الاثنين 3 ربيع الآخر 1440 هـ :: 10 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

مكانة الوحى عند الصحابة - الخطبة الثانية


عناصر المادة
أهمية الوحي والتربية في تربية المسلمين
الفرح بالوحي سمة بارزة في الجيل الأول.
البركة في الدنيا بحسب التمسك بتعاليم الإسلام.
الاشتياق إلى الوحي يدفع إلى العمل والتطبيق
عدم التفريق بين الناس أمر مهم في قبول الدعوة

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ آل عمران:102. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباًالنساء:1. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماًالأحزاب:70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

أهمية الوحي والتربية في تربية المسلمين
00:01:26

إخواني في الله، إن الوحي والتربية كلمتان متلازمتان في شريعة الإسلام ومنهجه، وتاريخه الذي بدأ منذ بعثة نبينا - صلى الله عليه وسلم- فقد كان الوحي ينزل على رسول الله وصحابته فيربيهم تربية عظيمة على أخلاق الإسلام وعقائده، وشرائعه، وعباداته، ومعاملاته، ما أغفل شيئاً قط،

 

كان الوحي ينزل على رسول الله وصحابته فيربيهم تربية عظيمة على أخلاق الإسلام وعقائده، وشرائعه، وعباداته، ومعاملاته، ما أغفل شيئاً قط ،

 

هذه التربية التي أنتجت تلك المجتمع المثالي الذي ينبغي أن يتبع أثره، وأن يسار على نهجه وطريقته، وأن نقتبس من نوره، وأن نجعل أفراده ومجموعه قدوة لنا جميعاً نحن المسلمين، وكانت آيات الكتاب العزيز تنزل وفيها تربية للأمة الإسلامية الأولى، ولطلائعها التي فتحت العالم شرقاً وغرباً، وكانت آيات تربي المسلمين على مبدأ الطاعة لله ورسوله، فتنزل فتتشربها تلك النفوس المؤمنة، فيحصل بها التطبيق العملي الصحيح، وتنزل آيات فيها معنى الإيثار، فتتشربها النفوس، فينتج عنها تلك القصص، التي نسمع بها من إيثار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وتنزل آيات الجهاد تحمس النفوس، وتثيب فيها كوامن العزة الإسلامية، وانطلاقة العمل والجهاد في سبيل الله، فنسمع عن قصص أولئك الأبطال الذين ضحوا بأموالهم، وأنفسهم، وأهليهم في سبيل الله -عز وجل-.

وقس على ذلك -يا أخي المسلم- من سائر المبادئ والمكرمات الإسلامية التي تضمنتها آيات وأحاديث الشرع المطهر، وأنا في هذه الخطبة -أيها الأخوة- استعرض معكم مثلين من آثار تلك التربية القرآنية، تربية رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ولن نخوض في سير أولئك العظماء مثل أبي بكر الصديق، أو عمر بن الخطاب.

