الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

قواعد التمييز بين الحق والباطل1


عناصر المادة
نعمة التمييز بين الحق والباطل
الحق واحد ولا يتعدّد
نظرية وحدة الأديان
نظرية: كل مجتهد مصيب
القول بتعدد الحق وأن الحقيقة نسبية
من تجاوز الحق وقع في الباطل
أنواع الخالطين بين الحق والباطل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
سبق في دروس ماضية بيان الحق، ومعناه، وعلامات الحق، وكيف يُعرف، وأماراته، وصفاته، وكذلك صفات أهله، ونتحدث بمشيئة الله تعالى اليوم عن قواعد شرعية، وتأصيلية في معرفة الحق.
نعمة التمييز بين الحق والباطل
00:00:45

يجب أن نعلم أن من أعظم النعم والمنن التي ينعم الله -سبحانه وتعالى- بها على من يشاء من عباده، التميز بين الحق والباطل، وبين أهل الحق، وأهل الباطل، وضبط ما يخالف الحق، وما يوافقه.
ومن أعظم السُبل الشرعية للتميز بين الحق والباطل، تعلم القواعد الشرعية، والضوابط التأصيلية، التي يمكن بها هذا التمييز، والتي يُعرف بها الحق، ولا يلتبس، فيميز المسلم بها بين الحق والباطل في مسائل الاعتقاد والعمل، والأخلاق، والسلوك، والعبادة.
وبوجهٍ عام، فإن من أهم الوسائل العلم عموماً: القواعد المنضبطة، القائمة على التأصيل، والتمثيل، والتدليل، وهناك قواعد كثيرة يُتوصل بها إلى معرفة الحق، واجتناب الباطل هي بمثابة منارات، وخصوصا عند طالب العلم.
الحق واحد ولا يتعدّد
00:01:50

ومن هذه القواعد:
أولاً: الحق واحد ولا يتعدّد:
فهذه قاعدة من أهم القواعد التي تحفظ الحق؛ لأن أهل الباطل لما فشلوا في طمس الحق، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف: 8]، لم يبقَ أمامهم إلا التلبيس، محاولة خلط الحق بغيره.
ومن أعظم السبُل الشيطانية القول بإبطال تفرّد الحق، وهذه المسألة الآن في هذا الزمان هي معترك في الحقيقة، عندما يأتي من يقول مثلاً: من قال أنكم على الحق؟، ومن قال أن الحق واحد أصلاً؟
الحق نسبي؛ يعني: أنت عندك نسبة، وأنا عندي نسبة، وهذا عنده نسبة، وأهل الأرض كل واحد عنده نسبة من الحق، فالحق نسبي، وليس هناك حق واحد كامل.
وهذه كارثة كبرى؛ لأننا إذا رضينا بهذا الكلام كان اليهود عندهم حق، والنصارى عندهم حق، والبوذيين عندهم حق، والقاديانية عندهم حق، والرافضة عندهم حق، وكل واحد عنده جزء من الحق، وانتهى الأمر، فلا أحد ينكر على أحد، وضاعت القضية.
ولذلك لا بد من الانتباه إلى المؤامرة الخطيرة في ادعاء أن الحق ليس محصوراً، وأنه ليس واحداً، وليس مجموعاً في شيء واحد، فنحن نقول: إن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي أُمرنا بالتمسك به، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153].
فأفرد الله الصراط، وجمع السبُل، وأمرنا أن نسأله ذلك في كل صلاة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة: 6 - 7] فهو احد، وقال سبحانه وتعالى: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر: 41].
قال ابن القيم -رحمه الله-: "والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة" [بدائع الفوائد: 1/127]. انتهى.
والله -سبحانه وتعالى- يُفرد الحق، ويجمع الباطل، كما في قوله عز وجل: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: 153]، وجمَع السبل؛ لأن طرق الضلال متشعبة، وكثيرة، ولا حصر لها، وأفرد الحق، والصراط؛ لأنه واحدٌ لا يتعدد.
قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- شارحا ذلك بحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-:" خط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطّاً بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خطّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأأ النبي -صلى الله عليه وسلم-: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، بعد ذلك قال: "ثمّ خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [رواه أحمد: 4142، وابن حبان: 7، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان 1/147]. والحديث رواه أحمد، وابن حبان، وهو حديث حسن صحيح.
وسأل رجل ابن مسعود -رضي الله عنه-: ما الصراط المستقيم؟، فقال: تركنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، جمع جادّة، يعني: الطريق، عن يمينه جواد يعني: طرق، وعن يساره جوادٌ، وثَمَّ رجال يدعون من مرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد، يعني: الطرق الجانبية هذه انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ هذه الآية، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ. [تفسير الطبري: 9/671].
فطريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة، وقد قال تعالى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة: 100].
وقد يشكل على البعض جمع السُّبل في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69]، فما هو الجواب؟
الجواب: أن السبل هنا ليس المقصود بها المنهج، الصراط الأصلي المستقيم، الإسلام، التوحيد، وإنما المقصود بها سبل الخير، يعني: مثل ما نقول: الإيمان بضع وسبعون شعبة [رواه مسلم: 161]، شُعب الإيمان، فإذاً سبل الخير، وشعب الإيمان طبيعي أن تتعدد.
