الخميس 5 ذو الحجة 1439 هـ :: 16 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

فوائد مقاصد الشريعة للمجتهد 1


عناصر المادة
أهمية علم مقاصد الشريعة للمجتهد والفقيه:
حاجة المجتهد لعلم المقاصد في تنمية ملكة الاجتهاد:
علم مقاصد الشريعة يساعد المجتهد على التطبيق الصحيح للأحكام:
علم مقاصد الشريعة يفيد المجتهد عند تعارض الأدلة:
علم مقاصد الشريعة يفيد على معرفة الفتوى عند النوازل:
أهمية الضوابط الشرعية:
علم مقاصد الشريعة يفيد المجتهد في تحقيق الوسطية في الأحكام:
أمثلة على مراعاة الوسطية في الأحكام:
علم مقاصد الشريعة يفيد المجتهد في الموازنة بين المصالح والمفاسد:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فقد تحدثنا في الدرس الماضي عن تعريف مقاصد الشريعة، وبيان الحاجة إلى هذا العلم، وأنه علم يزيد الإيمان؛ لأنه يرسخ في النفس حكمة الله تعالى.
وأنه يزيد الاعتزاز بالشرع؛ لأن الإنسان إذا رأى مواطن الحكمة، وهذه المقاصد الجليلة المرتبطة بالأحكام، زاد اعتزازه بهذه الشريعة.
ثالثاً: أنه يكون أدعى إلى الالتزام بها والقناعة.
رابعاً: أنه يعين على الدعوة إلى الله.
لأنك بهذا العلم تبين لغير المسلمين حكمة الشريعة، فيكون أدعى إلى اقتناعه بها، وأن تتبين له المزايا العظيمة لها، وبالتالي يقبل عليها فيعتنق هذا الدين.
أهمية علم مقاصد الشريعة للمجتهد والفقيه:
00:01:32
 لكن مقاصد الشريعة في الحقيقة مهمة جداً للمجتهد والفقيه؛ لأنها ليست مجرد متعة معرفية، وليست مجرد تعمق في المعاني والمرامي، بل إن لها أثراً عملياً، وفائدة في الواقع.
فيقول ابن القيم رحمه الله: "ولله سبحانه في كل صنع من صنائعه وأمر من شرائعه حكمة باهرة، وآية ظاهرة، تدل على وحدانيته. وحكمته لا تنكرها إلا العقول السخيفة، ولا تنبو عنها إلا الفطر المنكوسة". [مفتاح دار السعادة: 2/66]. مفتاح دار السعادة.
وقال الشاطبي رحمه الله: "المقاصد أرواح الأعمال". [الموافقات: 3/44].
وأهمية علم المقاصد بالنسبة للمجتهد: أن التفقه في مقاصد الشريعة شرط لبلوغ الاجتهاد، لا يمكن  أن يبلغ واحد رتبة المجتهد أصلاً، إلا إذا عرف من مقاصد الشريعة ما يبلغه هذه الرتبة، بالإضافة إلى بقية العلوم، والإمامة في الدين، لا تنال إلا بمعرفة ماذا أراد الله من وراء هذه الأحكام؟.
فعلم الكتاب والسنة لا ينال على التمام والكمال، إلا بالإلمام بمقاصد الشريعة، وغاياتها ومرامها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والفقيه المجتهد لا يمكن أن يستغني عن هذا العلم إذ أن معرفة المقاصد شرط من شروط تحصيل مرتبة الاجتهاد كما ذكر العلماء.
ولذلك يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: "إن -يعني عن مرتبة الاجتهاد- إنها لا تنال إلا بشرطين، لا تحصل درجة الاجتهاد إلا لمن اتصف بوصفين:
الأول: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.          
والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على هذا الفهم". [الموافقات: 5/41-42].
لأنك إذا أدركت وفهمت ماذا أراد الشارع من وراء هذا؟ فإن الاستنباطات ينبغي أن تكون مقيدة بهذا الفهم، وحتى لا تجنح استنباطات المجتهد ولا تنحرف، لا بد أن تتقيد بمقاصد الشارع، ولذلك قال بعض العلماء: "المقاصد قبلة المجتهدين".
