الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

العبادة في عشر ذي الحجة 2


عناصر المادة
عبادة الذبح.
مشروعية الأضحية.
أحكام تتعلق بالأضحية.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب70-71.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عبادة الذبح.
00:01:17

قال الله سبحانه وتعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْسورة الكوثر2، والذبح عبادة عظيمة من العبادات، لا يجوز صرفها لغير الله، وهي تدل على توحيد العبد، والمشركون يذبحون لأصنامهم، وأندادهم، وطواغيتهم، ولكن المسلم يذبح لله عز وجل، يذبح لله تقرباً إليه سبحانه، ولا يسمي على الذبيحة إلا المسلم، فيقول: بسم الله، ويكبر الله، ذلكم التوحيد أعظم شيء نزل، وعليه نحيا، وعليه نموت، ومن أجله نلقى الله، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواسورة الحج34وحدوه واشكروه سبحانه وتعالى، أنعم علينا ببهيمة الأنعام من الإبل، والبقر، والغنم، لكي نشكره سبحانه على ما أنعم به علينا من هذه النعمة، وهذا اللحم الذي نأكله، وأخبرنا سبحانه في الآية بأنه جعل لكل أمة منسكاً، وأن الذبح لله موجود في كل أمة، وفي شرع كل نبي ورسول، الذبح لله، وهذا المنسك موجود، ونحن قد شرع لنا أعظمه وأفضله في دين الإسلام، شرعه الله لنتقرب إليه، فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا أي: طاحت فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ سورة الحج36، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ سورة الحج27، فأوجب علينا أن نطعم الفقراء منها، كما أوجب علينا توحيده سبحانه وتعالى في ذبحها.

مشروعية الأضحية.
00:03:17

وأعظم هذه الأشياء الأضحية التي تذبح تقرباً إلى الله تعالى، وقد أجمع المسلمون على مشروعيتها، ولا خلاف أنها من شعائر الدين، وبالأضحية يشارك أهل البلدان حجاج البيت في بعض شعائر الحج، فالحجاج يتقربون إلى الله بذبح الهدايا، وأهل البلدان يتقربون إلى الله بالضحايا، وهذا من رحمة الله بعباده، حيث لم يحرم أهل البلدان بعض الشعائر، فشابهوا الحجيج.

والأضحية هي الذبيحة التي يتقرب بها إلى الله ضحوة، أي وقت ارتفاع النهار وما يليه، ولأجلها سمي عيد الأضحى بهذا الاسم؛ لأنه اليوم الذي يضحى فيه، والأضحية هي ما يذكى في أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى، بالشرائط المخصوصة المعلومة، فالأضحية تختلف عما ذبح تقرباً إلى الله في غير هذه الأيام، وتختلف عما ذبح للبيع أو للأكل، أو إكرام الضيف، وتختلف عن عقيقة المولود، وتختلف عما يذبح الحاج المتمتع والقارن في النسك

 

الأضحية هي الذبيحة التي يتقرب بها إلى الله ضحوة، أي وقت ارتفاع النهار وما يليه، ولأجلها سمي عيد الأضحى بهذا الاسم؛ لأنه اليوم الذي يضحى فيه، والأضحية هي ما يذكى في أيام النحر تقرباً إلى الله تعالى، بالشرائط المخصوصة المعلومة، فالأضحية تختلف عما ذبح تقرباً إلى الله في غير هذه الأيام، وتختلف عما ذبح للبيع أو للأكل، أو إكرام الضيف، وتختلف عن عقيقة المولود، وتختلف عما يذبح الحاج المتمتع والقارن في النسك

 

هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ سورة المائدة95.

وكثيراً من الناس يخلطون بين الأضحية وبين الهدي الذي يذبحه الحاج، فالهدي هدي النسك، هدي التمتع والقران، الذي يذبح في مكة أو منى يجب أن يذبح هناك، لا يجوز ذبحه في غير ذلك المكان، هذا الهدي يختلف عن الأضحية التي تذبح في البلدان يوم عيد الأضحى، وما بعده من أيام النحر.

وتختلف الأضحية كذلك عن الفدية التي تجب لترك واجب، أو فعل محظور من محظورات النسك، فالفدية تجب على من جاوز الميقات بغير إحرام، والهدي للتمتع أو القران، والأضحية ما يذبحه أهل البلدان بالشرائط المخصوصة، الأضحية تختلف عن شاة رجب التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتختلف عن النقيعة التي يذبحها العائد من السفر حمداً وشكراً لله على سلامته.

