الخميس 7 ربيع الأول 1440 هـ :: 15 نوفمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

ضوابط في الكرامات وبالتشبه بالكفار


عناصر المادة
ضوابط تتعلق بالنبوات والكرامات:
ضوابط تتعلق بالنبوات:
ضوابط تتعلق بالكرامات:
ضوابط تتعلق بصاحب الكرامة:
الضوابط المتعلقة بالتشبه بالكفار والفساق:
الحكمة من تحريم التشبه بالكفار:
حكم التشبه بالكفار:
كيف نعرف خصائص الكفار؟
أمثلة التشبه في خصائص الكفار:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
ضوابط تتعلق بالنبوات والكرامات:
00:00:21
 فقد مر معنا في الدرس الماضي ضوابط في أمر النبوات والكرامات:
ضوابط تتعلق بالنبوات:
00:00:33
 وذكرنا منها أن النبوة منحة ربانية لا تنال بعلم، ولا تمرين، ورياضة، ولا بكثرة طاعة وعبادة، وإنما هي اصطفاء رباني محض، وفضل إلهي يختص الله به من  عباده من يشاء، كما قال سبحانه وتعالى:  يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ  [البقرة: 105].
ثانيًا: لا تثبت النبوة لأحد إلا بدليل، والدليل من الكتاب والسنة، ومن اختلف في نبوته فلا نثبت له النبوة كإخوة يوسف، وذي القرنين، وتبع، ولقمان الحكيم، ونحوهم.
ثالثًا: الأنبياء أكمل الناس خلقًا وأخلاقًا، فليس فيهم امرأة، ولا أعرابي، ولا عبد، ولا جن، وكذلك ليس فيهم من يتصف بصفة ناقصة، ولا خلق ذميم.
رابعًا: الأنبياء بشر كسائر البشر إلا أن لهم خصائص ميزهم الله بها، كما قال تعالى:  قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف: 110]، فاختص الله الأنبياء من سائر البشر بأمور كالوحي، والعصمة، ونحو ذلك.
خامسًا: دلائل النبوة كثيرة، ولا تنحصر في المعجزات، وإنما يدخل فيها دلائل الأحوال والأوصاف، ودلالة نصرة الله لهم، وأن العاقبة لهم، والبشارات بهم في الكتب التي سبقتهم.
سادسًا: من كفر بنبي أو رسول واحد فقد كفر بهم جميعاً.
ضوابط تتعلق بالكرامات:
00:02:23
 ثم تكلمنا عن ضوابط في الكرامات، وقلنا:
أولاً: يشترط للتصديق في الكرامة ثبوتها بطريق صحيح، فلا نؤمن بكرامة ولي من الأولياء، إلا إذا ثبتت بإسناد صحيح.
ثانيًا: وليس كل من انخرقت له العادة ولي من أولياء الله، لأنه يدخل في ذلك الأحوال الشيطانية، وغواية الجن للإنس.
ثالثًا: يشترط للكرامة ألا تخالف أمرًا من أمور الشرع والدين، فإذا خالفت فهذا دليل على بطلانها، يعني بطلان كونها كرامة.
رابعًا: أن الكرامات لا تفوق المعجزات، ولا تصل إلى مستواها أصلاً، ومن ضلال الصوفية أنهم قالوا: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي، اعتبروا أن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة من ضلالهم، كما أن الباطنية والرافضة يعتقدون في أئمتهم الاثني عشر أن لهم صفات، ومقامات فوق مقام النبوة، فالكرامة إذاً دون المعجزة.
خامسًا: التعويل على الكرامات ليس من منهج الإسلام، وهذا خلافًا للمخرفين أو الخرافيين الذين جعلوا الخوارق والكرامات معيارًا للولاية، فمن لا كرامة له لا ولاية له عندهم، مع أنه قد يكون الإنسان من كبار أولياء الله ولا تنخرق له العادة.
سادسًا: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة، فالكرامة الحقة هي الاستقامة على منهج الله وشرعه، وطاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ضوابط تتعلق بصاحب الكرامة:
00:04:23
 ثم ذكرنا ضوابط فيمن تحصل له الكرامة، وهذه كانت في نهاية الدرس الماضي في كلامنا عن موضوع الكرامات، فذكرنا أن الكرامات لها ما يتعلق بأصحابها ضوابط أيضاً، فمما يتعلق بالضوابط في أصحاب الكرامات لأن هناك ضوابط في الكرامة نفسها كما قلنا: ثبوتها بطريق صحيح، وأنه ليس كل خارق يعد كرامة، وأنه يشترط ألا تخالف الشرع وأن الكرامة لا تسبق المعجزة، وأن التعويل عليها ليس من منهج الإسلام، أو جعلها شرطًا للولاية، وأن أعظم الكرامة لزوم الاستقامة، كل هذه ضوابط في الكرامة ذاتها، بقي عندنا ضوابط فيمن تحصل له الكرامة:
أولاً: أن يكون صاحبها من عباد الله المؤمنين المتقين.
فليس كل من جرت له خوارق هو من أولياء الله الصالحين، وأولياء الله الصالحين في الحقيقة من هم أصحاب الإيمان والتقوى، قال الله تعالى:  أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ  [يونس: 62-63]، وقال سبحانه:  وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [الجاثية: 19]، فالمتقون الذين يمتثلون أمره، ويجتنبون نهيه، ويترقون بمداومتهم على الطاعة والعبادة في مراتب الطاعات، والقرب من الله سبحانه وتعالى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وليس لله ولي إلا من اتبعه باطنه وظاهره، فصدقه فيما أخبر به من الغيوب، والتزم طاعته فيما فرض عليه من أداء الواجبات، وترك المحرمات، فمن لم يكن مصدقًا له فيما أخبر ملتزمًا طاعته فيما أوجب، وفي أمر به من الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال التي الظاهرة التي هي أعمال الجوارح والأبدان؛ لم يكن مؤمنًا، فضلاً عن أن يكون وليًا لله، ولو حصل له من الخوارق ما عسى أن يحصل فإنه لا يكون مع تركه المأمور وفعل المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية، المبعدة لصاحبها عن الله، المقربة إلى سخطه وعذابه". [مجموع الفتاوى لابن تيمية: 10/431].
