الجمعة 10 صفر 1440 هـ :: 19 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

زواج وفرصة عمل في مديَن


عناصر المادة
قص الله القصص للاعتبار
من فوائد قصة موسى: السؤال بالحال يغني عن المقال
القوة والأمانة من صفات العامل الصالح
من دروس قصة موسى شروط عمل المرأة
المحافظة على الأهل من أهم العبر في قصة موسى

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمداً عبده وسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالة في النار.

قص الله القصص للاعتبار
00:00:48

لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، قص الله القصص للاعتبار وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ سورة هود 120. رجل أراد الله أن يخرجه من قصر الترف إلى مكان العمل والكد، يكسب به كريم العيش بنفسه، رجل أراد الله أن يعده لتلقي النبوة برعاية الغنم عشر سنين؛ تمهيداً لرعاية البشر، رجل أعزب أراد الله أن يزوجه من امرأة صالحة لكنها في مكان بعيد، فقدر قدراً ليخرج هذا العبد من ذلك المكان إلى تلك البلد؛ ليتزوج تلك المرأة المعينة التي قدرها الله.

 

رجل أراد الله أن يخرجه من قصر الترف إلى مكان العمل والكد، يكسب به كريم العيش بنفسه، رجل أراد الله أن يعده لتلقي النبوة برعاية الغنم عشر سنين؛ تمهيداً لرعاية البشر، رجل أعزب أراد الله أن يزوجه من امرأة صالحة لكنها في مكان بعيد، فقدر قدراً ليخرج هذا العبد من ذلك المكان إلى تلك البلد؛ ليتزوج تلك المرأة المعينة التي قدرها الله.

 

موسى -عليه السلام- قربه الله نجياً، وكلمه تكليماً، وكان عند الله وجيهاً، ذكره الله في أكثر من مائة وثلاثين موضعاً من كتابه، في قصص مفصلة، ومختصرة، متنوعة، فيها العجب العجاب، سيرة عطرة، قدر الله على ذلك النبي الذي نشأ في قصر الترف، أن يخرج منه بعدما قتل القبطي خائفاً يترقب، بعد نصيحة تلقاها من مشفق يقول له: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ سورة القصص 20. يذهب إلى مكان لا يعرفه مسبقاً، ليس معه دابة ولا متاع؛ لأنه خرج خائفاً مسرعاً، بعد تلقي النصيحة  ولكنه دعا بدعوتين: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ سورة القصص 21. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ سورة القصص 22. لأنه لم يكن يعرف ذلك السبيل، فهداه الله سبيلاً وأي سبيل، وصل موسى -عليه السلام- إلى مدين منهكاً متعباً جائعاً، بعد أن يسر الله له ذلك الطريق، وورد على البئر أول ما ورد، فشاهد مشهداً عجيباً، لم يكن العجيب أن يرى مجموعة من الرعاة مع أغنامهم يسقون تلك الغنم من تلك البئر، فهذا أمر عادي، لكن العجيب أن يجد من دونهم امرأتين تذودان، لا تختلطان بالرجال، وتبعدان الغنم حتى لا تختلط بأغنام الرعاة، رأى امرأتين حييتين محجبتين، بعيدتين عن الرجال، تجتهدان في ذلك الابتعاد، ما الأمر؟  إن روح الشهامة لتستيقظ بالمواقف، وموسى حيي أيضاً، علمنا كيف نخاطب المرأة الأجنبية عند الحاجة بالكلام القصير الذي لا يتعدى الحاجة، كلمة واحدة: قَالَ مَا خَطْبُكُمَا والمرأتان على هذا الحياء أيضاً، فأجابتا بتلك الكلمات المعدودات قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ سورة القصص 23. لا يمكن أن نختلط بالرجال، لا يمكن أن نبدأ بعملنا حتى يبتعد الرجال الأجانب، وهذا معنى كلمة: يُصدرَ، يبتعد الرعاء، وما خرجنا حباً في الخروج، ولا إرادة لإثبات الجدارة بين الرجال، -كما يقول الشياطين- وإنما كان الخروج للحاجة، فأبونا شيخ كبير لا يستطيع سقي الغنم، وهذا عيشهم، إذاً فلابد من الخروج؛ فلذلك خرجتا، وكانت تلك الكلمات كافية في شرح كل القضية، لماذا تقفان في هذا المكان ؟ فما كان من موسى -عليه السلام- وهو الرجل الشهم إلا أن يتقدم لبذل المعروف، وسقي الغنم، وكان لعمر - رضي الله عنه- اهتمام خاص بهذه القصة، ولذلك ورد عنه في مصنف ابن أبي شيبة، روايات منها: أن هذا البئر كان عليه صخرة عظيمة لا يحملها إلا عشرة من الرجال، فلما سقى الرعاء، وضعوا الصخرة ومضوا، فحملها موسى -عليه السلام- وحده، وسقى الغنم كلها وحده، حتى رَوِيت، ولم يطلب شيئاً، ولم يشترط لا من قبل ولا من بعد، ولم ينتظر كلمة شكر، وإنما تولى مباشرة بعد العمل فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ لقد قام بذلك العمل في وسط النهار، تحت الشمس المحرقة، فلما قضى عمله تولى إلى الظل، منهكاً متعباً جائعاً، سقط نعلاه، فلم يكن له نعلان، كما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنه- ليجلس في الظل متعباً، يكاد ظهره يلتصق ببطنه من شدة الجوع، وترى خضرة البقل من جوفه؛ لأنه لم يكن له في خروجه وسفره من طعام إلا ورق الشجر، صفوة الله من خلقه، نبيه يجلس جائعاً منهكاً متعباً في الظل، محتاجاً إلى نصف تمره، إلى شق تمره من شدة الجوع والتعب الذي أنهكه بعد السفر وبعد السقي، فما كان منه إلا أن يرفع يديه شاكياً حاله إلى ربه منادياً له بالربوبية، والرب يربي عباده، ويصلح من يربيهم، ويقوم عليهم، ويوصل مصالحهم إليهم.