شرعت الأضحية في السنة الثانية للهجرة، وهي شكر لله تعالى على نعمة الحياة إلى هذا الوقت الذي جاءت الأضحية فيه، وإحياء لسنة إبراهيم الخليل عليه السلام، وتذكير للمسلم بصبر إبراهيم وإسماعيل وإيثارهما طاعة الله تعالى ومحبته على محبة الوالد والولد، وهي توسعة على النفس وأهل البيت، وفيها نفع للفقير، والصدقة في هذا اليوم العظيم من أيام العشر، وهو أفضل أيام السنة على الإطلاق؛ لاجتماع العبادات العظيمة فيه، وقد جاء عن أهل العلم آراء في وجوبها أو استحبابها، فقال بعضهم: إنها مستحبة لحديث أراد أن يضحي، إذا دخل العشر وأراد أحدكم، وجاء عن أبي بكر وعمر أنهما تركاها؛ لئلا يظن الناس الوجوب.

وذهب جمع من أهل العلم أنها واجبة، واستدلوا بقوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ سورة الكوثر2أي: صلاة العيد والنحر بعدها والأمر للوجوب، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا)[رواه ابن ماجه3123]، وهذا نوع من الوعيد، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها)[رواه النسائي4368]، فأمر بإعادتها إذا فعلت قبل وقتها، وهذا من قرائن الوجوب، واستدلوا بحديثه صلى الله عليه وسلم: (على أهل كل بيت في كل أضحى شاة)[رواه عبد الرزاق في المصنف8001]، قال شيخ الإسلام: والأظهر وجوبها، فإنها من أعظم شعائر الإسلام، وهي النسك العام في جميع الأمصار، والنسك مقرون بالصلاة، وهي من ملة إبراهيم الذي أمرنا باتباع ملته.

أحكام تتعلق بالأضحية.
00:08:09

فإذن يتأكد في حق القادر أن يضحي، وأن لا يترك هذه السنة العظيمة، والأضحية ككل عبادة يجب لها الإخلاص والمتابعة، يجب أن تكون النية لله، لا مباهاة، ولا مفاخرة، يجب أن تكون في الوقت الشرعي، يجب أن تكون ملكاً للمضحي، لا مغصوبة ولا مسروقة، يجب أن تكون من بهيمة الأنعام، الإبل أو البقر أو الغنم، فلا يجزئ ذبحها من غير بهيمة الأنعام، وأن تبلغ السن المعتبرة شرعاً، وأن تكون سالمة من العيوب المانعة من إجزائها، وليس المقصود من الأضحية أكل اللحم فقط، بل هي عبادة ونسك، وأعظم شيء في الأضحية ذبحها لله، والتوحيد أعظم الأشياء؛ ولذلك أمرنا بذكر اسم الله عليها، لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ سورة الحج37، التقوى بذبحها تقرباً إلى الله، التقوى بذبحها والتصدق منها وجوباً، وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَسورة الحج27، لا بد أن يطعم منها الفقراء، قال أهل العلم: يؤتون الثلث، يعطون الثلث، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، وشرع لأمته هذا الذبح، فقال يوم العيد: (إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن نحر قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء)[رواه البخاري965]، فلا يجزئ الذبح قبل تمام صلاة العيد.

وأما آخر وقت للذبح فهو غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق، وهو يوم الثالث عشر من ذي الحجة، فإذا غربت شمس ذلك اليوم انتهى وقت الذبح، ويجوز الذبح في الليل، والأحسن أن يكون في النهار، والأفضل أن يؤخر الذبح حتى تنتهي الخطبتان؛ لفعله صلى الله عليه وسلم، وكذلك فإن أهل البادية وغيرهم من المسلمين من البلدان النائية، الذين ليست لديهم صلاة عيد أضحى، فإنهم يقدرون خروج المسلمين من صلاة عيد الأضحى لأقرب بلد إليهم ثم يذبحون بعد ذلك.

ويحرم بيع أي شيء من الأضحية؛ لأنها مال أخرج لله، فلا يجوز الرجوع فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (من باع جلد أضحيته فلا أضحية له)[رواه البيهقي في الكبرى19233]، ولا يعطى الجزار من الأضحية أجرة ولا جزءً من الأجرة، لا من الجلد، ولا من اللحم، كما جاء في الحديث المتفق عليه. عن علي: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقوم على بدنه، يتوكل في ذبحها، ولا أعطي الجازر منها شيئاً، وقال: (نحن نعطيه من عندنا)[رواه مسلم1317]، ولذلك ينتبه الذين يذهبون إلى المسالخ وغيرها من طلب بعض الجزارين أخذ شيء من الأضحية مقابل الأجرة، لا يجوز أن يعطيهم، وإنما يعطيهم الأجرة، ثم إذا رأى أن يهديهم شيئاً منها بعد الأجرة بغير اشتراط منهما قبل ذلك ولا ذكر لشيء من ذلك فإنه إذا أعطاه الأجرة جاز له بعد ذلك أن يعطيه الجلد ونحوه إذا كان سيرميه مثلاً، فينتفع منه مسلم، أما أن يكون أجرة أو جزء من الأجرة، أو تم باشتراط أو اتفاق مسبق فلا يجوز ذلك.

