السبت 12 محرّم 1440 هـ :: 22 سبتمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

ذكر الموت


عناصر المادة
قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم
التفكر في الموت يورث التقوى والعمل الصالح
تزود من معاشك للمعاد
تذكر الموت علاج لقسوة القلوب
من حسن الخاتمة الموت على عمل صالح

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ سورة آل عمران 102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء 1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب 70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم
00:01:35

أيها الإخوة المسلمون:

حديثنا في هذا اليوم عن أمر يكرهه الكثيرون، ولا يحب كثير من الناس سماعه، بل ويشردون عن مجالسه شرود البعير الضال عن أهله، وهو موضوع أيها الإخوة على جانب عظيم من الأهمية، أهميتها في نفس الكبار والصغار، والأغنياء والفقراء، وعامة الناس وعلمائهم، ودعاتهم ومدعويهم؛ لأن هذا الأمر أيها الإخوة جد خطير، وأمره على جانب عظيم من الأهمية، ونظراً لأن كثيراً من الناس ينفرون من سماعه، ويفرون من الحديث حوله، فإن الله جل وعلا قال لهم: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ سورة الجمعة 8. الناس أيها الإخوة يفرون من ذكر الموت، ويفرون من الموت، ويحسب الإنسان أنه إذا خنس من الموت بوسيلة، أنه قد فر منه، وأنه لن يقع فيه، وإذا هو يفر من سماع مواعظ الموت؛ لأنها تقطع عليه لذات الدنيا، وتجعله يعيش في مخاوف عظيمة، لذلك ترى أكثر الناس لا يحبون سماع مثل هذه المواعظ، ولكن الله جل وعلا أيها الإخوة قرر في قرآنه العظيم، وكتابه العزيز، حتى لا يظن ظان أنه بعيد عن هذا الموضوع، فقال جل وعلا: كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ سورة آل عمران 185. فالحياة أيها الإخوة متاع الغرور، وكل شيء إلى الله صائر، ولا يبقى إلا وجه الله العظيم، رسول الله أعظم البشر، وأحب خلق الله إلى الله، وعظه الله بالموت فقال له: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ

 

الحياة أيها الإخوة متاع الغرور، وكل شيء إلى الله صائر، ولا يبقى إلا وجه الله العظيم.

رسول الله أعظم البشر، وأحب خلق الله إلى الله، وعظه الله بالموت فقال له: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ}.

سورة الزمر 30. قال له: إنك ميت أنت يا محمد -صلى الله عليه وسلم- لن تنجو من الموت كما لم ينجو أحد من الأنبياء من قبلك، وهذا الموت أيها الإخوة كتاب مؤجل، لا يستقدم عنه الميت لحظة ولا يستأخر، قال الله جل وعلا: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً سورة آل عمران 145. ومهما حرص الحريصون على الفرار من الموت، وعلى الدخول في الأغطية والمحصنات من المباني، فإن الله جل وعلا يخرج أرواحهم من داخل تلك المباني، قال عز وجل: أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ سورة النساء 78. لو كان بناء حصينا فإن الله جل وعلا يدخل ملك الموت على الشخص الذي حان أجله فيقبضه ولو كان في برج مشيد.

التفكر في الموت يورث التقوى والعمل الصالح
00:05:42

أيها الإخوة:

إننا نحتاج حاجة عظيمة إلى التمعن والتفكر في هذه المسألة؛ لأنها أساس التقوى، ولب العمل الصالح، وهي دافع مهم من الدوافع على القدوم على الله عز وجل بأعمال صالحة، إذا فكر الإنسان في الميت: يفكر كيف قد سالت العيون، وتفرقت الخدود، مساكين أهل القبور، عن يمينهم التراب، وعن يسارهم التراب، ومن أمامهم التراب، ومن خلفهم التراب، كانوا أهل الدور والقصور فصاروا أهل التراب والقبور، كانوا أهل النعمة فصاروا أهل الوحشة والمحنة، قد سالت العيون، وصدأة الجفون، وتقطعت الأوصال، وبطلت الآمال، وصار الضحك بكاء، والصحة داء، والبقاء فناء، والشهوة حشرات، والتبعات زفرات، فما بيدهم إلا البكاء والحسرات، نفدت الأعمار وبقيت الأوزار، لسان حالهم يقول: حسرتنا أن ندرك وقتاً نصلي فيه ركعتين، وأنتم تقدرون وهم لا يقدرون، ما حال أزواجهم؟ ما حال أيتامهم؟ ما عاقبة أموالهم؟ الأعمال قد انقطعت، والحسرات قد بقيت، والأموال قد فنيت، والأزواج قد نكحت، والدور قد خربت، قال أحد السلف: كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعداً، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفاً، فعلى ما تفرحون؟ وما عسيتم تنتظرون؟