 ولكني -أيها الإخوة- سأعرض عليكم نموذجين من الأحاديث الصحيحة في قصة بدوي، وعجوز من أوائل هذه الأمة حتى تعلموا، وحتى نعلم جميعاً بأن ذلك الإسلام العظيم، وذلك الشرع المطهر لم تكن التربية به تفرق بين كبير، ولا صغير، ولا ذكي، ولا بليد، ولا رجل، ولا امرأة، ولا شاب، ولا شيخ، بل كانت التربية عامة للجميع، كل يستفيد، وكل يتربى، وكل يتعلم، وهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه صاحب تاريخ الواسط يقول فيه: عن ثوبان مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: نزل بنا ضيف بدوي فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أمام بيوته، فجعل يسأله عن الناس، كيف فرحهم بالإسلام؟ وكيف حدبهم على الصلاة، فما زال يخبره، يعني: ما زال البدوي يخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من ذلك بالذي يسره، حتى رأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نظراً فلما انتصف النهار، وحان أكل الطعام دعاني مستقفياً، دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم- ثوبان مستقفياً لا يألوا أن آتي عائشة – رضي الله عنها – فأخبرها أن رسول الله أن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم – ضيفاً فقالت عائشة لما ذهب إليها ثوبان: والذي بعثه بالهدى، ودين الحق ما أصبح في يدي شيئ يأكله أحد من الناس، ما عندي شيء، فردني إلى نسائه، الرسول - صلى الله عليه وسلم – كلهن يعتذرن بما اعتذرت به عائشة – رضي الله عنها – فرأيت لون رسول الله - صلى الله عليه وسلم – خسف، خسف لون رسول الله - صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لم يجد ما يكرم به هذا الضيف، فقال البدوي: -انظروا أيها الإخوة- إلى التربية، انظروا كيف تأثر هذا البدوي بالتربية القرآنية الإيمانية، فقال البدوي: إنا أهل البادية معانون على زماننا، لسنا بأهل الحاضر، فإنما يأتي القبضة من التمر يشرب عليها من اللبن والماء، فذلك القصر، يقول البدوي: نحن لسنا مثل أهل الحضر، يكفينا قبضة من التمر عليها قليل من اللبن، والماء، ذلك هو القصر، هذا هو أعلى ما نتمناه هذا هو القصر، معزياً رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ومهوناً عليه الأمر، فمرت عند ذلك عنز لنا قد احتلبت، عنز ما فيها حليب؛ لأنها قد حلبت قبل قليل، كنا نسميها ثمر، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم – باسمها ثمر ثمر فأقبلت إليه نحمحم، فأخذ برجلها بسم الله، ثم اعتقلها بسم الله، ثم مسح سرتها بسم الله، فحفلت  امتلئ ضرعاها بالحليب، فدعاني في محلب، هات أني أحلب بها، فأتيته بها فحلب بسم الله، فملأه، فدفعه إلى الضيف، فشرب منه شربة ضخمة، ثم أراد أن يضعه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (عُلَّ) أخبرنا الشيخ حماد بأن عل من العلل، وهو تكرار الشرب حينا بعد حين، ثم أراد أن يضعه فقال له - صلى الله عليه وسلم-: (عُلَّ) فكرره عليه حتى امتلأ وشرب ما شاء شبع البدوي، وشرب ما شاء، ثم حلب بسم الله وملأه وقال: أبلغ عائشة هذا، فشربت منه ما بدى لها، ثم رجعت إليه فحلب فيه بسم الله ثم أرسلني به إلى نسائه كلما شرب منه رددته إليه، فحلب بسم الله فملأه، ثم قال: ادفعه إلى الضيف مرة أخرى فدفعته إليه، فقال: بسم الله، فشرب منه ما شاء الله، ثم أعطاني فلم آن أن أضع شفتي على درج شفته فشربت شراباً أحلى من العسل، وأطيب من المسك، ثم قال رسو الله - صلى الله عليه وسلم-: (اللهم بارك لأهلها فيها) يعني: العنز،  وهذا حديث صحيح إسناده، رجال إسناده ثقات، كلهم من رجال التهذيب، كما وضح ذلك صاحب السلسلة الصحيحة في المجلد الرابع.

الفرح بالوحي سمة بارزة في الجيل الأول.
00:09:48

أيها الإخوة، هذا حديث عظيم، فيه فوائد كثيرة وعظيمة لكل متأمل، وكل واع لهذه القصص من سيرة أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -، فمن ذلك يا إخوان أننا نعمل أعمالاً كثيرة طيبة، ولكن العبرة ليست باتباع العمل بقدر ما هي بالمداومة عليه، وبقدر ما هي في متابعته، إن العمل الصالح إذا لم يتابع، فإنه يضعف، وقد يضمحل، ولذلك كان لا بد من المتابعة في الأعمال الصالحة، وعلى رأسها الدعوة إلى الله -عز وجل- وتبليغ هذا الإسلام للناس، لا بد من متابعتهم والتأكيد عليهم، وتسقط أخبارهم، ومعرفة ماذا تشربوا من الإسلام؟ وماذا عرفوا من الدين؟ وماذا طبقوا من أحكامه؟ حتى يكون سيرهم قوياً متواصلاً متتابعاً، لا تشوبه شوائب الضعف والتعثر التي قد تودي بصاحبه إلى التوقف، أو النقوص.

ولذلك -أيها الإخوة- هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول لهذا الرجل البدوي: يقول ثوبان: نزل بنا ضيف بدوي، فجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم– أمام بيوته، فجعل يسأله عن الناس كيف فرحهم بالإسلام؟ وكيف حدبهم على الصلاة؟ الرسول – صلى الله عليه وسلم– يسأل هذا البدوي الأعرابي الذي جاء من الصحراء، عن ماذا يسأله؟ إنه يسأله عن الناس، كيف فرحهم بالإسلام؟ وهذه نقطة أخرى، إن الجيل الأول من صحابة رسول الله– صلى الله عليه وسلم – تميزوا بميزة عظيمة لا تكاد توجد في المسلمين اليوم، إلا من رحم الله.