ما يدعيه بعض الناس ممن قد لا يؤدون الصلوات ويقعون في الفواحش والمنكرات من أنهم وقعت لهم خوارق، ويظنونها كرامات، وهي في الحقيقة من تلبيس الشيطان عليهم، هذا لا يشترط أن يكون كذبًا، فقد يحصل لهم فعلاً خوارق، فيطير الواحد منهم في الهواء، أو يمشي على الماء وهو من أفجر خلق الله، ومن ذلك أن الأسود العنسي الكذاب مدعي النبوة لعنه كان من الشياطين من يخبره ببعض الأمور -مثلاً- فيما يحدث في أماكن بعيدة، وهو يخبر بها الناس، ثم يعلمون إذا جاؤوا ناس من تلك الأماكن البعيدة، فيقولون: هذا يعلم الغيب، الغيب الذي انفرد الله بعلمه هو غيب المستقبل، وليس ما يحدث الآن في بلد بعيد، هذا قد يعلم أهل تلك البلد، أو من ذهب إليهم، أو من اتصل بهم، أو من علم بث مباشر معهم، فإذاً الأسود العنسي مدعوة النبوة كان من الشياطين من يخبره ببعض ما غاب عن أهل بلده، حتى أن كان المسلمون كانوا يخافون أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم امرأته على قتله لما تبين لها كفره رحمها الله.
وكذلك مسيلمة الكذاب كان معه من الشياطين من يخبره ببعض الأمور التي تغيب، فمن الشياطين من يسترقون السمع من السماء من أخبار غيب المستقبل التي تصل وصولاً محدودًا جداً؛ لأن الله يخبر ملائكته في السماوات بأمور مما سيقع كي  ينفذوا أوامره، فتلتقطها بعض المردة من الجن، وقد يبلغون قبل أن يحترقوا، وقد يحترقون قبل أن يبلغوها فتصل إلى هذا الإنسي في الأرض فيكذب معها تسعة وتسعين كذابة، فلا زال الناس يذكرون الذي وقع، ويقولون: قد أخبر وقد وقع، مع أنه أخبر بأشياء كثيرة ولم تقع.
ومن الخوارق ما سيقع للمسيح الدجال آخر الزمان، وهو من شر خلق الله يدعي الألوهية، قد  علمنا النبي صلى الله عليه وسلم الاستعاذة منه.
ومن ذلك ما كان يحصل للحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة، وحصلت له خوارق، فقد كانوا يضعون القيود في رجليه، فتخرجها الشياطين، يقوم يمشي ويخرج، وكانت الرخامة تسبح إذا مسحها بيده، مع أن الذي يسبح شيطان جني ينطق، فيظن الناس أن الرخامة هي التي تسبح؛ لأنه وضع يده عليها، ولا يرون الشيطان الذي يتكلم، وكان يري الناس رجالاً يمشون على الهواء، ويركبون الخيل على الهواء، ويقول لهم: هذه الملائكة، ولم تكن إلا جنًا وشياطين، وكان يضرب بالسلاح فلا ينفذ فيه، حتى أن بعض المسلمين لما أمسكوه ليقتلوه طعنه بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال عبد الملك للطاعن: إنك لم تسم الله، فسمى الله، فطعنه، فقتله". [أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: 1/96].
وارتاح المسلمون من شره، فالشاهد أنه يمكن أن يكون في  الواقع بعض الناس عندهم مثل هذه الخوارق لإعانة الشياطين لهم، وليس لهم من ولاية الله نصيب، بل ولا من الإسلام نصيب.
ثانيًا: من الضوابط في صاحب الكرامة ألا يدعي صاحبها الولاية.
لأن الولاية درجة تتعلق بفعل الله عز وجل وفعل العبد، فإن الله عز وجل يرفع المؤمن التقي المؤدي لفرائضه، المجتنب لنواهيه، المتقرب إليه بالنوافل، يرفعه إلى درجة الولاية،  وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به [البخاري: 6502]، والإنسان لا يعلم ما  عند الله عز وجل وهل هو عند الله ولي، أو هو عند الله من أهل النار، هل هو عند الله مقبول أو هو عند الله مردود، فدعوى الولاية دعوى علم غيب، ما أدراك أنك عند الله ولي، فإذا ادعى الولاية فمعنى ذلك أنه كذاب، ثم هذه تزكية للنفس، والله قال: فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم: 32]، فولي الله لا يزكي نفسه؛ لأنه يكون قد ارتكب ما نهى الله عنه؛ ومن شروط الولاية ألا يرتكب ما نهى الله عنه، وقد وصف الله تعالى أولياءه المؤمنين المتقين بقوله:  وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ [المؤمنون:60] يخافون ألا يقبل منهم، قالت عائشة: يا رسول الله أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا تقبل منهم ،  أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:61] حديث صحيح [الترمذي: 3175، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 162].
ثالثًا: ألا تكون الكرامة سببًا في ترك شيء من الواجبات، أو الاستعانة بها على معصية من المعاصي.
لأن الكرامة تحصل لعبد صالح من أولياء الله تعالى يكرمه بها لإيمانه وصلاحه وتقواه، فلا يمكن أن يستعين بها على معصيته، وأكمل الكرامات ما كان معينًا على طاعة الله عز وجل أما ما كان سببًا في ترك واجب أو فعل محرم، فهذه ليست كرامة ولا كرامة.
