الخميس 5 ذو الحجة 1439 هـ :: 16 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

هلاك القرى


عناصر المادة
سنة الله في إهلاك القرى:
أنواع التعذيب:
الحال بعد نزول العذاب:
الحذر من أسباب السخط:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستعفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أشهد أنه لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، هو الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر سبحان الله عما يشركون، فهو مالك الملك، المتصرف في جميع الأشياء بلا ممانعة ولا مدافعة، وهو المهيمن والرقيب على خلقه، وهو العزيز الذي عز كل شيء فقهره، وغلب الأشياء –سبحانه-، فلا يُنال جنابه لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه، وهو الله الجبار المتكبر لا يليق التكبر إلا له، وله العظمة -سبحانه وتعالى-، وهو الجبار الذي جبر خلقه على ما يشاء، يتصرف فيهم كما يشاء، وهو القوي العزيز -سبحانه وتعالى- وهو القادر على كل شيء.

سنة الله في إهلاك القرى:
00:01:50

قد أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وأمر بعبادته، وكان من سنته في خلقه أنه من أعرض عن ذكره، وتولى عن أمره، وخالف شرعه، فإنه يذيقه عذاب الخزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة،

 

قد أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وأمر بعبادته، وكان من سنته في خلقه أنه من أعرض عن ذكره، وتولى عن أمره، وخالف شرعه، فإنه يذيقه عذاب الخزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة،

 

 ولذلك أخبر -عز وجل- في كتابه العزيز عن إهلاك القرى المكذبة، فقال -سبحانه وتعالى-: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ الأحقاف: 27، فأهلك عادا، وثمود، وقوم نوح من قبل، ودمر على قرية لوط قريتهم، وهكذا في قوم شعيب، وفي غيرهم، وسلط على سبأ ذلك السد لما عصوا ربهم، قال -سبحانه وتعالى-: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَيونس: 13، وقال -تعالى-: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًاالكهف: 59، جعلناه إلى مدة معلومة، ووقت معين لا يزيد ولا ينقص، وقال -سبحانه-:وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَالأنبياء: 11، وقوله: وكم: يدل على التكثير و وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَالأنبياء: 11، أمة أخرى من بعدهم، وكذلك قال -سبحانه- مبينا أسباب الإهلاك: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ النحل: 112، فلما كفروا بنعمته، وعبدوا غيره، وأشركوا به، وكفروا، وسخروا النعم في معصيته، أذاقهم الله لباس الجوع والخوف بعد أن كان عيشهم رغيدا.

وهكذا فعل الله بقريش لما عتوا فأصابتهم سنة، أي: قحط أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز، وهو: وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه، من شدة الجوع والفقر الذي أصابهم، فهذا تبدل الأحوال، يحدثه الله في الخلق إذ كفروا على المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي، وهو ينذر ويتوعد -سبحانه وتعالى-، ولذلك قال في قصة قارون الذي تباهى بقوله: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي القصص: 78، الاغترار بما عنده، على علم عندي، هذه علوم الدنيا الذي يغتر بها الخلق، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ القصص:  78.

وهكذا يكون الأمر على النقيض مما لو كان استعمالا للنعمة في طاعة الله، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ الأعراف: 96، وعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم  والمحارم، كما قال ابن كثير -رحمه الله-: فأخذناهم بما كانوا يكسبون أي: المآثم والمحارم، وعلى رأس الكبائر بعد الشرك بالله الزنا والربا، فإذا فشا الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم غضب الله -سبحانه وتعالى-، وهذا شيء مشاهد ومعروف، هذا الإهلاك الذي يجيء من الله -سبحانه وتعالى- يأتي لأجل الظلم، قال -سبحانه وتعالى-: وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ القصص: 59، فلا يهلكهم الله -سبحانه وتعالى- إلا بظلمهم، وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُالحج: 48، ولهذا أسباب تفصيلية ذكرها -سبحانه وتعالى- في كتابه فقال: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًاالإسراء: 16، أمرنا مترفيها: أي: كثرناهم كما جاء عن عدد من المفسرين، وقال ذلك الرجل: "لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة" ، أي: عظم أمره وتضخم وزاد، وهكذا يقول المشرك في دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، أمرنا مترفيها، كثرناهم، وقيل: أمرناهم بالطاعة، ففسقوا، فعاجلناهم بالعقوبة، فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا، وقال -سبحانه-: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ الأنعام:  6، فلماذا يغتروا بالخضرة والزرع؟ ولماذا يغتروا بالأموال وما لديهم من الإمكانات؟ فإن الله -سبحانه وتعالى- يدمر كل ذلك تدميرا.