يعني: من أراد الاجتهاد لابد أن يدخل هذا الباب، ولابد أن يدرك ماذا يوجد فيه؟ فإن هذه المقاصد التي هي حكم التشريع، وغاياته هي مرتبة فوق مرتبة مجرد الحفظ، فلابد العِلم بالأدلة التفصيلية ، وحفظ الأدلة، وفهم الأدلة.
ولكن فهم مقاصد التشريع والحكم حماية من الانحراف، وهذا ممكن أن يضاف كسبب آخر إلى أهمية علم المقاصد.
وأن الإنسان إذا كان باحثاً في أسرار الأعمال والأقوال والأغوار لهذه الأحكام، فإنه يكون وعاءُ علمٍ حقيقي، فكان يقال مثلاً: فلان من أوعية العلم، ليس لمجرد أنه يحفظ الأسانيد، والمتون بعدما حفظ الآيات، بل يقال: فلان وعاء علم، إذا كان يفقه معاني النصوص، ويدرك مراميها ومقاصدها.
حاجة المجتهد لعلم المقاصد في تنمية ملكة الاجتهاد:
00:06:06
 فأهمية علم المقاصد بالنسبة للمجتهد تكمن في:
أولاً: تنمية ملكة الاجتهاد، لأن الاجتهاد: ملكة، قدرة، موهبة يستطيع بها المجتهد أن يستنبط الأحكام العملية من الأدلة التفصيلية، يستنبط لك الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهية، والتحريم، يستنبط ما هو الحكم من هذه الأدلة؟
فبمعرفة المقاصد العامة والخاصة للشريعة تنمو ملكة الاجتهاد، وبالمناسبة فإن كتاب بداية المجتهد لابن رشد رحمه الله، فيه الكثير من هذا، ومن أنفع الكتب في هذا؛ لأنه يبين أمرين مهمين: سبب الخلاف، وتعليل الأحكام.
الكتاب هذا تكمن أهميته أنه يبين لك لما يعرض الأحكام إذا كان في خلاف، ما هو سبب الخلاف بين العلماء في المسألة؟  اختلاف وجهات النظر: هذه وجهة النظر الفلانية، ووجهة النظر الفلانية.
كذلك يبين لك أيضاً: تعليل الأحكام، أن الشرع مثلاً: حكم بكذا لأجل كذا، هذه كلمة "لأجل كذا" تمكنك حتى في أحوال أخرى إذا استصحبت "لأجل كذا"، إذا استصحبتها أن تستدل على الحكم في وقائع أخرى؛ لأن الشيء الذي من أجله الشرع حكم بهذا قد يوجد مثله في أحوال أخرى، ومسائل أخرى، ومواضع أخرى.
فبالتالي أنت تراعي مقصد الشارع، ولا تخرج عن مقصد الشارع، وتعي من خلال النظر أن تكون دائماً تعيش مع مراد الله تعالى.
والعيش مع مراد الله هذا فقه عظيم، وحكمة بالغة أن الواحد يعيش مع مراد الله، فتكون تصرفاته الدنيوية، وأفعاله مرتبطة ومتسقة، ومنسجمة، ومتوافقة، ومنضبطة، ومقيدة بمراد الله تعالى.
وهذا الفقه العظيم، وهذا النضج البالغ أن المسلم يتربى من خلال هذا العلم، وغيره مما يضاف إليه أن كيف يعيش مع مراد الله تعالى؟ لأن هذا الشرع عظيم، والشرع عميق، أغوار تسبر، تكتشف عوالم وأنت تدخل في أحكام الله.
وخلال سيرك في قضية التفقه في الدين، تتعرف على مراد الله من وراء هذه الأحكام، إذا عرفت مراد الله وعشت مع مراد الله تنضبط حياتك.
