السبت 11 صفر 1440 هـ :: 20 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الموقف من الحق


عناصر المادة
المقدمة
الموقف الصحيح من الحق
أولاً: موقف أهل الإيمان من الحق
اتباع الحق وقبوله
التسليم والانقياد له
تعظيم الحق ومحبته
يجب التمسك بالحق والثبات عليه
الدعوة إلى الحق
موقف أهل الباطل من الحق
كتمان الحق
تحريف الكلم عن مواضعه
صدِّ الناس عن الحق
ملامح وسمات الصراع بين الحق والباطل
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
المقدمة
00:00:17

فقد تقدّم في قواعد معرفة الحق، أن الحق واحدٌ لا يتعدّد، وتقدم كذلك أن النظريات المخالفة لهذا مثل وحدة الأديان، وكذلك القول أنه كل مجتهد مصيب بالإطلاق.
وكذلك القول بتعدُّد الحق، وأن الحقيقة نسبيه، أن هذا كله كلام باطل، وأن من قواعد الحق، أن كل ما جاوز الحق فهو باطل.
وأيضاً، فإن هناك مَن يحاول أن يَلْبِسَ الحق بالباطل، ويخلِطَه به، ويحرِّف الحق، ويفسِّر الحق بغير المراد منه.
وأيضاً، فإن هناك من يتعمّد هذا الأمر -الخلط والتلبيس- من المنافقين، واليهود، ومن أهل الهوى.
تكلمنا أن الجمع بين صحّة الدليل، وصحّة الاستدلال يوصِل إلى الحق، وأنه لا بدّ منهما جميعاً.
قلنا: بأن الحق لا يتعارض مع الحق أبداً، وأن نصوص الشرع متفقة، ولا يمكن أن يضادّ بعضُها بعضاً.
وقلنا: بأن الحق من الأدلة لا يمكن أن يخالف العقل الصريح.
وأن ما يظهر لنا من تعارض مردُّة إلى أهل العلم لإزالته، وكما أن الحق لا يعارض الحق، والنصوص لا يعارض بعضها بعضا، لا يمكن أن تتضاد، فإن الباطل يتناقض ويختلف وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[النساء : 82].
وذكرنا أنه يجب علينا الجمع بين الأدلة الصحيحة، وعدم ضربِ بعضها ببعض.
وأن النصوص التي ظاهرها التعارض؛ سواء كانت بين آية وآية، أو آية وحديث، أو حديث وحديث، فإن لكلها جوابٌ عند أهل العلم، علِمه مَن علِمه.
وقلنا أيضاً: أن الحق لا يُقاس ولا يُوزن بالرجال، اعرف الحق، تعرف أهله.
وذكرنا في المقابل أنه لا بد من الرجوع إلى أهل العلم، وأن الحق قد يخفى على العامي؛ ولذلك يلجأ إلى أهل العلم.
وتكلمنا أنه لا يوجد أحدٌ معصوم، ولا يخرج منه إلا حق، إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
وأن اعتقاد أن أحداً من الناس غير الأنبياء قوله دائماً هو الحق يؤدي إلى التعصب، وهو الذي يؤدي إلى استباحة المحرمات، أو يؤدي إلى طعن في الدين.
وقلنا من القواعد: القاعدة السابعة؛ أن الحق يُقبل ممن جاء به كائناً من كان.
وأن الله -سبحانه وتعالى- لما قال للمؤمنين:وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[المائدة : 8]، وأن كُرهَ أناس لا يجعلنا نرفض الحق إذا جاء منهم، ولو كانوا كفّارا.
وأن المحق من الكفار يُحفظ له حقه، ولا يمكن أن يُقبل الاعتداء عليه، حتى لو كان المعتدِي مسلماً.
ولما جاء ذلك اليهودي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: إنكم تندّدّون؛ وإنكم تشركون، تقولون: والكعبة، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أن يقولوا وربِّ الكعبة [رواه النسائي: 3773 ، والطبراني: 20530 ، وصححه الألباني: 3773].
وقصة أبي هريرة مع الشيطان لما علّمه آية الكرسي قبل النوم، وأثرُ هذا واضح.
وقلنا القاعدة الثامنة: لا يُحاكم الحق بالواقع بل الحق يحكم على الواقع.
إذاً، الواقع ليس دليلاً في معرفة الحق، بمعنى: أن الواقع هو الذي يدلنا على الحق، لا، الحق هو الذي يحكم في الواقع، وليس الواقع الذي يحكم في الشيء أحقاً هو أم باطل، فقد يكون الواقع باطلاً، وقد يكون فيه انحرافات وخصوصاً في هذا الزمان مع كثرة الانحرافات.
هذا بالنسبة لموضوع ما تقدم في معرفة الحق، سنأتي الآن إلى العنوان التالي:
الموقف من الحق:
الموقف من الحق جاء بتبيانه الكتاب والسّنة، وأخبر الله -سبحانه وتعالى- عن انقسام الناس إلى فريقين، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى[الليل : 4].