نقول مثل ذلك: الصلاة سبيلٌ إلى الجنة، والزكاة سبيلٌ، وبر الوالدين سبيلٌ، والإحسان إلى الجار سبيلٌ، والنكاح بالمعروف سبيلٌ، والإصلاح بين المتخاصمين سبيلٌ، والسكوت عن الشر، والسكوت عن قول الباطل، والسكوت عن إيذاء الآخرين سبيلٌ، ويمسك عن الشر، يعني: صدقة، وعدد لك من أنواع المعروف، وطرق الخير.
فلو قال واحد، يعني: مَن سلك سبيلاً يلتمس فيه علماً [رواه مسلم: 7028]، والسبل إلى التعلم كثيرة، فمنها مثلاً:
الذهاب إلى العلماء، وثني الركب عندهم، ومنها القراءة في الكتب، ومنها سماع الأشرطة، ومنها السؤال بالهاتف، ونحو ذلك، السبل إلى تعلم العلم كثيرة.
إذاً، ليس المقصود هنا في حديث: من سلك سبيلاً يلتمس فيه علماً، فالناس تسلك سبلاً للتعلم، أنه هذه تعدد الصراط المستقيم، أو تعدد الحق، لا، الحق المنهج، يعني مثلاً: التوحيد، أن الله واحد، هذا صراط التوحيد واحد وليس هناك غيره.
الإسلام الذي بعث الله به محمد -صلى الله عليه وسلم- إسلامٌ واحد، وليس إسلامات.
فإذاً، المنهج الأصل واحد، أما سبُل الخير، وسبُل المعروف، وسبُل التعلم، وسبل الصدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وإرشاد رجل في أرض الضلال صدقة، وتهدي الأعمى صدقة، وتحمل الرجل متاعه على الدابة صدقة، وتغيث الملهوث صدقة.
فإذاً، نحن لا نتكلم الآن على سبل المعروف، وسبل الخير، وسبل التعلم، نحن نتكلم الآن على الصراط عند الله المؤدي للجنة، التوحيد، الإسلام، الحق واحد.
ولا يمكن أن يكون غيره صحيحاً، لا يمكن أن تكون اليهودية حق، والنصرانية حق، والبوذية حق، والهندوسية حق، والشرك بأنواعه الموجود عند الطرق الصوفية، أو عند الرافضة صحيح، والقاديانية، والبهائية، والبابية صحيحة، لا يمكن، هذه أديان وليست سبل معروف، أو طرق خير.
فإذاً، ما نحن بصدده من ذكر أنه واحد هو الدين، وهو الصراط الموصل إلى الله، وهو منهجه، وسبيله، التوحيد، الإسلام واحد، فالله تعالى هو الإله الحق الواحد، ومن يعبدونه، ويوحدونه هم أهل الحق، والآلهة الأخرى باطلة، وعابدوها على الباطل.
قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62]، وقال عز وجل: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39]، ودين الحق واحد، وهو دين الإسلام، وبقية الأديان باطلة، قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].
وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ما في إلا واحد دين حق، واحد، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33]، والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة واحدة، فلا يوجد عدة فرق على الحق، الفرقة الناجية واحدة.
الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، فرقة واحدة ناجية، والبقية هلكى.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ألا إن من قبلكم مَن أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وأن هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة [رواه أبو داود: 4597، وصححه الألباني في السلسلة: 1/404]. رواه أبو داوود وهو حديث صحيح.
وفي رواية قالوا: "ومن هي يا رسول الله؟، قال: ما أنا عليه وأصحابي [رواه الترمذي: 2641]. رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن.
فلو كان الحق متعدداً لما عذَّب الله تلك الفرق، ولما كانت الاثنتين والسبعين في النار، قال عبد الله ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنتَ وحدك"، [شرح اعتقاد أهل السنة اللالكائي: 1 / 109].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[منهاج السنة النبوية: 5/190].
فأهل السنة والجماعة، والطائفة المنصورة واحدة، قال عليه الصلاة والسلام: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس  [رواه البخاري: 7460، ومسلم: 5064].
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوئهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال[رواه أبو داود: 2484، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 2245]. رواه أبو داود في سننه، وهو حديث صحيح.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص، الخالص عن ماذا؟ قال: عن الشَّوب، يعني: الأخلاط، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشَّوب، هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الطائفة المنصورة"، [العقيدة الواسطية: 1/32].
ولذلك تجد أنت أن منهج ودين، وعقيدة، وطريقة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، والصحابة، وسعيد ابن المسيب، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وفلان، وفلان واحدة.
ومنصور، وعلقمة، وإبراهيم النخعي واحدة، والأوزاعي والثوري، وشعبه، واحدة، وأحمد، وإسحاق بن راهوية، والبخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داوود ابن ماجه واحدة، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي واحدة.
فلا تجد عندهم اختلاف في العقيدة، فعقيدة أبو بكر الصديق هي عقيدة الأوزاعي، عقيدة الإمام أحمد، هي عقيدة الثوري، عقيدة شُعبة ابن الحجاج هي عقيدة البخاري، عقيدة مالك -رحمه الله-، هي عقيدة من سبقه، من شيخ الإسلام ابن تيمية، الخط واحد، العقيدة واحدة، يختلفون في اجتهادات فقهية، نعم، لكن لا يختلفون في الأصول أبداً، كالإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأركان الإسلام، لا يختلفون في وجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ولا يختلفون في مشروعية بر الوالدين، والإحسان إلى الجار، والأخلاق الحسنة ما يختلفون.
