذا، والصحيح: كذا، هو الآن قاله لأول مرة، وحفظ أشياء مغلوطة، ليس مثل حفظ الصحيح الذي سمعه مرارًا وتكرارًا.
فسبحان الذي أعطاه هذه الموهبة!
قال البخاري: "تفكرت أصحاب أنس فحضرني في ساعة ثلاثمائة" يتذكر من هم تلاميذ أنس؟ ثلاثمائة واحد في الذاكرة، قال أبو الأزهر: "كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل البخاري، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلقوا منه بسقطة، لا في إسناد ولا في متن" [سير أعلام النبلاء: 12/411].
وقال محمد بن خميرويه: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح" [سير أعلام النبلاء: 12/415].
لكي ينبه الأمة على الأحاديث الصحيحة، ويفلي الأحاديث الصحيحة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
-طبعا- الرقم هذا قد يبدو للبعض مبالغ فيه، لكن قال الذهبي -رحمه الله-: "ما على وجه الأرض من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أي: قرابة عشرة آلاف حديث صحيح، فإن قال البخاري: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، فإنه يقصد الطرق، والشواهد، والمتابعات، والمقاطيع، وغير ذلك، يعني كل الطرق بأنواعها، واختلاف أصنافها.
أما أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- قال أبو زرعة: "كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب" [الحفظ على حفظ العلم، ص: 53].
وقال عبد الله بن أحمد: قال لي أبي: "خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع من المصنف، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك أنا بالكلام" [سير أعلام النبلاء: 11/186].
وكذلك فإن من العظماء في الحفظ: إسحاق بن راهوية -رحمه الله تعالى-، قال ابن خشرم: "كان إسحاق بن راهوية يملي علي سبعين ألف حديث حفظًا" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/253].
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: "أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها، وأحفظ منها سبعين ألف حديث من ظهر قلب صحيحة، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة، فقيل: ما معنى المزورة؟" ما المعنى أن المزورة تحفظها؟ لماذا؟
قال: "إذا مر بي منها حديث في الأحاديث الصحيحة فليته منها فليًا" [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 2/254].
وكان بكر بن محمد الحنفي -رحمه الله- إذا طلب المتفقه منه الدرس ألقى عليه من أي موضع شاء من غير مطالعة كتاب، يسرد له من هنا، من هنا، من أي مكان في الكتاب، وسئل عن مسألة، فقال: هذه المسألة أعدتها في برج من حصن بخارى أربعمائة مرة.
وسليمان بن داود الطيالسي كان من كبار الحفاظ، كان عمر بن شبًة كتبوا عن أبي داود أربعين ألف حديث وليس معه كتاب.
وسفيان الثوري -رحمه الله- قبل ذلك من أشد الناس حافظة، قال: "ما استودعت أذني شيئًا قط إلا حفظته، حتى أمر بكذا فأسد أذني؛ مخافة أن أحفظها" [حلية الأولياء: 6/368].
وفي رواية: "أمر بالحائك يعني فأسد أذني؛ لأنها لو دخلت ما خرجت" [سير أعلام النبلاء: 7/272].
والشعبي كذلك -رحمه الله تعالى- قال ابن شبرمة: سمعت الشعبي يقول: "ما كتبت سوداء في بيضاء إلى يومي هذا، ولا حدثني رجل بحديث قط إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده عليّ، ولقد نسيت من العلم ما لو حفظه أحد لكان به عالمًا" [تذكرة الحفاظ: 1/66] يعني: رغم كل هذا الحفظ الأشياء المنسية لو أن انساناً آخر حفظها لصار عالماً.
وعن الشعبي قال: "ما أروى شيئًا أقل من الشعر، أقل محفوظاته الشعر، ولو شئت أنشدتكم شهرًا لا أعيد" [سير أعلام النبلاء: 4/302]، يعني: هذا أقل المحفوظات، لو جلس يسرده شهراً، يأخذ وقتاً بدون أي بيت معاد.