ومن ذلك حمل الجن بعض الناس ليحجوا بلا مرور بالميقات، ولا وقوف عنده، ولا إحرام، على طول يجاوزون به الميقات بلا إحرام، وهذه بحد ذاتها معصية لأن الإحرام من الميقات واجب، وإذا أوصله هناك بلا إحرام، فهذا ترك الركن، ولم يدخل في العبادة أصلاً، واستعان بالجن على معصية الله.
ثانيًا: استخدام بعضهم للجن في الاطلاع على عورات الناس، وكشف أسرارهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن بعض ما يدعى من هذا: فإن لم يكن له فائدة كالاطلاع على سيئات العباد"، يعني" بعضهم يقول: أنت شربت خمر في بيتك داخل البيت سويت كذا وكذا، وقد يكون صحيحًا، ومن الذي أخبره هذا الشيخ المزعوم؟ الجن، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، فيأتي هذا، ويقول: أنت فعلت كذا وكذا، وبعضهم يستعملها لجمع الأتباع، ويخافون من الشيخ أن يطلع على أحوالهم الخاصة، ويضطرونه لإخباره بأسرارهم، وهذا يفعله بعض الصوفية مع مريديهم، فربما يأخذ من الجن بعض أخبار هؤلاء المريدين، أو بعض الأتباع الجدد، أو من يشك فيه، فيخبره فيعتقد في الشيخ، يقول: خلاص عرف سري، فالشياطين تعين هؤلاء شيوخ الضلالة على جذب المريدين، وإبقائهم حوله يكون من أتباعه، ولا يخرج عن إرادته.
قال الشيخ ابن تيمية: "فإن لم يكن فيه فائدة كالاطلاع على سيئات العباد، وركوب السباع لغير حاجة"، يعني: تلقى واحد راكب أسدا مثلاً، "والاجتماع بالجن لغير فائدة:، يقول: أخذونا واجتمعنا، قال: "والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر، فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وهو بمنزلة العبث واللعب، وإنما يستعظم هذا من لم ينله". [مجموع الفتاوى: 11/328].
رابعًا: من شروط الكرامة بالنسبة لصاحبها ألا يطلبها، ولا يسعى في حصولها.
فإن السلف ما كانوا يبحثون عن خرق العادة لهم، فإذا حصلت بقدرة الله وبقدر الله فهذه من بشرى المؤمن، وإذا ما حصلت ما يركضون وراءها، ولا يسعون في حصولها، والتعويل على الكرامات كما تقدم ليس من منهج الإسلام، وأعظم الكرامة لزوم الاستقامة، ثم إن العلم بالخوارق غير مطلوب أصلاً ، ولا يضر المسلم الجهل به، "وعدم وقوع كرامات لشخص لا يضره في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيء من الكونيات لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه". [مجموع الفتاوى: 11/323].
من باب ألا يغتر، ولا يفتن، وليس وقوع الخوارق أمرًا لازمًا لأولياء الله تعالى فكم من الأولياء الصادقين من الصحابة ومن بعدهم لم تقع لهم خوارق، وكم من السحرة والمبطلين من وقعت لهم خوارق، والخوارق ابتلاء للعبد من جنس النعم، وليس حصولها برهان على فضل الرجل عند الله، ولا أنه أفضل من غيره، فقد يكون غيره أفضل منه فتنخرق للأضعف، ولذلك قيل: إن كرامات التابعين يعني كرامات من بعد الصحابة أكثر من الكرامات التي وقعت للصحابة من جنس الخوارق هذه؛ لأن من بعدهم كانوا يحتاجون إلى التثبيت أكثر، فقد تقع لهم كرامات لتثبيتهم من الله عز وجل، قال الله تعالى:  فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا  [الفجر:15-17] أي ليس كل من نعمته في الدنيا فهو كريم عليّ، ولا كل من قدرت -يعني: ضيقت- عليه رزقه فهو مهان لدي، تفسير السعدي. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/923].
وتجد بعض الصوفية وغيرهم من أهل البدع يلهثون وراء الكرامات، فتجد أحدهم مثلاً يكسب ثعبانا، فإذا لم يلدغه قال: كرامة، أو يلقي نفسه في النار أو في نار موقدة، أو يدخل عرين أسد بحثًا عن كرامة، وهذا ليس من منهج الإسلام في شيء، فإن أعظم الكرامة الإخلاص لله، واتباع أمره، وترك ما نهى عنه، والله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته إياه فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعداء الله.
قال بعض أهل العلم: "كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطالب بالاستقامة". [مدارج السالكين: 2/105].
هذه بعض القواعد أو الضوابط المتعلقة بموضوع الكرامات. 
الضوابط المتعلقة بالتشبه بالكفار والفساق:
00:19:44
 فإن من موضوعات العقيدة الإسلامية التشبه ما يقع من التشبه، وفي سلسلة ضوابط في العقيدة الإسلامية سنتطرق إن شاء الله إلى مجموعة من الضوابط والقواعد المتعلقة بالتشبه بالكفار والفساق، وأحكام ذلك، لأن هذا  الموضوع له اتصال بعقيدة الولاء والبراء التي هي من صلب العقيدة الإسلامية.
ابتداء: المسلم مأمور شرعًا بالاقتداء والتأسي بنبيه عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله، وسائر أحواله، كما قال الله سبحانه:  لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، والمسلم عزيز بدينه وشرعه، متمسك بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم متميز عن غيره في الظاهر والباطن، ولذلك فهو منهي عن التشبه بالكفار، والمشركين، والفاسقين، وأهل البدع، والضالين في كل زمان ومكان، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك بقوله:  من تشبه بقوم فهو منهم رواه أبو داود [4031]، وهو حديث صحيح [صححه الألباني إرواء الغليل: 1269].