اختلافهم في اجتهادات في مسائل من الفقه من الأحكام لأسباب، منها مثلاً: كما قلنا سابقاً، خفاء الدليل على بعضهم دون بعض، ضعف الدليل عن بعضهم، أو صحة الدليل عند بعضهم دون بعض، طريقة فهم النص عند بعضهم، وطريقة أخرى عند الآخرين، مثلاً: الناسخ والمنسوخ، أيُّ النصين هو الناسخ، وأيُّ النصين هو المنسوخ؟.
أيُّ النصين هو الخاص، وأيُّ النصين هو العام؟، مثلاً، لكن أصل الدين واحد، موقفهم من صفات الله وأسمائه، واحد، توحيد الألوهية، واحد، ونحو ذلك من الأصول.
نظريات مبنية على القول بتعدد الحق:
وهناك نظريات باطلة مبنية على القول بتعدد الحق، وهذه النظريات موجودة من زمان، لكن كل مدة يحيها الأعداء بقوالب وأشكال جديدة، ودعايات جديدة.
فمن هذه النظريات المبنية على قضية القول بتعدد الحق التي نرفضها رفضاً قاطعاً، ونعتقد بطلانها، وخلافها لدين الله، وكتابه، وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
نظرية وحدة الأديان
00:17:15

من هذه يعني النظريات: نظرية وحدة الأديان
فيزعم بعض مدعي السلام والإصلاح في العالم أن وحدة الأديان ضرورة، ولا بد أن نسلك هذا الطريق، والتقريب بين الأديان، يعني: لا بد من القيام به على مستوى العالم، وأن هذا هو الطريق إلى السلام العالمي، وأنَّ تمسك كل أصحاب دين لدينهم يؤدي إلى تفرُّق الناس، وقيام الحروب والعداوات، ومن قال: أن الإسلام لا بغض فيه؟ ومن قال: أن الإسلام لا عداء فيه لأحد؟، ومن قال: إن كتاب الله لا قتال فيه لأحد؟، ومن قال: بأن حكم الله ليس فيه براءٌ من أحد، كيف؟
وأنت تقرأ في كتابه: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: 1]، إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء: 101]، قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة: 29]، قاتلوهم، مَن؟ الذين أتوا الكتاب لا يدينون بدين الإسلام، والمقصود القتال عند القدرة.
إذاً، الذين يقولون: إن تمسك أهل كل دين بدينهم يؤدي إلى عداوات، ويؤدي إلى حروب، والطريق إلى السلام العالمي هو التقريب بين الأديان، ووحدة الأديان يسود السلام.
أولاً: هم أنفسهم المنادون بذلك يحاربوننا، وحربهم لنا في البلاد واضحة جداً، والذين طرحوا هذه النظرية لم يطبقوها على أنفسهم، لا، بل هم أول المخالفين لها، فيشُنُّون الحرب على الإسلام والمسلمين في كل مكان، وصِقع، وعصر، ومِصر، لم يفتروا عن ذلك.
ثانياً: أن الكلام هذا وهو أولاً في الحقيقة باطل؛ لأنه إذا رجعنا للقرآن والسنة سنجد أن الدين هذا فيه براء، وعداوة، وجهاد، مواقف، فيه بغض، كره، أكيد.
إذا أنت ما كرهت ما يكرهه الله، ولا أبغضت أعداء الله، ولا عاديتَ المشركين بالله، إذاً أنت ماذا؟ لا يكون صاحب ذلك مسلماً.
لا يمكن، أن يجتمع الحب لله ولأعدائه، الحب لدينه وللأديان الباطلة في قلب واحد؟، لا يمكن.
فإذاً، هذه النظرية؛ نظرية تقريب الأديان، أو وحدة الأديان نظرية باطلة، ويقول أحد روادها العرب: أنا أؤمن بالإسلام، والمسيحية، واليهودية، طبعاً كلامه ليس جديدا؛ لأن ابن عربي الملحد قال من قبله:
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة *** فمرعاً لغزلانٍ وديرٌ لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائفٍ *** وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنَّى تواجهت *** ركائبه فالحب ديني وإيماني
فالرجل يحب كل شيء، الله والشيطان، والإسلام واليهودية، الوثنية، كل شيء، الإلحاد.
وهذا أيضاً كقول بعض الضلال.
هبوني عيداً يجعل العُرب أمتة *** وسيروا بجثماني على دين برهم
سلامٌ على كفر يوحد بيننا *** وأهلا وسهلا بعده بجهنم
هو إذا  يختار كذه كيف يروح جهنم، وقال الآخر:
يا مسلمون ويا نصارى دينكم *** دين العروبة واحد لا اثنان
طيب هذه الدعوة الإلحادية الكفرية الفاجرة، هدفها الأساس بث الكفر والإلحاد، طمس معالم الإسلام، طمس معالم التوحيد، نشر الإباحية، تغيير الفطرة، مساواة الكفر بالإسلام، وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: 19-22]، ولا الإسلام ولا الكفر، ولا الشرك ولا التوحيد، ولا السنة ولا البدعة.
الله -عز وجل- فرّق فقال: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 35-36].
وقال الله: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر: 20]، ويوم القيام يوم يُسحب اليهود على النار، النصارى إلى النار، وأرباب الأصنام هي وهم معبوداتهم معهم في النار، يسحبون إلى النار يقال : ألا تردون؟ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: 94، 95].
