الأحد 2 جمادى الآخر 1439 هـ :: 18 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

36- العلمانية وتجزئة الدين


عناصر المادة
00:00:27
حقيقة الدولة المدنية:
سبب نشأة العلمانية:
مظاهر إقصاء المنهج العلماني للدين عن الحياة:
الفرق بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد. فإن المخالفين المعاصرين لمنهج السلف متعددون وكثيرون، وقد سبق أن ذكرنا في هذه السلسلة عدداً من الانحرافات عن منهج السلف رحمهم الله.
شمولية منهج السلف:
00:00:27
 وفي هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى عن شمولية منهج السلف، وانحراف بعض الأطروحات، والنظريات، والمناهج المعاصرة في هذا الموضوع، في قضية تجزئة الدين، وعزل الدين عن نواحي متعددة.
أما بالنسبة لمنهج السلف الصالح رحمهم الله، فإنه توحيد لله تعالى علماً وعملاً، وتحكيماً في كل شؤون الحياة، كما قال الله سبحانه وتعالى:  إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:40].
وكذلك فإن المرجعية في منهج السلف الصالح رحمهم الله هي للدين في كل الشؤون:  وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ  [الشورى:10].
فقوله:  وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ  [الشورى: 10].  من شيء  تدل على العموم، أي شيء من الأشياء.
منهج السلف الصالح رحمهم الله منهج متكامل شامل لكل شؤون الحياة، من أمور العقائد، والعبادات، والعادات، والمعاملات، والأخلاق، والسياسة، والاقتصاد، والتعليم، والإعلام، وغير ذلك، وليس قاصراً على جانب دون جانب، وقد قال الله سبحانه وتعالى:  الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً  [المائدة: 3].
فإذن في أصول الدين وفروعه، وفي كل ما يحتاج إليه العباد، تأتي أحكام الشريعة شاملة للجميع.
ومنهج السلف يعتمد على الكتاب والسنة، في الأصول، والفروع، والتسليم المطلق لهما، كما قال تعالى:  وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: 155]. وقوله سبحانه وتعالى في التسليم: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  [الأحزاب: 36].
ومنهج السلف يقوم على الاعتناء بجميع النواحي، سواء كانت كما قلنا عقدية، عبادية، مسألة الأخلاق والسلوك، وتزكية النفوس، وأعمال القلوب:  هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [الجمعة: 2] يزكيهم من الشرك، والكبائر والصغائر، سائر مساوئ الأخلاق.
ومنهج السلف الصالح رحمهم الله يقوم على رعاية مصالح الناس الدينية والأخروية: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [النحل: 97].
منهج السلف الصالح رحمهم الله يقوم على رعاية المصالح عموماً:  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ  [النحل: 90].
والموازنة بين هذه المصالح، وتقديم المصلحة الأعلى، ودرء المفسدة الأشد بالمفسدة الأخف، عند لزوم ارتكاب أحد الضررين أو إحدى المفسدتين.
هناك في هذا العصر نشأت وامتدت -في الحقيقة- مناهج، تعزل الدين في جانب أو جوانب معينة، تجزئ الشرع فتعمل بجزءٍ دون جزء، تحاصر الشرع في مكان معين أو منطقة معينة من الحياة، مثلاً العلاقة بين العبد والرب، في الصلاة، والصيام، والحج، وتلاوة القرآن، الأذكار، الأدعية، فقط، ولكن في شؤون الحياة الأخرى: كالاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والإعلام، والاجتماع، و.. إلى آخره، لا. الدين مرفوض.
أصلاً عظمة الدين هذا والمنهج هذا تكمن في أمور كثيرة جداً، ومنها الشمولية، والتمام والإكمال، وأنها ما هي محتاجة لأي قانون آخر، ولا تكميلات من أي نظريات أخرى للبشر؛ لأن الله قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً  [المائدة: 3].
ولما قال الله:  إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ  [الإسراء: 9] أقوم في السياسة، في العلم، في الإعلام، في التعليم، في الحكم، أقوم في العلاقات الشخصية، في العلاقات الجماعية، أقوم في العلاقة بين العبد وربه، وبين العبد والعباد، أقوم في كل جزئية من جزئيات الحياة.
والنبي صلى الله عليه وسلم عمل بهذا، وكان ينطلق من الوحي في كل حركة من حركاته، وكان قائد دولة، وأمير جيش، ومعلم، وعليه الصلاة والسلام يرسي قواعد الاقتصاد في المجتمع المدني، كما كان عليه الصلاة والسلام يضع قواعد التعليم، كما أنه عليه الصلاة والسلام يقوم بسائر الوظائف، ويوضح للناس كيف يعيشون في كل الحياة، على ضوء القرآن والسنة.
الذي ظهر طبعاً في هذا الزمان بشكل واضح ما يعرف بالعلمانية، التي هي في معظم صورها كفر أكبر مخرج عن الملة.
وقدمت هذه طبعاً من الغرب، الذي تمرد على الدين والكنيسة لأسباب معينة، وانبهر مع الأسف كثيرون بهذا الطرح، وصار لهذا المذهب انتشار، بل وصل إلى مرحلة فرضه بالقوة على الناس.
والله سبحانه وتعالى قد أمر بتبيين المناهج المنحرفة، وبين أيضاً أنه نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام: 55]، لتتضح سبيل المجرمين، حتى لا تلتبس على أحد، ولا يقع فيها أحد، ولا يتبعها أحد.
"وكان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني"، كما قال حذيفة رضي الله عنه [رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847].