بل ممكن أحياناً تقول عن الشيء: هذا لا بد يكون حكمه كذا، وما عندك دليل، ثم تكتشف الدليل إذا اكتشفت أو عرفت، بعد ذلك يوافق ما توصلت إليه؛ لأنك تعيش مع مراد الله.
كذا تقول: هذا فيه فساد الشرع في مواطن أخرى، وفي أدلة أخرى، وفي أحوال أخرى نهى عن مثل هذا.
فلابد يكون هذا ممنوعاً في الشرع، ما عندك دليل، وما عندك علم بالمسألة، فقط عندك ملكة، أو عندك تكون في نفسك أن هذا الشيء لا بد أن يكون ممنوعاً في الشرع، ثم تكتشف من خلال السؤال والبحث أنه يوجد دليل يمنع هذا.
إذاً: من أين توصلت وأنت ما عرفت الدليل؟
أنك كنت تعيش مع مراد الشارع، كنت تعيش مع مراد الله، وتحافظ عليه، فتوصلت لحكم المسألة قبل أن تعرف دليلها، من خلال العيش مع مراد الله، ومراعاة مراد الله.
ابن رشد رحمه الله في مسألة حكم تأثير لبن المرأة في مَن شربَه، ذكر في قضية التحريم بوصول اللبن إلى الجوف من غير رضاع، هل هو يؤثر أم لا؟
لو استخرجنا لبن امرأة بالرضاعة، وسقيناه طفلاً، أو أوجرناه فيه وجوراً، أو لددناه به -وسنعرف معنى الوجور واللد- فهل يؤثر؟ هل يحرم؟ أو أنه لا يحرم حتى يمصه من ثديها مصاً؟ قال: "وسبب اختلافهم، -يعني سبب اختلاف العلماء في هذه المسألة- هل المعتبر وصول اللبن كيفما وصل إلى الجوف؟ أو وصوله على الجهة المعتادة؟" الذي هي بمص الثدي،  قال: "فمن راعى وصوله على الجهة المعتادة، قال: "لا يحرم الوجور أن يصب اللبن في جوفه صباً من غير الثدي"، قال: "ولا يحرم اللدود" [بداية المجتهد و نهاية المقتصد: 2/37].
ما هو اللدود؟ ما معنى لدُّ المريض؟ أن يؤخذ بلسانه إلى طرف الفم الأيمن، ويصب الدواء، أو اللبن في الطرف الأيسر، فيذهب إلى الجوف، "فمن راعى وصول اللبن إلى الجوف كيفما وصل قال: يحرم".
ف العلة في اللبن، فكيفما وصل سيكون محرماً، وإلا يقول: ما يحرم إلا إذا مصه من الثدي مصاً، سيقول: إن اللدود والوجور لا يحرم، والراجح: كيفما وصل، وأن القضية في اللبن، فكيفما وصل يحرم، وهذا هو الراجح إن شاء الله، لماذا؟ لأنه يحصل به نبات اللحم، وإنشاز العظم، مثلما يحصل مما لو كان عندما يرتضع من الثدي مباشرة. [المغني: 9/196].هذا كلام ابن قدامة في المغني. هذه واحدة في حاجة المجتهد لعلم المقاصد.
علم مقاصد الشريعة يساعد المجتهد على التطبيق الصحيح للأحكام:
00:14:25
 ثانياً: أنه يساعد على التطبيق الصحيح للأحكام في الواقع، مثلاً: "القصاص" الله عز وجل قال: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة: 179].
لكن اختلف العلماء لو ضربه بمثقل فقتله هل يقتص منه أم لا؟ أم لابد أن يكون سلاحاً يقتل مثله عادة كالمسدس، والسكين، والسيف، والخنجر، والرمح؟ لكن لو ضربه بعمود الخيمة فقتله هل يقتص منه؟ وإلا ما يقتص منه إلا إذا ضربه بسلاح يقتل عادة.