الحكمة من تحريم التشبه بالكفار:
00:21:02
 والحكمة من تحريم التشبه بالكفار وتقليد الكفار أن التشبه بهم يكون مفضيًا إلى الكفر أو المعصية غالبًا، فإذاً تحريم التشبه من باب سد الذريعة، وسد الطريق، وسد السبيل المؤدي إلى الحرام، كما قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: "المشابهة تفضي إلى كفر أو معصية  غالبًا، أو تفضي إليهما في الجملة". [اقتضاء الصراط المستقيم: 1/216].
وقال رحمه الله أيضاً: المشابهة في بعض الهدي الظاهر يوجب المقاربة، ونوعًا من المناسبة، يعني: أنت الآن لما تشابهه تقاربه وتشاكله وتناسبه يفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين والعرب، وذلك يجر إلى فساد عريض" [الفتاوى الكبرى: 6/172].
وهذا ظاهر محسوس، وأشار إلى هذا شيخ الإسلام في الاقتضاء، قال: فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس ثياب الجند المقاتلة يجد في نفسه نوعًا من التخلق بأخلاقهم، وأيضاً مشاركتهم في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التميز ظاهرًا بين المسلم وغير المسلم" انتهى [اقتضاء الصراط المستقيم: 3/21].
فإذا لو قال قائل: العبرة بالباطن، والعبرة بالقلب، والظاهر هذا غير مهم، وحتى لو صرنا مثلهم في الشكل، العبرة في المضمون وليس في الشكل.
نقول: تعال وأرني تصرف الضابط إذا لبس البدلة، وإذا خلع البدلة ولبس لباس المدنيين، وكن معي صادقًا هل تصرفات هذا، وألفاظه، وكلماته، ومشيته، وسيرته، وهو لابس البدلة مثل وهو لابس مدني؟ هذا مما يدل على أن الظاهر له تأثير في الباطن، ولا يمكن أن تقنع شخصًا عاقلا بأن من لبس لباس أهل العلم والدين كمن لبس لباس المهجرين والسيرك، أو الفساق أو المغنيين، ما يمكن إلا ما يكون له أثر، فالمسلم إذا لبس مثل الكافر، وشابهه، هب أنه لبس لباس كهنة الكنيسة، ماذا يوجب ذلك ارتفاع الحواجز بينهم وبينه، يصير كأنه واحد منهم، فكم تقر أعين الكفار عندما يتشبه به المسلمون، ولو ما كان في بالتشبه إلا هذه الخسيسة لكفى في منعها، أن تقر أعين الكفار لما يروا أبناء المسلمين يلبسون مثلهم، هذا فضلاً عما في التشبه من معاني الانقياد، والانهزام، والاستسلام، والطاعة العمياء من غير نظر في تعيين الضار والنافع، والحلال والحرام.
وقد حصلت قصة لطيفة للشيخ عاطف إسكلفي -رحمه الله- هذا عالم تركي كان في العهد الكمالي أو الأتاتوركي هذا الطاغوت هذه الشيخ: أول ما بدأت تدخل البرنيطات الغربية إلى تركيا، أفتى بتحريم لبسها لأنه كان التشبه بالكفار بها واضحًا، لأنه كان المسلمون يلبسون العمائم، أو هذا الطربوش الذي عليه عمامة مثلاً، فكانت هذه البرنيطات الغربية من لبسها هذا غربي، وهذا إفرنجي وأوربي، يعني من لباس النصارى، ما كانت فاشية المسلمين، ولا كانت منتشرة بينهم، فأفتى رحمه الله بتحريم ارتدائها منعًا لمشابهة الكفار، فاعتقل، وقدم للمحاكمة، وقال له القاضي الآثم مستهزئًا: إنكم أيها الشيوخ مستغرقون في السفسطة الفارغة، رجل يرتدي عمامة فيكون مسلمًا، فإذا ما ارتدى قبعة صار فاسقًا، وهذا قماش وهذا قماش، فقال له الشيخ عاطف رحمه الله: انظر أيها القاضي إلى علم تركيا المعلق خلفك هل تستطيع أن تستبدله بعلم انجلترا، فإن لم تقبل فهذه سفسطة فارغة منك، فهذا قماش وهذا قماش، فألقمه حجرًا، وحكم عليه بالإعدام، تقبله في الشهداء رحمه الله. [تبيه الهاجد: 15/23].
قال العلامة الشيخ أحمد شاكر: لم يختلف أهل العلم منذ الصدر الأول في هذا -أعني في تحريم التشبه بالكفار- حتى جئنا في هذه العصور المتأخرة، فنبتت في المسلمين نابتة ذليلة مستعبدة هجيراها، -يعني عادتها ودأبها- وديدنها التشبه بالكفار في كل شيء، والاستخدام لهم، والاستعباد، يعني: أن يكون المسلم عندهم مستخدم، مستعبد، ذليل، تابع.
قال: ثم وجدوا من الملتصقين بالعلم المنتسبين له من يزين لهم أمرهم، ويهون عليهم أمر المشابهة بالكفار في اللباس، والهيأة، والمظهر، والخلق، وكل شيء، حتى صرنا في أمة ليس لها من مظهر الإسلام إلا  مظهر الصلاة، والصيام، والحج، على ما أدخلوا فيها من البدع، بل من ألوان التشبه بالكفار أيضاً، تعليق الشيخ على مسند الإمام أحمد [10 /19، رقم: 6513].
ولا سبيل لمعرفة التشبه المنهي عنه، وتمييز هذا عما لا يعد تشبهًا إلا بمعرفة ضوابط التشبه المحرم، ومتى يكون محرمًا؟ وهل التشبه منهي عنه بإطلاق؟ وهل هو درجة واحدة في التحريم؟ لأن المسألة ستثار، فيقال: ماذا تقصدون لا نستعمل إشارات المرور، لأنها تستعمل عند الكفار، أو لا نستعمل لغة البرمجة التي يستعملها الكفار لأنهم اخترعوها، هل استعمال لغة البرمجة هذا تشبه بالكفار؟ ما قصدكم في مسألة التشبه في أنظمة ملاحة جوية، وأشياء عالمية، وأشياء الكفار هم الذين اخترعوها ، المكبر هذا مصنوع من بريطانيا أو السويد أو هولندا، ثوبك الذي تلبسه مصنوعًا عند الكفار، فإذاً ما هو التشبه المحرم بالضبط، إن عدم ضبط القضية يوقع في إشكالات كثيرة منها الخلط بين التشبه المحرم وبين ما لا مانع فيه، أخذ ما علمه الكفار في شيء وعمل مثله.
