الثلاثاء 15 محرّم 1440 هـ :: 25 سبتمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

كيف تكتسب حجة قوية


عناصر المادة
المقصود بالحجة البالغة:
الحاجة لمعرفة كيفية إقامة الحجة:
وسائل إقامة الحجة:
أروع المناظرات:
وسائل اكتساب الحجة القوية:
الحمد لله رب العالمين، وأصلى وأسلم على البشير النذير، والسراج المنير؛ محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة والأخوات: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ومرحباً بكم في هذا البيت من بيوت الله الذي من قعد فيه يتدبر كتاب الله تتنزل عليه فيه ملائكته، وتغشاه رحمته، ويذكره سبحانه وتعالى فيمن عنده، فيا حظ من حضر بيوت الله في حلق ذكر الله، ولا زالت هذه العبادة على الرغم من وجود حلق الذكر في أماكن كثيرة سواء على الشاشات أو في القنوات، لكن في بيوت الله لها طعم آخر، وأجر أعلى وأعظم.
فنسأل الله أن لا يحرمنا نعمة حضور بيته، ونسأله أن يجمعنا فيه مراراً وتكراراً على طاعته، وعلى تعلم دينه وسنة نبيه ﷺ.
فما أعظم النعمة والله أن نجتمع في بيت الله، ونتذكر: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [الشمس: 7 - 10].
تربية النفس على الكتاب والسنة في المساجد، في حلق الذكر، هنا يقسم ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم-.
المقصود بالحجة البالغة:
00:02:06
 ومن تربية النفس على الكتاب والسنة: أن نربي أنفسنا على ما في الكتاب والسنة من حجة الله: قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: 149].
ما معنى البالغة؟
التي بلغت صميم القلب، وخالطت العقل، واتحدت به فلا يمكن دفعها ولا جحدها.
والله قد صرف الآيات، وضرب الأمثال، ونوع الأدلة، فأقام الحجة، وأنزل الكتاب، وأرسل الرسول، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، ولم يبق بعد ذلك عذر لكل من كان من ذوي الألباب، فهنيئاً لمن فتح قلبه لذكر الله -سبحانه وتعالى-، وأراه الله الحق فاتبعه، فكان من السعداء، ومن ورثة جنة نعيم، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
الحجة -يا إخواني-: البرهان، الحجة التي يكون بها الظفر، الحجة التي تقطع الخصم، الحجة البالغة الواضحة النيرة، الحجة البالغة التي لا مغالطة فيها بحال، الحجة البالغة بأتم بيان، وأوضح برهان.
الله له الحجة البالغة التي بلغت مراده سبحانه في ثبوتها على خلقه، فانقطعت أعذارهم، فبعد هذا القرآن أي عذر بقي؟ تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها.
الحجة البالغة ليس فيها غموض، لا يستطيع المجادل أن يقول: لم أفهم، تصل بحيث ممن سمعها لم يكن له عذر، لا يستطيع أن يقول: لم تصلني.
الحجة البالغة تامة لا نقص فيها ولا خلل.
الحجة البالغة كافية في الإقناع.
الحجة البالغة قوية، تدحض وتقنع.
الحجة البالغة تثبت صحة الدعوى، الحجة البالغة تزيل الشك وتقطع العذر، وتسكت الخصم وتفحم.
حجة الله البالغة هذه التي جاءتنا بكتابه الذي أنزله، ورسوله الذي بعثه.
الحجة البالغة لهداية الناس، الحجة البالغة التي تنقذ من الضلال، الله لا يريد أن يكون لأحد عذر: رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165].
هذا كلام مهم جداً -يا إخوان- الآن، في عصر نشر الإلحاد، الكلام هذا مهم جداً الآن في عصر التشكيك في الحقائق، الكلام هذا مهم جداً الآن في عصر التنازل عن الثوابت.
بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، للإنذار والإعذار، والعلماء هم القائمون بحجة الله على خلقه، ينصرون هذا الحق، ويقمعون الباطل، بالمناقشات، بالمناظرات، بالبيان، بالحجج، بالدلالات، بالبينات.
في بيوت الله، يبينون الحق، ويردون على الباطل، في مجالس العلم، في برامج القنوات، في مواقع الشبكات، في مواقع التواصلات، يدعون من ضل إلى الهدى، يحيون بكتاب الله الموتى، يبصرون بنور الله أهل العماء، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه.
أمناء الأمة، وحراس الدين، والعدول الذين ينفون تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، يردون على الشبهات.
ما أكثر الشبهات الآن -يا إخواني-، الآن الشبهات تنشر في كل مكان، في المجالس، في البرامج، في المواقع، تنشر الشبهات الآن، ولذلك معرفة الحجة، وكيف نقيمها؛ أمر في غاية الأهمية.
هذا السلاح ندافع به عن عقيدتنا، ندافع به عن ديننا، نفحم به خصومنا، نبين به تفوق إسلامنا، ونقاء شريعتنا.
هذه الحجج التي نرد بها اليوم على الملاحدة، على من يشكك في صحة دين الإسلام، على من يشكك في القرآن، على من يطعن في الصحابة.
اليوم ألا يوجد من يشكك في الأحكام الشرعية الثابتة؟ ألا يشككون اليوم في الربا؟ في حرمته، وفي الحجاب في وجوبه، أليسوا اليوم -أيها الإخوة والأخوات- يشككون حتى في وجود الله: وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: 16].
قال مجاهد: "طمع رجال بأن تعود الجاهلية" [جامع البيان في تأويل القرآن، لابن جرير: 21/519] لكن لا -والله- لا تعود الجاهلية، والله متم نور ولو كره الكافرون، ولو كره المشركون.
الحاجة لمعرفة كيفية إقامة الحجة:
00:08:17
 نحتاج اليوم أن نعرف الحجة، وكيف تقام الحجة في عصر كثرة فيه الضلالات، وعمت وطمت.
وصرت ترى بعض الناس حتى في هذه المقاهي الحديثة، وهذه الكتب التي تكون في المعارض، وهذه الأطروحات التي تكون في المواقع فيها تشكيكات، فيها منكرات، فيها سيئات عظيمة.
الحجة البالغة اليوم مهمة جداً لنفتح بها قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وأذاناً صماً.
اليوم في طوائف ضلالة كثيرة في الأرض، يحاربون أهل الإسلام قد رفعوا سيوفهم والله، وأحدوا أشفارهم، يغيرون على أهل الإسلام تارة باللسان، وتارة بالسنان.
فما أعظم حاجة أهل الإسلام اليوم لإقامة الحجة، ومعرفة كيف يكون الرد، كيف تكون إقامة الحجة.
وسائل إقامة الحجة:
00:09:37
 الحجة البالغة ربنا قد أتاها رسله، لو قال واحد يعني من أين نتعلم الحجة؟ كيف نكتسب الحجة؟
الحجة -يا إخواني- كان عند أنبياء الله، مثلا: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام: 83] أي واحد يريد أن يكتسب الحجة لازم يدرس دعوة إبراهيم ؛ لأن هذا النبي العظيم آتاه الله حججاً عجيبة، حتى في قضية التمرد على الربوبية والألوهية لما قام هذا النمرود في أرض العراق يحاج إبراهيم، إبراهيم يقول: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258] أخذ واحداً من المحكوم عليه بالإعدام أطلقه، قال: أحييته، وأخذ واحداً واحداً بريئاً وقتله قال: أمته.
إبراهيم انتقل معه إلى شيء لا يمكنه أن يجادل فيه ولو بالباطل؛ لأن الحجة الصحيحة لا يمكن دفعها أصلاً، من باب قطع الخصم قال له إبراهيم : فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: 258] هذه الشمس المسخرة تطلع كل يوم من المشرق، سخرها الله هكذا من هذه الجهة فإن كنت كما زعمت رباً، وتحيي وتميت.
