السبت 7 ذو الحجة 1439 هـ :: 18 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الدعوة باللين


عناصر المادة
الحكمة في دعوة غير المسلمين.
نماذج من دعوة الانبياء لقومهم.
ضوابط التعامل مع الكفار السلميين.
حكم عيادة الكافر إذا مرض.
إستخدام الرفق بالدعوة.
كيفية التعامل مع الممتنعين عن دخول الإسلام.
نماذج من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

الحكمة في دعوة غير المسلمين.
00:00:26

فقد عرفنا أيها الإخوة: أن الإغلاظ على الكافرين من العبادات العظيمة، وأن الله عز وجل قد ذكر في كتابه المبين من صفات المؤمنين أنهم أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْسورة الفتح29. وأمرهم بقتال الكفار فقال: وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةًسورة التوبة123. وعرفنا أن موضع الإغلاظ على الكفار والشدة عليهم هو في حال قتالهم وجهادهم فإنه لا يرأف بهم، في حال قتال الكفار الإغلاظ وكذلك إذا كابروا وعاندوا، فإنه يشتد عليهم ويغلظ عليهم

 

الإغلاظ على الكافرين من العبادات العظيمة، وأن الله عز وجل قد ذكر في كتابه المبين من صفات المؤمنين أنهم أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ سورة الفتح 29. وأمرهم بقتال الكفار فقال: وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً سورة التوبة123. وعرفنا أن موضع الإغلاظ على الكفار والشدة عليهم هو في حال قتالهم وجهادهم فإنه لا يرأف بهم، في حال قتال الكفار الإغلاظ وكذلك إذا كابروا وعاندوا، فإنه يشتد عليهم ويغلظ عليهم

 

، وليجدوا فيكم غلظة، فكيف الأمر إذاً في حال دعوتهم، فهل يكون الأمر أيضاً إغلاظ وشدة في حال الدعوة أم أننا نفرق بين حال الجهاد جهاد المعاندين والمحاربين والرد عليهم عندما يهاجمون الإسلام، وعندما ينهرون، يغلظ عليهم عندما يهاجمون دين الله بألسنتهم، وأسلحتهم، عندما يهاجمون دين الله بألسنتهم، وأسلحتهم، فلا يوجد منا إلا الإغلاظ والشدة، فماذا لو كانوا مسالمين، وكنا معهم في حال الدعوة، كيف يكون حالنا، هل يختلف؟

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِسورة آل عمران110. قال أبو هريرة رضي الله عنه: "خير الناس للناس". كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال: "كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام".

وقال عز وجل: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَسورة يوسف108. إذاً لو أخذ المسلمون كفاراً بعد المعركة، فصاروا مسلسلين عبيداً لديهم، كيف يعاملونهم؟ ولو صاروا أسرى مرتهنين كيف يكون التعامل معهم؟ دعوة إلى الدين، ورفق بهم حتى يدخلوا في الإسلام، قال عز وجل: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَسورة النحل125. فأمره أن يدعو الخلق إليه بالحكمة، إذاً لو انكسرت شوكتهم فأخذنا أسراهم، كيف نعامل الأسرى، بعدما انكسرت شوكة الكفار؟ وبعدما أغلظنا عليهم في المعركة، كما قال الله: وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةًسورة التوبة123.

إذا أراد أن يستمع إلينا، وفتح أذنه ليسمع كلامنا، فماذا نفعل؟ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فإذا احتاج الأمر إلى جدال فإنه يكون بالوجه الحسن بالرفق واللين، وجميل الخطاب، وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُسورة العنكبوت46.

نماذج من دعوة الانبياء لقومهم.
00:04:55

وكذلك فإن دعاء الخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل الله القويم، إلى العلم النافع، والعمل الصالح يكون بالحكمة، أي: كل أحد على حسب حاله، وفهمه، وقبوله، وانقياده، فندعو بالعلم لا بالجهل، ونبدأ بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبالرفق واللين، فإذا انقاد بالحكمة وإلا ننتقل معه إلى الدعوة بالموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب.