وأخبر أن هناك في العالَم أهل حق، وأهل باطل، وأخبر أن هناك من يقبل الحق، وأن هناك من يرفضه، فما هو الموقف الصحيح من الحق؟
الموقف الصحيح من الحق 
00:05:39

المسلم المتجرّد للحق، الناصح، لا بد أن يؤمن بالحق، وأن يقبله، وأن يسلِّم وينقاد له، وأن يتبعه، وأن يتمسك به، ولا بد أن يدعو إليه وأن ينصره.
والله -سبحانه وتعالى- قد فطر القلوب على قبول الحق، والانقياد له، والطمأنينة به، والسكون إليه، ومحبّته.
كما أنه فطر النفوس على رفض الباطل، وكرهه، والنفور منه، وعدم السكون إليه، والارتياب به.
ولو بقيت الفِطَرُ على حالها، لقبلت الحق بمجرد أن يُعرض عليها، وما عُرِض عليها باطل إلا نفرت منه، لكن الواقع يُلَبِّس على الفِطر؛ لما فيه من التغيير الكثير للفطرة.
أولاً: موقف أهل الإيمان من الحق
00:06:38

والتفصيل في الموقف من الحق يكون بالتالي:
أولا: الإيمان به والاعتراف، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ [الحج: 54]، فبمجرد معرفته آمنوا به، وعملوا، وذلُّوا وانقادوا.
والله تبارك -وتعالى- أثنى الله على قومٍ آمنوا بالحق بمجرد أن عُرِض عليهم، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ[القصص: 53].
 إذاً، الصالحون من أهل الكتاب، إذا يتلى عليهم ينقادون إليه، وإذا تليت عليهم آيات الله ماذا يحصل؟ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ [المائدة: 83- 84]، إذاً، المسألة انقياد.
وهؤلاء الجن الذين أراد الله بهم خيرا، إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن: 1 - 2]، وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف: 29 - 30].
آمنوا به وذهبوا دعاةً إليه.
وقد أثنى الله على قومٍ، وذمّ آخرين في موقفهم من الحق، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ[الزمر : 32]، وفي المقابل وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر: 33] ، له أجره العظيم عند الله.
وكذلك كان الأئمة يوصون أتباعهم بقبول الحق، كان الشافعي -رحمه الله- يوصي أصحابه باتباع الحق، وقبول السنة إذا ظهرت له، ولو على خلاف قوله، وقال: "لا بدّ أن يوجد في كتبي ما يخالف الكتاب والسنة؛ لأن الله قال: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا[مختصر تاريخ دمشق: 6 / 436].
وأمَرَهم إذا رأوا في كتبه ما يخالف الكتاب والسنة أن يضربوا به عرض الحائط.
 وكذلك كان يقول: "ما ناظرني أحدٌ فباليتُ أظهرتْ الحجة على لسانه، أو على لساني"؛ لأن المهم عنده أن يتبين الحق.
أولاً: الإيمان والاعتراف.  
اتباع الحق وقبوله
00:09:13

ثانياً: اتباع الحق وقبوله
فلا يكفي مجرد الإيمان والاعتراف، فإن بعض الناس يقولون: نعم نحن معكم، ونحن نصدق بكذا، ونُقِر، ونعترف، لكن لا تجد ذلك التصديق في سلوكه العملي، وتصرفه، وليس هناك اتباع، وليس هناك طاعة، ولا امتثال، ولا انقياد.
إذاً، لا يكفي في الحق مجرد الإيمان به، والتصديق، والاعتراف، فلا بد من العمل.
وقد أثنى الله تعالى على المؤمنين الذين يتبعون الحق، فقال سبحانه: ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ[محمد: 2 - 3] ، فالحقُ أحقُ أن يتبّع، أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى[يونس: 35]، فإذاً، لا بد من التصديق بالحق، والعمل به.
التسليم والانقياد له
00:10:08

ثالثا: التسليم والانقياد له:
فلا يكفي مجرد الإيمان والاعتراف، إذا كان سيخرِج بعد ذلك معارضات؛ لأن المعارضات تؤثر على الإيمان، فلا بد أن يستمر الإيمان.
وإذا قلنا أن تؤمن بالحق، فإن معنى ذلك أنه لا بد من التسليم للحق، وعدم الاعتراض عليه، ولا أن تعارضه بعد ذلك، انتهينا، آمنا، وعملنا، وصار هناك تسليم وانقياد.
هذا التسليم والانقياد معناه انتفاء الاعتراض، معناها فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[النساء : 65].
هذا التسليم خضوع وإذعان، وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ [المائدة: 84].
وكان هذا دَيدنُ الصحابة -رضون الله عليهم-، وضربوا أروع الأمثلة في التسليم والانقياد، وربُّوا التابعين على هذا.، فعن معاذة قالت: "سألتُ عائشة -رضي الله عنها-، فقالت: "ما بالُ الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت: "أحروريةٌ أنتِ؟ وحروراء بلدة نزل بها الخوارج وكان عندهم غلوٌ في الدين، واعتراضات على الشرع، ومن غلوِّهم أنهم كانوا يأمرون الحائض أن تقضي الصلاة.
