الجمعة 7 ربيع الآخر 1440 هـ :: 14 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

العشر والحج والأضحية


عناصر المادة
فضل العمل الصالح في العشر من ذي الحجة.
ما يشرع للمسلم عمله في أيام العشر من ذي الحجة.
وجوب الحج على من استطاع ولا يجوز التأخير.
بعض الناس يترك الحج لأسباب غير معتبرة.
الإحرام من الميقات.
الأضحية وأحكامها.
أحكام تلزم كل من أراد أن يضحي.
اغتنام أيام العشر بالتقرب الى الله بالطاعات.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب70-71.

أما بعد:

فضل العمل الصالح في العشر من ذي الحجة.
00:01:05

في هذه الأيام المعلومات أنها هي التي قبل يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، ويوم التروية ويوم عرفة، فالأيام العشر من ذي الحجة هي الأيام المعلومات، هي هذه الأيام التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وكذا جاء عند جمهور أهل العلم أنها الأيام العشر، وهي على الراجح المذكورة في قول الله، وأقسم بها دلالة على عظم شأنها، فقال عز وجل: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍسورة الفجر1-2. فالمقصود بها عشر ذي الحجة.

ونحن قادمون بمشيئة الله تعالى على هذه الأيام العشر، أيام الله، هذه المناسبا ت التي فرضها الله، وشاءها سبحانه، وشرع الذكر فيها والعبادة؛ لأجل مصلحتنا، فما أكرم الرب سبحانه وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر)[كشف الأستار عن زوائد البزار1128 ]. يعني: عشر ذي الحجة، وفي البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) يعني: أيام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء)[رواه البخاري969]. ففقد نفسه وفقد ماله في سبيل الله.

وروى الدارمي بإسناد حسن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من عمل أزكى عند الله عز وجل، ولا أعظم من خير يعمله في عشر الأضحى)، فقيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)[رواه الدارمي1815].

وعن عبد الله بن عمر قال: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر عنده أيام العشر، فقال: (ما من أيام أحب إلى الله عز وجل العمل فيه من ذي الحجة)، فقيل: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله، فأكبره، يعني: عظمه ورفع من شأنه وقال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فكان مهجته فيه)[رواه أبو داود الطيالسي2397]. فذهب دم قلبه في سبيل الله. وهذا الحديث حديث النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أنها أفضل أيام السنة على الإطلاق، والسبب في ذلك لاجتماع أمهات العبادة فيها، كالصلاة والصيام، والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها، ولا يتأتى ذلك في غير هذه الأيام العشر طيلة السنة.

وقال كعب رحمه الله: "اختار الله الزمان، فأحب الزمان إلى الله الشهر الحرام، الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول، فمجموع هذه العشر أفضل من مجموع عشر رمضان. إلا أن في العشر الأخيرة من رمضان ليلة لا يفضل عليها شيء البتة، أما النهار فإن عشر هذه الحجة لا يعدلها شيء أبداً.

 
وقال كعب رحمه الله: "اختار الله الزمان، فأحب الزمان إلى الله الشهر الحرام، الأشهر الحرم، وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة، وأحب ذو الحجة إلى الله العشر الأول، فمجموع هذه العشر أفضل من مجموع عشر رمضان. إلا أن في العشر الأخيرة من رمضان ليلة لا يفضل عليها شيء البتة، أما النهار فإن عشر هذه الحجة لا يعدلها شيء أبداً.
 

وكذلك فإنه سبحانه وتعالى جعل هذه الأشهر المعلومات، أشهر الحج، فقال: الْحَجُّ أَشْهُرٌسورة البقرة197. خاتمة الأشهر المعلومات هي عشر ذي الحجة.

وقد دل الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)[رواه البخاري969]. دل على أن العمل فيها أفضل من العمل في سائر أيام العام دون استثناء، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضلها عنده. فيصير العمل فيها وإن كان مفضولاً أفضل من العمل في غيرها وإن كان فاضلاً؛ ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد)، ثم استثنى جهاداً واحداً هو أفضل الجهاد على الإطلاق، وهو الذي سئل عنه صلى الله عليه وسلم في مناسبة فقيل: أي الجهاد أفضل؟ قال: (من عقر جواده وأريق دمه)[رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق11217]. فهذا هو الوحيد الذي يكون عمله أفضل، وصاحب العمل أفضل الناس درجة عند الله، هذا. أما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله عز وجل، وكذلك سائر الأعمال، وإذا كان الحاج من غير أهل الجهاد كالمرأة فلا شك أن حجه أفضل من جهاده.