ويجوز أن يعطى الكافر منها لفقره أو قرابته، أو جواره، أو تأليف قلبه، ولا شك أن الأضحية والذبح أفضل من التصدق بثمن الأضحية، ولو كان الثمن أعلى، ولو كان أضعافاً مضاعفة، ولو كان من الناس من يحتاج إلى المال من المسلمين، فإن الأضحية أفضل وأعلى وأغلى عند الله، لا يقوم مقامها التصدق بالأموال أبداً؛ لأن الذبح عبادة مقصودة لأجلها، والصدقات لها مصارف وأبواب، ومصادر كزكاة المال وغيرها من الصدقات، إراقة الدم لله شيء مقصود فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ سورة الكوثر2، والجنس الذي يضحى به بهيمة الأنعام، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ضحوا بالجذع من الضأن فإنه جائز)[رواه أحمد27072]، وقال: (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن تعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن)[رواه مسلم1963]، والمسنة: هي الثني من الإبل والبقر والغنم، فالثني من الإبل ما تم له خمس سنين، ومن البقر ما تم له سنتان، والثني من الغنم ضأنها ومعزها ما تم له سنة، والجذع من الضأن ما تم له ستة أشهر فما فوق، فلذلك ينبغي عدم الانخداع ببعض الغشاشين في أسواق بيع الأغنام، وتذكيرهم بالله عند الشراء، أن لا يكونوا من المخادعين، فإن بعضهم يأكل سحتاً، ويخدع المصلين في أعظم شعائرهم وهي ذبح الأضاحي، فيغشونهم بالسن، فينبغي على المشتري أن يكون حاذقاً مذكراً، وإن استعان بخبير فهو أحسن ليتأكد من سن الإجزاء.

وقد ضحى صلى الله عليه وسلم عن نفسه، وعن أهل بيته، وأخبر أن البقرة تجزئ عن سبعة، والجزور يجزئ عن سبعة، فقال صلى الله عليه وسلم: (البقرة عن سبعة، والجزور عن سبعة في الأضاحي)[رواه الطبراني في الكبير10026]، فلو اشترك سبعة في بقرة أجزأهم ذلك، لكن لا يجوز اشتراكهم في شاة مهما كان عددهم، لا يجوز اشتراكهم في واحد من الضأن أو المعز، لم تجزئ عن أي واحد منهم إذا اشتركوا، بخلاف البقر والإبل، وكذلك فإنه لا بد أن ينتقي غير المعيبة، فلو كانت معيبة عيباً يمنع من الإجزاء لم تصح، فلا تجزئ العوراء البين عورها، ولا المريضة البين مرضها، ولا العرجاء البين عرجها، ولا العجفاء التي لا مخ في عظامها لهزالها، والعمياء والمبشومة والتي أخذتها الولادة، والعاجزة عن المشي للعاهة، ومقطوعة اليدين والرجلين، فهذه كلها مما لا يجوز ذبحة، لا يتقرب إلى لله بمعيبة، ويكره مقطوعة القرن أو الأذن، أو مقطوعة الذنب، أو مقطوعة الألية، إلا ما لا ألية له أصلاً، فلا بأس من ذبحه والتقرب به إلى الله، ولا تذبح ساقطة الأسنان، ولا مشقوقة الأذن ونحوها، وكلما كانت الأضحية أكمل في ذاتها وصفاتها كلما كانت أفضل وأكثر أجراً، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، رجله سوداء، ويبرك في سواد، ركبته سوداء، وينظر في سواد، ما حول عينيه أسود، فأتي به ليضحي به، فقال: (يا عائشة هلمي المدية) ثم قال: (اشحذيها بحجر)، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، ثم قال: (بسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد) ثم ضحى به. [رواه مسلم1967].

