الجمعة 8 شوّال 1439 هـ :: 22 يونيو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

تربية الزوجة


عناصر المادة
قوا أنفسكم وأهليكم نارا
كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته على الدين
كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم المنكر في بيته؟
الفرق بين التربية النبوية وما يفعله الناس اليوم.
تربية النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته على العبادة
التقصير في تربية الزوجات
معالجة النبي صلى الله عليه وسلم للغيرة عند الزوجات
النبي صلى الله عليه وسلم ومراعاة المشاعر الزوجية

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ سورة آل عمران 102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا سورة النساء 1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً الأحزاب 70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

قوا أنفسكم وأهليكم نارا
00:01:11

عباد الله:

يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ سورة التحريم 6. ما هو وقود النار وبأي شيء تسعر؟ ما هو حطبها وبأي شيء توقد؟ إنها توقد بالناس والحجارة، وقودها الناس، هم الناس الذين يشتعلون، هم وقود جهنم، وحصب جهنم، وقد أمرنا الله تعالى في هذه الآية برعاية الأهل والقيام عليهم، وأن القيام عليهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، هو وقاية لهم من عذاب الله، وأهلك يا عبد الله مسؤولية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه أحفظ أم ضيع -أحفظه أم ضيعه-حتى يسأل الرجل عن أهل بيته) [رواه ابن حبان 4493]. فأهل بيتك إذاً مسؤولية، ستُسأل عنها يوم القيامة وتحاسب، وأهل بيتك هم أمانة في عنقك، أمانة من الأمانات التي حملها الله لنا، وناءت بحملها السموات والأرض والجبال، وأبين أن يحملنها وأشفقن من حملها، لكننا حملناها نحن، ويجب علينا أن نقوم بأداء الأمانة، وفي هذه الخطبة نتحدث قليلاً عن موضوع مهم يتعلق بهذا، وهو تربية الزوجة، نظراً للتفريط فيه، وكثرة الإهمال حتى شاعت الفواحش في الزوجات، وانتشرت المنكرات في حياتهن، بسبب تفريط الرجال، وعمَّ الجهل أوساط كثير من الزوجات؛ لتقصير الأزواج في تعليمهن، وسيُسألون عنهن يوم القيامة، ما هو هديه صلى الله عليه وسلم في تربية زوجته؟ وماذا كان يفعل مع زوجاته؟ وكيف كان يقوم بأمر تعليمهن، وتأديبهن، وأمرهن بالمعروف، ونهيهن عن المنكر، بل حتى ملاطفتهن، صلى الله عليه وسلم؟

كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته على الدين
00:04:13

لقد كان عليه الصلاة والسلام يعلم زوجاته أمور العقيدة، ويخبرهن بتوحيد الله، وعظمته سبحانه وتعالى، كان شرح الأسماء والصفات يأتي في خلال الأحاديث التي يعظ بها النبي صلى الله عليه وسلم أهل بيته، وكان عليه الصلاة والسلام يقول فيما يقول لعائشة: (من حوسب يوم القيامة عُذب) قالت عائشة: أوليس يقول الله: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا سورة الانشقاق 8.كيف تقول يا رسول الله من حوسب يوم القيامة عُذب، والله يقول عن صاحب اليمين الذي يؤتى كتابه بيمينه، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا سورة الانشقاق 8.فيقول النبي صلى الله عليه وسلم موضحاً، ومعلماً، وشارحاً لهذا الأمر من أمور العقيدة لزوجته عائشة، وواعظاً لها أيضاً: (ليس ذلك بالحساب، إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب عذب) [رواه مسلم 2876]. إذاً الحساب اليسير ليس هو الحساب الذي إذا نوقشه العبد فإنه يُعذب، من نوقش الحساب من حوسب عُذب، وإنما يتجاوز الله عن المقربين، وأهل اليمين، فينجيهم بفضل منه وكرم، وحسابهم يسير لا يسمى حساباً الذي يؤدي إلى العذاب، والنبي صلى الله عليه وسلم كذلك يعلم زوجته أذكار الصباح والمساء، وكيف تستعيذ بالله من الشرور لما رأى القمر قد طلع قال: (يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) [رواه الترمذي 3366]. لقد فسر لها تلك الآية من سورة الفلق:قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ سورة الفلق 1-3.لقد فسر لها تفسيراً عملياً، ووضح لها المراد لما أشار إلى هذا القمر، وهو آية الليل لما ظهر في السماء، وأخبرها وأمرها أن تستعيذ بالله من شره، فإن الشرور تحدث في الليل وفي النهار، فهي تستعيذ بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب، ومن شر ما يحدث في الليل من الفتن، والإثم، والفواحش، والشرور، والآفات بأنواعها، حتى لدغ الحية والعقرب، ولما سألته زوجته عن تصرفه إذا ظهرت ريح، إذا ظهر سحاب في السماء، أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأدبر، ودخل وخرج، منزعجاً مما يرى، فكانت عائشة تقول له: الناس يستبشرون إذا رأوا السحاب، يستبشرون وأنت أراك تفعل ما تفعل، بماذا أجابها النبي صلى الله عليه وسلم؟ وانتهز هذا السؤال؛ ليخوفها بالله، ويبين لها كيف يكون المؤمن في عدم أمنه مكر الله، قال: (يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا هذا عارض ممطرنا) [رواه مسلم 889]. أرسل الله لهم سحاباً وعليهم ظلة ظنوه مطراً فرحوا واستبشروا، ولكن كانت ريح فيها عذاب أليم، تدمر كل شيء بأمر ربها، وهكذا يكون تخويف الزوجة بالله، وتوضيح عذاب الله، وأن المسلم لا يأمن مكر الله سبحانه وتعالى، وكذلك قد تستعجل الزوجة في الإجابة عن شيء، أو تتسرع في الحكم على شيء، وهنا يعلم الزوج زوجته مفهوماً مهماً من المفهومات الإسلامية، وقاعدة عظيمة وهي عدم جواز القول على الله بغير علم، وعدم الجواز حكم على الأشياء بغير دليل شرعي، وعدم جواز التسرع في الإجابة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي من صبيان الأنصار فصلى عليه، أُتي إليه به ميتاً، فصلى عليه صلاة الجنازة، قالت عائشة: قلت طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءاً ولم يدرك، حكمت بأنه عصفور من عصافير الجنة، فإما أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قد أوحي إليه بشيء في أطفال المؤمنين، أو أنه أراد أن يؤدبها على تسرعها، وأن يلفت نظرها لذلك، فقال لها: (أو غير ذلك، يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم) [رواه مسلم 2662]. رواه الإمام مسلم وغيره رحمهم الله، فهذا من الأمور المهمة في المنهج العلمي الذي يقوم الرجل بتعليمه لزوجته، ونظراً لكثرة آفات اللسان عند النساء، فإن على الزوج المسلم أن يراعي ذلك في زوجته، فإن الله تعالى قد ذكرهن داخلات في القوم، وذكرهن منفصلات في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ سورة الحجرات 11.فهؤلاء النسوة، النساء داخلات في القوم، لكن مع ذلك كرر التنبيه سبحانه وتعالى، وخصصهن بالنهي أيضاً، ولذلك ترى يا عبد الله! الغيبة والنميمة في أوساط النساء كثيرة، فماذا فعلت أنت في الموعظة ومقاومة هذه الأخلاق الرديئة؟ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليرضى من زوجاته شيئاً، ولو كان قليلاً ويسيرا، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها التي نقلت بأمانة حتى ما كان عليها وما كان من أخطائها نقلته؛ لتتعلم الأمة عن عائشة، قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا، دافع الغيرة عند النساء قوي، ربما انزلقت في شيء من الغيبة، قالت: حسبك يكفيك من صفية هذه زوجتك أنها قصيرة، كذا وكذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) لقد قلت كلمة واحدة كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته وطغت عليه من شدتها وعظمها، قالت: وحكيت له إنساناً -مثلت له  حركة أو قولاً- فقال: (ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا) [رواه أبو داود 4875]. فلا يجوز أن تمثل فعلاً لشخص، أو تحكي قولاً له على سبيل الاستهزاء والتنقص، مهما أوتيت لا تفعل ذلك، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم ينكر ذلك على زوجته، ويوقفها لما قالت تلك الكلمة، وروى النسائي رحمه الله تعالى بإسناد صحيح في كتاب عشرة النساء عن أنس قال: بلغ صفية أن حفصة قالت: ابنة يهودي، صفية بنت حيي بن أخطب، بنت زعيم اليهود، قُتل زوجها قتله المسلمون، قُتل في المعارك التي دارت والحصارات بين المسلمين واليهود، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية تأليفاً لها ولقومها، ورعاية لها صارت عنده مسلمة من أمهات المؤمنين هي أمنا وإن كانت من أصل اليهود؛ لأنها أسلمت، والمسلمون أخوة، المؤمنون أخوة، لا يضر ما يكون من أصلهم، قالت حفصة عن صفية بنت يهودي، فبكت صفية لما سمعت ذلك تأثراً فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي تبكي فقال: (ما يبكيك) قالت: قالت لي حفصة ابنة يهودي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لابنة نبي، وإن عمك نبي، وإنك لتحت نبي) إنك من سلالة موسى وهارون، أجدادك فيهم نبي، وأخوه هارون عمك نبي، وإنك لتحت نبي، فهذا شرف، (فبمَ تفخر عليك)؟ ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقِ الله يا حفصة) [رواه النسائي في السنن الكبرى 8870]. ذهب إلى حفصة توجه إليها بالكلام مذكراً بالله (اتقِ الله يا حفصة) كيف تقولين هذا؟ (اتقِ الله يا حفصة) هكذا يكون الموقف ممن زل لسانها في حق أختها، ولو كان الدافع قوياً، ولو كان الغيرة عند النساء، لكن المنكر يبقى منكر ينبغي إنكاره، رضي الله عنهن أمهاتنا، هن أمهاتنا كلهن رضي الله عنهن.

كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم المنكر في بيته؟
00:16:19

ومما ينبغي على الزوج المسلم في تربية زوجته: مقاومة ما يحصل لديها من المنكرات مما تتخذه من اللباس، أو الزينة، ونحو ذلك، روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير مثل الستارة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى الستارة فيها تصاوير ذوات الأرواح، فيها صور ذوات الأرواح، منقوشة على الستارة هذه ليست أصنام فقط، وإنما هي صور ذوات الأرواح منقوشة، ومرسومة على الستارة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، لقد كان وعظه قوياً لم يدخل البيت

 

مما ينبغي على الزوج المسلم في تربية زوجته: مقاومة ما يحصل لديها من المنكرات مما تتخذه من اللباس، أو الزينة، ونحو ذلك، روى البخاري رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير مثل الستارة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى الستارة فيها تصاوير ذوات الأرواح، فيها صور ذوات الأرواح، منقوشة على الستارة هذه ليست أصنام فقط، وإنما هي صور ذوات الأرواح منقوشة، ومرسومة على الستارة، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، لقد كان وعظه قوياً لم يدخل البيت

 

، قام على الباب لم يدخل التربية بالفعل والقول معاً، فعرفت، قالت عائشة: فعرفت في وجهه الكراهية، قالت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت؟ قال: (ما بال هذه النمرقة)؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم) وقال: (إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة) [رواه البخاري 2105]. بالفعل والقول يكون إنكار المنكر على الزوجة، وليس دائماً بالضرب كما يفعل بعض الناس، ولا بتقبيح الوجه، ولا بالفحش، وإنما بالموعظة.

الفرق بين التربية النبوية وما يفعله الناس اليوم.
00:18:18

أيها المسلمون:

قارنوا بالله عليكم بين هذه التصرفات النبوية، وبين ما يفعله الناس اليوم، عندما يذهبون بزوجاتهم إلى السوق، فيتركون الزوجات في السوق، ويعطونهن الأموال بناءً على طلبهن أو غير ذلك، ثم تشتري المرأة ما تشتري من غير رقيب ولا حسيب، من الأمور التي فيها منكرات ومحرمات، أو غير ذلك، من هذه الألبسة التي فيها تصاوير، أو صلبان، أو الآنية المطلية بالذهب والفضة، أو التماثيل الزينة التي توضع في البيوت لذوات الأرواح، أو غير ذلك من الأمور المحرمة، التي قد تزين بها المرأة بيتها، والزوج ساكت بل إنه لا ينتبه فضلاً عن أن يدقق، وليس هناك متابعة ولا محاسبة، والآن القضية ليست فقط تصاوير منقوشة أو مرسومة، المسألة تعدت إلى أمور محرمة تدخل البيت، أمور فيها إهدار للعرض الذي صانه الله، والشرف والكرامة التي جاءت بهما الشريعة، أمور فيها إفساد للأولاد، والبيت عموماً، أشياء من اللهو المحرم الذي يبعث عليه الشيطان الرجيم، كل ذلك يدخل بيتك يا عبد الله عن طريق الزوجة، أو غيرها، وأنت لا تحرك ساكناً، ولا تمنع منكراً، فما هذه العيشة؟ وأي حياة هذه؟ وعلى أي شيء تقوم؟ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ سورة التوبة 109.

