الأربعاء 8 صفر 1440 هـ :: 17 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

ولاية الله ومقتضياتها


عناصر المادة
أهمية الولاء والبراء في الإسلام.
مقتضيات ولا ية الله عز وجل.
الإسلام هذب النفوس.
ولاء أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-
صبر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، وعظم أجر الهجرة -
صدق إسلام الرعيل الأول

الخطبة الأولى:

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَوَات ِوَالأَرْضِ الأنعام:14، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ  يونس:18.

وسبحانه وتعالى عما يوالون من دونه من أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرا، سبحانه وتعالى عن من يشركون به في حكمه، وفي حلاله وحرامه.

أهمية الولاء والبراء في الإسلام.
00:00:34

سبحانه وتعالى عن من اتخذ من دون الله ولياً يعادي من أجله ويوالي فيه.

أيها الإخوة: إن الولاء لله -سبحانه وتعالى- هي مسألة المسائل، ورأس الأحكام، وهي قضية خطيرة من قضايا الولاء والبراء، وهي رأسها، وكل مسألة في الولاء والبراء إنما هي فرع عن هذه المسألة وهي موالاة الله عز وجل، الولاية لله، والخضوع له سبحانه وتعالى- هي الأساس الذي تقوم عليه تصرفات المسلمين، من عبادات ومعاملات، واتخاذ المواقف من الآخرين، وهذه المسألة التي لو تحطمت في نفوس المسلمين لأصبحوا كفاراً مرتدين، ولا ينفعهم بعد ذلك عمل صالح أبدا، ولما كان من أسباب تقهقر المسلمين في هذا العصر تخلخل  العقيدة في نفوسهم، كان لابد من الكلام باستمرار على قضايا العقيدة الهامة والخطيرة، ومسألة الولاية لله سبحانه وتعالى لو كانت متحققة فعلاً في نفوس المسلمين اليوم لما وصلوا إلى الحالة التي هم عليها الآن.

إن كثيراً من المسلمين قد ارتدوا عن دين الله، ووالوا أعداء الله، وعقدوا معهم الأحلاف، وأطاعوهم في الحلال والحرام، واستوردت القوانين لبلاد المسلمين، يحكمون فيها كفراً وردة عن دين الله، بسبب عدم موالاة الله عز وجل،

 

إن كثيراً من المسلمين قد ارتدوا عن دين الله، ووالوا أعداء الله، وعقدوا معهم الأحلاف، وأطاعوهم في الحلال والحرام، واستوردت القوانين لبلاد المسلمين، يحكمون فيها كفراً وردة عن دين الله، بسبب عدم موالاة الله عز وجل،

 

 

 وولاية الله جاءت في القرآن في آيات عديدة: إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ الأعراف:196.اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِالبقرة:257.

وولاية الله أيها الإخوة لها مقتضيات:

مقتضيات ولا ية الله عز وجل.
00:03:16

فمن مقتضياتها: اتخاذ الله -سبحانه وتعالى- حكماً، يقول -الله عز وجل-:أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً الأنعام:114، لا يمكن أن أتخذ غير الله حكماً يحكم في الأمور.إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ يوسف:40، فلمن الحكم؟ لله -عز وجل.- والذين يتحاكمون إلى غير الله ذمهم الله في القرآن ذماً شديدا، ووصفهم بأنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، فمن الذي يحلل؟ ومن الذي يحرم؟ من الذي له هذا الحق؟ كيف كفر اليهود والنصارى؟ أليس؛ لأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، يطيعونهم في الحلال والحرام، ولذلك كان التحاكم إلى شريعة غير الله من الكفر الصريح البواح.

والذي يعتقد أن شرع غير الله أفضل من شرع الله فهو كافر، والذي يعتقد أن شرع الله مساوٍ لشرع غير الله وهو يأخذ بشرع الله فهو كافر، حتى لو حكم شرع الله، ما دام يعتقد أن شرع غيره أفضل، أو أن شرع غيره مثل شرع الله وهو يحكم بشرع الله، فهو كافر، ومن اعتقد بأن شرع الله أفضل من شرع غيره لكن يجوز الأخذ بالأمرين فهو كافر.هذه المسائل الخطيرة من مسائل الاعتقاد قد أصبحت اليوم نسياً منسيا عند كثير من المسلمين.

ومن مقتضيات الولاء لله: إفراد الله بالنسك:قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُالأنعام:162-163.