وكذلك ورد أنه ضحى بكبشين أقرنين أملحين، والأملح ما خالطه بياض وسواد، وهذه البشرى إليك أيها الفقير المسلم، الذي لا تستطيع الأضحية ولا تقدر على ثمنها، فتسقط عنك، هذه البشرى في حديث جابر، قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأضحى بالمصلى، فلما قضى خطبته ونزل من منبره، وأتي بكبش فذبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وقال: (بسم الله، والله أكبر، هذا عني وعمن لم يضح من أمتي)[رواه أبو داود2810]، فهنيئاً لك بالبشرى وقد ضحى عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضحى عمن شهد بالتوحيد، وله بالبلاغ، ضحى عن فقراء أمته رحمة بهم صلى الله عليه وسلم، إنه رءوف رحيم، بالمؤمنين، من أتباعه الموحدين.

وكذلك فإن الأضحية تكفي عن الواحد، وأهل بيته مهما كثروا، كما سئل أبو أيوب، كيف كانت الضحايا فيكم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان الرجل يضحى بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى، وكان عليه الصلاة والسلام يضحي عن أهل بيته في شاة واحدة، تكفيهم جميعاً.

وأما الحاج فإن الهدي يكفي في حقه حتى لو كان مفرداً، لا يجب عليه الأضحية حتى لو كان مفرداً، لكن لو ضحى فلا بأس بذلك، أو ترك مالاً لأهله ليضحوا في البلد، وهو ذبح الهدي هناك، فهذا أمر حسن.

يا أيها المسلمون كلوا منها وتصدقوا وادخروا كما قال صلى الله عليه وسلم، قال: (ليأكل كل رجل من أضحيته)[رواه الطبراني في الكبير12710]، وكذلك أمر بإطعام الفقراء منها، ولا يجوز بيعها ولا هبتها ولا تغييرها، إذا كان قد عينها بالنية عند الشراء أو عند الذبح، لم يعد يجوز له أن يهدي شيئاً منها بثمن، أن يبيع شيئاً منها، أو أن يبيعها هي إلا إذا استبدلها بشيء أحسن، ولا يجوز استعمالها على نحو يضر بها، أو يعبث بها الأولاد فيؤذونها، والأفضل أن يتصدق بحليبها ولا يجز صوفها، وولدها له حكمها، ولو ضاعت، أو سرقت، أو عيبت، فإن كان بتفريط منه لزمه أن يستبدلها، وإن كان بغير تفريط فلا شيء عليه ولا حرج إن شاء الله.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يعظم شعائرك، فإن تعظيم شعائرك من تقوى القلوب، اللهم اجعل قلوبنا تقية نقية، خالية من الشرك والغل والحسد، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، رحمة للعالمين أرسله الله وابتعثه، فعلمنا وأحسن تعليمنا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن تبعه.

أيها المسلمون:

تكفي أضحية واحدة عن الرجل وأهل بيته، من الأحياء والأموات، يقول: اللهم هذا عني وعن آل بيتي، فيدخل فيهم من الأحياء والأموات من أقاربه من الموحدين، ولو ضحى الرجل وضحت زوجته إن كانت موظفة مثلاً، وعندها سعة، أو ضحى بعض أولاده أو كلهم، كل واحد بمفرده فلا حرج في ذلك، وهو خير وبر، والحمد لله.

ولو تبرع شخص لآخر بأضحية، أو بقيمة أضحية، فأهدى له شاة أو ثمنها، جاز ذلك وكلاهما مأجور، فيضحي بها، والناس المجتمعون في بيت، إن كان أكلهم واحد وشربهم واحد، وعيشتهم واحدة، كفتهم ضحية واحدة، مهما كان عددهم، فلو ضحى الرجل عن أهله وأولاده، وزوجته وإخوانه الذين يعيشون معه في البيت وأبويه بضحية واحدة عمن يعيل، وعمن ينفق عليهم كلهم، فإن ذلك يكفي ولله الحمد.

 

ولو تبرع شخص لآخر بأضحية، أو بقيمة أضحية، فأهدى له شاة أو ثمنها، جاز ذلك وكلاهما مأجور، فيضحي بها، والناس المجتمعون في بيت، إن كان أكلهم واحد وشربهم واحد، وعيشتهم واحدة، كفتهم ضحية واحدة، مهما كان عددهم، فلو ضحى الرجل عن أهله وأولاده، وزوجته وإخوانه الذين يعيشون معه في البيت وأبويه بضحية واحدة عمن يعيل، وعمن ينفق عليهم كلهم، فإن ذلك يكفي ولله الحمد.

 

أما الناس المجتمعون في سكن واحد من العمال والموظفون الذين لا قرابة بينهم ولا ينفق أحد منهم على الآخرين، فإن على كل واحد منهم أضحية إن استطاع، ولا بأس أن يرسل بها إلى أهله في البلد الآخر الذي قدم منه، فيذبحون هناك ويضحون، والحمد لله.