ونظرية وحدة الأديان، أو تقارب الأديان نهايتها أن ما في جنهم؛ لأنه إذا كان كلهم صح، وكلهم على حق، فمن الذي سيدخل النار؟.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: أن الدعوة إلى وحدة الأديان إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله -عز وجل-، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الشرائع والأديان.
وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعاً، محرمة قطعاً بجميع أدلة التشريع في الإسلام، من قرآن وسنة وإجماع. [فتاوى اللجنة الدائمة - 1 12/281]. انتهى فتوى اللجنة الدائمة.
ثم فيها مغالطة واضحة للعقل، فمثلاً دين المسيح يقول: المسيح عبدٌ لله، وهذا دين الإسلام؛ لأن المسيح نفسه قال عندما يسأله ربه يوم القيامة، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ [المائدة: 116]، ماذا يقول عيسى؟ سُبْحَانَكَ [المائدة: 116].
فيتبرأ من هذا، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116]، أأنت قلت للناس؟
فيتبرأ، فإذاً، هو دين الإسلام الذي هو دين محمد -صلى الله عليه وسلم-، ودين عيسى -عليه السلام-، واحد في هذه المسألة أن المسيح عبد لله.
ودين النصارى، يقولون: المسيح ابنٌ لله، المسيح ثالث ثلاثة، أو ثاني ثلاثة، واليهود يقولون: ابن زنا والعياذ بالله، حاشى عيسى أن يكون كذلك.
فإذاً، دين يقول: المسيح عبدُ الله، ودين يقول: المسيح هو الله، وتارة يقولون: ابن الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ودين يقول: ابن زنا، الذين هم اليهود، كيف يجتمعون؟ كيف؟ كيف ستجمع هؤلاء مع بعض كيف؟ لا يمكن.
 
سارت مشرقة وسرت مغربا***شتّان بين مشرق ومغربِ
نظرية: كل مجتهد مصيب
00:25:27

ثانياً: نظرية: كل مجتهد مصيب:
الدعوة الثانية وهي عبارة موجودة في بعض الكتب الإسلامية، لكن نريد أن نعرف الذين يأخذون العبارة هذه لتعميمها، ما هو مقصودهم؟
العبارة: كل مجتهد مصيب، إذا كان قائلها يقصد أن كل مجتهد في الأقوال الفقهية، يعني: في ميدان الاجتهاد الفقهي، يعني: المسائل غير المجمع عليها، غير المحسومة، غير القطعية، أنه كل مجتهد في ميدان، مثلاً: الأحكام غير القطعية، غير المجمع عليها.
مصيب بمعنى: مأجور، نعم، تصح العبارة، لكن إذا قال واحد: كل مجتهد في أمور العقيد، والأديان، والعبادات، والملل والمحن، ولأقوال، وكل المسائل الفقيه، كل واحد، أي قول خرج به فهو مصيب، فهذه كارثة، وكذبة كبرى، وباطل.
فإذاً، إذا قصد بها أن الحق يتعدد، وكل مجتهد قد أصاب الحق، اليهود أصابوا الحق في طريقتهم، والنصارى أصابوا الحق في طريقتهم، والمسلمون أصابوا الحق في طريقتهم، والبوذيون أصابوا الحق، كل واحد مصيب، كل مجتهد مصيب للحق، وكل عابد لشيء مصيب للحق!.
كلهم مصيبون للحق، والفرق هذه كلها؛ كلها الرافضة، القاديانية، التيجانية النقشبندية، الرفاعية كلها مصيب للحق.
نقول: لا. تساوون الكفر بالإسلام، تساوون الشرك بالتوحيد، تساوون السنة بالبدعة، وحتى على مسالة الأحكام الفقيه، ما هو كل مجتهد مصيب، بمعنى: أن أي مسالة -مثلاً-، بعضهم اجتهد فأباحها، وبعضهم اجتهد فحرمها أنه كلاهما مصيب.
لا، الحق عند الله واحد، وهذه الأحكام الفقية حتى التي يجتهد فيها العلماء، الحق عند الله واحد، يعني: الله إما أن يكون أباحه، وإما أن يكون حرمه، لا يمكن أن الله يبيح ويحرم الشيء الواحد في وقت واحد، لا يمكن.
فلو اجتهد العلماء حتى في مسائل الفقه الاجتهادية، فخرجوا بأقوال، ما أبد الحق عند الله واحد، لكن الذي عنده أهلية الاجتهاد، لا يأثم، مأجور لاجتهاده، والذي اجتهد وأصاب له أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والذي اجتهد وأخطأ له أجر واحد، أجر الاجتهاد، وإلا فإن الصواب والحق في المسألة عند الله واحد.
يعني مثلاً: زكاة الحلي عند الله، إما أنها واجبة، أو غير واجبة، لا يوجد قولين غيرهما، حتى في المسائل الاجتهادية عند الله لمس المرأة ينقض الوضوء، ولا لا ينقض الوضوء؟ خلاص مسعى الحق واحد.
قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية مثلاً، الحق عند الله واحد، إما أنه يجب، أو لا يجب، لكن هذه مسائل الله بحكمته أراد أن يجتهد العلماء، تتفاوت الأنظار، وتدور الأفكار، وكل واحد يحاول إصابة الحق، يتفاوتون في الأجور بناء على ذلك.