أيضاً عدم ضبط المسألة يؤدي إلى تضييع الوسطية، والوقوع إما في إفراط أو تفريط.
وكذلك عدم ضبط القضية يؤدي إلى إشكالات دعوية في مخاطبة الناس، فهم الواقع التعامل مع الغير لأنك ستحذر من فلان لأنه متشبه بهم، أو ستقول لا حرج عليه، ولا تشكوا فيه، ولا تعادوه، ولا تستريبوا في أمره ما عمل شيء غلط، هو برئ.
أن من أعظم الكلمات المفتاحية في هذا الموضوع التشبه بهم فيما هو من خصائصهم، كلمة خصائصهم هذه كلمة مفتاحية مهمة جداً تزيل كثير من اللبس، والإشكالات.
حكم التشبه بالكفار:
00:30:27
 حكم التشبه بالكفار: الأصل في التشبه بالكفار التحريم، لقوله صلى الله عليه وسلم: من تشبه بقوم فهو منهم  وهذا نهي وتهديد ووعيد لمن تشبه بالكفار في شيء يختصون به، سواء كان في أفعالهم، أو أقوالهم، أو لباسهم، أو أعيادهم، أو عباداتهم، أو حركاتهم، أو سلوكياتهم، أو غير ذلك من الأمور التي لم تشرع لنا في الشريعة الإسلامية، هذا مأخوذ من كلام ابن كثير رحمه الله.  
وفي الاقتضاء: أن من فعل ذلك من المسلمين -يعني: فعل هذا التشبه- فهو منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا أو معصية أو شعارًا لهما كان حكمه كذلك، هذا في الاقتضاء [اقتضاء الصراط المستقيم: 1/83].
وقال شيخ الإسلام في الاقتضاء أيضاً: وهذا الحديث -يعني:   من تشبه بقوم فهو منهم  أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وعلى أكثر الأحوال، قال: وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم" [اقتضاء الصراط المستقيم:1/ 83]؛ لأنه لو قال:  من تشبه بقوم فهو منهم  ومنهم هذه خطيرة، ممكن يكون منهم من نفس الكفار، يعني: كافرًا. ولذلك قال: "أقل أحواله التحريم" ما يدخل في الكفر الأكبر، لكن منه درجات تدخل في الكفر الأكبر،
قال: وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  ليس منا من تشبه بغيرنا  رواه الترمذي، وهو حديث حسن بشواهده [الترمذي: 2695، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 2194].
وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال:  فمن ، يعني: من يكون غيرهم من غيرهم أعني. رواه البخاري [3456].
فالنبي صلى الله عليه وسلم مثل بجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته، يعني: هذا ما هو قصر، ولا بيت جميل، هذا جحر الضب لضيقه ورداءته، قال: ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم، واتباعهم طرائقهم لو دخل اليهود والنصارى والكفار في مثل الضيق الرديء لتبعوهم. [فتح الباري: 6/498].
فمخالفة اليهود والنصارى، وغير المسلمين في أعيادهم، ولباسهم، وهيئاتهم، وعاداتهم، وهديهم الظاهر من مقاصد الدين في تشريعاته، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفة الكفار والمشركين في أحاديث كثيرة، وكان يتقصد ذلك تقصدًا لدرجة أن اليهود، علموا ذلك، ولاحظوه جيداً، حتى قال اليهود حين وصلت بهم الأزمة النفسية لما رأوا المسلمين يخالفونهم: "ماذا يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه". [مسلم: 302].
ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية، وحف الشوارب، والصلاة بالنعال والخفاف، وأكلة السحور، وصبغ الشعر، ونهى عن اشتمال اليهود في الصلاة، والقيام للجنازة إذا مرت، كل ذلك مخالفة لهم، ولطوائف من الكفار.
فإن قيل: ما هي الضوابط؟
فنقول:
أولاً: حتى لا نخلط بين التشبه المحرم وما ليس بمحرم لا بدّ أن نعرف الضوابط لأن المسألة سيحدث فيها التباس. أولاً: كل ما كان من خصائص الكفار الدينية والدنيوية فإنه يحرم التشبه بهم فيه مطلقًا دون التفات إلى قصد الفاعل، قصد التشبه أو لم يقصد، إذا حصل تشبه يمنع مهما كان قصده، لأن المحظور حصل، لا يأتي شخص يلبس لباس الرهبان أو يعلق صليبًا.
ونقول له: ما قصدك إذا قصدت الإيمان بما بهذا الصليب هذا حرام، أما إذا قصدت حفلة تنكرية، أصلاً مجرد حصول التشبه حرام، نحن ما نقول: كفر أو ما هو كفر، هذه مسألة أخرى سنأتي عليها، لكن مجرد حصول التشبه لهم فيما هو من خصائصهم حرام، بغض النظر عن قصد ونية المتشبه، وسواء فعله موافقة للكفار، أو لشهوة، أو لشبهة، أو لظنه أن هذا ينفع في الدنيا أو في الآخرة، فلا يشترط في كون التشبه محرمًا النظر في قصد المتشبه، فمتى كان الفعل من خصائص الكفار فهو تشبه منهي عنه، ولو من غير نية وقصد، الآن أنت ممكن تشوف واحد لابس مثلاً لباس نادي برشلونة فيه صليب كذا واضح ريال مدريد، واضح فيها اس ميلان فيه صليب.