فيا إخوتاه! سيروا إلى ربكم سيراً جميلاً، يا بن آدم لو رأيت قرب أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في زيادة عملك، ولقصرت عن حرصك وحيلك، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، إن المنهمك في الدنيا، المكب على غرورها، والمحب لشهواتها، يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت، فلا يذكره، وإذا ذكره كره منه ونفره، أولئك الذين قال الله فيهم: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ سورة الجمعة 8. لا بد أيها الإخوة أن نذكر أشكال الموت ومصارعه، الأموات الذين مضوا من قبلنا نتذكر موتهم، ومصارعهم تحت التراب، ونتذكر صورهم في مناصبهم، تذكر فلان الفلاني وفلان وفلان الذي كان يشغل منصب كذا، ومكان كذا، وله من الأموال كذا وكذا، أين هو الآن؟ إن هذا دار يقولون دار المرحوم فلان، وهؤلاء أولاد فلان، هكذا يعبرون عنهم، لا بد أن نفكر من الآن أيها الإخوة في ما استحال حسن صورهم تحت التراب، وكيف تبددت أجزاؤهم في قبورهم، وخلت منهم مجالسهم وبيوتهم، وانقطعت آثارهم، وستكون عاقبتنا مثل عاقبتهم، لما سئل أحد السلف: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى الأموات، اعلم أن الموت هو الخطب الأفظع، والأمر الأشنع، والكأس الذي طعمها أكره وأبشع؛ لأنه هادم اللذات، وقاطع الراحات، وجالب الكريهات، فإنه أمر يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك، لهو الأمر الأفظع، والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم، جاء جبريل لرسولنا صلى الله عليه وسلم فقال: "يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس" حديث صحيح.

هل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك؟ وانتقالك عن موضعك؟ إذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافها بتراب ومدر، فيا جامع والمال، والمجتهد في البنيان، ليس لك من مالك والله إلا الأكفان، بل للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين المال الذي جمعته؟ هل أنقذك من هذه الأهوال؟.

تزود من معاشك للمعاد
00:11:19

يا أيها الناس: ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟! مَن الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حاله؟

 

أيها الناس: ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟!

مَن الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حاله؟.

 مثل نفسك يا مغرور -الكلام لنا جميعا أيها الإخوة- مثل نفسك يا مغرور! وقد حلت بك السكرات، ونزل بك الأنين والزفرات، فمن قائل يقول: إن فلاناً قد أوصى، وماله قد أحصى، ومن قائل يقول: إن فلاناً ثقل لسانه فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب ولا تقدر على رد الجواب، فخيل لنفسك يا ابن آدم! إذا أخذت من فراشك إلى لوح مغسلك فغسلك الناس، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكى عليك الأصحاب والإخوان، أين الذي جمعته من الأموال؟ وأعددته للشدائد والأهوال؟ لقد أصبح كفك منه عند الموت خالية صفراً، وبدلت بعد غناك وعزك ذلاً وفقراً، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره؟! ويا من سلب من أهله ودياره! ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، تزعم أن الخطب يسيراً، وأن هذا الأمر أمراً صغيراً، وتظن أن سينفعك حالك إذا كان ارتحالك، أو ينقذك مالك حين تهلكك أعمالك، أو تغني عنك إذا زلت بك قدمك، فلا والله! ساء ما تتوهم، ولا بد أنت تعلم، لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعظات تسمع، يعجبك التكاثر فيما لديك.

 

تزود من معاشك للمعاد *** وقم لله واعمل خير زاد

ولا تجمع من الدنيا كثيراً *** فإن المال يجمع للنفاد

أترضى أن تكون رفيق قوم *** لهم زاد وأنت بغير زاد

**                **                **

مشيناها خطىً كتبت علينا *** ومن كتبت عليه خطىً مشاها

وأرزاق لنا متفرقات *** فمن لم تأته منها أتاها

ومن كتبت منيته بأرض *** فليس يموت في أرض سواها

**                **                **

الموت في كل يوم ينشر الكفنَ *** ونحن في غفلة عما يراد بنا

لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها *** وإن توشحت من أثوابها الحسنا

أين الأحبة والجيران ما فعلوا *** أين الذين هم كانوا لنا سكنا

سقاهم الموت كأساً غير صافية *** فصيرتهم لأطباق الثرى رهنا

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من المواعظ والآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله، ولي الصالحين المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الوعد، الأمين.