وهذا أصاب الحق في كذا وكذا مسألة، يكون أرفع رتبة عند الله ممن أصاب في مسائل أقل أصاب فيها الحق، يعني: الله يفاوت بين الناس في درجات الجنة، ويفاوت بين العلماء، فإذا إذا كان مراد القائل أن الحق يتعدّد، وأن كل مجتهد قد أصحاب الحق الذي هو حكم الله، فهذا قول باطل؛ لأن هذا يستلزم الجمع بين الضدين.
وهذا لا يمكن، ولو قال مالك -رحمه الله- في مسألة: أنه مباح، وقال أحمد في مسألة: أنه محرم، أو العكس، ولو قال الشافعي في مسألة النكاح: أنه بلا ولي باطل باطل، وقال أبو حنيفة مثلاً: هو صحيح مثلاً في نكاح الثيب بلا ولي، فعند الله قطعا الحق واحد.
يا أن يكون  النكاح عند الله بلا ولي صحيح، أو يكون باطل، لا يمكن أن يكون صحيح وباطل مع بعض، ما يمكن، ما يمكن، فإما أن يكون الشافعي قد أصاب الحق، الذي هو واحد عند الله, وإما أن يكون أبو حنيفة هو الذي أصابه.
قال الإمام قدامه -رحمه الله-: "الحق في قول واحد من المجتهدين, ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين, أو أصوله، لكن إن كان من فروع الدين مما ليس فيه دليل قاطع من نص, أو إجماع، فصاحبه معذور من غير إثم، فقط، لكن لا أنه أصاب الحق، معذور من غير إثم, وله أجر على اجتهاده".  [روضة الناظر وجنة المناظر: 2/347].
إذاً، في مسائل الاعتقاد, أو مسائل الدين الأصلية لا يمكن أن يُقبل التعدد، لا يمكن أن يقبل الله التعدد في مسألة هل الله واحد، أولا اثنين؟.
لا يمكن أن يقبل التعدد في مسألة هل تصرف كل أنواع  العبادة لغير الله، ولا يمكن صرف بعضها لغيره؟
لا يمكن أن تقبل مسألة أن الصلاة واجبة أو غير واجبة، لا يمكن، لا يمكن أن يقبل خلاف في تحريم الزنا، ولا تحريم الربا، فهذه القطعيات، المسائل المجمع عليها، هذه الحق فيها معروف، واضح للجميع، ولا يُقبل الخلاف فيها أبدا، والمخالف فيها لا يُقال: له أجر، ولا مجتهد، يعني: معذور، لا، بل مأزور، ضال.
المسائل التي يقبل فيه الخلاف، ومع ذلك الحق فيها واحد، مثل: فروع الفقه غير المحسومة في الكتاب والسنة، التي فيها النظر والاجتهاد، زكاة الحلي واجب على المرأة، أم لا؟
هذه من المستعملات ليس فيها زكاة، لا هذه من المستعملات في زكاة، هذه مسائل اجتهادية، ومع ذلك الحق فيها واحد، ولكن المجتهد فيها دائر بين الأجر و الأجرين، أما أن يكون أصاب الواحد عند الله، أصابه، فهو مأجور، وله أجران؛ أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإما أن يكون قد أخطأ الحق عند الله في المسألة، فيكون مأجور باجتهاده أجراً واحدا.
ماذا نقول في الاجتهاد الناشئ عن اختلاف التنوع؟، يعني مثلا: التحيات وردت بكذا صيغة، دعاء الاستفتاح ورد بكذا صيغة، الصلاة الإبراهيمية وردت بكذا رواية، خلص، المجتهد في هذه كل مصيب، لماذا؟
لأنهم ما اختاروا إلا ما ورد، وهذا اختلاف تنوّع، مَن اختار هذه الصيغة يُؤجر، ومن اختار هذه الصيغة يُؤجر، ومن اختار هذه الصيغة يؤجر، وهذا ليس موضوعنا أصلاً، ولكن لتكملة القسمة.
إذاً، ذكرنا أول مثال على القواعد الضالة، أو المناهج الضالة في مسألة الحق والباطل، وحدة الأديان، وثانيا: عبارة كل مجتهد مصيب، وبيناها.
القول بتعدد الحق وأن الحقيقة نسبية
00:34:11

ثالثا: من يقول القول بتعدد الحق، وأن الحقيقة نسبية، يعني: ما في حق كامل، الحق موزع عند الطوائف، وعند الأديان، وعند الملل، وعند الناس، موزع، ما في طائفة تحتكر الحق لها.
لو قلت: أهل السنة، يقول: لا حتى أهل السنة لا يحتكرون الحق، يعني: الرافضة عندهم منه، يقول: أي عندهم، القاديانية عندهم منه، يقول: عندهم، خلاص وسيصل ويقول: أن الملاحدة عندهم جزء منه.
قضية الحقيقة النسبية، أو الحق النسبي، هذه خدعة شيطانية كبيرة تم الترويج لها في هذا العصر، وأن كل وجهات النظر، والأفكار التي في العالم، والآراء، بعضهم يقول: متساوية، وبعضهم يقول: كل واحدة فيها نسبة من الحق.