لو لباس لبس النادي ويجري ويلعب في الملعب، ويمشي ويروح، فقلت له: هذا صليب، قال: أنا ما انتبهت أصلاً، ولا قصدت، بس أنا معجب بالنادي، فنقول: أنت لبست صليب، أنت عليك صليب، أنت الآن على ظهرك، وعلى صدرك صليب، هذا شعار الكفار عليك لبسته الآن، هذا حرام بغض النظر عن القصد.
ما هو الدليل؟ لماذا الواحد إذا  تشبه بالكفار في شيء فهو حرام سواء قصد أو ما قصد؟ قال عليه الصلاة والسلام: صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل  -يعني إذا ارتفعت الشمس-  فإن الصلاة مشهود محضورة  يعني: الملائكة تحضرها-  حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة  ، قبيل الظهر، قبيل الزوال بربع ساعة تقريبًا،  فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار [رواه مسلم: 832].
فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة حين طلوع الشمس، وعند غربوها حتى لا يتشبه المسلم بالكفار في وقت الصلاة مع أن الكيفية مختلفة، يعني صلاة المسلم الذي فيها قيام، وركوع، وسجود، وتلاوة قرآن، وأذكار، وأدعية، وصلاة الكفار غير صلاة عباد الكواكب تختلف، نقول: نهى مع اختلاف الكيفية لمجرد المشابهة في الوقت، مع أن المسلم لو صلى فيصلي لله، وعباد الكواكب يصلون للشمس والقمر والنجوم، ومع ذلك حرمه، وجعله تحريمًا مغلظًا، مع أنه لا يتصور أن المسلم إذا صلى يتشبه بهم، حتى ما يمكن يخطر في نفسه، هو إذا صلى يصلي لله، فنهاه عن الصلاة حين طلوع الشمس وحين غروبها حتى لا يكون متشبهًا بهم ولو في الوقت.
كيف نعرف خصائص الكفار؟
00:39:27
 وضابط كون الشيء من خصائص الكفار: أنهم يفعلونه دون غيرهم، أو يكون من رأى المتشبه بهم يظنه منهم، يعني هذا الضابط بحيث لو رأيت شخصا يفعل هذا الشيء، أو يلبس هذا اللباس، أو يتزى بهذا الزي، أو يتكيف بهذه الكيفية لظننته منهم، أما إذا شاع في أعراف الناس وذاع في الجميع، يفعله القريب والبعيد، والذي منهم والذي ليس منهم، والأمم يفعلونه، وانتشر فيهم، هذا ضابط، وليس من قضاياهم الدينية، فإنه يجوز للمسلم أن يفعله إذا لم يعد من خصائص كفار معينين، وليس دينيًا، فلا يكون من التشبه المحرم حينئذ فعله، اللباس الإفرنجي أول ما ظهر كان واضح أنه إذا شفت لباس إفرنجي أن هذا نصراني يهودي، ولباس المسلمين معروف لما شاع اللباس الإفرنجي بين العرب والعجم والمسلمين والكفار وأهل الأرض ولبسه الصينيون والهنود والأفارقة، لم يعد اللباس الإفرنجي خاصًا بالنصارى ولا علامة عليهم، وليس قضية دينية، يعني: ليس مثل لباس الرهبان، ما هو لباس الصليب، خلاص بدلة وكرفته وإلى آخره، فلما انتشرت ارتفع الحكم، ولم يعد حرامًا أن يلبس المسلم بدلة كرفته وإلى آخره.
أمثلة التشبه في خصائص الكفار:
00:41:41
 أمثلة التشبه بالكفار في الخصائص الدينية:
أ. اتخاذ القبور مساجد:
عن عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم قالا: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الموت طفق يطرح خميصة ثوب مخطط له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها عن وجهها، فقال وهو كذلك:  لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، يحذر ما صنعوا. [رواه البخاري: 1390، ومسلم: 529].
ب. لبس الصليب: فإذا لبسه معتقدًا به كفر، هذه ما فيها كلام، وإذا لبسه مجاملة لهم، لبسه معجب بالنادي مثلاً، فإنه لا يكفر، لكنه يكون قد ارتكب حرامًا عظيمًا، وموبقة من الموبقات؛ لأنه تشبه بهم فيما هو من خصائصهم الدينية، ومن بلايا ما يسمى الوحدة الوطنية في بعض البلدان أن بعض المسلمين يلبس صليبًا وهلالاً متعانقين، هلال يخترق صليبًا، ويقولون: الوحدة الوطنية الصليب موجود، وبعضهم يرفع مصحفًا بيمينه، وإنجيلاً بشماله، كتاب محرف باطل فيه الشرك.
ج. مشاركتهم في أعيادهم: كثير من المسلمين يحتفل بأعياد الكفار الدينية، مثل الكريسماس، وغيره، وهذا محرم أشد التحريم، لا يجوز، فإن اعتقد بمقتضاه -ومقتضاه أن هذا مرت ألفين وثلاثة عشر سنة على ولادة ابن الله- هذا إن اعتقد بموجبه كفر، وإذا فعله مجاملة وإعجابًا، فقد فسق بمعصيته هذه.
د. الوقوف دقيقة حداد على الميت: وهذا مما عم وذاع التشبه بالكفار في الوقوف دقيقة صمتًا حدادًا على ميت، فهذه من عادات الكفار، وليست من عادات المسلمين، فيحرم التشبه بهم فيها.
نحتاج أمثلة من التشبه في الأمور العادية: يعني: محرم لكن من أمور  العادات، وليست من الأمور الدينية، من أمور العادات، مثلاً اللباس غير الديني لكن لباس خاص بهم، مثال لباس التخرج من الجامعة، اللباس الغربي الذي فيه قبعة فوق الرأس على هيئة اسطوانة، يعلوها مربع مسطح، ولباس أسود معروف، أصل هذا لباس كنسي، لكن لو لم يكن كنسيًا وكان من خصائصهم وعاداتهم في تخرج طلابهم من الجامعات، فلا يجوز  لبسه بقضية أنه من خصائصهم.