فاحذروا، أيها المسلمون! أن يصيبكم ما أصابهم، وهذه الموعظة في قوله -سبحانه وتعالى-: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ، وهذه الإمكانات قد تكون عذابا على أصحابها، فلذلك قال -سبحانه-: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ التوبة: 55، إذاً الأموال تكون سببا للعذاب في الدنيا قبل الآخرة، ويكون ما أقاموه وشيدوه وفعلوه عذابا عليهم، فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، أي: قبل الآخرة، وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَالتوبة: 55، فلا يجوز لمسلم أن يغتر بما لدى الكافر من الدنيا، فإنه وبال عليه، ولذلك قال -سبحانه-: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ المؤمنون: 55-56، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا التوبة: 55.

أنواع التعذيب:
00:10:53

وهذا التعذيب يكون على أنواع: فمنه ما يأتي بآفة سماوية، وعذاب من الله، ومنه ما يكون من السماء، كما أهلك قوم شعيب بقصف وصواعق، أرسلها عليهم في عذاب يوم الظلة.

أو صيحة تقطع القلوب في الأجساد، كما أهلك قوم ثمود، أو ريحا صرصرا عاتية، كما أهلك قوم عاد، أو طوفان يهلك ويغرق، كما فعل بقوم نوح، أو يبتلعهم البحر فلا يخرجون منه، كما فعل بقوم فرعون، أو يرسل عليهم سيلا، كما أرسل على أولئك الكفرة سيل العرم.

وكذلك من أنواع العذاب أن يسلط بعضهم على بعض، أي الكافر على الكافر، وقد أرسل الله بختنصر سلطه على اليهود لما عصوه وكفروا، وكذلك قال -سبحانه-: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَالأنعام: 129، أي: نجعل هذا يعتدي على هذا، ويتولى تعذيبه، ويكون هذا أسفل منه، مقهورا تحته، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ الأنعام: 129، وقد يجعل الله عذاب الكفرة على أيدي المؤمنين، كما عذب قريش في بدر، وكما عذب اليهود في بني قريظة وخيبر وبني النضير، وقد قال -سبحانه-: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْالتوبة: 14- 15، وإذا جاء عذاب الله، فإنه يأتي فجأة كما قال -تعالى-: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَالأعراف: 4، أهلكناها بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي في الدنيا موصولا بذل الآخرة، وهكذا يأتي البأس بياتا أو هم قائلون، قال ابن كثير -رحمه الله-: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته بياتا، أي: ليلا، أو هم قائلون، أي: من القيلولة، وهي الاستراحة وسط النهار"، قال تعالى : أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَالأعراف: 97- 98، وقد حدث كثيراً أن أتى الله الأمم المكذبة بعذاب في الصبح، إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍهود: 81، وهكذا يكون أكابر المجرمين سبب نزول العذاب، فقال -تعالى-: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَالأنعام: 123، فهؤلاء يكون مكرهم وبالًا عليهم وسببًا لنزول العذاب، فقال ابن عباس في تفسير قوله: أكابر مجرميها ليمكروا فيها، أي: سلطنا شرارهم فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب، وقال مجاهد وقتادة: أكابر مجرميها، أي: عظماؤها، وهكذا قال -عز وجل-: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَسبأ: 34-35، فيتباهون بالأموال وكثرتها، وهذا الزخرف من الحياة الدنيا، وينفون أنهم سيضعفون ويعذبون، فإذا بالله -سبحانه وتعالى- يسلط عذابه عليهم.

فما هي الموانع التي تمنع من نزول العذاب؟ قال -سبحانه-: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ هود: 117، فإذا كانوا قائمين بالإصلاح، يريدون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله لا يعذبهم، ولا يسلط عليهم عذابا وهم يريدون الإصلاح، ويعملون من أجله، ويقومون به، وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَهود: 117.