ولذلك، يعني، طيب القول هذا ماذا يترتب عليه؟ أنه لا يوجد أحد، أو جهة، أو طرف، أو دين، أو طائفة، ما في، لا يمكن أن يأتي ويقول: طريقي هو الحق الوحيد الصحيح؟
يعني: أنت بناء على هذا الكلام، لو اجتمعت أنت ومسلم، ويهودي، أنت ويهودي ونصراني، ومجوسي، وبوذي، وسيخي، وهندوسي، لا يجوز لك أنت المسلم، ما يحق لك أن تقول: أنا ديني هو الحق فقط، وأنتم كلكم على باطل.
هذه نظرية الحق النسبي، التعددية، هذا مؤداها، ولذلك يعني، يقولون: نسمح لكم بعبارات مثل: مثلا تقولون يعني: أنا رأي في نظري صواب يحتمل الخطأ، ورأي غير خطأ يحتمل الصواب، فقط أسمح لكم بهذا القدر.
أنك أنت مسلم مثلا، تقول لليهودي: والله أنا ديني صواب، بس ممكن يحتمل الخطأ، وأنت دينك في نظري خطأ، لكن يحتمل الصواب.
مع أنه الحق، أنه ديني أنا المسلم صواب لا يحتمل الخطأ، ولا أقصد ممارساتي الشخصية، لا، ديني الذي في الكتاب والسنة.
ما هو الحق؟ أن نقول: ديني الإسلام الذي في الكتاب والسنة لا يحتمل الخطأ، ودينك يا يهودي خطأ لا يحتمل الصواب، هذا هو الصحيح.
صرنا نقرأ في كثير من الصحف عبارات مثل: الحق المطلق لا يملكه أحد، انظر كيف تضيع قضية، يعني: محاولة تضيع القضية، تضيع المسألة، كيف يضيعوا الحق، الحق المطلق لا يمتلكه أحد، لا أحد يمتلك، لا أحد يحق له أن يزعم امتلاك الحقيقة، الحق مسألة نسبية، لا يجوز لأحد أن يحتكر الحق، وهكذا.
هذه العبارات ما مؤداها؟ أنك أنت الآن إذا أنكرت على واحد مشرك، أو مبتدع، أو كافر، يقول لك: لا تنكر عليه، من الذي قال الذي أنت عليه هو الحق المطلق، هذه المقصود من العبارات هذه، المقصود منها، التملص، والتخلص عندما يخالفونك.
هذه العبارات تبرر وجود الكفر، والشبهات، والشهوات، هذه العبارات، وهذه النظرية تبرر استمرار وجود اليهودية، والنصرانية، والأديان الباطلة الأخرى، ومثلا: الرافضة، وغيرها من الطرق، والشرك.
طرق الشرك كلها، ويعذر بعضهم بعض أنه لا أحد ينكر على أحد، ولا أحد يعادي أحد أبدا، خلاص اعذروا اليهود في دينهم، واعذروا المشركين عباد الأوثان، والأصنام في دينهم، واعذروا عباد القبور في دينهم، واعذروا عباد الكواكب، والشمس في دينهم، اعذروهم، ما أحد ينكر على أحد.
ما أحد عنده الحق المطلق، المسألة نسبية، فظهر ما يسمى بقضية "التعددية الدينية، ووجوب القبول بها"، فرعوا عليها التعددية الدينية، ووجوب القبول بها، ولا أحد ينكر على أحد، وصار عندنا تعددية، اعتقادية، تعددية فكرية، وأنت ما شفت تعدديات.
قال ابن قدامه رحمه الله: قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في أوله يجعل الشيء ونقيضه حقا، وفي آخره يخير المجتهدين بين النقيض عند تعارض الدليلين، فيختار، أو يخير المجتهدين بين النقيض عند تعارض الدليلين، فيختار من المذاهب ما يروق لهواه. [روضة الناظر وجنة المناظر: 2/361].
التسليم لهذه المقولة يناقض أصلا الإسلام، لو كانت الحقائق نسبية ما أهلك الله المكذبين بصالح عليه السلام، ولا أهلك الله قوم عاد لما كذبوا هودا، ولا أهلك الله فرعون؛ لأنه فرعون عنده شيء من الحق، وعنده جزء من الحق، ما هو الحق نسبي؟
ما هو الحق ما يجوز لموسى أن يقول: أنا فقط على الحق، لأنه بمعنى كلامهم: أن موسى عليه السلام ليس له امتلاك الحق الكلي، والمطلق؛ لأنه فرعون يمكن يكون عنده جزء من الحق، ولذلك وجد الآن في بعض الضلال المشركين من يقول مثلاً: أنه كل ما ترى بعينك فهو الله، وحدة الوجود.
وبناء على ذلك لما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى، كان مصيباً، لكن موسى ما فهم عليه؛ لأنه نظرية، أو دين، اعتقاد أنه كل شيء في العالم هو الله، الجدار، والمسجد، وأنا، وأنت، وأي شيء خلاص هذا هو الله، الذي هي عقيدة وحدة الوجود الكفرية.
خلص فرعون لما قال: أنا ربكم الأعلى كلامه صح، لكن موسى ما فهم عليه، لو كانت قضية انه ما أحد يمتلك الحق المطلق صحيحاً، ما أهلك الله الأمم المكذبة لرسولها، ولما جاهد النبي صلى الله عليه وسلم الكفار؛ لأنه كفار قريش كان معهم جزء من الحق.