تربية النبي صلى الله عليه وسلم زوجاته على العبادة
00:20:16

كان النبي صلى الله عليه وسلم يربى زوجاته على العبادة، على قيام الليل، كان يوقظهن صلى الله عليه وسلم (أيقظوا صواحبات الحجر، فرب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة) [رواه البخاري 115]. هكذا كان ينذر عليه الصلاة والسلام، وكان يخوف، كان بيته شعلة من النشاط الدائم في طاعة الله، ذكر بالنهار، وقيام بالليل وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ سورة الأحزاب 34. وكانت المتابعة على العبادة، سواءً كانت بدنية، أو كانت مالية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عليك) [رواه أحمد 24766]. لا تبخلي بالصدقة، لا تمنعي الصدقة، لا تقتري فيها أطلقي يدك في الصدقة، ما بقي إلا كتفها، ما بقي إلا هذه، أما الباقي فإنه ذاهب، لكن عند الله الذي تصدقت به هو الذي يبقى، ما بقي منها إلا الكتف، كان يقول لها: (لا تحصي فيحصي الله عليك) [رواه أحمد 24766]. (لا توكي فيوكي الله عليك) [رواه النسائي في السنن الكبرى 2343]. فإذاً كانت المتابعة حتى في قضايا المستحبات، وليس فقط قضية الواجبات أو النهي عن المحرمات، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي فلتات اللسان كما قلنا، وأمور اللسان حتى قضايا الفحش في الأعداء، كان يراعي ذلك كما جاء في الحديث المعروف عن عائشة قالت: أتى النبي صلى الله عليه وسلم ناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، السام يعني الموت، السام عليك يا أبا القاسم، فقال: (وعليكم) ولم يزد. وعليكم. قالت عائشة: فقلت وعليكم السام والذام، أو وعليكم السام واللعنة وغضب الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة: ((لا تكوني فاحشة)) فقالت: ما سمعت ما قالوا؟! قالوا السام عليك، قال: (أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا، قلت: وعليكم). [رواه مسلم 2165]. إن الله عز وجل لا يحب الفحش ولا التفحش، حتى في الأعداء لا يكون الإنسان فاحشاً ولا متفحشاً، إلا فيما دعت إليه المصلحة الشرعية الواضحة، كما حصل في بعض المواقف، أما أن يطلق الإنسان لسانه، يطلق لسانه بكل شيء حتى في العدو، فهذا أمر ينبغي أن ينتبه له حتى لا يتعود اللسان على هذا، ولما استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عنده تقول عائشة: فقال (بئس ابن العشيرة) هذا رجل فيه شر، النبي صلى الله عليه وسلم ذمه قبل أن يرى وجهه ويدخله عليه، ثم أذن فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت له ما قلت ثم ألنت له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه) [رواه البخاري 6054]. إذاً انتبهي يا أيتها الزوجة، لا تكوني فاحشة فتكوني مذمومة، أو تكوني مكروهة مبغضة من خلق الله، منبوذة، وإنما هو طيب اللسان وحسن المعشر.

اللهم اجعلنا من القائمين بحقوق أهليهم، واجعلنا ممن ينقذون أهليهم من نار وقودها الناس والحجارة، اللهم كف عنا نار جهنم، وباعد بيننا وبينها كما باعدت بين المشرق والمغرب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى آله وأزواجه الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعه بإحسان وسار على سنته إلى يوم الدين.

أيها المسلمون:

التقصير في تربية الزوجات
00:25:08

إن هذا التقصير الذي يوجد من قِبلنا في حقوق أهلينا أمر مؤسف، يعود ضرره ووباله علينا نحن، فكم من إنسان أردته زوجته المهالك! وكم من إنسان قد جره أهله إلى الفتن والمحرمات! يقولون له في كل إجازة: إلى أين ستأخذنا؟ وأين ستذهب بنا هذه السنة؟ وقد لا يرضون إلا بالذهاب إلى بلاد الكفر وأماكن المعصية، والرجل ينجر إلى المهلكة ويكون عبداً لزوجته، فتعس ذلك العبد، لا نقول يا عبد الله كن قاسياً فظاً غليظاً، ولا نقول اضرب واكسر العظم وأخرج الدماء، كلا والله، لكن هذه سنة نبيك، وهذه معالم الهدى ظاهرة بيّنة، فعليك الاتباع، والأخذ بهذه السنن، والقيام على الأهل، والاحتساب عليهم في المنكرات، وأمرهم بالمعروف، والعبادة، والتقوى، والطاعة، والحج والعمرة، والصدقة، ومتابعة المرأة في صلاة الفجر، وغير ذلك من الواجبات الشرعية.