فقالت عائشة للمرأة: : "أحروريةٌ أنتِ؟ أنتِ متأثرة برأي الخوارج في هذه المسألة؟ قالت: لستُ بحرورية ولكنني أسأل، فقالت عائشة: "كان يصيبنا ذلك" يعني على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، "فنؤمرُ بقضاء الصوم، ولا نؤمرُ بقضاء الصلاة" [رواه مسلم: 787].
انظروا الجواب، لم تأتِ بتعليلات، ولم تقل: الصلاة يشُّقّ قضائها، والصوم لا يشُّق قضاؤه، لا، ولم تقل لها: أن الصلوات لها أوقات، وكيف نأتي بأوقات كتلك الأوقات التي ذهبت؟، لا يمكن.
اختصرت الأمر "كنا على عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، انتهينا؛ لأن جواب المفتي قد يعود المستفتي على الاستسلام، وقد يعوده على المزيد من التمرّد.
ولذلك ليس أيّ مفتي لديه الحكمة في الجواب، قد يجيب جواباً غير حكيم، حتى لو كان في ظاهره صحيحا، لكن المفترض في المفتي أن يربي المستفتي، لا أن يجيبه فقط.
ولذلك لو نظرنا لجواب عائشة -رضي الله عنها- لعرفنا أن القضية ليست في تقديم تعليلات اقناعية، لا، إنما استسلام، "كنا على عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- نؤمرُ بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة"، انتهى الأمر، هذا هو الجواب.
ومن المواقف أيضاً، موقف عمران بن الحصين -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ، فقال بشير بن كعب مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقاراً، وإن من الحياء سكينة، فقال له عمران: "أُحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتحدثني عن صحيفتك ؟!" [رواه البخاري: 6117، ومسلم: 165].
ولذلك لما اعترض عمُّ هارون الرشيد عندما ذُكر في حضرته حديث: احتجّ آدم وموسى [رواه البخاري: 3409، ومسلم: 6912]، فقال: أين التقيا؟ كيف، ومتى التقى آدم مع موسى؟، أليس الله على كل شيء قدير؟ وإذا أرادهما أن يلتقيا التقيا.
وقد التقى النبي -عليه الصلاة والسلام- بكل الأنبياء في الإسراء والمعراج، وصلّى بهم في الإسراج، والتقى ببعضهم في السماوات، انتهت القضية.
ولذلك فإن هارون الرشيد غضب غضباً شديداً عندما قال عمه بحضرته: أين التقيا؟، وقال: "أتعترضُ على حديث؟ علي بالنّطْع والسيف"، النَّطْع: الجلد الذي يقطعون عليه الرؤوس، فأُحضِر ذلك، وقام الناس يشفعون، فقال: "هذه زندقة"، فأمر بسجنه، وقال: لا يخرج حتى يخبرنا مَن ألقى إليه هذا" [البداية والنهاية: 10/233].
أي: مَن الذي أتى له بهذه الشُّبهة، ومَن الذي علّمه هذا الاعتراض؟.
فأقسم بالأيمان المغلظة أنه لم يعلمه أحد، وأنها كانت بادرة وفلته، حتى أطلقه.
علّق الإمام الصابوني -رحمه الله-، يقول: "هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم". [الغنية عن الكلام وأهله: 1/71].
وهكذا يُرَبَّى الناس على الاستسلام، ثبت أنه التقيا، انتهت القضية، فلا يأتِ قائل يقول: كيف التقيا، وهناك نبي مات، وآخر لم يمت؟، انتهى الأمر.
عندما يكون الخبر من الله "التقيا"، فإنهما التقيا حقاً وصدقاً، والله على كل شيء قدير.
قال الحميدي: ذكر الشافعي حديثاً، فقال له رجل: تأخذ به يا أبا عبد الله؟، فقال: "أفي الكنيسة أنا، أو ترى في وسطي زنّاراً؟"، يعني: لباس أهل الذمة، "نعم أقول به، وكل ما بلغني عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قلتُ به". [أخبار أصبهان: 2/488]
وينبغي أن يكون التسليم للحق؛ سواء كان لك أو عليك.
وقصة الزبير مع النبي -صلى الله عليه وسلم- والأنصاري، وتلك العبارة الخطيرة التي خرجت، عندما قضى النبي -عليه الصلاة والسلام- للزبير، اختصام مزارعَين في ماء، فخرجت تلك العبارة الخطيرة: أن كان ابن عمتك! يعني: قضيت له، فتلون وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأكدّ، وعزّر بعد القضاء أيضا.
وقال الزبير: "إني لأحسِب هذه الآية نزلت في ذلك": فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [تفسير الطبري: 7/202].
وكان العلماء يضربون المثال العظيم، والقدوة، والأدب في ذلك، فقد صنّف الحافظ عبد الغني المقدسي -رحمه الله- كتاباً فيه أوهام الحاكم، فلما وقف عليه الحاكم، وهذا الكتاب ردٌ عليه، جعل الحاكم يقرأه على الناس، ويعترف لعبد الغني بالفضل، ويشكره على ذلك، ويرجع إلى ما أصاب فيه من الرد عليه.