لو كانت هذه النظرية صحيحة كان الجهاد كله باطل؛ لأنه لماذا المسلمون يجاهدوا الروم؟ لماذا يجاهدوا الفرس، المجوس؟ لماذا فتحوا بلاد البربر، وفتحوا الهند؟
لأن أهل الهند عندهم جزء من الحق، والبربر عندهم جزء من الحق، والمجوس عندهم جزء من الحق، والروم النصارى عندهم جزء من الحق، فماذا قاتلوهم، وجاهدوهم؟
وصلنا إلى إبطال الجهاد، وإبطال الفتوحات الإسلامية، وإبطال مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم لكفار العرب، وقريش، وإبطال إهلاك الله للأمم المكذبة؛ لأنه أنتم جزء من الحق.
ما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام لكفار قريش لما جاءوه مع عمه أبو طالب، وقال يا ابن أخي إن رأيت أن تترك، يعني: معاداتهم، وسب أصنامهم، وآلهتهم، يعني: أبناء عمك، وأبناء عمومتك، فقال عليه الصلاة والسلام: هل ترون هذه الشمس، قالوا: نعم، قال: ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا لي منها شعلة [مسند البزار: 2170، وصححه، صحيح السيرة النبوية ص: 144].
يعني: لو تجيبوا لي شعلة من الشمس، ولن يستطيعوا الوصول إليه، أقول بعض المغفلين، قال يعني: لما سمعوا أن في دولة طلعوا للقمر قال: ونحن نطلع للشمس، فجاء هؤلاء وقالوا: أنتم صحيح تطلعوا للشمس؟ قالوا: ستحترقوا، قالوا: شوف ، يفكروا أننا سنطلع في النهار.!
هذه الشمس، قال: ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا لي منها شعلة، فلماذا النبي عليه الصلاة والسلام يسلك طريق الأخطار، ويجابه أقاربه، وقريش، والعرب، والعالم؟
لماذا التعب هذا إذا كان المسألة نسبية، وكل واحد معه الحق، وليست هناك حقيقة مطلقة، وليس هناك حق مطلق كامل، لماذا فعل ذلك؟.
نحن الآن تكلمنا أمثلة على القاعدة الأولى، طيب ما هي القاعدة الأولى؟ أن الحق واحد لا يتعدد.
من تجاوز الحق وقع في الباطل
00:43:44

القاعدة الثانية في معرفة الحق: من تجاوز الحق وقع في الباطل؛ لأن الحق والباطل عدوان، وضدان لا يجتمعان، وليس هناك برزخ بينهما، ولا منزلة بين المنزلتين، لأن الله قال: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: 32]، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32].
ما في بعد الحق شيء ثاني، ما في بعد الحق إلا ضلال، فهذا الاستفهام الإنكاري، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32] معناه: لا واسط بينهما، لا يوجد بعد الحق إلا الضلال.
فمثلا: القرض الحسن، مشروع وحق، فمن جاوزه إلى قرض بزيادة، فإنه سيكون باطلاً قطعاً، مهما كان قليلاً، يعني: لو قال واحد: باعطيه مائة ألف يرجع لي مائة ألف وريال، يقول له: بعد الحق ما في إلا الباطل، وهذا الريال ربا.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8]، من تجاوز سنة النبي صلى الله عليه وسلم وقع في البدعة، لو واحد قال: الوضوء ثلاثاً، أنا سأتوضأ أربعا، اعلم أن الرابعة هذه بدعة، خلاص، التجاوز، تجاوز السنة بدعة، وهكذا.
أنواع الخالطين بين الحق والباطل
00:45:35

الأمثلة كثيرة، الذين يحاولون الجمع بين الحق والباطل هم أهل الباطل؛ لأن هذان ضدان لا يجتمعان، والخالطون بين الحق والباطل أنواع:
النوع الأول: علماء الضلالة من اليهود، وأمثالهم، الذي يلبسون الحق بالباطل، قال الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران: 71]، لا تلبسوا: لا تخلطوا.
نهاهم عن أمرين:
الكتمان، والخلط؛ لأنهم اشتهروا بذلك، يكتمون صفة النبي -عليه الصلاة والسلام- المكتوبة عندهم، ويخلطون الحق بالباطل، حتى لا يتميز هذا من هذا، والذي يفعل ذلك في هذه الأمة متشبّه بهم.
انظر الآن مثلا إلى الخلط الحاصل بين الحرية، والانفلات من الدين، فالله -سبحانه وتعالى- أعطى العباد قدراً من الحرية في الاختيار، ما أعطاهم حرية كاملة في كل شيء، يعني ما قال: تعبدوني، وتعبدوا غيري كما تريدون، تزوج أو تزني، افعل ما تشاء، لك الحرية، ترابي أو تبيع، افعل ما تشاء، لا.
جعل لهم حدود، حدوداً، محرمات لا يجوز انتهاكها، وواجبات لا يجوز اختراقها، وتعديها والخروج منها، وفي أشياء كثيرة الإنسان فيها عنده خيارات، مثلاً هو حد له أربع، الجمع بين أربع في الزواج، يعني: أتزوج واحدة، أتزوج اثنتين، يتزوج ثلاثة، يتزوج أربعة، يأخذ ملك يمين، هو حر.
فإذاً، الخلط بين الانفلات من الدين، وقضية الحرية، هذا خلطٌ عظيم بين الحق، والباطل، هذا مروقٌ من الدين، هذا تحرر من ضوابط الدين؛ لأنه شذوذ، وعري، وفواحش، وانحطاط، وكفر، خلاص، أنت حر تفعل ما تشاء.