وكذلك قال -سبحانه وتعال-: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الأنفال: 33، إذاً الاستغفار مع الإصلاح من الأمور التي تمنع نزول العذاب.

الحال بعد نزول العذاب:
00:16:24

والله -سبحانه وتعالى- قد حذر الناس بأسه وسطوته: قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَالأنعام: 47، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا مريم: 74، أي: منظرا، وأشكالا، وأموالا، وأمتعة كما قال المفسرون، فهم في النظر أجمل، وأبهى، وأحسن، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا مريم: 74.

وهو -عز وجل- قوي عزيز يبطش، ويفعل ما يشاء، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ هود: 102، فماذا يكون الحال بعد نزول العذاب؟

قال –سبحانه-: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌهود: 100منها عامر، وحصيد، أي: هالك، وقال -عز وجل-: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ الحج: 45، قال المفسرون: خاوية على عروشها: قال الضحاك: سقوفها، أي: قد خربت منازلها، وتعطلت حواضرها، وبئر معطلة، أي: لا يستقى منها ويردها أحد، بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.

وقوله -تعالى-: وقصر مشيد، قال ابن كثير -رحمه الله-: لم يحمي أهله شدة بنائه، ولا ارتفاعه، ولا إحكامه، ولا حصانته عن حلول بئس الله بهم، كما قال -تعالى-: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍالنساء: 78، انتهى كلامه -رحمه الله -عز وجل-. وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ القصص: 58، فهو -عز وجل- يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجع العباد -سبحانه وتعالى-، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍص: 3، قال ابن كثير -رحمه الله-: "استغاثوا وجأروا وليس ذلك بمجد عنهم شيئا".

وقال –تعالى-: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَالأنبياء: 12، قال: "أي: يهربون، لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ الأنبياء: 13، قال ابن عباس: "نادوا النداء حين لا ينفعهم وليس بحين فرار ولا إجابة" هذا معنى قوله: وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ص: 3، كما قال مجاهد -رحمه الله-: "ليس بحين فرار ولا إجابة".

وقال -سبحانه- عن الموتى إذا ماتوا في العذاب: وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ الأنبياء: 95، قال ابن عباس -رضي الله عنه-: "إذا أهلكوا لا يرجعون إلى الدنيا، فإذا قبضهم الله وأخذهم فلا سبيل إلى الرجوع أبدا".

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من المصلحين، وأن تجعلنا من المستغفرين، اللهم ادرأ عنا العذاب يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الأمن لبلاد المسلمين، اللهم اجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إنك أنت الغفور الرحيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور التواب الكريم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن الله ولي المتقين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله النبي الأمين، أشهد أن لا إله إلا الله على كل شيء قدير، مشيئته نافذة في عباده، يأمر -سبحانه وتعالى- بما يشاء، إنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له: كن، فيكون، ولا يقع في الكون إلا ما يشاء -سبحانه وتعالى-، ولذلك فإن العبد يخاف ربه عندما يرى سطواته في خلقه، ويعلم حدوده، ويعلم أنه مخلوق ضعيف، وأن الرب قوي جبار منتقم -سبحانه وتعالى عز وجل-، وإنه –سبحانه- الكبير المتعال، وهو الكبير المتعال، وهو المتكبر، وهذا من أسمائه، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الجاثية: 37، ولذلك لا يحق لأحد من عبيده أن يتكبر؛ لأن التكبر منازعة لله في صفاته وأسمائه، ولذلك لا يليق التكبر إلا به -عز وجل-، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِالجاثية: 37، ولذلك كان من حكمته ومشيئته ألا يرفع شيئا إلا وضعه، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-:(إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه)،فلا يبقى إلا هو -عز وجل- فقوته الباقية المستمرة، والجن والإنس يموتون، ويضعفون، وينحلون، كذلك فإن كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الرحمن: 26-27.

الحذر من أسباب السخط:
00:23:07

فاحذروا، عباد الله! أسباب سخطه، وانظروا ما يفعل الله بخلقه، وكذلك فإنه -عز وجل- يعاجل بالتدمير أهل الربا، وينزل بهم سطوته ونقمته، وكذلك الزنى، فاحذروا من انتشار الزنا والربا، فإنها ما فشت في قوم إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله.