حقيقة الدولة المدنية:
00:07:40
 وهذه المذاهب التي فيها عزل الدين، أو تجزئة الدين، ومنها طبعاً هذه العلمانية، ما لها علاقة بقضية العلم، بل إن الترجمة الحقيقية لها: "اللادينية، وعزل الدين عن الحياة". عزل الدين عن جوانب كثيرة من الحياة.
ويقول أحدهم: "إن مفهومي الشخصي للدين هو المسجد فقط".
ويسمون النواحي التي لا علاقة لها بالدين: "الدولة المدنية"، ويتصور كثيرون أن الدولة المدنية معناها الدولة المتحضرة، أو الدولة المعاصرة، أو دولة العدل، أو دولة القوانين.
ولكن في الحقيقة أن الدولة المدنية: هي الدولة العلمانية. هي الدولة المدنية التي لا سلطة فيها للشريعة والكتاب والسنة على الناس، الدولة المدنية لها قوانين ودساتير لا علاقة لها بالقرآن والسنة.
ولذلك فإن الدولة المدنية هذه تهتم طبعاً: البيئة، الصحة، مثلاً الفن بأنواعه، الرياضة، وتسمي الفواحش فناً، والعري رياضة، والكفر حرية، ونحو ذلك.
وهذه لها صورتان من حيث علاقتها بالدين:
الصورة الأولى: الصورة الملحدة: إنكار الدين بالكلية، إنكار وجود الله عز وجل، محاربة الدين محاربة كاملة.
الثانية: الصورة التي لا ينكرون فيها وجود الله: ولكن يقولون: لا تدخل له في الحياة، "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
ولاشك أن هذا كفر أيضاً، لأن الاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى لا علاقة له بالاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والإعلام.. إلى آخره، هذا كفر ولا شك، لأن شرع الله أنزله ليكون مطبقاً في جميع النواحي:  فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  [النساء: 65].
وقضية الحكم:  إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ  [يوسف:40]، في كل الأشياء، وفي كل القضايا، سواء كانت قضايا اقتصادية، علاقات دولية... إلى آخره.
نحن نعرف طبعاً أن الفكرة هذه نشأت في أوروبا، من قضية العداوة بين الدين وبين العلم الحديث الذي ظهر، بين الدين وبين مصالح القطاع الأكبر من الناس، لأنه كان هناك تحالف بين أرباب الكنيسة، والملوك، والإقطاعيين في أوروبا، وبقية الناس عبيد، وبالتالي صار عليهم ظلم عظيم، فثاروا على الكنيسة وعلى كل من معها، وتمردوا على الدين، لدرجة أنه خلاص قال قائلهم يخاطب الله –تعالى الله عن قوله- يقول: "ارفع يدك عن الكون"!
هذا التمرد الذي حصل نتيجة يعني الصدام هذا، ما هو موجود في شرع الله أبداً، لأن شرع الله ما فيه ظلم، لا للعامة ولا للخاصة، ولا للحكام ولا للمحكومين، ولا للعلماء ولا للمتعلمين، فكله منسجم، وكله له حقوق.
طبعاً الفكرة هذه فكرة العلمانية تبعاً للتقسيم السابق، يمكن أن نقول أن هناك العلمانية الجزئية، التي فيها فصل الدين عن الدولة، والعلمانية الشاملة التي تفصله ليس فقط عن الدولة ولكن عن كل نواحي الحياة التي يعيشها الناس فيما بينهم أيضاً، وبالتالي تصل إلى عزل الدين عن التصرفات الشخصية أيضاً، بل تفصل الدين عن المشاعر.
وهذه العلمانية الملحدة، هي نابعة من الطبائعيين الذين ينسبون كل شيء إلى الطبيعة ولا يؤمنون بالله، ويقول قائلهم: "لا إله والحياة مادة، وإنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع". وكما قال الشاعر هذا الملحد: جبران خليل جبران يقول:
وأكثر الناس آلات تحركها  *** أصابع الدهر يوماً ثم تنكسر
فأفضل الناس قطعان يسير بها *** صوت الرعاة ومن لم يمش يندثر
والدين في الناس حقل ليس يزرعه *** غير الألى لهم في زرعه وطر

يعني هذا الدين كان مرحلة، في ناس كان لهم مصلحة معينة فجابوه، بعدين خلاص انتهى راح أفل ولى.
والدين في الناس حقل ليس يزرعه *** غير الألى لهم في زرعه وطر
كأنما الدين ضرب من تجارتهم *** إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

فإلى هذه الدرجة يعني يصل في تعبيره عن هذا المنهج.
والذين يؤمنون بالله من العلمانيين يؤمنون به وجود يعني، وممكن يعني إذا أحدهم أراد أن يتدين يقول: الله خلق الكون ثم تركه، مثل واحد صنع ساعة ثم تركها تمشي بدقة، يعني هذا أحسنهم حالاً، اللي يعترف بوجود الله، وأنه خلق الخلق ثم خلاص، قال: كل واحد يفعل ما يشاء.
سبب نشأة العلمانية:
00:13:44
 العداوة بين هذا الطرح وبين الدين، والذي نشأ في فرنسا في أوروبا، في فرنسا على وجه التحديد، يعني كما قلنا صار نتيجة أحداث وتصادمات أدت إلى أن الدين يصبح معتقدات باطلة، وأوهام وخرافات، وهو كذلك فعلاً.