المسألة تحتاج إلى تفكير، فحصل خلاف في قضية هل هنا قصاص أم لا؟ والراجح: ضربه بعمود الخيمة عمداً فقتله، ليس كمن خرج في السيارة ليلاً وهو لم يكن يره، هذا ليس قتل خطأ ؛ فالقصاص، فإذا نظرنا إلى حكمة الشرع من وراء القصاص منع الاعتداء، وردع الناس عن قتل بعضهم البعض.
قد يقول قائل: الوسيلة ليست مهمة، المُهم: هل هي تقتل؟ وليس كف، وقد يجيْ يضربه بكفٍ فيموت، أحياناً قد يحصل بعض الأبدان وبعض الأشخاص، أو أن فيه علة فأي ضربة قد تقضي عليه: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ .
لكن لو كان تعمد قتله بشيء، فروح الشريعة أنه يقتص منه حتى نحمي أرواح العباد، بغض النظر عن الوسيلة مادام أدى إلى قتله سنحكم بالقصاص.
لكن على أية حال اختلف العلماء في قضية الضرب بالمثقل، فما هو المثقل؟ الآلة غير الحادة، ليس سكيناً، أو خنجراً، أو سيفاً، أو رمحاً، الوسائل القديمة، الراجح وجوب القصاص؛ لأننا لو لم نوجبه في المثقل، فلا يعجز من يريد قتل شخص على أن يضربه بمثقل غير محدد فيقتله، ويقول: ليس علي قصاص.
ولأن التغريق، والضرب بالخشب مما يقتل، فإذا لم نعمل بالقصاص فوتنا مقصداً من مقاصد الشارع في حماية أرواح العباد: حفظ النفس.
علم مقاصد الشريعة يفيد المجتهد عند تعارض الأدلة:
00:18:39
 مقاصد الشريعة تفيدنا في قضية صحة تطبيق الأحكام.
ثالثاً: مقاصد الشريعة تفيد المجتهد في قضية الترجيح على ضوء المقاصد عند تعارض الأدلة تعارضاً في الظاهر؛ لأنه في الباطن لايوجد تعارض:  وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً  [النساء: 82].
لكن قد يبدو له تعارض في نظره هو، لا في حقيقة الأدلة، فعند وجود التعارض في الظاهر بين دليلين، تفيدنا مقاصد الشريعة الجمع بين الدليلين، فلو أمكن الجمع فالتعارض غير وارد، أو فالترجيح.
علم مقاصد الشريعة يفيد على معرفة الفتوى عند النوازل:
00:20:20
 رابعاً: معرفة الفتوى في النوازل بما يتفق مع مقاصد الشريعة، وأحكامها الأساسية، وهي قضية ضبط الفتوى، حتى لاتكون الفتوى غريبة شاذة، فبعض الناس الذين يصدرون فتاوى عجيبة غريبة من أسباب إصدارهم لهذه الفتاوى:
أنهم لا يفهمون مقاصد الشارع، ولا يلتزمون بمقاصد الشارع، فيأتي بفتوى تجيز شيئاً فيه اعتداء صارخ على مقصد من مقاصد الشارع.
فمثلاً: نصوص الشرع محدودة، ليس في كل مسألة نص خاص، وإلا لم يبق دور العلماء، ولذلك من حكمة الله أنه نص على مسائل ولم ينص على مسائل أخرى ليبقى الدور لأهل العلم لاستنباط الحكم من الأدلة المنصوص عليها في المسائل غير المنصوص عليها.
فمعرفة الفتوى بالنوازل بما يتفق مع مقاصد الشريعة وأحكامها الأساسية؛ لأن الأدلة محصورة، والنصوص محدودة، والمسائل متجددة غير محصورة، قد تعرض مسائل جديدة: طفل الأنابيب، بنوك الحليب، نقل الأعضاء، الصلاة في الطائرة، لكي نعرف حكم مسألة لم ينص عليها، لابد من دراسة النصوص، ومعرفة المقاصد حتى نقيس بشكل صحيح.