فالذي يشرك مع الله في العبادة ليس يوالي الله -عز وجل- مطلقاً، إذ كيف يشرك معه وهو يواليه؟وإفراد الله بالولاية جاء التعبير عنها في القرآن أحياناً بمعنى الاتباع، فقال -سبحانه وتعالى-: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَالأعراف:3.

فولاية الله تقتضي اتباع الله -عز وجل-، وتقتضي أيضاً نصرة الله -سبحانه وتعالى-، قال -عز وجل-: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاًالأنعام:14أغير الله أنصر؟ أغير الله أعلي كلمته؟ لا، فنصرة الله من مقتضيات ولاية الله -عز وجل-، ومن مقتضيات ولاية الله، إذا كانت ولايتك لله صحيحة توليت الله في جميع شؤونك، فلابد أن تتمسك بدين الله، وتترك ما أحدث الناس في الدين من البدع.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس، وترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد".

تجريد التوحيد من مقتضيات الولاية لله، تجريد التوحيد بجميع أنواعه، تجريد التوحيد من جميع أنواع الشرك أكبره وأصغره من مقتضيات الولاية لله، الانتساب إلى الله وحده، وترك الانتساب إلى ما سواه من مقتضيات الولاية لله، قال -رحمه الله- في المدارج في صفات هؤلاء الذين يوالون الله فأصبحوا غرباء: ومن صفاتهم قال: "وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ، ولا طريقة، ولا مذهب، ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية وحده، لا ينتسبون إلا إلى الله ورسوله فقط، لا ينتسبون إلى أحد من الناس، ولا طريقة من الطرائق، ولا جماعة من الجماعات، ولا طائفة من الطوائف، إنهم ينتسبون إلى الله وحده، يفردون الله بالانتساب إليه.

ومن مقتضيات هذه الولاية أيضاً أن تنسف الولايات السابقة التي كانت في عهد الإنسان قبل أن يدخل في ولاية الله.

الإسلام هذب النفوس.
00:08:59

كانت القبائل في الجاهلية كل فرد ينتسب إلى قبيلته، يواليها، ويعادي من أجلها، وينصرها وإن كانت ظالمة، كانت الولاية للقبائل، لما أسلم هؤلاء تغيرت ولاياتهم، صارت ولاية الصحابة لله وحده، ولذلك كان أحدهم يدخل في المعركة ضد قبيلته؛ لأن القبيلة كافرة وهو صار في معسكر أهل الإسلام وأهل التوحيد، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشدد ويؤكد في مناسبات كثيرة على هذه، على نسف جميع الولايات الأخرى وإبقاء الولاية لله وحده.

ينسف قضايا التعصب للعرق والنسب والقبيلة والطائفة، وهذا الحديث مثال على ذلك: روى البخاري -رحمه الله- عن جابر قال: غزونا مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد شاب معه أناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعَّاب –يعني: يلعب بالحراب، يجيد اللعب بالحراب- فكسع أنصارياً، فغضب الأنصاري غضباً شديداً، حتى تداعوا – تجمعوا واحتشدوا- وقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! تحزبت كل طائفة، كل واحد يقول: يا أصحابي يا للمهاجرين، والثاني يقول: يا للأنصار، فخرج -النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: (مابال دعوى الجاهلية)، ثم قال: (دعوها فإنها منتنة)، فكل ولاية لغير الله نتن وقذارة تلطخ التوحيد وتدمره، وتبعثره وتفرقه: (دعوها فإنها منتنة)[رواه البخاري: 4905، ومسلم: 2584].

ومن مقتضيات الولاية لله -سبحانه وتعالى-: أن تحب أحباب الله، أن تحب أولياء الله -سبحانه وتعالى-، وتعادي من عادى الله، وتعادي من أبغض الله.

ولذلك -أيها الإخوة- عقل صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا المعنى بشكل عجيب، فكان أحدهم يأتي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول له: يا رسول الله، إنك لأحب إليَّ من نفسي، إنك يا رسول الله لأحب إليَّ من نفسي، وإنك لأحبَّ إليَّ من أهلي ومالي، وأحبَّ إليَّ من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك.

تصوروا -يا أيها الإخوة- مقدار هذه المحبة للرسول -صلى الله عليه وسلم-، محبة أولياء الله وعلى رأسهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان متمثلاً في الصحابة، "وإني لأكون في البيت، فأذكرك، فما أصبر حتى آتيك، فأنظر إليك، وإذا ذكر موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك"، أنت ترفع مع النبيين وأنا قد لا أراك، ولو أني قد أدخل الجنة لكن قد لا أراك، أنا أخشى من هذا يا رسول الله، أنا لا أطيق على فراقك حياً، وبعد أن يبعثك الله، فلم يرد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما كان عنده جواب في المسألة، حتى نزل جبريل بهذه الآية، ما هي الآية؟ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِْالنساء:69-70.