ولا شك أن هذه منقبةٌ عظيمه؛ أن الواحد يُرد عليه بكتاب، فيقرأ الرد على كتابه بحضرة الناس، ويشكر للرد، ويرجع إلى الصواب.
أما إذا صار الإنسان لا يتبع الحق إلا إذا كان في مصلحته، ولا يسلِّم لحكم المحكمة الشرعي إلا إذا كان في مصلحته، وإذا حكم القاضي ولا يرى في حكم القاضي باطلاً
يأتي بعض الناس ويقول: سأعترض على الحكم، وهذا الحكم لا يعجبني، فيُقال له: هذا الحكم الذي حكم به القاضي، هل تعتقد بطلانه؟ عندك فيه شيءٌ مصادم للحق؟، هل هناك شئٌ في حكم القاضي مصادم للدليل؟ هل هناك شئٌ في حكم القاضي مصادم للمسائل التي أجمع عليها العلماء؟، هل حكم القاضي على خلاف كلام أهل العلم؟، يقول: لا، لكن ربما نخرج بنتيجة، هوى، والعياذ بالله.
إذا كنتَ لا ترى فيه باطلاً، ولا ترى فيه شيئاً مخالفاً للحق، لماذا تعترض؟ قال الله تعالى: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ[النور: 48 - 49].
إذا كان الحق في مصلحتهم جاءوا وقالوا: نريد الشرع، نريد المحكمة، نريد القضاء، وإذا كان الحكم ليس في مصلحتهم اعترضوا، وقالوا: لا، أين القوانين؟ أليس هناك شيء آخر؟
وهذه قضية خطيرة جداً؛ أن يُضَحّى بالمبدأ مقابل حيازته هذا المال، أو هذا الشيء.
تعظيم الحق ومحبته
00:19:27

رابعاً: تعظيم الحق ومحبته :
وتعظيم الحق يكون بامتثاله قولاً وفعلاً، والثناء عليه، وتوقير الحق وأهله، ومجلس الحق، وكلام الحق.
لُذ بالنبوة واقتبس من نورها *** واسلك على نهج الهداية تهتدي
وإذا رأيت الصادرين عشية *** عن منهل الدين الحنيف فأوردِ
الدين دين الله لم يعبأ بمبتدعٍ *** ولم يحفل بضَلّةِ ملحدِ
كيف كان السلف يعظمون الحق؟ والحق كما قلنا هو الآيات، الأحاديث، الدين، حكم الشريعة.
قال أبو عبد الله الحاكم: سمعتُ الشيخ أبا بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، وهو يناظر رجلاً، فقال الشيخ: حدثنا فلان، وبدأ يسرد له سند الدليل، فقال له الرجل: دعنا من حدثنا!، إلى متى حدثنا ؟!
ولا شك أن هذه كلمة خطيرة جداً، دعنا من حدثنا، يعني: لا نريد حديث، ولا نريد أدلة، هات عقليات، هات شيء آخر، هاتِ من كلام الناس، فقال له الشيخ الحاكم أبو عبد الله يروي القصة: فقال له الشيخ: "قم يا كافر، ولا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا، طرده، ثم التفتَ إلينا فقال: "ما قلتُ لأحدٍ قط لا تدخل داري إلا لهذا" [ذم الكلام وأهله: 2 /157].
من تعظيم الحق، أن مالك بن أنس -رحمه الله- صاحب الموطأ، كان إذا أراد أن يحدِّث، توضأ وضوءه للصلاة، ويخرج وقد لبس أحسن ثيابه، ولبس قُلُنسوة، ومشّط لحيته، والمجلس مجلس وقار، لا يُسمع فيه شيء، فقيل له: قال:" أُوقرُّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" [تعظيم قدر الصلاة: 2/669].
وفي رواية : "كان إذا أراد أن يجلس إلى الحديث اغتسل، وتبخّر، وتطيّب، فإن رفع أحدٌ صوته في مجلس الحديث زجره، وقال: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 3 / 111].
سواء كان ذلك في حياته -صلى الله عليه وسلم- ، أو كان بعد مماته، لا نرفع صوتنا فوق حديثه.
فإذا قُرئ حديثه -صلى الله عليه وسلم- فلا يحق لأحد أن يرفع صوته، فيكون التوقير للنبي -عليه الصلاة والسلام- بعد مماته بالإنصات التام في مجالس حديثه، كأنه حاضر، كأنه هو الذي يتكلم، فإذا سمعنا حديثه يجب التوقير.
كان عبد الرحمن بن مهدي لا يُتحدّث في مجلسه، ولا يُبرى فيه قلم، فإن خالف أحدٌ أخذ نعله ودخل، ترك المجلس، قال حماد بن زيد في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: 2]، قال: "أرى رفع الصوت عليه بعد موته كرفع الصوت عليه في حياته"، إذا قرئ حديث وجب عليك أن تنصِت له كما تنصِت للقرآن". [الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: 1/386]، لأن كلاهما وحي.
فيأخذ بقوله تعلى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا[الأعراف: 204].