يعني دين النصرانية هذا بالنسبة للنصارى هو دين أوهام، هو دين خرافات، هو دين لا يقبل يعني عقلاً، لا ينسجم مع الفطرة، لا يصدقه العقل، لا يقره العلم، يتصادم مع العلم، الكنيسة تصادمت مع العلماء الذين ظهروا، فصارت يعني طقوس منبوذة في النهاية، لأن رجال الدين عندهم حاربوا العلم، وكانوا يتهمون العلماء بالكفر ويعدمونهم حرقاً بتهمة الهرطقة، لمجرد أنهم برعوا في العلم.
ففي سنة مثلاً ألف وأربعمائة وواحد وثمانين ميلادي إلى ألف وأربعمائة وتسعة وتسعين ميلادي، يعني ثمانية عشر سنة فقط، حكمت الكنيسة على عشرة آلاف ومائتين وعشرين شخص بأن يحرقوا وهم أحياء، فأحرقوا، وعلى ستة آلاف وثمانمائة وستين شخص بالشنق بعد التشهير فشهر بهم ثم شنقوا، وعلى سبعة وتسعين ألف وثلاثمائة وعشرين شخص بعقوبات مختلفة.
وأصدرت قرارات الكنيسة بتحريم كتب جاليليو، ونيوتن لقوله بقوانين الجاذبية، وأمرت الكنيسة بحرق كتبهم، وأحرق الكاردينال إكمينيس في غرناطة، أحرق الكاردينال إكمينيس في غروناطة وحدها ثمانية آلاف مخطوط لمخالفتها آراء الكنيسة.
واسبينوزا صاحب مدرسة النقد التاريخي كان مصيره الحرق، وجردانوا الذي صنع تليسكوباً عذب عذاباً شديداً عمره سبعين سنة.
وتخلت بالتالي الشعوب الغربية عن الدين، نتيجة الممارسات الوحشية للكنيسة، والممارسات التي لا تقبلها العقول، وبالتالي تمردوا على الدين، واعتبروا أن الدين عائق، الدين هذا مصيبة، الدين هذا تخلف، الدين هذا مانع من العلم والاكتشافات العلمية، الدين هذا ضد مصلحتنا.
ولما تحالفت كما قلنا يعني رجال الكنيسة مع أهل الإقطاع مع ملوكهم، يعني رأوا الظلم بعينه، فلذلك كانت ثورتهم ثورة على الظلم في الحقيقة، وثورة على دين باطل حقيقة.
لم يعني هذه النتيجة متوقعة وطبيعية، لكن أن تنتقل هذه الفكرة إلى بلاد الإسلام، وأنه أيضاً الدين الإسلامي عائق، والدين الإسلامي لابد من التخلص منه، والدين الإسلامي هذا يعني ضد العلم، والدين الإسلامي مثلاً وحشية، هذا هو العجيب!
نحن نفهم جيداً لماذا ثارت الشعوب الغربية على الكنيسة، لكن لا نفهم أبداً: كيف يعني يثور ناس على الإسلام ويرفضونه؟
الإسلام ما جاء بحرق العلماء، ولا بإيقاف المد العلمي، ولا بنهب الثروات، ولا بتسليط آحاد من الناس على الشعوب يستبيحونهم سراً وجهراً، وبالقليل والكثير، ويذلونهم ويأكلون ثرواتهم.
فإذن في الإسلام، الإسلام فرق جوهري يختلف تماماً عن هذا الشيء الذي حصل في أوروبا، هو الدين أصلاً يتوافق مع العقل والفطرة:  فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا  [الروم: 30]، وكذلك ديننا دين عدل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ  [النحل: 90].
ولذلك صارت القضية يعني لما نقلت الفكرة إلى بلاد الإسلام، أنه حتى أنتم تحرروا من الدين -أيها المسلمون- حتى تتقدموا.
هذا مثل يعني رجل له زوجة في غاية السوء، وجاره له زوجة في غاية الخلق، فالأول ما تحمل زوجته فطلقها، قام الثاني تقليداً له طلق زوجته.
وكذلك يصلح أن نقول: كمثل تاجرين، جلب أحدهما بضاعة فاسدة من مصنع سيء، فتسبب في خسارة فادحة، والثاني عنده بضاعة جيدة من مصنع جيد، وله أرباح وافرة، فقاطع الأول المصنع الأول، فقاطع الثاني المصنع الثاني.
هؤلاء الذين نقلوا الفكر، أو نشروا الفكر، أو ساهموا في نشرها، طبعاً هناك منهم المستعمرون الذين استعمروا بلاد الإسلام، وغرسوا الفكر في بلاد المسلمين، والذين ذهبوا إلى هناك، ورأوا أنه كيف يعني فعلاً الناس لما ثارت على الكنيسة تقدمت، ولما تركت الدين حصل عندهم تحسن كبير جداً في الحياة، رجعوا في التبعية والتقليد يريدون عمل الشيء نفسه في بلاد المسلمين. قالوا ترى الدين هو المشكلة، نحن رحنا هناك وشفنا أن الدين هو المشكلة، وإذا نبغا نتقدم ونحقق إنجازات لابد يعني من الاستغناء عن الدين.
مظاهر إقصاء المنهج العلماني للدين عن الحياة:
00:19:34
 المظاهر يعني مظاهر إقصاء هذا المنهج للدين عن الحياة، يعني منطلقة من عداوة، كأنها تريد أن تدفنه في المسجد، كأنها تريد أن تجعله حبيساً في صدور أصحابه، ولذلك أخرجوا الشعارات: لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين.
يقول أحدهم: ثلاثي: الله، الدين، الوطن. مرفوض، حتى هذا مرفوض.