تذكر الموت علاج لقسوة القلوب
00:15:05

أيها الإخوة:

كلنا نعلم، وكلنا على يقين، بأننا نكره ذكر هذه المواعظ؛ لأنها إذا ذكرت حالت بيننا وبين لذائذ الدنيا، فتقسو القلوب، وينفر الناس عن مجالس الوعظ والتذكير، فما هو العلاج يا ترى لمثل هذا الحال؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن الذي رواه بن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: (أكثروا ذكر هادم اللذات فما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا وسعه عليه ولا ذكره وهو في سعة إلا ضيقه عليه) وهذا هو الحال فعلاً، فلا بد أيها الإخوة! أن نحيي في أنفسنا موعظة الموت حتى يوقن الإنسان من إقباله على الله كيف يكون:

أولاً: بحضور مجالس العلم، والوعظ، والتذكير، والتخويف، والترغيب، وأخبار الصالحين؛ فإنه مما يلين القلوب.

ثانياً: ذكر الموت الذي أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا كنت في كربة وضائقة وذكرت الموت علمت بأن هذه الدنيا زائلة فزالت عنك ضائقتك، وإذا كنت في بحبوحة ونعمة وانصراف إلى الدنيا والتهاء بها فذكرت الموت ضاقت عليك الدنيا ورجعت إلى طريقك المستقيم.

والأمر الثالث أيها الإخوة: مشاهدة المحتضرين، وزيارة القبور التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر بأنها تذكر الآخرة، دخل الحسن البصري على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمك الله، فقال: "يا أهلاه! عليكم بطعامكم وشرابكم، والله لقد رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه".

من حسن الخاتمة الموت على عمل صالح
00:17:13

أيها الإخوة:

ذكر الموت يجعل النفس تصب عن لذائذ الحياة الدنيا، وهذا من الأمور المطلوبة، تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب، قال أحد السلف: "إن فارقني ذكر الموت ساعة فسد قلبي" ولذلك أيها الإخوة لا بد أن نعمل حتى يكون موت كل واحد منا على عمل صالح؛ لأن الموت على عمل صالح هو من علامات حسن الخاتمة، ولذلك يقول الله جل وعلا: وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ سورة آل عمران 157. القتل في سبيل الله أو الموت، الآية تقول: وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ يعني: أو متم في سبيل الله، وسبيل الله أيها الإخوة كثير، الجهاد على رأسه، والدعوة إلى الله جل وعلا، وتعلم العلم وتعليمه هي وظيفة الأنبياء، من قبلنا إذا مات الإنسان على عمل صالح فإنه يرجى أن يكون قد وقع أجره على الله؛ لأن الله يقول عن الهجرة: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ سورة النساء 100. فالذي يموت وهو مهاجر في سبيل الله، خارج من بيته وأهله ووطنه، هذا من أعظم الأعمال الصالحة، ثم يموت فقد وقع أجره على الله، وكذلك أيها الإخوة! الذي يذهب يخرج من بيته مجاهداً أو حاجاً أو معتمراً ويموت في الطريق، أو يخرج وهو يسعى على عياله، كل ذلك في سبيل الله، تضمّن الله لمن خرج في الجهاد والحج والعمرة ومات في الطريق أن يعظم له الأجر، ويجزل له المثوبة، ويعظم له الثواب، الخروج إلى العمرة، والحج، والجهاد في سبيل الله، بجميع أنواع الجهاد، ومنها كذلك جهاد النفس في تعلم العلم، وإقامة النفس عليه، والدعوة إليه، والصبر على الأذى في سبيله، أيها الإخوة! والموت على هذه الحالة من أعظم أنواع الموت، هو موت عظيم وله أجر كبير عند الله جل وعلا، الموت على عمل صالح، يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الحسن: (من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن صام يوما ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة)

أيها الإخوة! لابد من العمل الصالح دائماً؛ لأن الإنسان لا يعلم متى يموت، فليكن موتنا على عمل صالح حتى نلقى الله جل وعلا، أنا وأنت، وهو وهم سيموتون، وينتقلون إلى تلك الدار، ولكن أيها الإخوة! هذه القضية غابت عن أذهاننا، وأصبحت مستغربة، وإذا ذكرت أمام الواحد يستبعد أن يموت، لذلك لا بد من الإكثار من ذكر الموت؛ لأن ذكر الموت من أعظم وسائل إصلاح النفس.

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تجعل ميتتنا على عمل صالح في سبيلك يارب العالمين، واجعلنا ممن أوقعت أجرهم عليك برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نعوذ بك من ميتة السوء ومن سوء الخاتمة، اللهم واجعل خروجنا من الدنيا على شهادة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله.

وصلوا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وعن التابعين وتابعيهم إلى يوم الدين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.