ذلك -أيها الإخوة- الفرح بالإسلام، الفرح بالشريعة، الفرح بالوحي، الفرح بالدين، الفرح بأحكام الله -عز وجل-، الفرح بهذا النور الذي أنزله الله من السماء؛ ليحيي به هذه القلوب الميتة؛ لينزل عليها ماء مباركاً من أحكام الله وشرائعه، فتنبت هذه القلوب الأعمال الصالحة، وتنبت التقوى، وتنبت الاستقامة، وتنبت العبادة بشتى صورها.

أيها الإخوة، لقد كان ذلك الجيل يفرح فرحاً عظيماً بالإسلام، هل نحن الآن عندما نرى كتاب ربنا أمامنا هل نفرح به؟ هل نحن مسرورون به؟ هل تنتبئ نفوسنا جذوة واشتياقاً لهذا الكتاب ولأحكامه، مثل ما كان الناس يفرحون لصدر الإسلام بنزول آيات الكتاب العزيز، هذا -أيها الإخوة- هذا الفرح في الجيل الأول، والبرود والا مبالاة الموجودة في الناس المسلمين، في هذه الأيام، هي من أسباب التقهقر، والتأخر، وهذا الاختلاف، هذا الاختلاف المتناهي في الكون بيننا، وبين الصحابة كانوا يفرحون، يقول الله -عز وجل-: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَيونس:58.الواحد منا عندما تقترب نهاية الشهر، ويقبض المرتب، أو تأتيه مكافأة، أو يربح في صفقة تجارية، تعلوا وجهه علامات السرور، على وجهه من هذا المال الذي اكتسبه؛ لكن انظر إلى وجهه وأنت تقرب إليه قرآناً، أو أنت تقرأ عليه حديثاً من أحاديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – هل يفرح به؟ هل يفرح به ويستبشر باستقبال هذا النور؟ هذا غير موجود -أيها الإخوة- للأسف، في قطاعات كثيرة من المسلمين اليوم، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَيونس:58. الرسول يسأل الأعرابي، يسأله عن الناس، كيف فرحهم بالإسلام، ثم يسأله عن علامات الإيمان، وعن الأعمال الصالحة، وعلى رأسها الصلاة عماد الدين، والركن الركين من أركان الإسلام، وكيف حدبهم على الصلاة، كيف مواظبتهم على الصلاة؟ كيف يواظبون عليها؟ فهذا الأعرابي يخبر قائده، وإمامه، محمد – صلى الله عليه وسلم – بالمعلومات التفصيلية عن أوضاع البادية، وعن مدى انتشار الإسلام فيها، وعن مدى إقامتهم للصلوات الخمس، وكانت البادية -أيها الإخوة- في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تستقبل هذه الأنوار، وتستقبل رسل الرسول – صلى الله عليه وسلم – مستبشرين فرحين، فهذا الأعرابي أخبر الرسول – صلى الله عليه وسلم – بأخبار البادية، أخبار عظيمة، لدرجة أن الرسول – صلى الله عليه وسلم– أصبح وجهه نظراً، علته النظارة، علاه الفرح والسرور من هذه المعلومات.

البركة في الدنيا بحسب التمسك بتعاليم الإسلام.
00:16:00

إذا كان -أيها الإخوة- هذا هو حال البادية في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم –، فما بالكم بعهد الحاضر، الذين كان الرسول– صلى الله عليه وسلم– موجوداً بينهم، وكثير من البدو الذين انتشر فيهم الإسلام في عصر صدر الإسلام ما رأوا الرسول- صلى الله عليه وسلم– كثير منهم ما رأوه، وكثير منهم ما رأوه إلا مرة واحدة في حجة الوداع، إذاً القضية كانت مرتبطة بالمبادئ، وليست مرتبطة بالأشخاص ما كان الناس يسلمون ويكفرون لمجرد شخصية الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وإن كان لها ثقلاً عظيما، ولكن فرح الناس بالقرآن -أيها الإخوة- فرحهم هو الذي يحدوهم، ويدفعهم إلى العمل، هذا البدوي الذي جاء من الصحراء، لما تربى بهذه التربية أصبح ذو نفسية شفافة، لما جاء إلى الرسول، وعرف أنه ليس لديه طعام، ماذا فعل؟ أصدر تلك الكلمات التي تنم على القناعة والزهد، والذي تعزي الرسول – صلى الله عليه وسلم – وتفرج عنه تلك الكربة التي نزلت به حتى كست وجه الرسول – صلى الله عليه وسلم – وجلس يقول له: نحن يكفينا قليل من التمر، مع قليل من اللبن والماء، هذا كل ما نحتاج إليه، والرسول الله – صلى الله عليه وسلم – كريم مؤيد بالمعجزات من رب العالمين؛ لكي يدلل الله تعالى على صدق نبوة نبيه – صلى الله عليه وسلم – فدرت تلك الشاة بالحليب الذي شرب منه ذلك البدوي عدة مرات، شرب منه عدة مرات، وشرب نساء النبي– صلى الله عليه وسلم -، وشرب الرسول – صلى الله عليه وسلم – كما هو مستوحى من آخر الحديث، ثم شرب ثربان واضعاً شفته على الموضع الذي وضع فيه– صلى الله عليه وسلم – شفته فصار الحليب أحلى من العسل، وأطيب من المسك.