وأما عبد الله بن أبي داود السجستاني عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن أبي داود -رحمه الله تعالى- قال إبراهيم بن شاذان: خرج أبو بكر بن أبي داود إلى سجستان، هذا الولد فاجتمع إليه أصحاب الحديث وسألوه أن يحدثهم فأبى، وقال: ليس معي كتاب، فقالوا له: ابن أبي داود وكتاب؟! قال: فأثاروني، فأمليت عليهم ثلاثين ألف حديث من حفظي، فلما قدمت بغداد، قال البغداديون: مضى فلعب بالناس، لابد أن نتحقق، فكتبوا كل ما قيل، وجيء بهذه إلى بغداد، وعرضت على الحفاظ فخطأوني في ستة أحاديث؛ منها ثلاثة حدثت بها كما حدثت، يعني: حفظتها أصلاً خطأ، وثلاثة أحاديث أخطأت فيها [سير أعلام النبلاء: 13/223 - 224، وتذكرة الحفاظ: 2/236]، من كم؟ ثلاثين ألف حديث، هذا الابن فما بالك بأبي داود -رحمه الله-؟!
وأما أبو زرعة الرازي قال: في بيتي ما كتبته منذ خمسين سنة ولم أطالعه منذ كتبت، وإني أعلم في أي كتاب هو، في أي ورقة هو، في أي صفحة هو، في أي سطر هو، وما سمع أذني شيئًا من العلم إلا وعاه قلبي، فإني كنت أمشي في سوق بغداد فأسمع من عزف المغنيات، فأضع أصبعي في أذني مخافة أن يعيه قلبي [تهذيب الكمال: 19/95].
وسئل أبو زرعة الرازي عن رجل حلف بالطلاق أن أبا زرعة يحفظ مائتي ألف حديث: هل حنث؟ فقال: لا.
وقال أبو زرعة الرازي: أحفظ مائتي ألف حديث كما يحفظ الإنسان: قل هو الله أحد، وفي المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث" [تهذيب الكمال: 19/98، وسير أعلام النبلاء: 13/68].
وأبو عبد الله الخُتلي دخل وليس معه شيء من كتبه، فحدث شهورًا إلى أن لحقته كتبه، يعني: جاء إلى بلد مسافر ما بعد وصلت الكتب، الكتب في الشحن، فحدث قال: حدثت بخمسين ألف من حفظي إلى أن لحقتني كتبي [الحث على حفظ العلم، ص: 76].
وأما الحافظ الدارقطني -رحمه الله- فإنه من  صغره كان مشهورًا بالحفظ، حضر في حداثة سنه مجلس إسماعيل الصفار، جعل ينتسخ جزءًا معه، وإسماعيل يملي، الدارقطني يكتب وهو صغير، فقال له بعض الحاضرين: لا يصح سماعك وأنت تنسخ، إذا أراد أن تكون صحيح السماع لازم تسمع وتتفرغ للسماع، ما يصلح تكتب، تنشغل بالكتابة، ما يصح سماعك، فقال الدارقطني: فهمي للإملاء غير فهمك، ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من الحديث إلى الآن؟ فقال: لا، فقال: أملى ثمانية عشر حديثًا، فعد، قال: فعددت الأحاديث فكانت كما قال، ثم قال: الحديث الأول عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، والحديث الثاني عن فلان عن فلان، ومتنه كذا، فلم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتنوها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها فتعجب الناس منه [الحث على حفظ العلم، ص: 84]، يعني: هذا يكتب وهو يكتب يحفظ، وهو ينسخ يكتب عن الشيخ.
والآن كثير من الناس يكتبون، لكن إما كتابة وإما حفظ، ما يستطيع يجمع بين الأمرين.
والجعابي -رحمه الله- دخل الرقة، وكان له قمطرين من الكتب، فأنفذ غلامه ليأتي بالكتب فضاعت الكتب، فرجع الغلام مغمومًا، قال: ضاعت الكتب، فقال: يا بني لا تغتم، فإن فيها مائتي ألف حديث لا يشكلها عليّ منها حديث، لا إسنادًا ولا متنًا [الحث على حفظ العلم، ص: 98]، ضاعت الكتب أو ما ضاعت الكتب نفس الشيء.
هذه طائفة من جهابذة هذه الأمة وحفاظها، فأين لهؤلاء الكفرة والذين يدعون الحضارة والعلم مثل هؤلاء؟