ما يشرع للمسلم عمله في أيام العشر من ذي الحجة.
00:08:32

ماذا يشرع في هذه الأيام أيها المسلمون، وبماذا تنصرف، وأي شيء يقوم العبد فيها؟

أولاً: ذكر الله عز وجل، كما جاء عن أبي هريرة رفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من أيام أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر التسبيح والتهليل والتكبير)[رواه أحمد6154]. حديث صحيح.

وفي مسند عبد بن حميد عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام عشر ذي الحجة – أو قال: العشر- فأكثروا فيهن من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد)[رواه عبد ابن حميد807].حديث حسن.

فالحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وأما التكبير فإنه آكدها على الإطلاق، وقد ورد عن السلف رحمهم الله أنهم كانوا يكبرون في العشر كثيراً، فروى البخاري في كتاب العيدين، في باب فضل العمل في أيام التشريق، وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام الشعر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، يعني يذكران الناس بالتكبير، فيتذكر الناس فيكبرون، وليس فيه دليل على التكبير الجماعي، وإنما هو إشهار التكبير، وتذكير الناس، فيكون كثرة ذكر الله في أيام العشر شكراً على هذه النعمة المحضة ببهيمة الأنعام، التي بعضها يتعلق بدين الحاج، وبعضها بدنياه، وكذلك المقيم في البلد من المضحين، وأفضل الأعمال ما كثر ذكر الله فيه، ولذلك كان الحج من أفضل الأعمال؛ لأن ذكر الله فيه كثير، قال الله: فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِسورة البقرة198. وقال: ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَسورة البقرة199. وقال الله: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا، وهذا في يوم النحر، فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْسورة البقرة200.  يعني: في يوم النحر، وهو خاتمة العشر.

ويشارك أهل البلدان الحجاج في الذكر في هذه الأيام المعلومات، ويكثروا من ذكر الله تعالى، واستدل العلماء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح أحب فيها إلى الله من هذه الأيام)[رواه البخاري969]. على استحباب الصيام فيها؛ لاندراج الصوم في العمل الصالح، وأما حديث عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً العشر قط. رواه مسلم، فإن أهل العلم قد جمعوا بينه وبين غيره من الأحاديث كحديث حفصة وغيرها، من أنه صلى الله عليه وسلم كان يصوم في هذه العشر، بأنه عليه الصلاة والسلام لم يصم العشر كاملة؛ ولذلك فإنه ينبغي أن يصوم بعض ويترك بعض، وفي هذه العشر يوم عظيم صيامه، جزيل أجره، وهو يوم عرفة، الذي ورد النص بصيامه.

وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر رضي الله عنه، وقال بفضل صيامها الحسن وابن سيرين وقتادة وكثير من العلماء.

وكان ابن سيرين رحمه الله يكره أن يقال: صام العشر؛ لأنه يوهم دخول يوم النحر، وهو يوم العيد، وإنما يقال: صام التسع؛ لأن صيام يوم العيد حرام.

ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر انصرف إلى هذه التسع دون شك، فإن صيام يوم العيد غير مراد.

فإذن من صام في هذه العشر كان صيامه مقبولاً، وهو مأجور عند الله، وبالذات صيام يوم التاسع.

هذا بعض من العمل الصالح، وفضل هذه الأيام المباركة التي ستقدم علينا، فاجتهدوا عباد الله في العمل، فإن العاقل من انتهز الفرصة، والتجار يخططون للمواسم، ويعملون لأجلها، ويعدون لها، فماذا أعددنا نحن لهذه الأيام القادمة، وماذا خططنا له؟

عباد الله:

وجوب الحج على من استطاع ولا يجوز التأخير.
00:14:24

وإن في هذه العشر عبادة لا توجد في غيرها البتة، ألا وهي حج بيت الله الحرام، وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَسورة آل عمران97. فإذا استطاع بدنياً ومالياً، وأمن الطريق، ووجدت المرأة المحرم، فإنه يجب عليه أن يذهب للحج، وقد تهدد الله من ترك الحج بقوله: وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، فتارك الحج يسمى كافراً بنص الآية، وأما إذا جحده فإنه كافراً كفراً أكبر مخرج عن الملة بإجماع أهل العلم.