معالجة النبي صلى الله عليه وسلم للغيرة عند الزوجات
00:26:36

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني في ظل ما يعتني به علاج الغيرة، الغيرة أمر طبعي عند النساء، والغيرة هي الحمية والأنفة، أمر معلوم ومشاهد، ومعروف ومنتشر، من طبيعة النساء الغيرة، صحيح أن التي تغار أو عندها هذه الغيرة الشديدة يحتمل منها ما لا يحتمل من غيرها، أو من غير النساء الذين ليس عندهم هذه الغيرة، لكن لا بد من موقف، وقد كانت تربيته صلى الله عليه وسلم لزوجاته في قضية الغيرة تربية عظيمة، تدل على حكمته صلى الله عليه وسلم

 

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني في ظل ما يعتني به علاج الغيرة، الغيرة أمر طبعي عند النساء، والغيرة هي الحمية والأنفة، أمر معلوم ومشاهد، ومعروف ومنتشر، من طبيعة النساء الغيرة، صحيح أن التي تغار أو عندها هذه الغيرة الشديدة يحتمل منها ما لا يحتمل من غيرها، أو من غير النساء الذين ليس عندهم هذه الغيرة، لكن لا بد من موقف، وقد كانت تربيته صلى الله عليه وسلم لزوجاته في قضية الغيرة تربية عظيمة، تدل على حكمته صلى الله عليه وسلم

 

، وعلاجه للأمور بالرفق والتأني، هذه المرأة التي خُلقت من ضلع أعوج إن جئت تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها، عن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند إحدى أمهات المؤمنين، فأرسلت إليه أخرى بقصعة فيها الطعام، واحدة قيل أن صفية كان طبخها جيد للغاية، فأرسلت بصحفة من طعام إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عند عائشة، فضربت عائشة يد الرسول وهي الجارية التي أتت بالصحفة، من غيرتها ضربت يد الرسول فسقطت القصعة فانكسرت من غيرتها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين بغاية الهدوء، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى، فجعل يجمع فيها الطعام، هذا الذي انسكب الآن على الأرض، أو أُلقي على الأرض، جمعه في الصحفة، بعد أن لمّ الكسرتين بعضهما إلى بعض، ويقول عليه الصلاة والسلام: (غارت أمكم كلوا) هذا تعليقه صلى الله عليه وسلم، أمكم أم المؤمنين غارت كلوا، فأكلوا فأمر حتى جاءت بقصعتها، قصعت التي كسرت واعتدت التي في بيتها فدفع القصعة الصحيحة إلى الرسول الجارية الصغيرة التي جاءت وترك المكسورة في بيت التي كسرتها [رواه ابن ماجه 1334]. غاية العدل والهدوء والاتزان منه صلى الله عليه وسلم في علاج هذا الأمر، وفي رواية عن أم سلمة أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فجاءت عائشة مئتزرة بكساء ومعها فهر -وهو حجر ملء الكف- ففلقت به الصحفة فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين فلقتي الصحفة ويقول: (كلوا غارت أمكم) مرتين. [رواه النسائي 3956]. وعن عائشة في رواية قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناء فيه طعام فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كفارته –يعني: ندمت ورجعت- فقال: (إناء كإناء وطعام كطعام) [رواه النسائي 3957]. تردي لها إناءً كإنائها وطعاماً كالطعام الذي أفسدتيه.