كذلك إذا قُرِئ الحديث فاستمعوا له وأنصتوا؛ لأن هذا وحي، وهذا وحي.
يجب التمسك بالحق والثبات عليه
00:23:02

خامسا: يجب التمسك بالحق والثبات عليه:
قال الله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الزخرف: 43].
وقال تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى[البقرة: 256]، والإيمان حين تخالط بشاشته القلوب فإن صاحبه لا يرتدُّ عنه.
وبشَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن سلام بالثبات على الحق، لما جاءه وقصّ عليه الرؤيا، وقال: "رأيتُ كأني في روضة، وذكر من سَعتها وخضرتها وسطها عمود من حديد، أسفله في الأرض، وأعلاه في السماء، وفي أعلاه عُروة، -حلقة-، فقيل لي: "ارقا"، أصعد، قلت: "لا أستطيع، فأتاني مِنصف، أي خادم، فرفع ثيابي من خلفي فرقيت حتى كنتُ في أعلاها، فأخذت بالعُروة فقيل: استمسك، فاستيقظتُ وإنها لفي يدي، فقصصتها على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال: تلك الروضة الإسلام، وذاك العمود عمود الإسلام، وتلك العُروة عُروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت [رواه البخاري: 3529، ومسلم: 4536].
وأهل الحق يُمتحنون، وهؤلاء أصحاب الأخدود، ولا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء، والله يبتلي أهل الإيمان، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ[العنكبوت: 2].
ولما دُعي أحمد إلى المحنة ثبت، ولما دُعي عفّان للمحنة، وكان يُهدَّد من لم يقل بخلق القرآن بقطع رزقه من يبت المال، وكان له راتب، ألف درهم شهرياً، قال: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ[الذاريات: 22] .
فلما رجع إلى داره لامه نساؤه، وكان عنده في الدار أربعين إنسان ينفق عليهم، فدق عليه داق الباب، وناوله كيس فيه ألف درهم، وقال: "يا أبا عثمان، ثبتّك الله كما ثبّت الدين، وهذا في كل شهر".
هذا الرجل لما ثبت على القول بأن القرآن كلام الله، منزّل غير مخلوق، ودفع لذلك ثمناً قطعُ راتبه الشهري من بيت المال، عوضه الله.
قال الهلال بن العلاء الرِّقي: "منَّ الله على هذه الأمة بأربعة في زمانهم، بالشافعي تفقّه بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبأحمد، ثبت في المحنة، لولا ذاك كفر الناس، وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الحديث، وبأبي عبيد، يعني: القاسم بن سلاّم فسَّر غريب الحديث، ولولا ذلك لاقتحم الناس الخطأ" [تاريخ بغداد: 12/410].
وهؤلاء المؤمنون قديماً وحديثاً، يثبتون على الدين، كما جاء في حديث خبَّاب: كان الرجل في من قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيُوضع على رأسه، فيُشَّق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه [رواه البخاري: 3612].
الدعوة إلى الحق
00:26:38

سادسا: الدعوة إلى الحق:
فلن يستكمل الإنسان صفات الكمال إلا بالدعوة إلى الحق، وقد قال الله: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[العصر: 1-3]، يعني: الصبر على هذا الحق، فهم يؤمنون به، ويعملون، ويدعون إليه, ويصبرون.
وهذه ملخص الرسالة, وملخص منهج الحياة، وقد عُرِفوا بعدم المداهنة، والمجاهرة بالحق، وألّا يستجيبوا لمن يخوفهم، هذا هو الموقف الصحيح من الحق.
موقف أهل الباطل من الحق
00:27:37

أما الموقف الآخر موقف أهل الباطل فيتمثل بالآتي: 
أولا: الإعراض عن الحق: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا [الكهف: 57]. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء: 61].
ثانياً: التكذيب بالحق:
وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ [الأنعام: 4- 5].
فإذاً، عندنا الإعراض أولاً, والتكذيب ثانياً، يسارعون للتكذيب بلا تروي, ولا تفكير فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى[النازعات: 20 - 21]، ولم يتمهل, ولم يتأمل.
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ[يونس : 39].
بادروا للتكذيب دون النظر في الأدلة لفرط حماقتهم، بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ[ق : 5]. يصبحون مضطربين أقوالهم متناقضة, مختلفة.
وانظر إلى مواقفهم للنبي -عليه الصلاة والسلام، تارةً يقولون: ساحر, مجنون، به جِنة, شاعر, أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا[الفرقان : 5]. إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ[النحل : 103]، اضطربت أقولهم فيه واختلفت.
كتمان الحق
00:29:23

ثالثاً: كتمان الحق:
وهذه الصفة من أبرز صفات اليهود، قال تعالى: وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[البقرة : 146].
ولما جاء اليهود إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذكروا له منه امرأة ورجلاً زنيا.
فقال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم, ويُجلدون،   فقال عبد الله  بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتَوا بالتوراة، فنشروها، فوضع أحدهم يده على أية الرجم، فقرأ ما قبلها، وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: أرفع يدك, فرفع يده فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، فيها آية الرجم.