من فوائد قصة موسى: السؤال بالحال يغني عن المقال
00:09:00

رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ وهذا السؤال بالحال المغني عن المقال فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ سورة القصص 24. محتاج إلى خيرك يا رب مِنْ خَيْرٍ نكرة في سياق السؤال تفيد العموم، أي نوع من الخير، طعام، شراب، مأمن، مأوى، ثياب، من خير فَقِيرٌ محتاج، والسؤال بالحاجة توحيد لله، وشكاية الحال إلى الله محبوب لله، وبيان الافتقار إلى الرب سبحانه من صميم التوحيد رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ أنا محتاج إلى خيرك يا رب، لم يذكر إلا شكوى الحال، ولم يطلب شيئاً معيناً، والإجمال في مقام الطلب دليل الفقه في الدعاء، ومن الأنبياء نتعلم، ومما يرشدهم الله إليه نتفقه، والله عز وجل غني وقوي، فإذا سأل العبد ربه بفقره وغناه سبحانه، وضعفه -هو العبد- وقوته سبحانه فإن هذا محبوب للرب أي محبوب رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ولما عادت المرأتان إلى أبيهما، عادت الفتاتان أسرع من المعتاد، وأبكر من المعتاد، لابد أنه سألهما لماذا رجعتما اليوم مبكرتين على خلاف المعتاد؟ لتخبراه بالتأكيد، ليرسلهما بعد ذلك للجزاء الحسن، وهكذا ناشد موسى ربه، ولم تكد المناشدة تنتهي حتى جاءت الفتاتان ِوجاء معهما الفرج، ولم يطل الأمر كثيراً والله كريم، يجيب دعوة المضطر إذا دعاه رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء سورة القصص24-25. فجاءته: ترتيب مع التعقيب، فجاءته وجاء معها الفرج، والله يجيب بأسباب فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قال عمر أمير المؤمنين -رضي الله عنه-: "قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفعٍ خراجة ولاجة" [رواه ابن أبي شيبة 31842]. رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، تغطية الوجه، مجمع المحاسن في المرأة، إنه أمر قديم من شرائع الصالحين والأنبياء، قائلة بثوبها على وجهها -يقول أمير المؤمنين- ليست بسلفع خراجة ولاجة، إنما كان الخروج للحاجة قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ولست أنا أدعوك، فإن المرأة الأجنبية لا يمكن أن تدعوا رجلاً أجنبياً بنفسها، قدمت الفاعل على الفعل، "إن أبي" مصدر الدعوة إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ ولأن المقام يمكن أن يكون فيه ريبة في مخاطبة رجل أجنبي ودعوته، فقد وضحت الموضوع والسبب من وراء هذه الدعوة إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وأنت محسن كريم، قد أحسنت فلا أقل من رد هذا الإحسان بإحسان إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا مضى موسى -عليه السلام- ولا يرد دعوة الكريم إلا لئيم، وكان موسى كريماً والرجل كريماً، فلما ألتقى الرجلان الصالحان، وكأنهما يعرفان بعضهما البعض منذ مدة طويلة، فإن الأرواح تتلاقى، وإن النظير