هذا فضل الله، ليست الأموال، ولا السيارات، ولا الأراضي، ولا العقارات، ولا الجاه والمنصب ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ النساء:70معية الرسول-صلى الله عليه وسلم- والصالحين في الجنة. ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ النساء:70.

هذا الصحابي مثال لبقية الصحابة، ولذلك كان أحدهم يترك أخاه وأباه، وعائلته، وقبيلته، وعشيرته، ويلتحق بركب المسلمين، لا يوادّ الكفار ولو كانوا أقرب الناس هذا من مقتضيات ولاية الله، بل كان الأمر يصل ببعضهم أن يقتل أباه الكافر؛ لأنه يعادي الله، يعادي الله -عز وجل-.

قال ابن حجر -رحمه الله- في الإصابة، في ترجمة عامر بن عبد الله بن الجراح، وهو أبو عبيدة -رضي الله عنه-، قال: "نزلت فيه: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ المجادلة:22الآية.

ولاء أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-
00:15:57

قال ابن حجر: "وهو فيما أخرج الطبراني عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة يتصدي لأبي عبيدة يوم بدر، فيحيد عنه –الابن يحيد عن الأب- فلما أكثر من التصدي له، فلما أكثر قصده فقتله، أبو عبيدة يقتل أباه؛ لأن الأب كافر يعادي الله، وأبو عبيدة مؤمن يوالي الله، لا يجتمعان أعداء، حتى لو كان هذا من صلب هذا، فقصده فقتله، فأنزل الله هذه الآية:

لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْالمجادلة:22.

هذا المستوى الرفيع -أيها الإخوة- في الولاية، الذي تحقق في صحابة -رسول الله صلى الله عليه وسلم- هو الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه، من محبة الله لهم، ونصرة الله إياهم.

كان أحدهم يترك أهله، أقرباءه، ويؤاخي رجلاً بعيداً عنه، عن نسبه وعن بلاده، يؤاخي بلال الحبشي، وسلمان الفارسي، يؤاخي هؤلاء، يسكن معهم، يأكل معهم، يجاهد معهم، يتعلم معهم، ويترك الكفرة من الأب والابن وغيرهم من أقرب الناس، والمرأة تترك زوجها:فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ الممتحنة:10، هذا الحكم مهم جداً في هذا العصر؛ لأنه قد يوجد معك في بيتك مرتد عن دين الله، لما ابتعد الناس هذا الابتعاد الشديد عن الدين، وانسلخوا عن التوحيد، وابتعدوا عن الله -عز وجل-.

لابد أن نشعر بمعاني المفاصلة التي كان يشعر بها صحابة رسول الله، ومن أجل ذلك أيها الإخوة كان من مقتضيات الولاية لله: تحمل الأذى في سبيل الله؛ لأن هذه الولاية ستكلفك أشياء عظيمة، قد تكلفك حياتك، قد تكلفك مالك، وابتعادك عن أرضك، هذه الولاية لله.

 

لابد أن نشعر بمعاني المفاصلة التي كان يشعر بها صحابة رسول الله، ومن أجل ذلك أيها الإخوة كان من مقتضيات الولاية لله: تحمل الأذى في سبيل الله؛ لأن هذه الولاية ستكلفك أشياء عظيمة، قد تكلفك حياتك، قد تكلفك مالك، وابتعادك عن أرضك، هذه الولاية لله.

 

يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والترمذي عن أنس: (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد) في الله، من أجل الله، من أجل ولاية الله؛ لأني أوالي الله، (لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يُخاف أحد) ما أحد أوذي مثلما أوذي الرسول -صلى الله عليه وسلم-. (ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال)[رواه أحمد:12212 والترمذي: 2472]، شيء يسير جداً خلال ثلاثين يوم الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يجد طعام من أجل ولاية الله.

صبر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، وعظم أجر الهجرة -
00:19:08

حوصر الصحابة في الشعب، أكلوا أوراق الشجر حتى تقرحت أفواههم وشفاههم، لماذا؟ من أجل ماذا؟ من أجل أي شيء؟ من أجل ولاية الله -سبحانه وتعالى-، هذه المعاني التي تميعت عند المسلمين اليوم.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، وارزقنا ولايتك ونصرتك يا أرحم الراحمين.

وأستغفر الله لي ولكم.