وهكذا نستمر في منازل الدعوة مع هؤلاء حتى نقودهم إلى طريق الإسلام، وقد قال تعالى لموسى وهارون عندما كانا في مرحلة دعوة مع فرعون: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىسورة طه43-44. إذاً لما كانت المرحلة مرحلة دعوة، وكانت البداية، فإنهما أمرا بالبدء باللين، ولكن لما طغى فرعون ورفض الحق، ورأى المعجزات والآيات، وأصر على استكباره، وأنه يدعو الناس إلى عبادته من دون الله، قال له موسى قولاً شديداً: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًاسورة الإسراء102. مثبوراً يعني: هالكاً، فكانت الشدة بعد اللين، عندما لم ينفع اللين وازداد الطغيان جاء محل الشدة في الكلام، فقال:وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا، وهكذا أسلوب اللين في البداية، ولا يبدأ بالشدة، وكان المسلمون إذا جاؤوا للكفار وعرضوا عليهم الإسلام أو الجزية أو القتال يوضحون لهم بالحكمة واللين أولاً، ثم إذا لم ينفع ذلك وأبوا وصارت المناجزة بالسيف وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً.

وكذلك فإن شعار المسلم في دعوة الكافر، فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَىسورة النازعات18-19. أخرج الكلام مخرج السؤال والعرض، لا مخرج الأمر، وإنما قال: فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى، وكذلك إبراهيم الخليل عليه السلام، لما بدأ بدعوة أبيه، كيف البداية؟ باللين، وخصوصاً أنه أبوه، يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًاسورة مريم42. يَا أَبَتِ، بغاية اللين واللطف والتودد، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّاسورة مريم43. ولم يقل: أنا عالم وأنت جاهل، وكذلك أظهر شفقته على أبيه إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّاسورة مريم45. وهكذا المؤمن في سورة يس يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ * وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَسورة يــس20-22.

وكان الأنبياء يرغبون أقوامهم بما يحبونه، اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًاسورة نوح10-11. والناس يحبون المطر ويريدونه، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَوهي مما يحبه الناس، وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًاسورة نوح12.

لما أوصدت الأبواب في وجه إبراهيم في دعوة أبيه، ماذا كانت النتيجة في النهاية؟ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُسورة التوبة114. وكذلك نوح لما أبوا عليه رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًاسورة نوح26. إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَسورة هود38. فهذا الفرق بين البداية والنهاية، وحتى لما كانت الدعوة سلمية باللسان أولها لين، وعند الإعراض في النهاية الشدة والدعاء عليهم، بحسب القدرة والاستطاعة.

وهكذا نأخذ الدرس من تمرد إبليس في عدم سجوده لآدم، وقال الله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًاسورة الكهف50. فالله يخاطب الناس أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي، ويقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُسورة البقرة21. فيرغبهم وهو ربهم ويكون اللين في الخطاب معهم، أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَسورة الزخرف5. أي: نترككم فلا ننصحكم ولا ندعوكم ونعرض عنكم، وحتى مؤمني الجن لما بدؤوا بالخطاب، لما بدؤوا بالدعوة،يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍسورة الأحقاف31.

كيف كان بدء الدعوة مع الروم، قبل المعارك التي أطاحت رؤوسهم وملكهم، كانت البداية باللين، (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين)[رواه البخاري7، ومسلم1773]. كان عليه الصلاة والسلام، فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ كان مأموراً باللين وخصوصاً مع أصحابه، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِسورة آل عمران159.

ضوابط التعامل مع الكفار السلميين.
00:12:31

وكذلك فإن الله قد أباح لنا معاملة الكفار بالحسنى، الكفار المسالمين، بقوله تعالى: لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَسورة الممتحنة8. إذاً لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ؛ لأنهم لو فعلوا ذلك أو ظاهروا على إخراجنا وعاونوا فليس لهم إلا السيف، وليس لهم إلا الإغلاظ، وليس لهم إلا الشدة، بل يتقرب إلى الله بإغاظتهم وتكون إغاظتهم عبادة عظيمة كما تقدم في الخطبة الماضية، وقوله تعالى في الكفار المسالمين: أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ لا يعني بأي حال من الأحوال محبتهم، ولا مودتهم، ولا التشبه بهم، ولا مشاركتهم في أعيادهم إطلاقاً، لا تلازم بين الموادة والمحبة القلبية وبين أن نحسن إليه بالكلام، أو نساعده إذا افتقر، أو نهديه هدية إذا كان جاراً لنا، ونحو ذلك من وجوه الإحسان والصلة، بل إن الإنسان ربما يحسن إلى قريبه المسلم الذي بينه وبينه عداوة وحقد وبغضاء من أجل استئلاف قلبه، وهو ربما يكرهه، ولكن يتلطف معه ليدفع شره، إذاً هذا الكافر موقفنا منه، ما هو الموقف من الكافر المسلم؟