ذكروا مسألة وقضية "إعادة البكارة" فهذه المسألة تتجاذبها عدة مقاصد من جهة: ستر على مسلمة، والشرع يقول:  من ستر مسلماً ستره الله  [رواه البخاري: 2442، ومسلم: 2578]، وفيها حماية أُسَر من الانهيار.
ومن الجهة الأخرى غشٌّ، خداع، تشجيع على الفاحشة؛ لأنه لا تشاء بكر أن تزني إلا ردت حالها إلى الحال الأول، فما هو الحكم؟
قد يكون كلام المجتهد التفصيل، فيقال: إن زالت بحادث غير الفاحشة، قد يكون سقوطاً فإنها تعاد، وإن كان بفاحشة لا تعاد حتى لا نفتح باب استمراء الفواحش.
ثم يكون النظر في مسائل أخرى: مثل الاغتصاب، ومسألة ما إذا تابت وثبتت توبتها.
انظروا كيف أن المسائل أو المسألة الواحدة تجتذبها، وتكتنفها الأمور من جهات مختلفة، فيذهب نظر بحسب المقاصد.
ولذلك تتفق مجموعة أكبر من المقاصد في هذه الجهة، قد يكون هنا مقصد، وهنا مقصدان أو ثلاثة تتحقق، وقد يقول المقصد الذي هنا أقوى من المقصد الذي هنا، وكل حالة بحالتها، فأحياناً لا تجد حكماً واحداً يطلق لا يصح إطلاق حكم واحد مثلاً.
إذن انظروا كيف تتأثر الأحكام بمراعاة المقاصد، والدوران مع المقاصد، والبحث عن المقاصد؟ من مقاصد الشرع مثلاً: حفظ النسل، حفظ العرض، صيانة الأعراض عن الاختلاط، وحفظ النسل بتكثيره، وحفظ النسب بعدم السماح بدخول أجنبي عنه فيه.
من الأمثلة على فتاوى النوازل:
من المسائل الجديدة: حكم تجميد الخلايا الجنسية للزوج قبل وفاته بحيث يمكن أن تزرع في زوجته بعد وفاته، وأن تحمل من ذلك إذا شاءت أو اشتهت من زوجها الذي مات.
تطور العلم في الظاهر شيء حسن، لكن أحياناً يُولد لنا قضايا مستعصية، وقضايا خطيرة، وأحيان يولد لنا فجوراً في الحقيقة ومصائب؛ لأن هذا سلاح يمكن يستعمل التطور العلمي في إفساد.
وبنوك الحيوانات المنوية موجودة في الغرب، يؤخذ من الزوج، ويقول: لو مات و اشتهت المرأة الولد بعد وفاته يؤخذ حيوان منوي من زوجها تلقح به البويضة عند الزوجة، في حال رغبتها الولد ولو بعد سنين من وفاته، وتحمل وتضع وتنجب، فقد يقول قائل: هذا هو زوجها ؟
لكن في الحقيقة مخالفة لمراد الشرع في التلقيح والإنجاب في حياة الزوجين معاً، ويمكن أن تؤول القضية إلى مخالفة مراد الشرع من وراء هذا تصل إلى مفاسد، وفتن كثيرة كوقوع المرأة في الفاحشة، فإذا حملت قالت: أنا عملت هذه العملية من زوجي الأول رحمه الله، وينسب الابن غير الشرعي للأب المتوفى قبل سنوات بحجة تلقيح بويضة بحيوان منوي منه مخزن في هذه البنوك.
فإذا نظرت من جهة أخرى: إلى احتمال وجود خطأ في المختبرات؛ لأن هذه حيوانات دقيقة جداً، واحد على مليون، واحد على كذا، فاحتمال التسرب والخطأ والاختلاط في المختبرات وارد جداً.
وقضية طفل الأنابيب نسبة الخطأ موجودة، متاجرة بعض المستشفيات، أو بعض الذين لا يخافون الله في هذه القضية، بحيث يكون الرجل ليس عنده شيء، فيأتيان لتحليل، ثم يؤخذ من تيس مستعار ويزرع في البويضة، ويقال: لقد نجحت.