ويجب التعجل إليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة)[رواه ابن ماجة2883]. ولذلك فإن مؤخر الحج آثم إذا كان قادراً مستطيعاً، لا يحجزه عذر شرعي، فإنه يجب عليه الخروج فوراً إلى حج بيت الله الحرام.

ولا تشرع الاستدانة، وأن يشغل ذمته بمال للناس، ولكن إن وجد فإنه يخرج، وكذلك لا يجب استئذان الأبوين للحج الواجب، لحج الفرض، والمرأة تخرج بغير إذن زوجها لحج الفريضة إذا منعها، إذا وجدت محرماً، وإذا حج من ماله أو من مال غيره أجزأه ذلك عن حجة الإسلام، ولو كانت حجة الفريضة فإنه يجزؤه أن يحج بمال هدية أو هبة.

وكذلك فإن من ملك الزاد والراحلة، والنفقة الفائضة عن حاجته وحاجة عياله أثناء غيابه، وفاضلاً عن قضاء دينه والمطالبات البشرية للناس، وتزيد المرأة شرطاً وهو المحرم كما تقدم، ولم يخش على نفسه العنت والفتنة إذا لم يكن متزوجاً فإنه يقدم الحج، ويجب عليه أن يذهب إليه ولا شك في ذلك، ولا علاقة بين الحج وبين العقيقة، ولا علاقة بين الحج وبين ما ترك من صيام رمضان، فالحج صحيح ولو لم تذبح عقيقة صاحبه، والحج صحيح ولو كان عليه دين من رمضان لم يقضه بعد.

بعض الناس يترك الحج لأسباب غير معتبرة.
00:17:31

أيها المسلمون: إن بعض الناس يتركون الحج لأسباب تافهة، كالمشقة، وخشية الزحام، ونحو ذلك، أو إذا لم يجد مكاناً يكون فيه مرفهاً يترك الحج، وهذا عاصٍ لله، آثم ولا شك، فيجب الخروج كما دعانا الله لذلك إلى الحج، حج بيت الله الحرام، وبعضهم قد يترك الحج للاختبارات ونحوها، وليس ذلك بعذر أبداً، وبعضهم يترك الحج للشمس والغبار وخشية الأمراض، ومستوى النظافة، وهذا ولا شك حاجز شيطاني يعيقه عن أداء فرضه، كم من الناس مات ولم يحج، فماذا يا تراه الآن حاله في قبره، وقد ارتهن بترك حجه، وحبس بسبب ذلك فإلى الله المشتكى من تقصير المقصرين.

من كان حين تصيب الشمس جبهته *** أو الغبار يخاف الشين والشعث

ويألف الطل كي تبقى بشاشته *** فسوف يسكن يوماً راغماً جدثا

في قعر مظلمة غبراء موحشة *** يطيل في قعرها تحت الثرى اللبث

تجهزي بجهاز تبلغين به ***  يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثاً

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أديموا الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد)[رواه الطبراني في الاوسط3814]. وقال: (تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة)[رواه الترمذي810]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج جهاد كل ضعيف)، وقال: (ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه، حج البيت)[رواه الطبراني في الكبير792]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول: إن عبداً أصححت له جسمه، ووسعت عليه في معيشته، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم)[رواه أبو يعلى1031]. فينبغي المبادرة إليه، وإذا تسنى له أن يكرره كرره؛ لعظم ما فيه من الأجر ولما يسبب من دفع الفقر فهي فائدة دينية ودنيوية، والله قال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْسورة الحـج27. فما أعظم تلك المنافع من شهود النعمة، والجؤار بالتلبية، ورفع الصوت بالذكر والتكبير، والذكر في عرفة والدعاء في سائره، وشهود الإخوان من سائر البلدان، ولقاء أهل العلم، والتعرف على أحوال المسلمين، ونحو ذلك من الأشياء، وتربية للنفس على المشاق، وتحمل الجهد والتعب في سبيل الله عز وجل، (أفضل الحج العج والثج)[رواه ابن أبي شيبة15056]. إنهار الدمار في هذا الهدي، واغبرار الشعر، ومباهاة الله لملائكته بهؤلاء الحجاج، ينزل الله يوم عرفة، ينزل الله في الثلث الأخير من الليل، وينزل الله تعالى أيضاً يوم عرفة، كما يليق بجلاله وعظمته، فيباهي بأهل الموقف يباهي بهم الملائكة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطأها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك بها سيئة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: عبادي جاؤوني شعثاً غبراً، من كل فج عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي، ولم يروني فكيف لو رؤوني، فلو كان عليك مثل رمل عالج – صحراء كثيرة الرمل، قرب مكة – أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك)، ولم يذكر أجره، محفوظ لك عند الله، (وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك)[رواه الطبراني في الكبير13566]. حديث حسن.