 هذا هو رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المبعوث رحمة للعالمين هادياً مهديا.

أيها الإخوة، حتى الدواب في ذلك المجتمع كانت متآلفة مع الناس، إن الله إذا أطاع الناس أوامره طرح البركة فيهم وفي دوابهم، وما ينتجونه؛ ولذلك ترى الناس الآن كثير منهم يأكلون فلا يشبعون، نزعت البركة من المأكل والمشرب، ترى الثمرة كثيرة الحجو، تأكل منها لا تشبعك الناس الآن يأكلون أضعاف أضعاف ما كانوا يأكلوه صحابة الرسول – صلى الله عليه وسلم – نزعت البركة من المطعم والمشرب؛ بسبب كثرة المعاصي، منع القطر من السماء، أصبح المطر شحيحاً؛ بسبب كثرة المعاصي، إن الناس إذا رجعوا إلى شرع الله ودينه، فإن الله يبارك لهم في أرضهم، ونباتهم ومطرهم، ويصبح مطرهم غيث كما كان مطرهم، فإنه ليس كل مطر غيث قد ينزل الماء من السماء، لكنه يكون دماراً على نبات الأرض، لا ينبته ولا يحيه، لكن الغيث هو الذي يحيي الأرض بإذن الله البركة.

أيها الإخوة، شيء نزع منا يقول واحد من الناس: لا أدري أين يذهب راتبي؟! آخذ راتبي من هنا وينفذ من هناك، لا أدري أين يذهب الراتب.

 يا أخي، إذا أردت أن تدري أين يذهب الراتب فانظر إلى مدى تمسكك بشرع الله، وأحكام الدين كم تطيع الله -عز وجل- كم تطيعه؟ إلى أي حد؟ ما هي نسبة التزامك لأحكام الإسلام؟ عندما تفكر في هذه النتيجة يتبين لك لماذا نزعت البركة من الراتب؟ ولماذا نزعت البركة من الطعام، حتى دوابهم شملتها البركة، حتى دوابهم كانت متآلفة معهم، وكذلك -أيها الإخوة- رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القدوة ما نسي نساءه وأهل بيته، فإنه لما جاءه رزق من الله -عز وجل-، وأكرم هذا الضيف، وإكرام الضيف واجب، بخلاف ما يفعله كثير من اللئام في هذه الأيام، الذين يقفلون بيوتهم ولا يدعون إلى الولائم إلا الأغنياء والوجهاء، ويمكثون الضعفاء والفقراء، هؤلاء ليس لهم عند الله من ... هذا -أيها الإخوة- رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما نسي نساءه ولا أهل بيته ولا خدمه ثوبان أسقاهم كلهم، فشربوا حتى ارتووا، وهكذا يجب على كل مسلم داعية إلى الله، على كل مسلم على وجه العموم أن يرأف في حال أهل بيته، وأن يشبعهم، وأن لا يكتفي بإشباع ضيوفه، وأن يشتهر بين الناس أنه كريم، بينما أهل بيته يئنون من وطأة بخله وشحه، وفقنا الله وإياكم للالتزام بهدي الإسلام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله الذي سبح كل شيء بحمده، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