وقام بعض الجهلة من المسلمين، أو بعض المغرضين يناصرون هذه الدعوة، وكذلك أشيعت في الإعلام، فصار لهذه الدعوة أتباع، وليس كل المسلمين عندهم علم ولا محصنين، وبالتالي ممكن تمشي هذه الفكرة على أعداد من الناس، في من الناس أتباع كل ناعق، هناك من الناس إمعيون.
وبدأت فكرة أنه ما له دخل رجل الدين يفتي في الاقتصاد، إيش دخل رجل الدين في الاقتصاد؟ إيش دخل رجل الدين في التقنية؟ إيش دخل رجل الدين في الاجتماع؟ إيش دخل رجل الدين.
هذا رجل الدين حده يصلي إمام، يخطب، بس خلاص، يعقد نكاح يعني على أحسن الأحوال، يزوج، يطلق، على خلاف بينهم، لأن بعضهم لا يرى حتى دخول الدين في الأحوال الشخصية، في قانون خلاص، في قانون ينظم الزواج، في قانون ينظم الطلاق وخلصنا، ما يحتاج لا شريعة ولا قاضي، ولا شيخ.
فالدولة المدنية هذه فكرتها، الدولة المدنية فكرتها أنه يوجد قوانين تنظم حياة الناس من إلى، ما في داعي للدين، ما لنا علاقة.
ولذلك تكملة الكلام: الدولة مدنية لا دينية. التكملة الحقيقية يعني.
وممكن يقول قائل: احنا مستعدين نتحالف مع الشيطان من أجل مصلحتنا، نتيجة لهذا طبعاً، الدولة المدنية هذه اللي هي العلمانية يعني، لا يشترط فيها مثلاً أن يكون رئيسها مسلماً، ممكن يكون نصراني، يهودي، ملحد، بينما يقول الله سبحانه في كتابه: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  [النساء: 141]، وأول شرط من شروط الإمام: أن يكون مسلماً.
الدولة المدنية العلمانية لا تجيز إقامة أحزاب على أساس ديني، مع أنه أصلاً في الدولة الإسلامية ما في أحزاب، يعني ما تحتاج  القضية إلى وجود أحزاب، يتفرق الناس وكل واحد يتعصب لحزبه وتقوم مهارشات لا.
المسلمون أمة واحدة، لهم إمام، يحكمهم الشرع، والشرع له سلطة على كل، والقاضي يعزل، ويمنع الظلم، ويعدل، ويعيد الحق لأصحابه.
والنظام القضائي الإسلامي يتسع لأن يشمل كل شيء، يضع ضوابط للتقنية، يضع ضوابط للشركات، يضع ضوابط لكل، مثلاً الأخطاء الطبية، ما في جانب مثلاً يعجز الشرع عن تغطيته، أو نحتاج فيه إلى قوانين مدنية من الخارج أو من الداخل.
طبعاً الدولة المدنية تمنع أصلاً دخول أهل الدين حتى في سائر المجالس النيابية وفي غيرها، وحتى في الانتخابات بعضهم يقول: حتى هؤلاء ما يدخلوا في انتخابات، ولا يعترف بالدين في تلك المجالس.
وعلمنة الاقتصاد تقوم على تحريره من كل قيد ديني، ولذلك لو نظرت إلى الاقتصاديات الغربية المتحررة في دولهم المدنية، عندهم العمل في كل مجال، يعني مثلاً: مخدرات، مسكرات، خمور، دعارة، يقول لك هذه مقننة لها قوانين تضبطها، يعني هناك قوانين لتنظيم محلات الدعارة والفجور، وهكذا.
فالعمل التجاري شامل مثلاً للخمور التي تذهب العقل، وشامل للدعارة التي تذهب العرض، وتصيب النسل في مقاتل، يتاجرون بأي طريقة، حتى لو أردت بيع الكالئ بالكالئ، بيع المعدوم، بيع المجهول، بيع...، خلاص، هناك يعني أنواع كثيرة  من الجهالة والغرر والربا والميسر موجودة في بيوعاتهم واقتصادياتهم.
بينما نجد نحن عندنا ضوابط:  ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا  [البقرة: 275].
وحرم الشرع الميسر: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ  [المائدة: 90].
وكذلك حرم الجهالة والغرر وهذا الظلم للناس.
وأوجب شروطاً في البيوع، مثل تعيين السلعة، تعيين الثمن، وهكذا.
ما عندها مانع الدولة المدنية يطلع فيها رأسماليون عدد قليل يسيطرون على كل الثروات ما عندهم مشكلة.
وقديما قارون مثال:  إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ  [القصص: 76].
ما عندهم مانع يشتغلوا في الرذائل، وتجارة الرقيق، هذا سبعمائة ألف شخص في مكان يعني واحد يتم الاتجار بهم سنوياً حسب تقارير الأمم المتحدة، فعندهم حتى هذا يعني، ويمونون بها دور البغاء مما يسمونه الرقيق الأبيض.
فهم في الوقت الذي يتهمون فيه الشرع أنه هو فيه مثلاً تخلف في قضية الرق، عندهم أسوأ، عندهم السيء بعينه، وليس في الشريعة ما هو سيء أصلاً.
وفي أكثر دول العالم تقدماً تشير تقديرات مكتب التحقيقات الفيدرالي: إلى أنه يوجد أكثر من مائة ألف طفل وطفلة يتم الاتجار بهم جنسياً في متوسط أعمار إحدى عشر سنة.