نكرهه بقلوبنا، ولا نجامل في هذا إطلاقاً، لماذا؟ لأنه كافر؛ لأنه يقول: إن الله له ولد، إن له زوجة، إنه ثالث ثلاثة، نكرهه قطعاً لأجل الله بقلوبنا، لكن في الظاهر لأجل مصلحة الشريعة نحن نلين معه، لأجل دعوته لعل الله أن يهديه، ولا نسمي هذا نفاقاً ولا ازدواجية؛ لأن كرهه واجب لأجل الله، أليس قد كفر بالله؟ ولكن دعوته باللين هي الطريقة والسنة التي أمرنا بها ما دام إنساناً يصغي إلينا، ما دمنا في حال دعوة معه، ما دام يسمع، ما دمنا نريد له الخير والهداية، ما دام ليس محارباً مشهراً سلاحه، ولذلك أجاز العلماء للمسلم أن يتصدق على كافر صدقة تطوع من غير الزكاة كما مر عمر وهو في طريقه إلى الشام بقوم مجذومين من النصارى، فأعطوا من الصدقات، وأجري عليهم القوت، والكفار لهم سهم في الزكاة، من هم؟ المؤلفة قلوبهم، يجوز إعطاؤهم لتأليف قلوبهم، فيعطى زعيم القبيلة الكافر من الزكاة لكي يؤلف قلبه على الإسلام، وكذلك فإنه يجوز إعطاء بعضهم لكف شرهم، يعطون لكف شرهم من الزكاة؛ لأن في ذلك مصلحة الإسلام، والجار إذا كان كافراً فإن له حق، (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره)[رواه مسلم48]. والنبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل جاره اليهودي معاملة حسنة، وعبد الله بن عمرو لما ذبحت له شاة في أهله قال لأهله: أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)[رواه البخاري6015، ومسلم2625]. ودخل النبي صلى الله عليه وسلم على غلام يهودي مريض يعوده وقعد عند رأسه وقال: (أسلم)، فنظر الغلام إلى أبيه فقال أبوه: أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. فخرج النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: (الحمد لله الذي أنقذه من النار)[رواه البخاري1356].

حكم عيادة الكافر إذا مرض.
00:17:16

وفي الحديث حسن العهد، وعيادة المشرك إذا مرض؛ لأجل مصلحة الإسلام، ورجاء الدخول في الإسلام، وكذلك العزاء، فإذا قال قائل: ما حكم عيادة الكافر إذا مرض؟ ما حكم زيارته إذا مرض؟ وما حكم تعزيته إذا مات له ميت؟

فالجواب:

اختلف العلماء في ذلك فمنعه بعضهم، بل قد وردت الرواية عن أحمد بإباحة ذلك مرة، ومنعها أخرى، ولذلك فرق العلماء بين زيارة مريضهم وتعزيتهم بموتاهم بين الحال التي يوجد فيها مصلحة شرعية كدعوتهم إلى الله، فيزار مريضهم ويعزون بأمواتهم، إذا كان هناك مصلحة شرعية، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وشرط جواز ذلك – كما قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة - : أن لا تكون التهنئة بشعائر كفرهم كأعيادهم أو صيامهم أو عباداتهم. لو قال: هل نهنئه إذا ولد له ولد؟ هل نهنئه بترقية مثلاً، أو بربح صفقة تجارية؟ قال ابن القيم: وشرط جواز ذلك أن لا تكون التهنئة بشعائر كفرهم كأعيادهم أو صيامهم أو عباداتهم، فإن فاعل ذلك إن سلم من الكفر فهو واقع في كبيرة من أكبر الكبائر.

والشرط الثاني: أن لا تكون التهنئة بلفظ محرم، كما لو قال: أعزك الله، فلا يجوز أن يقال لكافر: أعزك الله؛ لأن الله أذلهم، فكيف يعزهم، أذلهم بالكفر والشرك، هم أذلاء بشركهم، كما لو قال: أعزك الله، أو متعك بدينك، وما أشبه ذلك، وكذلك لا يجوز أن نقول لكافر مات له قريب كافر: غفر الله لميتك، أو رحمه؛ لأن الله لا يغفر للمشركين، إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِسورة النساء48.