الاشتياق إلى الوحي يدفع إلى العمل والتطبيق
00:22:18

إخواني، بعض الناس يظنون بأن صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم – ما كانوا على ذلك المستوى الإيماني إلا بسبب وجود شخص النبي – صلى الله عليه وسلم – بينهم، ولكن -أيها الإخوة-، لو كان هذا الأمر صحيحاً، فكيف كان حال الصحابة بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم –؟ وكيف كان حال التابعين؟ ومن تبعهم بإحسان، لو كان هذا الكلام صحيحاً أن ذلك المستوى الإيماني الذي وصل إليه كان بسبب وجود النبي – صلى الله عليه وسلم – فقط لوجدتهم بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – قد ارتدوا على أدبارهم ولما وجدت بعد ذلك تابعين، ولا تابع تابعين، ولا فتوحات إسلامية، ولا علماء، ولا مجاهدين، ولا قادة، ولا خلفاء صالحين، ولكن -أيها الإخوة- الأمر على العكس من ذلك، إن التأريخ الإسلامي يثبت بأن ذلك المستوى الذي وصلوا إليه يعود جزءُ كبير منه إلى صحة التربية، على صحة التربية على صحة المنهج، الذين كانا موجودين في ذلك العصر، فإذا أردنا أن نكون على طريقة تشبه طريقتهم، ونصل إلى شيء مما وصلوا إليه من ذلك الإيمان والعلم، فعلينا -أيها الإخوة- أن نبحث عن المنهج الصحيح الذي ساروا عليه، وأن نربي أنفسنا على تلك التربية.

 

إذا أردنا أن نكون على طريقة تشبه طريقتهم، ونصل إلى شيء مما وصلوا إليه من ذلك الإيمان والعلم، فعلينا -أيها الإخوة- أن نبحث عن المنهج الصحيح الذي ساروا عليه، وأن نربي أنفسنا على تلك التربية.

 

أعود فأقول: إن الاشتياق إلى الوحي أمر عظيم، الاشتياق إلى نصوص القرآن والسنة، الاشتياق الذي يدفع إلى العمل والتطبيق أمر مهما جداً، ولا أدل على ذلك من هذه الحادثة، حادثة عجوز كبيرة في السن، فعلت بأبي بكر وعمر مالا يفعله غيرها، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أنس – رضي الله عنه – قال: قال أبو بكر لعمر – رضي الله عنهما- بعد وفاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم– يزورها، صحابة الرسول– صلى الله عليه وسلم – كانوا حريصين على عدم قطع عادته -صلى الله عليه وسلم-، وعلى عدم إيقاف سنته في رعيته، فكانوا يزورون من كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يزوره، وكان من بينهم هذه المرأة العجوز أم أيمن الضعيفة المسكينة، ماذا تنفعهما؟ وماذا تقدم لهما انظروا ماذا تقدم لهما هذه المرأة العجوز، فلما انتهيا إليها بكت لما وصلا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله – صلى الله عليه وسلم–؟ بكت أم أيمن؛ لأنهما ذكراها بزيارة الرسول– صلى الله عليه وسلم– لها، بكت، هذا هو الظاهر، أما الباطن فهو شيء آخر ستخبر به تلك المرأة، فلما رأى أبو بكر وعمر هذا الحال منها قالا لها معزين، ومخففين للأحزان، قالا لها: إن ما عند الله لرسوله من الثواب والنعيم خير له من هذه الأرض، فما ينبغي لك أن تحزني، فإن رسول الله قد ذهب إلى نعيم مقيم، لا تحزني عليه، فماذا قالت أم أيمن؟ تلك المرأة العجوز قالت هذه العبارة التي ما فقه معناها كثير من المسلمين: قالت: إني ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، أنا ما أبكي لهذا السبب، أنا أعلم أن ما عند الله في السماء خير للرسول – صلى الله عليه وسلم – ولكني أبكي أن الوحي قد أنقطع من السماء، الوحي، الأوامر، النواهي، التشريعات، الأخلاق، العبادات، التوجيهات، هذه الحوافز التي كانت تدفع هذا العلم والنور الذي كان ينزل من السماء، هذا الذي قد انقطع، هذا الذي أبكي من أجله، وأتنكر منه، انقطاع الوحي -أيها الإخوة- في موت الرسول – صلى الله عليه وسلم – أثر على هذه المرأة العجوز، فجعلها تبكي لهذا السبب انقطع الوحي من السماء، لم تعد تلك الآيات تنزل كما كانت تنزل، لم تعد تلك التعقيبات على الأحداث تنزل كما كانت تنزل، لم تعد تلك المبادئ التربوية تنزل فتربي الناس مثل ما كانت تنزل، هذا العلم الذي انقطع، هذا الذي سد بوفاة الرسول– صلى الله عليه وسلم–، المبلغ للوحي عن ربه، هذا هو الذي انقطع، هذا الذي أبكي من أجله، هذا الذي أنا متأثرة منه، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها.