أما لهفهم خلف الأرباح من كل حدب وصوب، حتى أشياء، حتى يعني ينتجون سلع ضارة، عبيد للدولارات والجنيهات وغيرها.
وكذلك صناعة التدخين، لو قلت: أنتم عقلاء، وتعلمون أن التدخين ضار، ومن أسباب السرطان، وأعظم أسباب سرطان الرئة، وأكثر الوفيات فيه بسبب التدخين.
كيف -يا أيها الدول المتقدمة الغربية- تعطوا تصريح لمصانع التدخين؟ وتقوم مصانع التبغ لديكم بصناعة هذه الآفة، التي تقتل من البشر من تقتل. طيب أين عقولكم؟
ولذلك ما هو صحيح أن القوانين الغربية تمنع كل ضرر، ما هو صحيح؛ لأن الخمر ضارة ويسمحون بها، والتدخين ضار ويسمحون به، وأشياء كثير ضارة يسمحون بها.
وأما بالنسبة للاقتصاد، فواضح جداً مخالفة المنهج يعني الغربي أو المنهج العلماني في الاقتصاد للمنهج الإسلامي، سواءً في قضية هذه الرأسمالية الظالمة المفترسة، سواء في هذه الإقراضات الربوية والتمويلات الربوية الهائلة، سواءً في دفع الناس إلى الشراء حتى لو الكماليات، ودفعهم إلى الاقتراض، وتسويق الاستهلاك بالدين، والذي صار الآن طبعاً بالونة كبيرة وستنفجر في أي لحظة، ويكون فيها ربما نهايتهم، وفقاعة البطاقات الائتمانية قادمة، كما أن فقاعة، وهذه المديونيات الهائلة بالربا قادمة.
مسألة أن الملكية الفردية على حساب مصالح الناس: واضح جداً يعني الفرق فيها بين هذا النظام وبين النظام الإسلامي، ما له دخل الدين عندهم في الاقتصاد اطلاقاً، هناك فصل كامل بين الدين، وبين التعليم والإعلام وإلى آخره.
النظام الطبقي واضح جداً يعني، واحد أو اثنين في المائة يملكون أكثر الثروة الموجودة في المجتمع، مع أن النظام الإسلامي:  مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ  [الحشر: 7]، كي لا يكون محصوراً متداولاً بين الأغنياء.
مسألة الاستعباد: يعني أن العمال يشتغلون بأجور متدنية جداً، وأحياناً يفتحون المجال لأجانب وعمال من دول أخرى بالقدوم، حتى يعني تكون اليد العاملة هذه، اليد العاملة في مصلحتهم، واستعباد الناس واستغلالهم هذا أيضاً واضح جداً.
من ظلمهم: أنهم يحتكرون السلع الضرورية، وممكن يحرقوا بعض البضائع الفائضة لأجل أن لا تنخفض أسعارها في السوق، ولا حتى يكلفون أنفسهم بإعطائها للناس في المجاعات.
ممكن يستولوا على بلاد، ويحتلوا بلاد من أجل مصلحتهم الاقتصادية، وعلى منوال شركة الهند الشرقية، التي أنشأتها بريطانيا في استعمار الهند، ونهب ثرواتها كثير صار بعد ذلك.
الدولة المدنية هذه فيها قضية الحرية الكاملة، يعني الدولة المدنية تقوم على مسألة الحرية المطلقة، وأن الإنسان حر فيما يعتقد، حر فيما يفعل، والله عز وجل قال:  أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً [الفرقان: 43].
الإنسان إذا ما كان عبداً لله في منهج السلف، فإنه سيكون عبداً لشهواته.
وكان هناك قصة لطيفة حصلت في بغداد قديماً: أن رجلاً من العلماء اجتاز بدارٍ، فسمع منها أصوات الملاهي والمعازف، فخرجت جارية لترمي القمامة، فقال لها ذلك العالم: يا جارية صاحب الدار هذه حر أم عبد؟ فقالت: لا، هو حر. قال: نعم، صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه. لو كان عبداً لخاف من مولاه.
طبعاً هو يقصد: لو كان عبداً لله لخاف من ربه.
دخلت وأخبرت سيدها، قالت: مر واحد بالباب، وسألني: صاحب الدار حر أم عبد؟ فقلت له: حر. فقال: صدقت، لو كان عبداً لخاف من مولاه. ففهمها، وراح يطالع يجري، حتى تاب على يد ذلك العالم.
فمسألة الحرية هذه المطلقة، عند هذه الطائفة، ستؤدي وأدت طبعاً إلى أضرار كثيرة، ولذلك صاروا يحاولون يعني أن يقننوا الحرية بما لا يتصادم مع حريات الآخرين.
يعني ممكن يقول مثلاً: أنت حر لكن إلى حد بس فقط، يعني إذا صار في حريتك اعتداء على حريات الآخرين، تنتهي حريتك عند حدود حريات الآخرين.
فطبعاً يعني لو واحد مثلاً ألحد أو سب الله، ما اعتدى على حرية أحد، وبالتالي تمشي ما عندهم مشكلة، تراضى رجل وامرأة على الزنا، ما في اعتداء على حرية أحد، تمشي، وهكذا. ولو أراد واحد ينتحر ما اعتدى على حرية أحد.
ولذلك قوانينهم تجيز قتل النفس، أنه لكن طبعاً بطريقة حضارية يعني، يعني ممكن تروح المستشفى أو الطبيب، تتعاقد معه على حقنة سامة، يعني وتنهي حياتك أنت حر بكيفك ما عندنا مشكلة، القانون يكفل لك إنهاء حياتك بطريقة هادئة.