إذن فمقاصد للشرع في حفظ العرض، وحفظ النسب لابد أن تراعى.
ولذلك قد يمنع العلماء أشياء من باب مراعاة مقاصد الشرع، فليس كل مجال فتحه العلم الحديث ولجناه، لأن بعض الأبواب التي يفتحها هذا العلم الحديث قد تؤدي إلى فتنة، وعدوان على مقاصد الشرع، ومخالفة واضحة لما أراده الله.
مثال آخر: استئجار الأرحام.
يؤخذ الحيوان من الزوج والبويضة من الزوجة، ويتم التلقيح، ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة أخرى.
ف فتح الباب هذا سيولد مسائل ومسائل، وقد يقال: هذه المرأة استأصلوا رحمها، وتشتهي الولد فهل يمكن استأجر رحم امرأة أخرى.
ولا شك أن تأمل مقاصد الشرع جيداً يتبين له أن هذا فساد، ومعارضة  لمقاصد الشريعة من الأمومة، وتداخل أنساب، فهذا الحيوان المنوي من الزوج، وهذه البويضة من الزوجة، وزرعناها في رحم امرأة أخرى، ثم ولدت، وجئنا إلى كتاب الله وجدنا: إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ  [المجادلة: 2].
ولذلك العلماء لما أفتوا بحرمة الاستنساخ البشري، وأفتوا بتحريم التجارب الوراثية على الإنسان، وإن لم تؤدي إلى الاستنساخ إعمالاً لمقاصد الشرع في حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ العرض، وحفظ النسب؛ لأن في بعض التجارب تعريضاً للنسب والنسل والعرض الاشتباك والضياع، وتعريضاً للنفس للتشوه، ولأحداث الأمراض الخطيرة.
وقد تؤدي هذه التجارب إلى تشوهات عظيمة في الأجنة، فيكون هناك ضرر على الجنين الذي سيخرج، ضرر بالغ، وهذا خلاف مقصد الشريعة في حفظ النفس، وأيضاً إهدار الكرامة الإنسانية: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ  [الإسراء: 70].
وقضية أخذ حيوان من رجل وبويضة من امرأة، وتزرع في رحم أنثى، هذا في الغرب؛ لأنه ليس عندهم ضوابط، ولاحدود شرعية.
أهمية الضوابط الشرعية:
00:53:58
 ففي الشرع ضوابط، توقف هذه العبثية، والعدوان على كرامة البشر، وفهذا حرام، وهذا فيه إهدار للكرامة الإنسانية، وعدوان على مقصد الشرع في حفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ النسب، وحفظ العرض، وهكذا.
فالمقاصد ترشد المجتهد إلى دلالة الحكم على الخصوص أو العموم، أو الإطلاق أو التقييد، أو غير ذلك من خلال معرفة العلل، والحكم.
مثال:  الوائدة والموءودة في النار  [رواه أبو داود: 4719، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح: 112]. رواه أبو داود، وهو حديث صحيح، الوائدة في النار، لكن الموءودة ما ذنبها؟
يقول بعض العلماء: لابد من الحمل على موءودة بعينها؛ لأن التعميم يخالف مقصداً عظيماً من مقاصد الشرع وهو:  لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  وهو مقصد العدل.
فسيذهب نظر المجتهد في شرح النص، وفهم النص إلى جهة موءودة معينة، لابد نحمل النص على شيء معين؛ لأن تعميمه بجعل كل موءودة في النار مخالف لمقاصد الشارع ومنها العدل.
ويؤكد ذلك قوله تعالى:  وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ  [التكوير: 8-9]. فإذا كان قاتلها يوبخ يوم القيامة بهذا السؤال لأنه قتلها بغير ذنب، فكيف تدخل النار هي بغير ذنب ارتكبته.