النبي صلى الله عليه وسلم ومراعاة المشاعر الزوجية
00:30:15

ثم إنه صلى الله عليه وسلم كان يراعي زوجاته، وكان يدقق في الملاحظة، والعبارات، والكلمات، كان يراعي مشاعر الزوجة، يعرف هل الزوجة راضية عليه أم ساخطة، هل هي متضايقة أم مسرورة، لم يكن عليه الصلاة والسلام من نوع الرجال الذي لا يبالي بزوجته أرضيت أم سخطت، أفرحت أم أنها اغتمت، كلا، بل إنه صلى الله عليه وسلم كان يتابع كل هذا فيقول لعائشة رضي الله عنها: (إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبى) قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: (أما إذا كنت عني راضية، فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت علي غضبى، قلت: لا ورب إبراهيم) والقسم في الحالين بالله سبحانه وتعالى، لكن إذا كان بينها وبينه شيء، قالت: إذا أرادت أن تحلف بأي مناسبة قالت ورب إبراهيم، وإذا كانت راضية ومسرورة قالت لا ورب محمد، قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك [رواه البخاري 5228]. وهي باقية على محبتها لكنها لا تهجر إلا اسمه، لا تهجره هو صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضاً من لطيف عبارتها، وتدليل المرأة نفسها عند زوجها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام له مواقف طريفة مع زوجاته في هذه المراعاة أيضاً، كما حدث النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: والله لقد علمت أن علياً أحب إليك من أبي، فأهوى إليها أبو بكر أبوها ليلطمها، وقال: يا ابنة فلانة! أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟) أمسك بأبيها قبل أن يضربها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة كيف رأيتني؟ أنقذتك من الرجل) ثم استأذن أبو بكر بعد ذلك وقد اصطلح رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة، فقال: أدخلاني في السلم، يقول أبو بكر: أدخلاني في السلم كما أدخلتماني في الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد فعلنا) [رواه النسائي 8441]. هكذا روي الحديث في كتاب عشرة النسائي رحمه الله، وقد كان من مراعاته لزوجاته عليه الصلاة والسلام إباحة اللهو البريء، والمتعة المباحة للزوجات، ولذلك يقول في الحديث: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لعب إلا أربعة ملاعبة الرجل امرأته) [رواه النسائي في السنن الكبرى 8889]. فكان صلى الله عليه وسلم يلاعبهن، وكان يسرب إلى عائشة الجاريات صغيرات السن في مثل سنها -فقد تزوجها وهي صغيرة- فيلعبن معها باللعب، وكان عليه الصلاة والسلام يتحاشى تنفير هؤلاء الضيوف من عند زوجته، وسابق زوجته صلى الله عليه وسلم، خرج معها مرة وهي خفيفة اللحم في أول عمرها فنزلنا منزلاً فقال لأصحابه: (تقدموا) ثم قال لي: (تعالي حتى أسابقك) فسابقني فسبقته، ثم خرجت معه في سفر آخر بعد مدة وقد حملت اللحم فنزلنا منزلاً فقال لأصحابه: (تقدموا) ثم قال لي: (تعالي أسابقك) فسابقني فسبقني فضرب بيده كتفي وقال: (هذه بتلك) [رواه النسائي في السنن الكبرى 8894]. هكذا كانت ملاطفته عليه الصلاة والسلام لزوجته، وهي جزء من تربيته عليه الصلاة والسلام، كان يراعي كل ذلك، وهذا باب طويل له شواهد كثيرة ومتعددة في كتب السنة تدل على عنايته صلى الله عليه وسلم بأهله.

فنسأل الله أن يوفقنا أجمعين للقيام بحق أهالينا وإحسان تربيتهم، اللهم قنا وأهلينا ناراً وقودها الناس والحجارة، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهل بيوت الطهر والعفاف، وأن تطهر بيوتنا من المنكرات والسيئات، اللهم اجعلنا ممن يقيم حدودك في بيوتهم، اللهم اجعلنا ممن أقاموا شريعتك في مساكنهم، اللهم طهر بيوتنا ومجتمعاتنا من النفاق والرياء والكذب والفحش يا رب العالمين، واجعلنا من عبادك الأخيار، اللهم ارحمنا برحمتك إنك أنت أرحم الراحمين، واغفر لنا يا غفار إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان، وارفع عنهم الظلم والاعتداء يا رب العالمين، اللهم انشر السنة والتوحيد في أرجاء الأرض إنك أنت أكرم الأكرمين.

1 - رواه ابن حبان 4493.
2 - رواه مسلم 2876.
3 - رواه الترمذي 3366.
4 - رواه مسلم 889.
5 - رواه مسلم 2662.
6 - رواه أبو داود 4875.
7 - رواه النسائي في السنن الكبرى 8870.
8 - رواه البخاري 2105.
9 - رواه البخاري 115.
10 - رواه أحمد 24766.
11 - رواه أحمد 24766.
12 - رواه النسائي في السنن الكبرى 2343.
13 - رواه مسلم 2165.
14 - رواه البخاري 6054.
15 - رواه ابن ماجه 1334.
16 - رواه النسائي 3956.
17 - رواه النسائي 3957.
18 - رواه البخاري 5228.
19 - رواه النسائي 8441.
20 - رواه النسائي في السنن الكبرى 8889.
21 - رواه النسائي في السنن الكبرى 8894.