(ما أهل مهل قط، ولا كبر مكبر قط إلا بشر بالجنة)[رواه الطبراني في الاوسط7779]. حديث صحيح.

(ما ترفع إبل الحاج رجلاً، ولا تضع يداً إلا كتب الله تعالى له بها حسنة، أو محا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة)[رواه البيهقي في شعب الايمان3821].

(من طاف بالبيت سبعاً وصلى ركعتين كان كعتق رقبة)[رواه البيهقي في شعب الايمان3751]. حديث صحيح.

عباد الله:

الإحرام من الميقات.
00:23:12

عليكم بالإحرام من الميقات إذا ذهبتم للحج، ولا تتعدوا الميقات بغير إحرام، واستعدوا لذلك، وأنواع النسك ثلاثة، أفضلها التمتع، أن يأتي بالعمرة، ثم يتحلل، ثم يحرم بالحج في اليوم الثامن، وعليه دم يذبحه، لا تفر من الهدي، ولو كنت غير قادر ولا مستطيع، فالحل موجود في كتاب الله: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْسورة البقرة196. هذه العشرة، وأجر التمتع موجود ومحفوظ لك ولله الحمد.

والمرأة إذا وصلت الميقات فإنها تحرم ولو كانت حائضاً، فإن الحيض والنفاس لا يمنعان الإحرام.

عباد الله:

تقبل الله منا ومنكم، ورزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، وإجابة داعِ الله عز وجل.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

وأوسعوا لإخوانكم يفسح الله لكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده الحي القيوم، لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله:

الأضحية وأحكامها.
00:25:01

ومما يزيد العشر فضلاً وشرفاً مشروعية هذه العبادة العظيمة فيه؛ وهي الأُضحيَة أو الأُضحيَّة، وهي الشاة التي تذبح ضحوة في وقت ارتفاع النهار، وهي ما يذكى تقرباً إلى الله تعالى في أيام النحر بشرائط مخصوصة، دل الكتاب عليها في قوله عز وجل: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْسورة الكوثر2. ودلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثها المتكاثرة على مشروعية الأضحية، فقد ضحى صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما.

أما حكمها فقد كان عند أهل العلم بين الوجوب والاستحباب، فأكثرهم رأى استحبابها من قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي)[رواه مسلم1977]. ورأى بعضهم وجوبها وبالذات على القادر، القادر الذي عنده قدره لا يمكن أن يترك الأضحية، فإنها شعار من شعارات الإسلام، ومنسك عظيم، فإن إنهار الدم توحيد لله، فإنه يسمي عليها الله، ويجانب المشركين فيما أهلوا به لغير الله، وفيما ذبحوه على النصب، فهو يقول: بسم الله، ويذبح، أو يشهدها، ونحو ذلك.

عباد الله:

إنها تكون من بهيمة الأنعام، لا تجزئ من غيرها، من الإبل والبقر والغنم، الشاة الواحدة تكفي عن أهل البيت؛ لما ثبت في صحيح الترمذي أن عطاء بن يسار سأل أبا أيوب: "كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى".

فإذن واحدة تكفي عن الرجل وأهل بيته، إذا كان مطعمهم واحد، مأكلهم واحد، عيشتهم واحدة، فإن شاة واحدة تكفي عنهم جميعاً، ويجوز أن يشترك سبعة في بقرة أو سبعة في بدنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (تذبح البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة)[رواه أبو داود2808]. كما قال جابر رضي الله عنه: "كنا نتمتع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تذبح البقرة عن سبعة والجزور عن سبعة".

وكذلك فإنه لا يجزئ في الأضحية المعيبة، كما قال البراء بن عازب رضي الله عنه: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصابعي أقصر من أصابعه، وأناملي أقصر من أنامله، فقال: (أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والكسير التي لا تنقي)[رواه النسائي4369]. فإذن التي ذهب أكثر قرنها أو أذنها، هذه هي العضباء، والجماء التي لا قرن لها أصلاً تجزئ، والبتراء التي لا ذنب لها أصلاً والخصي تجزئ، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بالخصي؛ ذلك لأنه أطيب للحم عندهم.