ولذلك قال العلماء: إن ظاهر الحديث أن الموءودة تدخل النار مع أنها غير بالغة، ليس مقصوداً به على عمومه، فلابد أن يكون هذا النص خاصاً بموءودة معينة، وحينئذ تكون "ال" في قوله:  الموءودة  للعهد أو للاستغراق؟
إذا كانت للاستغراق فهي تعم كل موءودة، وإذا كانت "أل" العهدية، معناها موءودة معينة، وهذا هو الفهم الأصوب للنص.
علم مقاصد الشريعة يفيد المجتهد في تحقيق الوسطية في الأحكام:
00:39:22
 سادساً: من إفادة علم مقاصد الشرع للمجتهد: تحقيق التوازن والاعتدال في الأحكام وعدم الاضطراب، فإن الأصل في الأحكام أن لا تكون مضطربة، والشرع لا يفرق بين المتماثلات، ولا يجمع بين المختلفات.
فمقاصد الشريعة تؤدي إلى المحافظة على هذا الانضباط، ومقاصد الشريعة تحمي من الظاهرية المفرطة والغلو فيها، وبين الإفراط في المعاني لدرجة ترك النص والانصراف عنه وإهمال النص، بل ومخالفة النص.
فإن كان علم المقاصد بيد أناس مغرضين غير أمناء قد يكون أداة خطيرة جداً في الاعتداء على النصوص، ومخالفة النصوص بحجة أن النص خالف المقاصد.
فإذا وجد مع أناس لايخافون الله، أهل هوى وبدعة  وجهلفقد يتخذوا من علم المقاصد أداة خطيرة في العدوان على النصوص، وهذا واقع الآن.
كنت أقرأ كلاماً لبعض الناس، في الإسلام اللبرالي، أو المفهومات الجديدة التي تطرح في الساحة "إسلام مؤسسة راند" وما شابهها الذين يقولون: أحكمونا بروح الشريعة لا بنصوص الشريعة، نريد إسلام فيه روح الشريعة وروح العدل والمحبة والتسامح، ولكن اتركوا رجم الزاني والزانية المحصنين، نحن لا نريد أحكام خاصة ومعينة، نريد روح الشريعة دعونا نعيش في روح الشريعة، واحكمونا بروح الشريعة، هذا الإسلام الذي نريده، أما النصوص التي تقول: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا  [المائدة: 38].
لا نريد، فحكمونا بروح الشريعة ومقاصد الشريعة، ولا تلزمونا بالنصوص.
وهذه والله من أخطر الدعاوى التي يريدون بها هدم الشريعة، فلا بد في دراسة علم المقاصد من توضيح المخاطر العظيمة لأن يكون هذا أداة في يد هؤلاء المخربين.
أمثلة على مراعاة الوسطية في الأحكام:
00:42:56
 مسألة مراعاة الوسطية والانضباط، وعدم الغلو والجنوح كيف تعيننا عليها مقاصد الشريعة؟ وكيف تحققها مقاصد الشريعة؟ ففي حديث:  لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه  [رواه البخاري: 239، ومسلم: 282]. رواه البخاري ومسلم.
 بعض من أفرط في الظاهرية لما جاء لهذا النص قال:  لا يبولن أحدكم مباشرة على المخرج الراكد، لكن لو بال في إناء، ثم صبه في الماء الراكد لا بأس؟
إذا كان مقصد الشارع حماية الماء الراكد وعدم إفساده، فلما بال في الإناء وصبه فيه ألم يفسده على غيره؟ فخالفنا مقصد الشريعة لما بال في الإناء وصبيناه في الماء.
مثال آخر: بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يجزئ في الأضاحي:   العوراء البين عورها  [رواه أبو داود: 2804، والنسائي: 4369، وصححه الألباني في الجامع الصغير: 888]. والحديث رواه أبو داود والنسائي حديث صحيح.
جنح بعض الظاهرية إلى أن العوراء هي المحرمة، أما العمياء لا مانع؟
الشرع إذا منع العوراء، فالعمياء من باب أولى، ولا يقال  أنه نصَّ على العوراء.
ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: "الألفاظ ليست تعبدية" [إعلام الموقعين: 1/219].
العارف للشريعة لايقف عند اللفظ ويقول: قال: لا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ  [الإسراء: 23]. ما قال: لا تضربهم.
العارف لا يقف عند الحد الحرفي للكلام، بل يقول: ماذا أراد الشارع؟ وماذا قصد؟
منع إهانة الوالدين منع العقوق، فإذا كان أفّ ممنوعة فالضرب من باب أولى؛ لأن ضرب الوالد يخالف مقصد الشارع حتى لو ما نص عليه، فاللفظي يقول: ماذا قال؟ والعارف يقول: ماذا أراد؟ مع أخذه بالنص ويقول: ماذا أراد؟ وليس يقول: ماذا أراد؟ أ اتركوا النصوص.
قال ابن القيم رحمه الله: "واللفظي يقول: ماذا قال؟ كما كان الذين لا يفقهون إذا خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم: مَاذَا قَالَ آنِفاً [محمد: 16].
وقد أنكر الله سبحانه عليهم وعلى أمثالهم بقوله:  فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً  [النساء: 78]. فذم من لم يفقه كلامه" [إعلام الموقعين: 1/219]. إعلام الموقعين. إذن عاب الله من لم يفقه مراده.
علم مقاصد الشريعة يفيد المجتهد في الموازنة بين المصالح والمفاسد:
00:47:32
 سابعاً: معرفة المقاصد يتم الموازنة بين المصالح والمفاسد، وتقديم الأهم، ومعرفة خير الخيرين وشر الشرين. كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين، وشر الشرين؛ لأن معرفة تمييز الخير من الشر قد يكون سهلاً، لكن لما تقول: هذان أمران كلاهما خير، أيهما يقدم عند الازدحام، وهذان أمران كلاهما شر أيهما أشر عند الاضطرار لفعل أحدهما، من الذي يميز خير الخيرين وشر الشرين؟
هذا يعين عليه فهم مقاصد الشريعة، فمثلاً إذا تعارض حفظ النفس مع ستر العورة، مثلا: المريض إذا ما طببناه تفوت النفس، وإذا طببناه تنكشف العورة، فما هو شر الشرين فوات النفس أو كشف العورة؟
فوات النفس، ولذلك إذا اجتمعا اجتمعت مفسدتان، واضطررنا إلى فعل إحداهما، فسنفعل الأخف، لكن اختيار الأخف يحتاج إلى فقه، فيجوز كشف العورة لأجل هذه الضرورة حفاظاً على بقاء الحياة؛ لأن حفظ النفس في الشرع مقدم جنسه على مقصد ستر العورة.
إذا كان بإمكان المكلف الصلاة في بيته، بعد الأذان مباشرة على طهارة كاملة، ولكن به سلس بول ينقطع بعد التبول بفترة زمنية قصيرة، فرضنا أنه يوجد هناك إنسان مصاب بسلس البول إذا تبول يبقى البول يخرج قطرات بعد التبول فهل إذا أذَّن يتوضأ ويخرج إلى المسجد؟ ولو كان البول يخرج منه، ويصلي لإدراك الجماعة؟ أو أنه يبقى في بيته حتى ينقطع البول، فيتوضأ بعد الانقطاع، ويصلي حتى لو فاتته الجماعة، فأيهما أهم مراعاة شرط الطهارة، أو مراعاة إدراك الجماعة؟
مراعاة شرط الطهارة مقدم، وأن مقصود الشرع أداء الصلاة بالطهارة على قدر الطاقة، وهذه الحالة ما دام بها انقطاع انتظر حتى يحصل الانتظار ولو فاتت الجماعة؛ لأن الصلاة بالطهارة مقدم على إدراك الجماعة عند التعارض، هذا بالنسبة لفوائد مقصد الشريعة بالنسبة للمجتهد.
سنكمل إن شاء الله الموضوع غداً بإذن الله تعالى بعد المغرب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.