أيها الإخوة، إن أبا بكر وعمر من كبار الصحابة هم الذين هم اللذان كان يربيان الناس، عليهما العبء الأكبر في التربية، من الذي كان يربي أبا بكر وعمر؟ من الذي كان يربي أبا بكر وعمر الشاب؟ هذه العجوز أيها الإخوة، هذه هي عظمة الإسلام، الإسلام أخذ وعطاء، تأثر وتأثير لا يعني أن الأكبر لا يتأثر من الأصغر، ولا أن الأعلى لا يتأثر من الأدنى هذه عجوز ألقت على أبي بكر وعمر درساً إيمانياً حاراً من حرارته ذرفت دموع العيون، ومن حرارته اندفعت تلك الدموع، سخية منهمرة حزناً على انقطاع الوحي، كان الصحابة يشتاقون، كان فيهم حرارة ولوعة، كان فيهم شيء يحركهم لهذه الآيات التي تنزل.

عدم التفريق بين الناس أمر مهم في قبول الدعوة
00:29:15

أيها الإخوة، وتواضع المسلمين أعلاهم لأدناهم من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المجتمع المسلم، ماذا تفعل عجوز بأبي بكر وعمر! ولكن ذهب الخليفة ونائب الخليفة ليزورا تلك المرأة المسكينة العجوز، ذهب ليزورها، يجيب أعلاهم أدناهم، ويتواضع أعلاهم لأدناهم، ليس هناك فرق .... وبعض الذين يزعمون أنهم منشغلون بأشغال مهمة تلهيهم عن ضعفة الناس.

أيها الإخوة، إن هذا مبدأ خاطئ في الدعوة إلى الله، يجب الاهتمام بجميع الناس، وتعليمهم، الرسول – صلى الله عليه وسلم – لما جاء إليه ابن أم مكتوم وأعرض عنه من أجل العظماء من كفار قريش؛ لعلهم يسلمون لمقصد شرعي صحيح عاتبه الله -عز وجل- على إعراضه عن أم مكتوم الضعفاء، لهم مكاناً في الإسلام، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الحديث الذي رواه الإمام البخاري في الصحيح (إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم)[رواه البخاري:2896]، وقال:(ابغوني الضعفاء) [رواه أبوداود:2593] ابغوني: أعطوني الضعفاء، قدموا الضعفاء، إنما تنصرون، وترزقون بضعفائكم، جرت العادة -أيها الإخوة- أن القرناء يقع بينهم ما يقع من الحسد والتنافس، الناس القريبين في المركز، أو العلم، أو الجاه، أو المنصب يقع بينهم ما يقع من التنافس، ولكن انظروا إلى أبي بكر وعمر الخليفة ونائب الخليفة، انظروا إليهما وهما يأتيان إلى تلك المرأة يتعاونان على هذا العمل من البر والتقوى، يتعاونان ولا يحدث بينهما ذلك الحسد والتنافس في البغضاء، وهذا درس لكل مسلمين، لكل مسلمين يقع بينهما شيء من الحسد أن يزيلا هذا الحسد من بينهما، ويستبدلا بدلاً منه طاعة وقربة وتعاوناً على البر والتقوى، كما تعاونا أبي بكر وعمر، كانا يداً واحدة – رضي الله تعالى عنهما – هذه -أيها الإخوة- إذا كان هذا هو حال البدو في صدر الإسلام، وحال العجائز في صدر الإسلام! فكيف حال كيف حال كبار الصحابة؟ إذا كان هذا حال البدو والعجائز كيف كان حال كبار الصحابة؟ هذا درس لنا جميعاً، نحن الذين نملك مقدرات أكبر، من ما كان يملكه ذلك البدو، وتلك العجوز مقدرات، ولكن نفقد الإيمان نفقد الإيمان نفقد الفرح، لنقرأ آيات الله عز وجل وأحاديث رسوله – صلى الله عليه وسلم - وتطبيقها.

اللهم يا فارج الهم، و يا  كاشف الغم اللهم اكشف كربة الدين، اللهم أزل كربة الدين، وأزل غربتهم، وجعلنا من ناصيره يا رب العالمين اللهم من أراد بالإسلام وأهله خيراً فوفقه إليه، وكن يا مولانا عوناً     له عليه، ومن أراد بالإسلام وأهله وبلاد المسلمين شراً، فجعل كيده في نحره ورد كيده في نحره، واجعله عبرة لمن يعتبر يا رب العالمين إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر، والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

 

1 - رواه البخاري:2896.
2 - رواه أبوداود:2593.