ويجب إذا كان من الضأن أن يكون ستة أشهر فما فوق، وإذا كان من المعز أن يكون ثنياً ما له سنة فما فوق، وإذا كان من البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة، وإذا كان من الإبل ما له خمس سنين ودخل في السادسة.

والسنة ذبحها بيده لفعله صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يتمكن من ذلك كحال كثير من الناس في هذه الأيام، يشهد ذبحها إن استطاع، وإلا وكَّل في ذلك، ولا يجب الشهود، ولا الذبح باليد، بل الذبح بيده سنة.

والسنة أن يأكل بعضها، ويتصدق ببعضها، وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّسورة الحج36.فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَسورة الحـج27. ورأى بعض أهل العلم وجوب الإطعام، ورأى وجوب الإطعام فيها، وقال علي رضي الله عنه: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، وأن أقسم جلودها، وأن لا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال: (نحن نعطيه من عندنا)[رواه مسلم1317]. متفق عليه.

أما إذا كان هدية فلا بأس، أو يتصدق بها على الجزار، أما أن يكون الجلد جزئاً من الأجرة فلا يجوز ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)[رواه البيهقي في السنن الكبرى19233]. فهي كلها لله، يخرجها تبرعاً بطيب نفس لله، لا يأخذ شيئاً عليها، ولا يبيع شيئاً منها البتة.

وتنحر الإبل قائمة، والشاة مضجعة يقول: بسم الله والله أكبر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وذبح كبشين فقال في الثاني: (هذا عني وعن من لم يضح من أمتي)[رواه أبو داود2810]. فهنيئاً للفقراء من هذه الأمة الذين لا يجدون ثمن الأضحية، لقد ضحى عنهم محمد صلى الله عليه وسلم.

أحكام تلزم كل من أراد أن يضحي.
00:31:14

واعلموا رحمكم الله أن المضحي يلزمه بعض الأحكام، منها ما ورد في حديث أم سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخل العشر)[رواه مسلم1977]وفي رواية: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً حتى يضحي)[رواه مسلم1977]. وهذا النهي ظاهره التحريم، فإنه لا يجوز لمن أراد التضحية أن يأخذ من شعره ولا من أظفاره، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً)[رواه مسلم1977]. وقال: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره)[رواه مسلم1977]. وقال: (من رأى منكم هلال ذي الحجة، وأراد أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي)[رواه مسلم1977]. هذه الأحاديث الصحيحة فيها النهي الذي ظاهره التحريم عن أخذ شيء من الشعر والأظفار والجلد.

ولعل الحكمة في ذلك مشابهة الحجاج في قوله تعالى لهم: وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُسورة البقرة196. وكذلك أن يبقى مريد التضحية كامل الأجزاء، رجاء أن يعتق من النار كله بشعره وأظفاره عندما يضحي.

وكذلك فإن من أخذ من شعره وأظفاره فهو عاصٍ يتوب إلى الله ولا تبطل أضحيته، بل باقية على صحتها، ومن انكسر ظفره أو احتاج لأخذ شعر لعملية أو حجامة ونحوها فلا حرج عليه. ومن تبرع بأضحية عن غيره، هو الذي دفع المال فإنه يلزمه الإمساك كذلك.

فإذن من دفع المال يلزمه الإمساك، أما الذي وكل في الذبح، وكل في القيام عليها، وكذلك الأولاد والزوجة في البيوت، فلا يلزمهم الالتزام بهذا الحكم، هذا خاص بالمضحي، بصاحب الأضحية، ولذلك ينتبه الناس رحمكم الله لأخذ الشعر الذي يشرع أخذه، وتقليم الأظفار قبل دخول شهر ذي الحجة، الإمساك يكون من غروب الشمس ليلة الأول من ذي الحجة، فإذا لم يثبت دخول هلال ذي الحجة بعد انقضاء تسعة وعشرين يوماً من ذي القعدة نكمل ذي القعدة ثلاثين يوماً، أتممنا ذي القعدة ثلاثين يوماً كما ورد بذلك الحديث، فالمضحى عنه سواءً كان صغيراً أو كبيراً لا مانع من أخذ شيء من شعره وأظفاره، أهل البيت لا يمسكون، وإنما المضحي فقط، وإذا اشترى أضحية في الخارج فإنه يمسك حتى يعلم أنهم ضحوا أو يغلب على ظنه أنهم ضحوا عنه، وينبغي على القائمين على مشاريع الأضاحي أن يسارعوا بذبحها؛ لأن هناك أناساً معلقين بهم، ويجوز للمضحي الطيب والجماع وغير ذلك، وإنما يمنع فقط من الشعر والأظفار والبشرة، وهي فرصة لإعفاء اللحى فإن بعض الناس قصروا في ذلك، فلعل ذبح الأضحية والتزامهم بهذه السنة، وبهذا الأمر يكون فاتحة خير إن شاء الله بالنسبة لهم.