أيها الإخوة:

الخلاصة كما قال علماؤنا: "لا بأس بتعزيتهم إذا كان هناك مصلحة شرعية، وبهذه الشروط المتقدمة"، وبناءً عليه فإن تعزيتهم وعيادتهم لأجل مصالح دنيوية ليست من هذا الباب؛ لأننا نظرنا في النصوص التي زار النبي صلى الله عليه وسلم فيها مرضى الكفار فوجدناها لمصلحة الدين، وهي دعوتهم إلى الله سبحانه وتعالى.

إستخدام الرفق بالدعوة.
00:20:32

ولا بد أن يكون الإنسان المسلم لا بد أن يكون رفيقاً فيما يدعو إليه عالماً بما يدعو إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه ملك الجبال يقول: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً). والأخشبان جبلا مكة أبو قبيس وقعيقعان. (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده)، فهو حريص، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَسورة الأنبياء107.

 

لا بد أن يكون الإنسان المسلم لا بد أن يكون رفيقاً فيما يدعو إليه عالماً بما يدعو إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه ملك الجبال يقول: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً). والأخشبان جبلا مكة أبو قبيس وقعيقعان. (أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده)، فهو حريص، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ سورة الأنبياء107.

 

وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة وانكسرت شوكة الكفار، الإغلاظ حصل والشدة حصلت، وكسرت شوكة الكفار، وأهينوا بتكسير أصنامهم، وعلا بلال على الكعبة يؤذن، وقال أبو سفيان: أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمنهم، (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) تأليف لقلب أبي سفيان، (ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن)[رواه مسلم1780]. رواه مسلم.

إذاً الإغلاظ والشدة في حربهم، ما دامت الحرب انقضت وعلا الإسلام فبقي أن يتألف هؤلاء، الخطوة الثانية: إدخالهم في الدين؛ لأن القصد ليس إراقة الدماء، وإلا كان قتلهم كلهم، ولكن القصد كسر شوكة الكفار، والقضاء على قوتهم، وأن تحكم بلادهم بالإسلام، ثم بعد ذلك نتألفهم ونسعهم حتى يدخلوا في ديننا، القصد هو: إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وليس المقصود بالجهاد إراقة الدماء فقط.

كيفية التعامل مع الممتنعين عن دخول الإسلام.
00:23:08

أيها الإخوة:

من هنا نعلم الرد على أعداء الله الذين يثيرون الشبهات على المسلمين، وخصوصاً في هذه الأيام، ويقولون: أنتم أمة دموية، فنقول: نحن في الجهاد وعلى أهل العناد أشداء كما أمر الله، نغلظ عليهم كما أمر الله، وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةًسورة التوبة123. لأجل الله، كفروا بالله وعاندوا، ورفعوا السلاح وامتنعوا، وهاجموا المسلمين، فلا بد إذاً من كسر شوكتهم، نريد أن ندخل بلادهم لنحكمها بالإسلام، فرفضوا فنكسر شوكتهم ونشتد عليهم ونغلظ، بل ونغيظ في المعركة الإغاظة المعروفة التي نتقرب بها إلى الله، كإغاظة اليهود اليوم فإنها واجبة في ظل هذه الظروف التي نراها، إغاظة ولا بد، والشدة لو استطعنا، القضية مع القدرة، يا عباد الله، لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَاسورة البقرة286.

وكان المسلمون إذا كسروا الكفار واشتدوا عليهم وأغاظوهم وأغلظوا عليهم ودخلوا البلد، ماذا كانوا يفعلون بعد ذلك؟ هل كانوا يظلمون الناس؟ أبداً، لو أن أهل البلد رضوا بأن يحكمهم المسلمون ويعطوا الأمان ويصبحوا أهل ذمة، كيف يعاملون؟ لا يظلمون لا يعتدى على أموالهم، لا يسرق منهم شيء، لا ينهب، لا يسلب، وهكذا لا يراق دم ذمي أبداً إذا لم يجرم، (ومن قتل ذمياً لم يرح رائحة الجنة)[رواه البخاري6914]. وهكذا، وهكذا أهل الذمة يعيشون بين المسلمين آمنين مطمئنين، بل إن علياً رضي الله عنه لما اختصم مع رجل نصراني على درع له، وجاء إلى شريح القاضي، وقال علي: هذا الدرع درع درعي لم أبع ولم أهب. وقال النصراني: ما الدرع إلى درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب، فالتفت شريح إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين هل من بينة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح، ما لي بينة. الدرع في يد النصراني، وليس عندي بينة، فقضى بها شريح للنصراني، فأخذه النصراني ومشى خطوات، ثم رجع فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدفعني إلى قاضيه يقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين فخرجت من بعيرك الأزرق، فقال علي: "أما إذ أسلمت فهي لك، وحمله على فرس".