بعد ماذا؟ بعد أن وُضِعوا أما الحق، يعني إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا[آل عمران : 75].
فأمر بهما رسول -صلى الله عليه وسلم- فرُجِما [رواه البخاري: 3635].
ومن طرق كتمانهم للحق أنهم يظهرون بعضه أحياناً, ويخفون بعضة؛ لأن الكتم الكلي فضيحة, وأحيانا لا تُبتَلع القضية, فيظهرون بعضاً, ويكتمون بعضاً.
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ[الأنعام: 91].
أما الكتمان إذا استطاعوا عليه فعلوه إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ[البقرة: 159].
وأحياناً يكتمون العلم الموصل إلى الحق وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران : 187].
وأحياناً يتخلصون من أصحاب الحق, وممن يجهر به، قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ[الشعراء : 116] قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ [هود : 91].
رابعاً: لبسُ الحق بالباطل:  
 وقد تقدم من طرق أهل الباطل خلط الحق بالباطل، وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 42]. وهذا التلبيس, وهذا الخلط للتشويش, والتغبيش, والحيلولة بين الناس, وبين الحق الصافي؛ حتى لا يروا حقاً صافياً، كحال الكهّان والعرّافين، والدجّالين الذين يخلطون الصدق كذبا كما قال عليه الصلاة والسلام، لما حذر منهم قالوا يا رسول الله: فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً، يعني: أحيانا، فقال عليه الصلاة والسلام: تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرقرها، أي: يرددها في أُذن وليه، كقرقرة الدجاجة، فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة [رواه البخاري: 7561].
ولأهل الباطل حيلٌ كبيرة في التلبيس، كالتأويل الفاسد مثلاً، فيثبت النص، ولكن يفسِّره تفسيراً مخالفاً لمراد الله، ومراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- منه، كقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى[طه: 5].
 يقول: استولى، اليد: القدرة، الوجه: الذات، العين: الرعاية، المحبة: الرضا، النزول: نزول الأمر، وهكذا، إلى أن وصل الأمر ببعض الزنادقة، أنهم قالوا: وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ[الحجر: 99]، يعني: مرتبة، إذا وصل إليها العبد سقطت عنك التكاليف والعبودية!.
تحريف الكلم عن مواضعه
00:33:42

خامساً: تحريف الكلم عن مواضعه:
وهذا أيضاً من وسائل التلبيس؛ كأن تُقصر لفظة الجهاد على جهاد الدفع، فعندما يأتي لتسفير الجهاد في الاسلام يقول: الجهاد في سبيل الله بأنه ذروة سنام الإسلام، ثم يفسّره بدفع الأعداء إذا هجموا علينا، وليس هناك جهاد طلب!؟. فلماذا دخل الصحابة بلاد فارس والروم إذاً؟، بناء على ماذا؟ ذهبوا إلى بلاد البربر، فتحوا المغرب، هل هجم أهل المغرب على المدينة النبوية عاصمة الخلافة تبع المسلمين؟
ذهب الصحابة إلى بلاد ما وراء النهر، وفتحوا خراسان، وابن عمر، وحذيفة كانا في الجيش الذي وصل إلى أرمينيا، وأذربيجان، فهل أرمينا وأذربيجان جاءوا إلى جزيرة العرب مهاجمين؟ لا.
فإذاً، جهاد الطلب هذا أصل الجهاد، فمن التلبيس أن يُقال: أن الجهاد في الإسلام هو جهاد الدفع فقط.
وكان لدى المسلمين ما يُعرف بـ الصوائف، والشواتي، يعني: عزوةٌ في الصيف، وغزوةٌ في الشتاء.
حتى قالوا: أنه أقل ما يجب على إمام المسلمين غزوة في الصيف, وغزوة في الشتاء، هذا تلبيس في قضية تفسير الجهاد.
ومعلوم أن المقصود هو الجهاد مع القدرة، وليس هناك أحدٌ يقول جهاد بلا قدرة!، الجهاد مع القدرة.
 لكن حتى إذا لم يكن للمسلمين قدرة، فلا يجوز لبعضهم أن يحرِّف.
 ولا بدّ من الاقرار أن الجهاد في الإسلام منه جهاد الطلب, ومنه جهاد الدفع, ولكن نحن لا نقدر، أما أن تحرِّف, وتلِّبس, وتجزِّئ, وتنصِّف, فلا.
وبعضهم ينزل النصوص في غير منازلها، فيقول مثلا: الحنيفية السمحة: عدم تكفير النصارى الكفار مثلاً!
من طرق التلبيس تسمية الأشياء بغير أسمائها، فقد يسمّي الحق باسمٍ آخر, ويسمي الباطل باسمٍ آخر، تلبيس، مثل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها [رواه البيهقي: 17160، والطبراني: 3342، وصححه الألباني: 9584]، مثل: الدعوة لفصل الدين عن الاقتصاد, والسياسة, و عن مناحي الحياة المتنوعة.
كذلك من وسائل أهل الباطل أيضاً في الموقف من الحق: التحايل على الحق، فأحياناً لا يجرؤن لتصريح لرفضه، لكن يروغون عنه، يحتالون عليه.