عباد الله:

اغتنام أيام العشر بالتقرب الى الله بالطاعات.
00:35:30

عليكم بالمسارعة في الخيرات، والمسابقة إليها كما قال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍسورة آل عمران133. و سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍسورة الحديد21. ولما كان الله سبحانه وتعالى قد وضع في نفوس المؤمنين حنيناً إلى مشاهدة بيته الحرام، وليس كل أحد قادراً على مشاهدته في كل عام، فرضه على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره، وجعل موسم العشر مشتركاً بين السائرين والقاعدين، فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد.

ليالي العشر أوقات الإجابة *** فبادر رغبة تلحق ثوابه

ألا لا وقت للعمال فيه *** ثواب الخير أقرب للإصابة

من أوقات الليالي العشر حقاً *** فشمر واطلبن فيها الإنابةالغنيمة، الغنيمة، بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا لها قيمة، ولا تقدر بثمن، المبادرة، المبادرة بالعمل، والعجل والعجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة إلى الدنيا لعمل صالح فلا يجاب لما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير في القبر مرتهناً بما قدم من عمل، يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسرِ أما آن لقلبك أن يستنير أو يستلين، تعرض لنفحات مولاك في هذه العشر فإن لله فيها نفحات يصيب بها من يشاء، فمن أصابته سعد بها إلى آخر الدهر.

 
الغنيمة، الغنيمة، بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة، فما منها عوض ولا لها قيمة، ولا تقدر بثمن، المبادرة، المبادرة بالعمل، والعجل والعجل قبل هجوم الأجل، قبل أن يندم المفرط على ما فعل، قبل أن يسأل الرجعة إلى الدنيا لعمل صالح فلا يجاب لما سأل، قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل، قبل أن يصير في القبر مرتهناً بما قدم من عمل، يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسرِ أما آن لقلبك أن يستنير أو يستلين، تعرض لنفحات مولاك في هذه العشر فإن لله فيها نفحات يصيب بها من يشاء، فمن أصابته سعد بها إلى آخر الدهر.
 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتوب علينا، وأن يغفر ذنوبنا، وأن يقضي ديوننا، وأن يشفي مرضانا، وأن يرحم موتانا، وأن يفك ضيقتنا، ويفرج كربتنا، ويعجل فرجنا، اللهم انصر المجاهدين، واقمع أعداء الدين يا رب العالمين.

سيكون هناك إن شاء الله تتمة لبعض الأحكام بعد الصلاة في أسئلة....

1 - كشف الأستار عن زوائد البزار1128 .
2 - رواه البخاري969.
3 - رواه الدارمي1815.
4 - رواه أبو داود الطيالسي2397.
5 - رواه البخاري969.
6 - رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق11217.
7 - رواه أحمد6154.
8 - رواه عبد ابن حميد807.
9 - رواه البخاري969.
10 - رواه ابن ماجة2883.
11 - رواه الطبراني في الاوسط3814.
12 - رواه الترمذي810.
13 - رواه الطبراني في الكبير792.
14 - رواه أبو يعلى1031.
15 - رواه ابن أبي شيبة15056.
16 - رواه الطبراني في الكبير13566.
17 - رواه الطبراني في الاوسط7779.
18 - رواه البيهقي في شعب الايمان3821.
19 - رواه البيهقي في شعب الايمان3751.
20 - رواه مسلم1977.
21 - رواه أبو داود2808.
22 - رواه النسائي4369.
23 - رواه مسلم1317.
24 - رواه البيهقي في السنن الكبرى19233.
25 - رواه أبو داود2810.
26 - رواه مسلم1977.
27 - رواه مسلم1977.
28 - رواه مسلم1977.
29 - رواه مسلم1977.
30 - رواه مسلم1977.