إلى نظيره ينجذب فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ ليست قصة واحدة، قصص، ما كان من أمره وهو من بني إسرائيل، وشأن فرعون مع بني إسرائيل، وكيف حصل من ذلك الذي نجاه الله به منهم، ثم أن ينشأ في ذلك القصر، ثم أن يقتل القبطي، ثم أن يخرج هارباً ناجياً بنفسه، ثم حادثة البئر، وقصة البئر فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ وأول ما يحتاج الخائف إلى التطمين والتسكين، ولذلك قال الرجل الصالح الحكيم لا تخف لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فليس لهم سلطان علينا، ولا يصل مكرهم إلينا، فنحن بلد مستقل عنهم لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وهكذا أمن الله عبده، ويسر له أمراً، ودبر له تدبيراً، والله - سبحانه وتعالى - يدبر لعباده الصالحين ويحسن التدبير لهم.

اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين يا رب العالمين، وأدخلنا برحمتك فيهم يا كريم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والله أكبر، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، البشير والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذريته الطيبين، وخلفاءه الميامين، وأزواجه، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك صاحب الحوض المورود، والمقامِ المحمود، والشافع المشفع يوم يقوم الشهود.

القوة والأمانة من صفات العامل الصالح
00:17:12

عباد الله:

مادام قد وصل هذا المنقذ فلماذا لا تستثمر الفرصة من هذه المرأة؛ للفكاك والنجاة من مغبة الخروج، وما يترتب على الخروج من البيت، ومزاولة العمل خارج البيت، مخاطر قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ سورة القصص 26. يا أبت جاءت الفرصة، ونريد الفكاك والنجاة والخلاص، يا أبت استئجره وفكنا من هذا العمل، يا أبت استئجره وقد جاءت الفرصة في رجل تتوفر فيه صفاتان مهمتان عظيمتان لابد منهما في الأعمال، إن خير من استئجرت القوي واحد، الأمين الثانية، فإذا كان قوياً غير أمين مصيبة، وإذا كان أميناً غير قوي فهو ضعيف ماذا يدبر وأيّ مصلحة يحقق، وعمر -رضي الله عنه- الذي كان مهتماً بهذه القصة كان يعاني وهو الخليفة في تعيين الأمراء على الأقطار، والقضاة، والأئمة، وقادة الأجناد، كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة" جلد الفاجر: ليس عنده أمانة، أنه جلد وقوي، وعجز الثقة: أمين لكن ليس عنده قوة، صفتان مهمتان في من يتولى أعمال المسلمين الخاصة والعامة،

 

وعمر -رضي الله عنه- الذي كان مهتماً بهذه القصة كان يعاني وهو الخليفة في تعيين الأمراء على الأقطار، والقضاة، والأئمة، وقادة الأجناد، كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر وعجز الثقة " جلد الفاجر: ليس عنده أمانة، أنه جلد وقوي، وعجز الثقة: أمين لكن ليس عنده قوة، صفتان مهمتان في من يتولى أعمال المسلمين الخاصة والعامة.