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ[الأعراف: 163]، يجاوزون ويظلمون فِي السَّبْتِ[الأعراف: 163]، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ[الأعراف: 163]، يعني: يعتدون في الصيد في السبت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف: 163].
يعني: لو استقاموا لأتاهم رزقهم رغدا, وفي سائر الأيام، لكن لما فسقوا ابتلاهم الله بالصيد ما لا يأتيهم إلا يوم السبت، المنوعون فيه من الصيد؛ حتى يزدادوا إثماً فيأخذهم, ثم مسخهم الله تعالى.  
قاتل الله اليهود، أنهم إن الله  -عز وجل- لما حرَّم عليهم الشحوم شحوم الميتة جَمَلوه يعني: أذابوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه [رواه البخاري: 2223، ومسلم: 4132].
واليوم الرباء يسمّى: فائدة, والغناء المحرم يسمّى: فن, وتسمّى الخمر مشروبات روحيه, وهكذا.
سادساً: الجدال بالباطل:
أهل الباطل إذا عجزوا عن مواجهة الحق جادلوا بالباطل وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ[الكهف: 56]. يزيلوه, ويبطلوه, يجادلونك في الحق، لا يجادلون بالأدلة الصحيحة إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ[غافر : 56].
الشياطين تؤزهم، وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ[الأنعام : 121].
وجدال هؤلاء بغير علم، وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ[الحج : 8].
ولذلك يعاقب الله هؤلاء بأن يُديم عليهم الجدل، ما ضلَّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل [رواه أحمد: 22218، والترمذي: 3253، وابن ماجة: 48، وحسّنه الألباني: 2593]، الجدل: الخصام بالباطل.
ومن عقوبة هؤلاء أن الله يبغضهم، إن أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم [رواه البخاري: 2457، ومسلم: 6951].
شديد الخصومة يحتج بالباطل.
صدِّ الناس عن الحق
00:38:59

سابعاً: صدِّ الناس عن الحق:
وهذه من أخطر الوسائل، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا[الأعراف: 45]، غير مستقيمة، وينفقون أموالهم من أجل هذا.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، النتيجة: فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ[الأنفال: 36].
أيضا من الوسائل: التشويش على صوت الحق لمنع وصوله:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ[فصلت: 26]، وَالْغَوْا فِيهِ، يعني: أخرجوا أصواتاً قوية تطغى على صوت صاحب الحق؛ حتى لا يسمعه الناس.
وهذا هو نفسه مبدأ التشويش بالموجات اليوم، عندما يُشوش على موجات الحق، أو الوسائل التي تعلن الحق، يشوش عليها؛ بحيثُ لا يُسمع صوتها، ولا تُرى، المبدأ واحد.
ومعلوم أن كفار قريش من الأشياء التي اتبعوها، منع أهل الحق من تبليغه، إسكاتهم، تشويه صورتهم، سجنهم، مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر: 29].
كذلك من الوسائل أيضاً: إلقاء الشُّبهات حول الحق، وأهل الحق:  
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[الفرقان : 5].
وكذلك يلمِزون المطوِّعين من المؤمنين، فقال الله لهم: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ[التوبة : 65] .
وأيضاً: تخذيل الناس عن الحق، وإثارة الفتن والقلاقل، لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ[التوبة: 47].
كذلك فتح مساجد ضِرار لصرف الناس عن الحق، مساجد الضِّرار، قنوات الضِّرار، أقمار الضِّرار، لقاءات الضِّرار، بيوت الضِّرار، فكرتها كلها: صرف الناس عن الحق، إلى شيء يُضَن، يعني: تشويش، تلبيس، عمل أشياء فيها محاكاة، ولكنها تحتوي على السُّم الزُّعاف.
وبعض هؤلاء، عندما فُتِح بجانبهم مسجد فتحوا أمامه مباشرة ملهى ليلي، بيتاً للفاحشة.
ثامناً: تتبُّع زلات العلماء:
قال زياد بن حدير: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلتُ: لا، قال: يهدمه زلةُ العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المظلِّين" [رواه الدارمي: 214، وصححه الألباني: 72].
ومن أمثلة هذا، ما حكاه إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: "دخلتُ يوماً على الخليفة المعتضد، فدفع إلي كتاباً، فقرأتُه، فإذا قد جُمِع له فيه الرخص من زلل العلماء"
ذهب متزلف إلى الخليفة، وجمع له رخص العلماء وزلّاتهم في كتاب لإرضائه، كنوع من التزلف له، يقول له: هذا كتاب ألّفته من أجلك، فنظر فيه الشيخ، فقال: "يا أمير المؤمنين، إنما جمع هذا زنديق، قال: كيف؟ فقلتُ: "إن مَن أباح النبيذ لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، ومن جمع زلل العلماء، ثم أخذ بها ذهب دينه"، فأمر بتحريق ذلك الكتاب"[سير أعلام النبلاء: 13/465].