أما الأضاحي عن الأموات فإنها على أنواع، وأعلاها والسنة أن يشركهم في أضحيته كما فعل صلى الله عليه وسلم: هذا عني وعن آل بيتي، وكذلك إذا أوصى الميت وترك مالاً يجب إنفاذ وصيته بغير تبديل، فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ سورة البقرة181، وإن تبرع الحي عن الميت بأضحية بغير وصية من الميت جاز له ذلك، لكن الخطأ أشد الخطأ أن يضحي الحي عن الميت، وينسى نفسه، فلا يضحي عن نفسه، هذا لا يصح، كيف ينسى نفسه ويعطي الأضحية للميت فقط، وكذلك إذا قصرت النفقة، قصر الثمن عن الأضحية الذي تركه الميت فإن الحي يكمله من عنده إن أراد، وإن لم يفعل يبقيه إلى السنة التي بعدها حتى يتسنى له شراء واحدة بالمال الذي تركه الميت، فإن كان المال لن يكفي والأضاحي في ازدياد وارتفاع مستمر تصدق بها في عشر ذي الحجة نيابة عن الميت، وعلى القائم بالوصية أن ينفذ وصية الميت بالدقة، فلا يدخل فيها من لم يدخله الميت، ولا يخرج منها أحداً أدخله الميت، وهكذا.

وأما الإمساك عن الشعر والأظفار البشرة فهو واجب على الراجح حتى تذبح الأضحية، فإن لم تذبح إلا في اليوم الثاني عشر أو الثالث عشر لزمه الإمساك حتى ذلك الوقت، فهو مشارك للحجاج في هذه المزية، وكذلك يبقى كامل الأجزاء حتى تذبح أضحيته رجاء أن يعتق من النار كاملاً مكملاً بشعره وأظفاره.

وأما لو انكسر له ظفر فآلمه، أو جرح فاحتاج إلى أخذ شيء من البشرة أو الجلد فلا بأس بذلك، والحاج إذا كان متمتعاً أو قارناً فأهدى يكفيه هديه، ولا حاجة للأضحية، فإن ضحى جاز له ذلك، وإن خلف أضحية في أهله اتصل بهم، أو تأكد حتى يأخذ من شعره وأظفاره بعد أن تذبح أضحيته، ونقل الأضحية إلى البلدان الأخرى إذا كان سيقضى على السنة في البلد فهذا ممنوع، فأما إذا كان ينقل أضاحي عن أموات ويضحي هنا هو، أو أنه ما استطاع أن يذبح أضحية؛ لأن المال الذي عنده قليل، لكن يستطيع أن يشتري أضحية في بلد آخر فهذا حسن، لا بأس به.

وإذا كان عندك نفقة للعيال يوم العيد، وتعارض عندك النفقة عن العيال مع الأضحية قدم نفقة العيال، والحمد لله، حاجات أهلك يوم العيد مقدمة بغير إسراف ولا تبذير، ولا يجزئ أن يشتري شاة من المسلخ مذبوحة؛ لأنها ليست بأضحية، ولا ذبحت بنية أضحية.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا أتقياء بررة، اللهم اجعلنا يوم القيامة مع السفرة الكرام البررة، اللهم اجعلنا ممن يدخلون الجنة بغير حساب، اللهم تب علينا إنك أنت التواب، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع الموحدين، اللهم اجعلنا ممن يقف عند حدودك فلا ينتهكوها، اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا في هذا اليوم العظيم، في هذا الجمع العظيم، اللهم إنا نسألك أن تتوب علينا، وأن تؤتينا هدانا، وأن تعيننا على أنفسنا، وعلى ذكرك وشكرك وحسن عبادك، واذكروا أيها المسلمون اذكروا إخوانكم الذين يذبحون ذبح النعاج، الذين يضحى بهم على عتبة الصليب، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُسورة الحج 40، اللهم إنا نسألك أن تكون معهم، وأن تحميهم وتحفظهم، اللهم كن معهم وانصرهم على أعدائهم، اللهم قِ شر البلاد والعباد فتن وشرور الكفرة المشركين، واليهود والصليبيين، اللهم ارفع علم الجهاد، اللهم انشر رحمتك على العباد، إنك إليك المعاد يا أرحم الراحمين.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه ابن ماجه3123.
2 - رواه النسائي4368.
3 - رواه عبد الرزاق في المصنف8001.
4 - رواه البخاري965.
5 - رواه البيهقي في الكبرى19233.
6 - رواه مسلم1317.
7 - رواه أحمد27072.
8 - رواه مسلم1963.
9 - رواه الطبراني في الكبير10026.
10 - رواه مسلم1967.
11 - رواه أبو داود2810.
12 - رواه الطبراني في الكبير12710.