يا أبت استئجره إن خير من استئجرت القوي الذي رفع الصخرة وحده، وسقى الغنم كلها وحده، بهذه المدة اليسيرة، الأمين الذي لم يشترط شيئاً، ولم يطلب شيئاً، لا من قبل ولا من بعد، الذي لما جئت أدعوه إليك، قال: سيري خلفي وانعتي لي الطريق؛ لأنه ما كان يريد أن يرى من جسدي شيئاً أمين.

من دروس قصة موسى شروط عمل المرأة
00:19:56

الحقيقة أيها الأخوة! أن هذه القصة درس عظيم في مسألة عمل المرأة، الذي له شروط في الشرع، واضح جداً الآن في القضية الحاجة إذاً:

-أن يكون العمل في أصله مباحاً لا محرماً "أولاً".

 -أن لا يكون فيه تبرج ولا اختلاط ولا طيب يشمه الأجانب ونحو ذلك "ثانياً".

 - أن يكون لحاجتها كمطلقة و أرملة محتاجة ليس هناك من ينفق عليها، أو لحاجة غيرها كطبية التوليد "ثالثاً".

- أن تؤمن الفتنة "رابعاً".

- أن لا تضيع واجب أعلى كحق رضيع أو زوج "خامساً" .

 - أن يكون الخروج بإذن ولي "سادساً".

- أن يكون عملها متناسباً مع طبيعتها "سابعاً"

فهي لا تعمل في مجال التشحيم، والمقاولات، والأعمال العنيفة، كما يسوّل بعض الشياطين للنساء أن يعملن بزعم إثبات الجدارة بين الرجال، فتفقد أنوثتها، وحيائها تدريجياً، وتحدث الويلات والمصائب من شباب عاطل لا يجد عملاً، ومجالا مفتوحاً لنساء تفقد فيه المرأة تدريجياً من أنوثتها وحيائها، ما يضر بها وببيتها التي تعيش فيه، أو ستنتقل إليه يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ لقد تلقف الأب الحكيم ذلك الاقتراح وطوّره فقال: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ سورة القصص 27. انتقل من مجرد الاستئجار إلى مسألة فيها مصالح أشمل، والولي المفترض أن يعمل بعقله لمصلحة موليته، فأتى بحلٍ شمولي، فيه مصلحه للفتاتين فلا تخرجان، ومصلحة لإحداهما في زوج صالح قوي أمين يقوم عليها ويرعاها، والأخرى تستفيد صهراً كريماً، وتكفى مؤنة الخروج، ويكون في رعاية هذه الأغنام مصدر رزق للعائلة كلها، وترعى مصالح ذلك الأب أيضاً في غنمه، ويستفيد موسى مطعماً ومشرباً ومسكناً ومأوى، يأكل من لحم، ويشرب من لبن، ويلبس من صوف، ويدخل في عائلة كريمة، لكن ما عنده مهر، والنكاح لابد له من مهر إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فمادام ليس عندك مال ونحن لا نريد أن نكلفك ونعنتك ونشق عليك بشيء لا تطيقه، فإذاً الحل أن يكون المهر عملاً وليس مالاً، أن تأجرني ثماني حجج، ما أعظم تعلق هذا الرجل الصالح بعبادة الحج حتى سمى السنة حجة ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وكرمك وإحسانك وليس واجباً عليك وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ تطمين الولي للخاطب للزوج القادم سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ما فيها تزكيه للنفس، وقد قال إن شاء الله، وهو لا يدري هل يثبت على صلاحه، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ فتلقف موسى -عليه السلام - هذا العرض الكريم بالقبول، وماله لا يقبل وقد جاءته فرصة فيها عفة وإحصان، وسكن وعيش مع أهل الإيمان، وكفاية الحاجة خير عظيم، ساقه الله إليه قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ سورة القصص 28. إشهاد رب العالمين على العقود إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء1. بصيراً، عليماً وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ توكلنا عليه، وتفويض أمورنا إليه، وهو يعلم حالنا، ويرى عقدنا، ويسمع كلامنا، سئل ابن عباس -رضي الله عنه- أيُّ الأجلين قضى موسى؟ قال: "أتمهما وأكملهما، إنَّ نبي الله إذا قال فعل" هذا الإحسان إتمام، إتمام المعروف، عشر سنوات إعداد رباني لموسى -عليه السلام- قبل تلقي الوحي، كان نبينا في الغار يتحنث ويتفكر، وموسى -عليه السلام - يرعى في ذلك المكان، في سكون الغنم، في ذلك الجو، البيئة، وعنده عائلة صالحة، فرصة للإعداد.