يعني مو تروح كذا في مكان عام وتشعل نفسك بالنار، ولا. لا يعني حرية مكفولة.
وبالتالي قضية الاعتداء على الدين، وعلى هذا الدين، ما له صاحب عندهم، الدين اعتدي كما تشاء، ما اعتديت على حرية أحد.
هؤلاء لما تحرروا من الدين تكبلوا بالهوى.
الذليل بغير قيد متقيد             كالكلب لو لم يسد يبحث عن سيد

وطلب السعادة بالتحرر من الدين ما جاب نتيجة، بدليل أن هناك كثير من المليارديرية ينتحرون، وما ينقصهم شيء، والله قال:  وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً  [طه: 124]، وهذا سبب الانتحارات.
يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته *** لتطلب الربح فيما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها *** فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

أشاعوا أن الحقيقة المطلقة لا يطالها أحد، وأنه لا أحد يحتكر الحق والصواب، ومعنى ذلك: أنه لا الإسلام يحتكر الصواب، ولا النظام الإسلامي يحتكر الصواب، ما في أحد يحتكر، حتى القرآن والسنة ما تحتكر الصواب.
ومن وسائلهم طبعاً: هذه الآلة الإعلامية الجبارة التي يملكونها في طول الأرض وعرضها، ولذلك هي ممكن تسوغ لهم، خلاص يعني هي تقنع الناس بالآراء، التي يريد مثلاً اليهود الذين يملكون أكثر وسائل الإعلام، والذين يريدون مثلاً نشر فوضوية جنسية معينة.
فلذلك تجي مثلاً في مسلسل من المسلسلات: البنت تقول لأمها: حملت من صديقي. فالأم تقول: مبروك ستصبحين أماً. عادياً، أو واحدة مثلاً تزني مع شخص تحمل، بعدين يتقدم لها خاطب، ويقول: أنا أريد أن أكون أباً لطفلك. ترحب وتتم المسألة بقالب الفرح، عادي، وطبيعي أن تخرج بالتالي يعني فنانة وتتحدث عن علاقتها السابقة بالرجال، نجمة سينمائية، تسمى نجمة، تقول مثلاً: كان لي أمنيتان في الحياة: إحداهما أن أتزوج، والأخرى أن أنجب، حققت الثانية باقي الأولى!
وطبيعي أنه طبعاً نتيجة لهذا، أنه الأختام، الأحكام، مثلاً الشهيد النصراني فلان جوزيف، فلان الفلاني.
الشيخ والقسيس قسيسان *** وإن تشأ فقل هما شيخان

عادي.
النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله حذيفة: هل بعد الخير ذلك الخير من شر؟ قال:  نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها . قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ قال:  هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا . وفي رواية لمسلم [1847]:  قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس  [رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847] الحديث الأصلي.
وكذلك يعني الأخلاق نالت نصيبها من العلمنة، وحاولوا أن يكون لهم أخلاق معينة، يقرون أخلاق معينة ويحاربون أخلاق أخرى، وقد تكون الأخلاق التي يحاربونها من صميم الدين، وقد تكون الأخلاق التي يقرونها مخالفة للدين من الأخلاق السيئة.
وعندهم قضية: الميكيافيلية، أو أنك مثلاً تعمل ما فيه مصلحتك، والغاية تبرر الوسيلة هذا شيء طبيعي، أنا ومن بعدي الطوفان، ونفسي ثم نفسي ثم القطار يدهس الآخرين.
يقول أحد الشعراء:
إلى روح ميكيافلا نفح تحية *** وصوب غمام يترك القبر عاشبا
أبان لنا وجه الحقيقة بعدما *** أقام الورى ستراً عليه وحاجبا
ولو رمت للعورات كشفاً أريتكم *** من الناس...
 

وذكر:
أريتكم أن المنافع صورت *** محامد والحرمان منها معايبا

أما قضية التعليم، فطبعاً هذه دخلت فيها بالطول وبالعرض، وبثت الأفكار العلمانية، وقضية فصل الدين عن الحياة، في المناهج التي يدرسها الطلاب والطالبات، مثل قضية الحرية المطلقة، التمرد على الأسرة، المساواة بين الجنسين في كل شيء، حق الحمل حتى خارج الزواج، تكوين أسرة من مثليي الجنس، شذوذات.
هذه كلها الآن ماشية، وهي يعني لما يقال دولة مدنية، يعني يعتمد فيها قوانين الأمم المتحدة التي فيها هذه الأشياء.
مثل السيداو (اتفاقية السيداو)، وهذه الاتفاقية تشمل تتغلغل، تكون ضمن فقرات المناهج المدرسية، تفرض فرضاً من المنظمة العالمية على المناهج المدرسية، ثم تكون خلاص يعني بين الناس عرفاً، وممنوع تكون القوانين القضائية في البلاد مصادمة لهذه القوانين الأممية العالمية، لازم تسود القوانين هذه الأممية العالمية، والقائمة طبعاً على الحرية المطلقة.
أما مسألة يعني تنحية الدين، الفكرة العلمانية في قضية تنحية الدين، فممكن تبدأ بأشياء كثيرة طبعاً:
مثلاً اختصار المناهج الدينية في مقرر واحد، بعدين المقرر هذا يصغر يصغر يصغر حتى، ممكن يكون في الحصة الأخيرة، ممكن يكون ما عليه أي يعني ما هو داخل في نسبة الدخول في الجامعة، وممكن وطبعاً ممنوع فيه مثلاً أمور تتعلق بيعني الولاء والبراء، البراء في الدين، قضية طبعاً الجهاد في سبيل الله هذه ممنوعة، مسألة كفر اليهود والنصارى ممنوع، وهكذا.