أرجو من الإخوان في آخر المسجد أن يقتربوا حتى يدخل إخوانهم الواقفون في الشمس.

الحمد لله الذي لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى، له الأسماء الحسنى فادعوه بها، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي والى في الله وعادى في الله، وجمع الأمة على سبيل الله، وجاهد في الله حق جهاده، وعلمنا معاني الولاء والبراء، حتى تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

ومن أجل الولاية في الله أيها الإخوة تغرب صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الأوطان من أجل الله -سبحانه وتعالى، ولاقوا في أسفار الهجرة الأمرين، تحملوا ألم الغربة والفقر، وعدم وجود المأوى من أجل الله -سبحانه وتعالى-.

وهذا مثال من الأمثلة: روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: "بلغنا مخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن باليمن في أدنى الجزيرة، فخرجنا مهاجرين إليه، أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، وثلاثة وخمسون، أو في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلاً من قومي".

هجرة لله، لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله الله -عز وجل-، من اليمن قاصدين الرسول -صلى الله عليه وسلم-، تركوا كل شيء.

فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي في الحبشة، ركوب البحر كان خطيراً في ذلك الوقت، تحملوا هذا الخطر، لعب الموج بهم ثم ألقاهم في أرض الحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- وأصحابه عنده.

كان جعفر قد هاجر من مكة إلى الحبشة بأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال جعفر لأبي موسى، لأخيه في الدين، لصاحبه في الطريق الذي ما رآه من قبل، جمعه وإياه في أرض الغربة الولاية لله، ما رآه من قبل، مجرد ما التقى به أحس أنه وإياه شيء واحد، هذه الولاية لله الانصهار في بوتقة الأخوة التي تجمع الناس على طريق الله.

فقال جعفر: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثنا هاهنا وأمرنا بالإقامة فأقيموا معنا، قال: فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، إلى أين؟ إلى المدينة بعد هجرة رسول الله إليها -صلى الله عليه وسلم-، فوافقنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين افتتح خيبر فأسهم لنا، أعطانا من غنائم خيبر، مع أنهم لم يشهدوا، كانوا فقراء، فكان ناس من الناس يقولون لنا، يعني لأهل المدينة المهاجرين: نحن سبقناكم بالهجرة. قال: فدخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا على حفصة، زوجة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بنت عمر، في يوم من الأيام دخل عمر على حفصة وأسماء بنت عميس عندها، فقال عمر: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس، حفصة قالت: هذه أسماء بنت عميس، فقال عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ فقالت أسماء: نعم. فقال عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- منكم، فغضبت، وقالت كلمة تركتها الآن، ثم قالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار أو في أرض البعداء والبغضاء، في أرض الحبشة، وذلك في الله وفي رسوله -صلى الله عليه وسلم-. أرض البعداء والبغضاء في الله، كانوا فيها في الله، وأيم الله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أذكر ما قلت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونحن كنا نُؤذى ونخاف، في هذه الهجرة كنا نؤذى ونخاف في أرض بعداء وبغضاء، وسأذكر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأسأله، ووالله لا أكذب ولا أزيد على ذلك. قال: فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت: يا نبي الله إن عمر قال: كذا وكذا، فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس بأحق بي منكم ، وله وأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أصحاب السفينة هجرتان)[رواه البخاري:4231، ومسلم:2503]، قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتونني أرسالاً يسألونني عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم مما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، امرأة تخرج تتغرب في أرض بعداء وبغضاء تُؤذى وتُخاف من أجل أي شي؟ ليش؟ لماذا تفعل هذا العمل؟ ومن الذي يقوى على هذا العمل؟ أيها الإخوة: إنها الهجرة لله سبحانه، إنها تحقيق ولاية الله، إنها محاولة تكوين المجتمع الذي يرضاه الله سبحانه.

صدق إسلام الرعيل الأول
00:25:11

والولاية لله كذلك يا إخواني تعني: اتخاذ المواقف في ذات الله، من الناس تحديد المواقف، ووضع الإمكانيات المادية وغيرها في سبيل الله تحقيق ولاية الله.