عباد الله! إن أولادكم وأهليكم وأنفسكم أمانة في أعناقكم، فقوموا بحسن تربيتكم، ونشِّئوهم على طاعة الله -عز وجل- فإن في التربية والتنشئة الطريق الصحيح لتقوية المسلمين، وانتصارهم على أعدائهم،

 

إن أولادكم وأهليكم وأنفسكم أمانة في أعناقكم، فقوموا بحسن تربيتكم، ونشِّئوهم على طاعة الله -عز وجل- فإن في التربية والتنشئة الطريق الصحيح لتقوية المسلمين، وانتصارهم على أعدائهم،

 

 فإن النصر لا يأتي إلا للطائع لله -عز وجل- على عدوه الذي يعصي الله -سبحانه وتعالى-.

وإنا ندعو الله في يومنا هذا لإخواننا المستضعفين في الأرض أن ينصرهم -عز وجل-، وإننا نسأل الله للمسلمين في فلسطين وغيرها العون والتأييد من ربنا لما أصابهم، وقد قام اليهود بانتهاز الفرصة في تشديد الحصار، والضرب، والتدمير، والقتل، وعمل المجازر في المسلمين حتى أن القتل قد زاد، وكذلك التدمير قد عم، وهم يستغلون الموقف تشويها للسمعة من جهة، واعتداء على المسلمين من جهة أخرى، فجهودهم منصبة في اتجاهين: الأول: تشويه الإسلام عند العالمين، ويسخرون لذلك كل آلة يملكونها في الأرض من المنظور والمقروء والمسموع؛ لأجل تشويه هذا الدين، ولكن الله غالب على أمره، وسينصر دينه لا محالة، ونحن واثقون من ذلك مهما سعى هؤلاء في تشويه الإسلام، فإن الإسلام سيبقى في الأرض، ولن يزول؛ لأن الله كتب هذا، وإذا كتب الله شيئا فلا يمكن لأحد أن يغالبه فيه، ولا أن يفعل شيئا يغير ما كتبه الله، فقد كتب الله أن يبقى الإسلام في الأرض، ولذلك سيبقى في الأرض، وكتب الغلبة لأوليائه في النهاية على الأعداء، ولذلك فهم سينتصرون ولا شك، والمهم الصدق مع الله -سبحانه وتعالى-.

ولعل هجمة اليهود الشرسة هذه تثير الحمية في نفوس المسلمين، وعندما ينصب جهد أولئك الأغبياء على الإسلام ككل، فإن هذا يوحد الإسلام في العالم، ويؤدي إلى تراص الصفوف في مواجهة تلك الهجمة؛ لأن كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان يحس أنه مستهدف، وهذا ما يكون من مكر الله بهؤلاء اليهود، فإنهم يمكرون ويمكر الله، ولذلك تأتي النتيجة بخلاف ما يريدون ويخططون، وليس المهم ما يحدث على المدى القريب بقدر ما هو ما يحدث على المدى البعيد، فإن هؤلاء اليهود يخططون، ولكن ينقلب تخطيطهم عليهم -بإذن الله-، والمهم أن يحس المسلمون جميعا بالواجب تجاه دينهم، وأن يستنفروا للذب عنه والرد، بل والهجوم به بهذا الدين على من يهاجمه، ولذلك قال -تعالى- عن القرآن: وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا الفرقان: 52، أي: جاهد الكفار بهذا القرآن جهادا كبيرا، فهذا القرآن إذا يغلب، والله هذا القرآن بقوته وحجته يغلب الكافرين، ويلقمهم الحجر تلو الحجر، فلا يستطيعون الرد؛ ولذلك ينبغي علينا فهم كتابنا، وأن نجاهد الكفار بهذا القرآن العزيز هذا الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من حميد مجيد -سبحانه وتعالى-.

اللهم إنا نسألك الأمن في بلداننا وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعلنا في ديارنا آمنين مطمئنين يا رب العالمين، اللهم آمنا في الأوطان والدور ووفق الأئمة وولاة الأمور، واجعلنا من التائبين يا تواب يا غفور، اللهم إنا نسألك صلاح الذرية وطهارة البيوت، اللهم إنا نسألك الاستقامة على شريعتك، اجعلنا لشريعتك محكمين في سائر الأمور إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَالصافات: 180 - 182.