الذين يخلطون اليوم بين الشورى، والديمقراطية، الديمقراطية، منتج غير إسلامي، الديمقراطية تقوم على رأي الأكثرية، مثلاً، وقد قلنا سابقا: أن الأكثرية لا تدل على الحق بالضرورة، والله قال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: 116]. وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103].
يعني: الآن لو استفتينا سكان العالم، سكان الكرة الأرضية، يقدّر عددهم بسبعة مليار، لو استفتيناهم على دين الإسلام، لو أربعة مليار قال: ما يعجبنا، ماذا نفعل؟
قرر العالم إلغاء الإسلام؛ لأنه أكثرية أهل الأرض لا يعجبهم!، المسلمون لو كانوا مليارين من سبة، هل هذه أكثرية، لا.، أيش أكثر العالم؟ كفار، انتهت القضية، هذا إحصاء الأمم المتحدة، يعني: ما في، العالم سبعة مليار، المسلمون على أعظم التقديرات مليارين.
مليارين، نحن مليارين من سبعة، يعني: لو استفتينا أكثر العالم عن الربا، وقالوا: مثلاً أربعة من سبعة، خمسة مليار من سبعة أيوه، لو استفتينا عن الزنا قالوا خمسة من سبعة.
فقضية الديمقراطية التي هي رأي الأغلبية ما هو مبدأ إسلام، ولا هو منتج إسلامي، ولا هو من الشرع والدين، متى يستعمل التصويت؟
يستعمل في الأوساط النظيفة لإرغام أنوف الآخرين، مثلاً لو أن عندك بيئة يغلب عليها السلامة والدين، وجاء بعضهم، وقال: لا نرضى إلا بالأغلبية، فمن باب المحاجة، ومن باب إسكات الخصم، قلت: نصوت، واختارت الأكثرية مثلاً الحق، فمن باب الإرغام والإسكات تقول: اتفضلوا، خذوا.
لكن هل من الحكمة أن تعمل التصويت في وسط أكثره فاسد؟ ها، أيش، لا، لا، ولم تكن الديمقراطية أبدا في تأريخها إسلامية، ولا من الإسلام والدين.
لكن أحيانا بعض المسلمين عندما يُغلب على أمرهم، مساكين ما عندهم إلا الانتخابات، والتصويت، خلاص، يدخلوا يمكن، يقولون: ما طلعنا بنتيجة، ولا طلعنا، خلينا نجرب لعلنا نطلع في هذه، ما هو لأن هذا منتج إسلامي، لا، ولا شيء إسلامي، لكن محاولة، يعني: لما يغلبوا.
وقلنا: هذه ما يقبل، ما تعني، ما تعمل أصلاً، إلا إذا واحد عجز عن إقامة الشرع، ومثلا لو قلت: والله أهل الحل والعقد هم الذين يقررون كذا، في الإسلام أهل الحل والعقد هم الذين يقررون، العلماء، والخبراء، وكبار الناس، والوجهاء، والحكماء، والمشايخ، ورؤوس الناس، خلاص.
لو كان في الإسلام أهل الحل والعقد هم الذين يقررون، خلاص انتهينا، لا ديمقراطية، ولا تحتاج انتخابات، ولا شيء، لكن لما يغلب أهل الإسلام في بعض الأمصار، في بعض أماكن، ما يستطيعون، ما يستطيعون أن يطبقوا الحكم الإسلامي، فقالوا: طيب، انتخابات، ديمقراطية.
ومع ذلك يا إخوان، ومع ذلك يا أيها الأحباب، ومع ذلك يا أيها المسلمون، هل ترك أعداؤنا مجالا للمسلمين في الديمقراطية، أن يصلوا إلى نتيجة إسلامية، أو حكم إسلامي؟ لا، لا، واضحة جداً، لا ما تركونا، فإذا.
طبعا في هذا درس للمسلمين: أنه الطريق كذا، ويعني: هذه المبادئ الأخرى، ما جابت نتيجة، هو بالبرهان الواقع،  فلذلك ما يجوز نخلط بين الشورى والديمقراطية مثلا، ما يجوز بين مثلا: في قضية التشريع، الآن نحن قوانين تشريع دستور القرآن والسنة.
لو واحد قال: لا، يعني  الدستور لازم يكون متعدد المشارب، كذا يقول، إذا عندك نصارى، لا زم نحط بالدستور كذا، ولا نحط، يا ابن الحلال: لهم في القرآن والسنة، لهم ما يحميهم، عندهم، في أهل ذمة، وفي أهل عهد، وفي أهل.
أنت تظن يعني: أنه الإسلام، والقرآن، والسنة، ما كفل لهم حقوقهم؟، يعني: تظن أن القرآن والسنة، يعني: الله يحيف عليهم، ورسوله، ما يحيف عليهم، يأخذوا حقوقهم محفوظة، لكن ما هو على هواهم.
الإنسان لو أراد أن يطالب، يطالب يأكل حق غيره، فقط يأخذ، يأخذ، ولذلك لهم حقوق في الشريعة، خلاص. طيب.
موضوعنا هذا له تكملة، هو موضوع الخلط بين الحق، والباطل، والقواعد التي بناء عليها يميز الحق من الباطل، وكيف نمنع الانزلاق نحو القبول بالباطل، أو الرضا بالباطل، أو أنصاف الحلول كما يقولون، هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.