وإذا لزم، يعني قال لهم واحد: طيب احنا الآن في الفاتحة نقرأ:  اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ  [الفاتحة: 7] فغير المغضوب عليهم اليهود، والضالين النصارى، هذا تفسيرها في السنة، هذا تفسيرها. يقول: خلاص، اقرؤوها وما تفسروها، ما لك دخل في التفسير، ولابد تقرأها، اقرأها في الصلاة بينك وبين ربك، ما لك دخل.
وممكن يستعين هؤلاء أهل العلمنة ببعض مشايخ الضلالة، الذين يفسرون لهم بعض الآيات تفسيراً يتوافق مع المبدأ هذا، اللي فيه العلمانية الحرية المطلقة، فصل الدين عن الحياة.
كقول بعضهم:  فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ  [الكهف: 29]، أن هذا رب العالمين يبيح ويسمح بالإيمان والكفر، فأنت إيش .. يا الله خلاص.
مع أن الآية آية تهديد ووعيد:  وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ  [الكهف: 29]، الحق واحد.  فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ  [الكهف: 29] بهذا الحق.  وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ  [الكهف: 29].
إيش بقية الآية؟  إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا  [الكهف: 29]، هل هذه الآية دليل على الحرية المطلقة، وأن الله يسمح بالكفر.
فهناك من يشرعن لهم، هناك من يعني يأتي لهم بنصوص على طريقة اليهود: إذا ما حرفوا النص حرفوا المعنى.
وماذا تفهم من جعل مثلاً بعض الكليات الدينية تقبل نسبة الثانوية العامة خمسين في المائة، والطب تسعة وتسعين في المائة، أنت تخاف على إيش؟ على أجساد الناس، تبغا تسعة وتسعين في المائة لأنك خائف على أجساد الناس، طبعاً أنت ما تخاف على أديان الناس، أديان الناس عندك ما هو معترف فيها، ولذلك يدخلها يعني أقل الناس إمكانات يدخل.
صدقت العائلة، إذا في واحد أقل واحد في الأولاد نسبة، يقول: هذه زكاة العائلة، ودوه على كلية شرعية.
الفرق بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية:
00:34:41
 طبعاً لا شك أن المخالفة يعني لمنهج السلف واضحة جداً في هذا الطرح، والله عز وجل جعل التشريع حقاً خاصاً له:  إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ  [يوسف: 40].
وقال:  وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً  [الكهف: 26].
وقال، وفي قراءة: ولا تشرك في حكمه أحدا .
فالحلال ما أحله، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه، والسيادة في المجتمع لله.
فالفرق بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية: أن الدولة المدنية السيادة فيها للقانون، والقانون ممكن يجي من الأمم المتحدة، منظمات دولية، قانون سويسري، إيطالي اللي كما هو يعني.
طيب، ماذا بالنسبة لموضوع التحاكم، الآن الناس تحصل بينهم قضايا، تحصل بينهم خلافات، أليس كذلك؟
في الدولة المدنية التحاكم بين الناس المختلفين في القضايا إلى القانون، القانون المدني هذا، أما في الدولة الإسلامية التحاكم إلى شريعة الله:
 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النساء:60].
فالطاغوت: اسم لكل ما تجاوز حده، كل ما عبد من دون الله وهو راضٍ، كل معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله.
فإذن هذه النحلة الخبيثة تجعل السيادة والسلطة العليا لهذا القانون المدني، الذي نظمه بشر، وتتسلط عليه المنظمات الأممية، وتضع فيه قوانين رغماً عن الناس، ويمشوا عليها: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَنْ بِهِ الله  [الشورى:21].
والله عز وجل قال:  اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ  [التوبة: 31]، ماذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم: "أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم" هو ما يضع هذا الراهب والحبر ويسجد له ويركع له. ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً أحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه، فتلك عبادتهم  والحديث رواه الترمذي [رواه الترمذي: 309، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 3293].
نرى بوضوح وجلاء أن الإسلام دين شامل لجميع نواحي الحياة:  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ  [النحل: 89].
والإسلام يهتم بالإنسان من هو جنين في بطن أمه، وقبل أن يكون جنيناً، وعند الولادة، وبعد الولادة، وكله لها أحكام، للحمل أحكام، والإجهاض أحكام، وعند الولادة أحكام، وأما هذه النحلة الخبيثة فإنها تعبث بالناس.
ومنهج السلف المعتمد على الكتاب والسنة، الشامل لكل فرع من الفروع، واضح جداً أنه في مقابل هذه النحلة الخبيثة العلمانية التي تعتمد على الدساتير والقوانين، المحكمة في أموال وأعراض ودماء الناس، ويتبجح القضاة والمحامون بالاستدلال بمواد الدستور والقانون المخالف لما أنزل الله، وعن المادة رقم كذا، وعن المادة رقم كذا، وعن المادة رقم كذا، وفيها مخالفات كثيرة لما أنزل الله.
وطبعاً هذه قوانين على أهواء البشر، وكم اكتشفوا فيها من ثغرات، وكم عملوا من مواد إلحاقية لمحاولة إيجاد حل لهذه الثغرات، وكم وكم، ومع ذلك يتسع الخرق على الراقع، ولا يستطيعون الإيفاء بكل احتياجات الناس وسد كل الثغرات.