وهكذا، وهكذا كانت دور عبادة النصارى القديمة لا تهدم لأهل الذمة، يمنعون من بناء دور جديدة، يمنعون من إعلان دينهم ودق نواقيسهم، وإظهار صلبانهم، ويميزون عن المسلمين؛ لأن هناك أحكام في السلام والطرقات، ولأن الشارع يريد من ورائها ومن وراء دفعهم للجزية أن يحسوا بالفرق فينتقلوا إلى معسكر أهل الإسلام ويسلمون، فهذا التمييز الذي ينتقده بعض المتعفنة عقولهم اليوم، التمييز هذا لأجل دفع الكافر إلى الإسلام؛ لأجل أن يحس بالفرق فيريد الميزة والتخلص من هذا الذل الذي يحس به ليصبح مسلماً، وهكذا أسلموا أهل مصر، والشام، والعراق، واليمن، والمغرب، هكذا أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً.

اللهم إنا نسألك أن تعز دينك يا رب العالمين، وأن تهدي ضال المسلمين، وأن تنصر المجاهدين، إنك على كل شيء قدير.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله، والصلاة والسلام على محمد، أشهد أنه رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلى خلفائه وأزواجه وذريته الطيبين الطاهرين.

عباد الله:

هذا نبينا صلى الله عليه وسلم يأتيه أعرابي يشد البرد، حتى يؤثر في صفحة عنقه فيعفو عنه ويؤمر له بعطاء، انشق البرد، وبقيت حاشيته في عنق النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا لما جاءه كافر وهو نائم فأخذ السيف اخترطه ورفعه فوق رأسه، وقال: من يمنعك مني؟ تخافني، قال: (لا)، من يمنعك من؟ قال: (الله)[رواه البخاري2910، ومسلم843]. فشام السيف، لم يستطع الأعرابي أن يفعل فيه شيئاً، كأن يده قد شلت، وأغمد السيف وأعاده كما كان، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم، العفو مع القدرة.

نماذج من تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار.
00:29:29

ولما جيء بثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة وكان مشركاً أسيراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وربط إلى سارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الإسلام، (ما عندك يا ثمامة؟) قال: عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان الغد، ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة؟)، وكل يوم ثمامة يسمع من القرآن ما يسمع، كل يوم، يسمع صلاة الفجر، وصلاة المغرب والعشاء، يسمع الآيات، مربوط إلى سارية من سواري المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني يقول: (ما عندك يا ثمامة؟) قال: ما قلت لك، يعني أولاً، إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة؟)، قال: عندي ما قلت لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أطلقوا ثمامة)، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة – وكانت معروفة عند المشركين وكذلك الحج – فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر لكن الآن على التوحيد، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت. قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم. [رواه البخاري2422، ومسلم1764].

وهكذا، وهكذا كان العفو عن المسيء انقلب في قلبه البغض إلى الحب بسبب ذلك، وملاطفة الأسارى الذين يرجى إسلامهم، ولاسيما الذي يتبعه العدد الكثير من قومه.