المحافظة على الأهل من أهم العبر في قصة موسى
00:25:53

وقد أثبت موسى -عليه السلام - أنه زوج شهم وكريم، كان حافظاً لزوجته محافظاً عليها، فلما سار بأهله وآنَس من جانب الطور ناراً ما أخذ امرأته إلى مكان النار، ولا يعلم من يوجد هناك، عدو أو صديق، أو غادر أو آمين، أو ماذا، فقال لأهله: امكثوا مكانكم امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ يدلنا على الطريق أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ شعلة لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ سورة القصص29. في هذا البرد، فحافظ عليها بجلب المصلحة ودرء المفسدة، أين الأزواج اليوم من هذا؟! وأين الرجال الذين إذا رأوا المرأة في حال تحتاج إلى مساعدة فعلوا ذلك لا يريدون جزاء ولا شكوراً؟! إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ سورة الإنسان 9. هل كان في خطبة الرجل للمرأة أي غضاضة أوعيب؟ عندما رأى الولي الفرصة المناسبة هل رأى غضاضة أو عيباً في فتح الموضوع؟ إذا رأيته شاباً صاحب معاملة حسنة مع الناس، صلاته خاشعة، معتاد للمساجد، لماذا لا يقال له تزوجت؟! لا، لماذا؟ لم أجد، طلبك عندنا.

عباد الله: عرض عمر على أبي بكر حفصة، ثم عرضها على عثمان، ما كانت القضية عيباً عندهم، ولا عادات سيئة سلبية، وإنما كان هناك فعلاً، بحث ليس فقط من الرجل عن المرأة المتدينة لكن من الولي عن الرجل المتدين.

اللهم أصلح أحوالنا، وتب علينا، واغفر ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، وقنا عذاب النار، وأعتق رقابنا منها يا غفار، اللهم أنجِ إخواننا المستضعفين في سائر الأرض يا أرحم الراحمين، اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وانصرهم على عدوهم، واجمع على الحق شملهم، وأطعم جائعهم، واكسُ عاريهم، وآوي شريدهم، وأبرئ جريحهم، واشفِ مريضهم، وارحم ميتهم، يا رب العالمين لقد طال بلائهم وليس لهم من دون الله ولي ولا نصير،  ليس لهذا البلاء من دون الله كاشفة، اللهم اكشف ما نزل  بهم من ضر يا رب العالمين، اللهم استر عيوبنا، واقضي ديوننا، واجمع على الحق كلمتنا، وأخرجنا من ذنوبنا كيوم ولدتنا أمهاتنا يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. 

1 - رواه ابن أبي شيبة 31842..