وإذا كان، يعني إذا كان منهج السلف هذا الدين يقوم على الأخلاق الحسنة، فإن هؤلاء عندهم انفلات أخلاقي كامل، فوضى جنسية، إشاعة الفاحشة، نشر الشذوذ.
بل إن الدولة المدنية ما عندها مانع في المجاهرة بالمعاصي، كما قلنا إلى حد يعني ما يعتدي على حريات الآخرين، لكن لو كانوا راضين.
يعني مثلاً: هل الدولة المدنية عندها مانع من قيام مسرح على الهواء مباشرة، مسرح عام في ساحة عامة في البلد، أكبر دوار في البلد، يعملوا فيه مسرح عروض جنسية حية، يعني زنا على الهواء، ويحتشد الناس ويرون، اللي يبغا يشوف يشوف، واللي ما يبغا يشوف يسكر باب البيت، هذا ما عنده مشكلة في الدولة المدنية؛ لأن فيها حرية، الذي يريد يجي، والذي لا يريد لا يجي، انتهينا.
فما هي فقط قضية أنه كل واحد يعني في سلوكه الشخصي يفجر، ليفجر في سلوكه الشخصي، يفجر على المستوى العام، يعني المجاهرة.
كما قال ذلك الفاسق:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر *** ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى *** فلا خير في اللذات من دونها ستر

يقول يعني ما هي ممتعة يعني، إذا صارت ما هي علنية ما هي ممتعة.
إذا كان يعني الدين ومنهج السلف الصالح رحمهم الله يقوم على رعاية مصالح الناس الدينية والأخروية، فإن هذه العلمانية، هذه ما لها علاقة بالآخرة إطلاقاً.
وإذا كان يعني الدين يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، مثلاً يعني: "نهى أن يبيع حاضر لبادٍ" فبيع الحاضر للبادي فيه مصلحة لصاحب السلعة يتحصل على ربح أكثر، يتحصل على ربح أكثر، لكن لما كان في منعه ترخيص السعر لعامة الناس جاء الشرع به.
يعني مثلاً لما يجي مثلاً رجل من البادية عنده سمن ولا جبن ولا يعني حمار خضار يريد أن يبيعها، هذا ما يستطيع أن يجلس في البلد كثيراً له أهل، فهو يريد يبيع ويمشي، فلما يبيع ما يبيع بأعلى سعر، لما يجي الحاضر يقول للبادي: هات بضاعتك أنا أبيع لك إياها، فإنه يمكث في السوق ما يريد، لأن عنده بيت ومستقر، فيبيعها بأعلى سعر، إذا باعها بأعلى سعر، إيش مجال التداول فيها بعد ذلك؟ مجال ضيق، بخلاف ما لو باعها البادي ومشى:   دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض .
المهم  لا يبع حاضر لبادٍ  [رواه مسلم: 1522] فيها مصالح الشرع يعلمها فنهى أن يبيع الحاضر للباد، منع بيع الحاضر البادي فيه مصالح الشرع يعلمها، الله عز وجل يعلم هذا، الشارع يعلمه، فمنع بيع الحاضر للبادي لمصالح.
أما طبعاً هذه النحلة العلمانية، ما عندهم مانع، أصلاً هذه أنت حرية شخصية وفردية، ومصلحتك فوق، المهم تحصل على أكبر ربح، بغض النظر عن إيش تضرر الناس.
وكذلك فإن الشرع الذي يوازن بين المصالح التي تقوم بها أحوال العباد، والتي لا يعرفها حق معرفتها إلا خالقها وواضعها سبحانه وتعالى، والعباد ما لهم علم إلا من بعض الوجوه، وما يخفى عليهم كثير:  وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً  [الإسراء: 85].
عم رافع بن خديج يقول:  نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا  [رواه مسلم: 1548].
أنه في أشياء فيها نفع لأفراد محدودين، فيها مصلحة لآحاد، لكن منعها فيه نفع للعموم، فالشرع يمنع وإن كان فيه مصلحة آحاد من أجل مصلحة العدد الأكبر.
أما طبعاً العلمانية هذه عندها اللذة والنفع الشخصي شيء مقر، حتى لو على حساب عموم الناس، ولذلك كم يوجد عندهم من الاحتكارات، الدين يدعو إلى الوحدة بين المسلمين على أساس الأخوة الإيمانية:  إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ  [الحجرات: 10]،  إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ  [الأنبياء: 92].
فعلى أي أساس تنشأ العلاقة عند الطرف الآخر؟
على القوميات؟ على حدود جغرافية؟ على ماذا؟ بغض النظر عن الدين.
إذن واضح جداً الفروق والخلافات الكبيرة بين المنهجين، وهذه إحدى يعني هؤلاء طائفة من المخالفين المعاصرين لمنهج السلف ولدين الإسلام.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ونسأله عز وجل أن يعزنا بطاعته، وأن يحيينا على دينه، وأن يرزقنا اتباع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، نسأله عز وجل أن لا يفتننا:
 رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ  [آل عمران: 8].
بهذا نكون قد أتينا على مجمل ما في هذه السلسلة، وإن كان هناك أشياء تكميلية ربما تأتي لاحقاً في بعض المحاضرات، وإنما كانت هذه عن موضوع المخالفين المعاصرين لمنهج السلف، ما هي المخالفات المعاصرة لمنهج السلف الصالح.
نسأل الله عز وجل أن يلحقنا بهم، وأن يجعلنا ممن يستن بسنتهم ويسير على هديهم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.