وقال ابن إسحاق في عدي بن حاتم، قال: "فيما بلغني ما رجل من العرب كان أشد كراهة لرسول الله حين سمع به مني، كما يقول عدي، أما أنا فكنت امرئً شريفاً، وكنت نصرانياً، وكنت أسير في قومي بالمرباع، أي: آخذ ربع الغنيمة، وكنت في نفسي على دين، ودينه يمنعه من أخذ الربع، ولكن كان يظن نفسه على دين ويأخذ ربع الغنيمة، وكنت ملكاً في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي، وكان راعياً لإبلي: لا أبا لك اعدد لي من إبلي أجمالاً ذللاً سماناً، فأحتسبها قريباً مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني، ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي، ما كنت صانعاً إذ غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد، فقرب إلي أجمالي، فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، وخلفت بنتاً لحاتم –أخت- في الحاضر، فلما قدمت الشام أقمت به، وتخالفني خيل رسول الله فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيء، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام، فجعلت ابنة حاتم بباب المسجد في مكان كانت السبايا تحبس بها، فقامت إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بها، وكانت امرأة جزلة، فقالت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك. قال: (ومن وافدك؟) قالت: عدي بن حاتم، قال: (الفار من الله ورسوله) ثم مضى وتركني، حتى إذا كان الغد مر بي فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثلما قال بالأمس، حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست فأشار إلي رجل خلفه، علي بن أبي طالب، قومي فكلميه، قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك، قال: (قد فعلت، فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني)، فقمت حتى قدم رهط من قومي فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ، قالت: فكساني وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت حتى قدمت الشام، قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي فنظرت إلى ظعينة تصوب إلى قومنا، فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي، فلما وقفت علي استحلت تقول: القاطع، الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك وعورتك. قلت: أي أخيه لا تقولي إلا خيراً، فوالله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرتِ، ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعاً، فإن يك الرجل نبياً فلسابق إليه فضله، وإن يكن ملكاً فلن تزال في عز وأنت أنت. قلت: والله إن هذا الرأي، فخرجت حتى أقدم على رسول الله المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده، فسلمت عليه فقال: (من الرجل؟)، قلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله وانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته فوقف لها طويلاً تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك، ثم مضى بي رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إلي فقال: (اجلس على هذه) قلت: بل أنت فاجلس عليها، قال: (بل أنت)، فجلست – أي على الوسادة – وجلس رسول الله بالأرض، فقلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: (إيهٍ يا عدي بن حاتم، ألم تكن ركوسياً؟) وهو مذهب من مذاهب النصارى، قلت: بلى، قال: (أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟) قلت: بلى، قال: (فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك)، قلت: أجل والله، وعرفت أنه نبي مرسل، يعلم ما يجهل، ثم قال: (يا عدي! أما إني أعلم الذي يمنعك من الإسلام، تقول: إنما اتبعه ضعفة الناس ومن لا قوة لهم، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟) قلت: لم أرها وقد سمعت بها، قال: (فوالذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تتطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز)، قلت: كنوز ابن هرمز؟ قال: (نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد)، قال عدي بعد ذلك: فهذه الظعينة تأتي من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله قالها. [رواه الطبراني في الاوسط6614، وضعفه الالباني في التعليقات الحسان7162].

وهذا الحديث من بلاغات ابن إسحاق، التي ليس لها سند وحكمها في الحديث معروف، ولكن لحديث عدي بن حاتم مع النبي صلى الله عليه وسلم مواقف صحيحة، كما ورد في تفسير قوله تعالى: اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِسورة التوبة31. ولكن القصة في لين النبي صلى الله عليه وسلم وحكمته في الدعوة، وهذه المسألة ثابتة لا تحتاج إلى هذا الطريق، ولكن سيقت للشاهد في الأمر.

عباد الله:

إننا إذا أردنا أن ندعو إلى الإسلام بالحكمة، يعني بالعلم والموعظة الحسنة ترقيق القلوب، وبالتي هي أحسن نرد على الشبه، وبالأخلاق الطيبة، والمعاملة الحسنة يستجيب لنا الناس المسلم والكافر، فلا بد من تنزيل الأمور في مواضعها، الشدة في مواضعها، الإغلاظ والإغاظة واللين في موضعه، والرفق والحكمة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من جنده وحزبه المفلحين، وأن يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، وأن يتوب علينا إنه هو التواب الرحيم، اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والصلاح للعباد، والنجاة يوم المعاد، اللهم أهلك المنافقين، اللهم أهلك المنافقين، واجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم يا رب العالمين، اللهم إن في المسلمين من المنافقين من يريدون دينك بسوء فاكشف أستارهم، اللهم اكشف أستارهم، ورد كيدهم في نحورهم، اللهم اخذلهم، اللهم اخذلهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم امكر بهم كما يمكرون بدينك، اللهم امكر بهم وخذهم، وأنت العزيز يا رب العالمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

وقوموا إلى صلاتكم.

1 - رواه البخاري7، ومسلم1773.
2 - رواه مسلم48.
3 - رواه البخاري6015، ومسلم2625.
4 - رواه البخاري1356.
5 - رواه مسلم1780.
6 - رواه البخاري6914.
7 - رواه البخاري2910، ومسلم843.
8 - رواه البخاري2422، ومسلم1764.
9 - رواه الطبراني في الاوسط6614، وضعفه الالباني في التعليقات الحسان7162.