تاسعاً: الطعن في أهل العلم:
ولاشك أن هذا تابع لما قبله، من قضية التشويه للحق، ويتبعه تشويه أهله، لكن ما المقصود بهذا الطعن؟ إسقاط الرجوع إليهم؛ لأنهم إذا شُوِّهت صورتهم نفر عنهم الناس، وزهِد فيهم الناس.
فإذا صار التشويه من صور الدعاة، وطلبة العلم والعلماء، لجعل الناس لا يسمعون منهم، ولا يسألونهم، ولا يستفتونهم، ولا يلجئون إليهم، ولا يستنصحونهم، ولا يستشيرونهم، فيصبحون مهمَلين.
وهذا قصدٌ واضحٌ للغاية.
ملامح وسمات الصراع بين الحق والباطل
00:44:01

يتبع هذا -أيها الأخوة-، مسألة مهمَّة جداً، وهي: قضية الصراع بين الحق، والباطل، وهذا الصراع سُنَّة ربانية كتبها الله عز وجل، قديمة قِدَم آدم وإبليس، فجعل هذا عدواً لهذا.
وقد توعد إبليس ذريةَ آدم، وليس آدم فقط، الذرية، فقال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: 16].
ومعنى: لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ سأقعد لهم في طرق الطاعة؛ أقعد لهم على طريق الإسلام ؛ حتى لا يسلموا، وأقعد لهم  على طريق الصدقة؛ حتى يبخلوا، وأقعد لهم  على طريق الحرام؛ ليقعوا في الفاحشة، وأصدهم عن الزواج، وهكذا.
وسوف أغيرُ عليهم بسهام الإضلال، والغواية من كل جانب، حتى لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا[الإسراء: 62].
ومعنى: لَأَحْتَنِكَنَّ، وضع الحبل في حنك الدّابة، ليسهل قيادُها، فمعنى: لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ سأفعل بهم كما يفعل الذي يضع الحبل في فم الدابة ليقودها، فسأسيطر عليهم، وأقودهم.
وهذه العداوة بين الحق، والباطل، هي التي جعلت إبليس يقوم هذا المقام، أدت إلى صراع عظيم بعد ذلك بين الرسل وأتباعهم، وهذا واضح جداً، وأكبر آثار عداوة إبليس للبشر، هذا الصراع الذي حصل بين الأنبياء والملأ.
أساء الملأ، والأشراف والوجهاء، وعِلية القوم، سمُّوا بذلك؛ قيل: لأن هيبتهم تملئ الصدور، وقيل: لأنهم يتمالئون، يعني: يتعاونون على أغراضهم، وقيل: بأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه، فهم ملآى من متاع الدنيا.
هؤلاء في عداوة كانوا مع الرسول، وتتكرر العملية في كل زمان ومكان، في قصة عاد قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [الأعراف: 66].
جحدوا ما جاءت به الرسل، كفروا به، واستكبروا، قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ[الأعراف: 75]، آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ، وكذلك استحقار المؤمنين، وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ [هود: 27]. اتبعوك بدون تفكير.
وكانوا يعيبون أتباع الرسل، ويقولون: نجلس عندك ومعك هؤلاء؟، كيف نجلس عندك ومعك صهيب، وبلال، وعمار؟
كانوا يحرضون على قتل المؤمنين، وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ[الأعراف: 127].
ماذا قال فرعون؟ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ[الأعراف: 127].
وكان الإجرام شعارهم، وكان لديهم المكر والخداعة، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا[الأنعام : 123]، إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ [القصص: 20].
ومن سِمات الصراع بين الحق والباطل: أن أعداء الرسل يجتمعون على عداوتهم مهما كان، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [الأنعام: 112]، لكل نبي.
وأيضاً، فإن من حلقات هذا الصراع بين الحق والباطل دخول المنافين على الخط، فيتعاونون مع الكفار، ويكونون عدواً داخلياً على المسلمين.
ومن جوانب هذا الصراع؛ الصراع العلمي بين الحق والباطل؛ ولذلك كان لا بدّ لنا من معرفة الحجج في المواجهة، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ[الأنعام: 149].
من أمثلة أثر المواجهة العلمية في الصراع بين الحق والباطل، قصة إبراهيم مع النمرود، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة: 258].
ولما أجاب إبراهيم المحاجّ له في الله، بأن الله يحيي ويميت، أخذ عدوا الله معارضته بالمغالطة، فألزمه إبراهيم -عليه السلام- بشيء لا يستطيع أن يتصرف فيه، وهو قضية "مجيء الشمس".
وأهل الباطل يلقون الشبهات كما قلنا، يستعملون التشكيك، يستعملون زعزعة الثوابت، ويلقون الشُّبهات حول أحكام الإسلام، سواء كانت في المسائل المتعلقة بالنساء، وكثيرة هي، المتعلقة بالأديان الأخرى.
وأيضاً، فإنهم يفترون الكذب، وأيضاً، فإنهم يمكرون، وأيضاً فإنهم يحابونه حرباً حتى بالسلاح.
فانظر إلى هذه المواجهات بين الحق والباطل، كيف تأخذ هذه الأبعاد المختلفة، المتنوعة.
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ[الأنفال : 41].
وكانت هذه أول مواجهة عسكرية بين