مثال: قصة إسلام ثُمامة -رضي الله عنه-، لما أسلم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليَّ، هذا كله تمَّ في لحظات الإسلام، هذا الفرق بين إسلام الأوائل وإسلام الناس اليوم، في لحظات يدخل في دين الله، تقوم مقتضيات الولاء والبراء في نفسه، فيحب رسول الله، ودين رسول الله، وبلد رسول الله أكثر من أي شيء آخر، ثم استأذن رسول الله في العمرة، فشجعه عليه السلام عليها، فماذا قال لما ذهب إلى كفار قريش في مكة، اتخاذ المواقف تحديد المواقف من أعداء الله، ووضع الإمكانيات نصرة لله وولاية لله، قال: ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، وكانت اليمامة تصدر الحنطة إلى مكة، حتى يأذن فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وضع إمكانيات البلد كلها موطنه في سبيل الله ولاية لله ونصرة لله، من مِن الناس اليوم يضع إمكانياته في سبيل الله، من مِن الناس يستشعر.

ومن مقتضيات الولاية لله: عدم اتخاذ أعداء الله أولياء:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَالمائدة:51 ، وهناك من المسلمين اليوم كثير يسارعون فيهم: يوالونهم، ويصادقونهم، ويعقدون معهم الأحلاف للنصرة بين كافر ومسلم، كيف يجتمعان في قلب عبد؟ وفي العصر الحديث في بلاد الهند لما أتاها النصارى واستعمروها، وكان فيها كثير من المسلمين.

قال العلامة صديق حسن خان رحمه الله –وكان ملكاً في جزء من أرض الهند أو السند- كتب مؤلفاً، وهو: العبرة فيما جاء في الغزو والشهادة والهجرة، يقول فيه عن شيء من أشكال الولاية للكفرة، قال: "وأما القوم الذين في بلاد الإسلام والمسلمين ويدعون أنهم من رعية النصارى، ويرضون بذلك ويفرحون به، وإنهم ليتخذون لسفنهم بيارق وهي التي تسمى رايات مثل رايات النصارى، إعلاماً منهم بأنهم من رعاياهم، يعلم النصارى بأنه من رعاياهم، فهؤلاء قوم أشربوا حب النصارى في قلوبهم، ويعتقدون بأن النصارى أقوم للبلاد في حفظها من المسلمين، فإن كان القوم المذكورون جهال يعتقدون دين الإسلام وعلوه على جميع الأديان، وأن أحكامه أقوم الأحكام، وليس في قلوبهم مع ذلك تعظيم للكافر وأربابه، فهم باقون على أحكام الإسلام، لكنهم فساقٌ مرتكبون لخطب كبير يجب تعزيرهم عليه وتأديبهم وتنكيلهم، وإن كانوا علماء بأحكام الإسلام، ومع ذلك صدر منهم ما ذكر فيستتابوا، فإن رجعوا عن ذلك وتابوا إلى الله وإلا فهم مارقون، فإن اعتقدوا تعظيم الكفر وارتدوا، وجرى عليهم أحكام المرتدين.

فهذا المظاهر أيها الإخوة: إظهار شعارات النصارى، التشبه بهم في ملابسهم، حضور أعيادهم، تهنئتهم بمناسباتهم دلالة على ولايتهم من دون الله وتوليهم.

أتحب أعداء الحبيب وتدعي        حباً له ما ذاك في إمكان.

كيف تحب أعداء الله وتحب الله؟ لا يمكن يجتمعان في قلب عبد، وكثير من المسلمين اليوم يعظمون اليهود والنصارى، ويعظمون الكفار، يعتقدون أن الكفار أحسن من المسلمين، وأنهم أفضل من المسلمين في نواحي كثيرة.

ويقول النووي -رحمه الله- في الروضة في باب الردة ما لفظه: " ولو قال معلم الصبيان أن اليهود خير من المسلمين بكثير من أجل إيش؟ لأنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم كفر، الذي يقول أن اليهود أحسن من المسلمين بكثير، ليش؟ يقول: لأن اليهود يعطون معلمي الصبيان الحقوق والمسلمين لا يعطون فهو كافر.

واليوم وجد من المسلمين من ذهب إلى بلاد الكفار، وقال بعد عودته: وجدت إسلاماً بلا مسلمين، وجد هناك إسلام بلا مسلمين، هو المسكين يظن أن الإسلام هو النظافة والترتيب، أوتنظيم الأعمال، والإنتاج، يظن أن هذا هو الإسلام، لا حول ولا قوة إلا بالله، مسخت العقيدة، نسأل الله السلامة.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى أن ترزقنا ولايتك، اللهم اجعلنا ممن يوالي فيك، ويعادي فيك، اللهم اجعلنا ممن يحب أوليائك، ويبغض أعداءك، واجعلنا ممن أمتهم على التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه البخاري: 4905، ومسلم: 2584.
2 - رواه أحمد:12212 والترمذي: 2472.
3 - رواه البخاري:4231، ومسلم:2503.