مثال على مسألة من العادات ما هي مسألة دينية لكنهم اختصوا بها، الدبلة في الزواج، ويمكن ما تخلو من اعتقاد، لأنها تقول: بسم الأب والابن، ويدخله في الأصبع يعد ثلاث ويضعه في الرابع، المهم عندهم فيه اعتقاد، وأنها إذا ألبسته فقد امتزجت روحها بروحه، وإذا ألبسها امتزجت روحه بروحها، المهم عندهم فيها اعتقاد، لكن هب أنه ما فيه عندهم اعتقاد، فلا يجوز لبسها لأنها من خصائصهم وعلاماتهم في نكاحهم، وفي عقدهم، وفي خطوبتهم، مما يدل على التخصيص أنها لها أصبع معين، فحتى لو خلت من الاعتقاد الديني فلا يجوز لبسها، لأنها من خصائصهم.
السلاسل مع أن فيها سبب تحريم آخر، وهو تشبه الرجال بالنساء، يعني لو واحد وضع سلسلة لو ما هي ذهب لأنه يمكن سبب تحريم ثالث أنها من الذهب سبب تحريم، ثاني أنها تشبه بالنساء والتحريم، الأول أنها تشبه بالكفار.
مثال: الخنافس، والهبيون والآن بيمو، وضع أقراط في السرة في الثدي، أو فرقة يروحون فيصممون لهم قصة وقميص وحلي معينة، هب أن هذه ليس وراءها أي شيء ديني أو عقدي، وإنما علامة على هذا المغني أو علامة على هذه الفرقة أو علامة على هذا النادي الرياضي الذي هو من الكفار بحيث أن كل من هو منهم أو من الفرقة أو من المعجبين أو من رابطة هذه الفرقة أو هذا الشخص أو من اتباعه فإنه يلبس هذا، فما حكم لبس أو قص الشعر مثلهم؟ حرام، مع أنه ليس قضية دينية، ولا وراءها اعتقاد معين، وكذلك قصة اللايونز، وقصة الكابوريا، وقصة المارينز، هذه ما هو ضروري يكون وراءها اعتقاد معين، لكن هي علامة عليهم، فحكم أنه يقص مثلهم حرام وفسق وتشبه بهم.
قضية البنطلون الآن أول ما جاءت إلى مجتمعات المسلمين دع عنك السراويلات التي يلبسها نساء الباكستان والهند وغيرها هذا معروف من لباس المسلمات هناك، وله طريقة معينة أحيانًا، يصير مثلاً من أسفل مضموم حتى ما تنشمر، ولا تنكشف، وواسع من أعلى ما هو شفاف، ولا ضيق. البنطلونات المعروفة الآن هل كان في المجتمعات المسلمة والعربية المرأة المسلمة ترتدي بنطلون جينز مثلاً؟  هل كان لا ما هو شرط البنطلون الجينز ليس ضروري يكون وراءه عقيدة دينية، ولا اعتقاد معين ديني، فتاوى العلماء التي كانت فيها:
اسمع سئلت اللجنة الدائمة عن ذلك، فأجابت لا يجوز للمرأة المسلمة أن تلبس البنطال لما في ذلك من التشبه بالكافرات، والمسلمون منهيون عن التشبه بالكفار، ولأنه أيضاً يحدد حجمها، ويبدي تقاطيع جسدها، وفي ذلك من الفتنة عليها، وعلى الرجال الشيء العظيم. [فتاوى اللجنة الدائمة: 17/223].
فالعلماء قاوموا الدخلة هذه الدخول هذا قاوموه دخول بنطلونات نساء الكفار على نساء المسلمين، ويرون فيه الشر العظيم، المشكلة الآن أن تجار المسلمين ونساء المسلمين يريدون، يعني: يعملون عمليًا على إشاعة هذا، وتطبيعه تطبيعًا كاملاً، بحيث يقول في النهاية: بس ما صار من خصائصهم عممناه، العمل على تعميمه حرام، ومقاومته واجب، ولو خلصنا من قضية الخصائص بقي عندنا فيه مشكلة الضيق، ويبين تقاطيع الجسد، وإلى آخره، أكثر من التنورة، والفستان، والروب الذي يسموه للنساء.
مسألة التشبه بهم في عيد الحب، وشم النسيم وغير ذلك لا يجوز.
هل هناك أشياء كانت عند الكفار ثم دخلت للمسلمين وصارت عامة بحيث لم تعد خصيصة بالكفار؟
نعم، مثل البدلة هذه التي كان اسمها بدلة إفرنجي، واضح من الكلمة أنها جاءت من هناك، هذا في أول الأمر كان حرامًا لأنه كان تشبهًا، ولأنه كان من خصائص الكفار، ولأن من لبسه إذا نظر إليه يظن أنه منهم، فلما انتشر اللباس هذا الإفرنجي البدلة والكرفته في الشرق والغرب والصين والهند وإفريقية، ولبسه المسلمون، وانتشر بينهم مع الأسف انتشر بحيث لم يعد من خصائص الكفار زال الحكم بالتحريم، وصار الحكم بالإباحة؛ لأنه لم يعد من خصائصهم، ولأنه ليس أمرًا دينيًا، ليس مثل لبس الصليب.
مثلاً: افرض أن الأكل على الطاولة من زمان كان من عادات الفرس، ما كانت من عادات المسلمين، أول الدخول ممكن يكره وينهى عنه، لكن بعد ذلك انتشر هذه العادة الفارسية في المسلمين، فلم يعد حرامًا ولا مكروهًا ولا منهيًا عنه، مع أن المسلمين من زمان أكلهم على الأرض.
قال عليه الصلاة والسلام: آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد  [مصنف عبدالرزاق: 19543، وصححه الألباني السلسلة الصحيحة: 544]، لكن ما هو حرام تأكل على الطاولة، المسألة الآن لم تعد علمًا على الكفار، ولا علامة، ولا خصيصة.
إذاً من الضوابط إذا زال اختصاص الكفار بالشيء، وزال كونه شعارًا لهم زال تحريم مشاركتهم فيه، ما لم يكن حرامًا لعينه، مثلاً ذهب للرجال، مثلاً حرير للرجال، ربطة العنق هذه الربطة الصغيرة هذه العرضية كانت من علامات الكفار إذا لبسها واحد يظنوه خبير أجنبي، كانت محرمة كانت فتوى العلماء بتحريمها، لما انتشرت خلاص، ولبسها الصغير والكبير، ولبسها خدام المطاعم، فلم يعد حكمها التحريم.
فلو قال أحد المنافقين العلمانيين: عندكم الفتاوى تختلف، وكون الشيء حرام ثم يكون حلال، وهذا يدل على أنكم ليس عندكم منهج.
نقول: ما هو سبب التحريم؟ وما هو سبب الإباحة؟ هذه فيها قواعد، من الذي أفتى بالإباحة من الثقات؟ ثم إذا تغير فعلاً الحكم عند العلماء لماذا تغير الحكم عند العلماء؟
مثال من الأمثلة القديمة: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله وهو يتكلم عن مياثر الأرجوان -هذه وسادة صغيرة حمراء كانت توضع تحت الراكب على الدابة، هذه كانت من هيئة الأعاجم، هم الذين يضعون هذه على الدواب، وهي حمراء، وورد النهي عن المياثر الحمر- يقول ابن حجر: "لكن كان ذلك شعارهم حينئذ وهم كفار، ثم لما  لم يصر الآن يختص بشعارهم، زال ذلك المعنى، فتزول الكراهة". [فتح الباري: 10/307].
من الأمثلة أيضاً: لبس الطيلسان، الطيلسان وشاح يلبس على الكتف أو يحيط بالبدن خال عن التفصيل والخياطة، ويعرف بالعامية في بعض البلدان العربية بالشال، هذا الطيلسان كان من شعار اليهود.
يقول ابن حجر: "ثم ارتفع ذلك في هذه الأزمنة، فصار داخلاً في عموم المباح" [فتح الباري: 10/275]؛ لأنه فشا في المسلمين، لكن أول دخوله على المسلمين كان ينكر لأنه كان علامة على اليهود، كان شعارًا لليهود، كان من خصائص اليهود.
ومن ذلك ما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنه كره لبس العمامة إلا أن تكون محنكة؛ لأن عمائم العرب أصلاً وعمائم الصحابة تنزل وتطلع محنكة، ولذلك يشق خلعها، فيجوز المسح عليها على الراجح. وهناك عمائم غير محنكة كان منهي عنها، وكان يعتم بها اليهود والنصارى والمجوس، لكن بعد ذلك العمائم غير المحنكة فشت في المسلمين. [المغني: 1/340].
قال الغزي رحمه الله ولعله يقال: إن هذه العادة قد بطلت، وتغير زيهم، فإذاً لم تعد العمائم غير المحنكة من خصائص الكفار، لأنه لبسها المسلمون، وفشت فيهم، وصارت من لباسهم.
سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن مقياس التشبه بالكفار؟
فقال: مقياس التشبه أن يفعل المتشبه ما يختص به المتشبه به،  فالتشبه بالكفار أن يفعل المسلم شيئًا من خصائصهم، أما ما انتشر بين المسلمين، وصار لا يتميز به الكفار، فإنه لا يكون تشبهًا، فلا يكون حرامًا من أجل أنه تشبه، إلا أن يكون محرمًا من جهة أخرى، مثلاً: لبس حرير للرجال، ولبس ذهب للرجال. [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين: 3/47].
وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة تشبه الرجال بالنساء، يعني: شف إلى الآن ما حكم أن تلبس المرأة بدلة وكرفته، حرام لا لأنه لباس إفرنجي خاص بالكفار، لم يعد خاص بالكفار، لكن لأنه تشبه بالرجال، لأن العرف أنه من لباس الرجال.
قال ابن حجر في الفتح: "وقد كره بعض السلف لبس البرنس لأنه كان من لباس الرهبان"، طبعاً البرنس الذي طاقيته مخيطه به من الخلف، غطاء الرأس، مثل: اللباس المغربي وقد كره بعض السلف لبس البرنس؛ لأنه كان من لباس الرهبان.
"وقد سئل مالك عنه فقال: لا بأس به كان يلبس ها هنا" يعني: انتشر. [فتح الباري: 10/272].
يقول الشيخ ابن عثيمين: لو استدل مالك بقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل ما يلبس المحرم، فقال:  لا يلبس القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس  [البخاري: 1543، ومسلم: 1177]، لكان أولى، لأنه معناه أن الشرع أذن بلبس البرنس لغير المحرم، فهذا الدليل أولى باستعماله في الإباحة. [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين:3/ 47].
بقي من الضوابط حكم التشبه بالكفار، يختلف بحسب درجة التشبه، ما اتفقت عليه الملل فليس من التشبه الممنوع، وكذلك ما كان منهي عنه سدًا لذريعة التشبه يباح للمصلحة الراجحة، وهذا يدخل في مسألة مهمة، وهي لو كان المسلم في دار الحرب ماذا يلبس؟ ولو كان عينًا للمسلمين على الكفار هل يجوز أن يلبس مثل لباس الكفار؟ وإذا خشي الأذية هذه كلها تدخل هنا.
وسادسًا: كل فعل يفعله المسلم تشبهًا بالكفار أو يؤدي إلى التشبه بهم فلا يجوز الإعانة عليه.
وسابعًا: التشبه بالفساق -يعني ليس بالكفار- وأنه محرم هذا يحتاج إلى درس آخر لإتمام الموضوع، ولعلنا إن شاء الله نأتي على ذلك مستقبلاً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.