إذًا، هات الشمس من المغرب، اجعلها تطلع من المغرب، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ، انقطع، وسكت.
لما عبد قومه الأصنام قال: قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ [الشعراء: 72 - 73]؟ هل يتكلمون؟ هل ينطقون؟ انقطعوا.
وهكذا ناظر أباه، وناظر الذين أنكروا عليه تحطيم الأصنام، إبراهيم دائماً كان يُفحم عليه السلام، الله أتاه حجة عظيمة.
ولما ادعى اليهود والنصارى أن إبراهيم منهم، فاليهود يقولون: أن إبراهيم يهودي، والنصارى يقولون: إبراهيم نصراني، وإذا بالآية العظيمة تأتي: لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إلا من بعده [آل عمران: 65] يعني أصلاً ما في يهودية إلا بعد إبراهيم، لأن كتابهم التوراة، وما نزلت إلا بعد إبراهيم، وما في نصرانية إلا بعد الإنجيل، والإنجيل ما نزل إلا بعد إبراهيم، فكيف تقولون: إن إبراهيم كان يهودياً أو كان نصرانياً؟ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: 67] الله ناقش الملاحدة، ورد عليهم، لازم نتعلم الحجة من الأسلوب القرآني، قال تعالى في مسألة الإلحاد وإنكار البعث على واحد كافر ماذا فعل؟:وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يــس: 78] أخذ عظماً بالياً ففته، وقال: يزعم ربك أنه يحيي هذا؟ ما رد الله عليه؟
هذا المشرك الكافر أخذ العظم البالي وفته، وقال: أيستطيع ربك أن يعيد هذا؟ فماذا قال الله في الآية؟وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا[يــس: 78]، وماذا؟ وَنَسِيَ خَلْقَهُ[يــس: 78]، أين الرد ؟ في قوله:وَنَسِيَ خَلْقَهُ، هو كيف بدأ هذا؟ كيف نشأ؟وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا [يــس: 78]، يستطيع ربك يحيي هذا؟ وَنَسِيَ خَلْقَهُ قال الله رداً عليه:وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يــس: 78]، الجواب: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يــس: 79].
أيهما أسهل الابتداء أم الإعادة؟
الإعادة، تعيد شيئاً موجوداً بلي، أو تنشئ من العدم؟
الأسهل أن تعيده، فإذا كان أنشأه من العدم،أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى [القيامة: 40]،قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يــس: 79]، هذا فن الحجة، كيف نقيم الحجة؟
يا إخوان: في إلحاد، موجة إلحاد عجيبة في العالم، أدركنا بعضها، أدركناها، والله في أيام الجامعة نقاش مع طالب من الطلاب قال: أنا أصلي احتياطاً، كيف يعني احتياطاً؟ قال يعني: إذا طلع فيه يوم آخر يكون صلينا، وإذا طلع ما في ما خسرنا شيء، هذا كافر على طول بهذه العقيدة، هل تصدقون أن رجلاً جاء لواحد تدين ابنه، يقول له: يا ولدي لا تتعب نفسك، يمكن تتعب نفسك ويطلع ما في شيء، سبحان الله، نحن نستغفر الله، نعوذ بالله، لكن هذا موجود، موجات الإلحاد الآن شغالة، يعاني منها الطلاب المبتعثون في الخارج، والناس التي تقرأ المواقع، مواقع التواصل الاجتماعي، لازم نقاوم موجات الإلحاد الآن، موجات الإلحاد التي تغزونا:وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ[الزخرف: 87].
يا جماعة قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ[الأنعام: 149].
-طيب- لو قال واحد: ما الدليل؟ ويعني أعطنا دليلا ملموساً؟
لأن الملاحدة ما خلوا شيئا، قالو يعني: نحن ما رأيناه ولا سمعناه، ولا شممناه، ولا ذقناه، ولا لمسناه، تريدني أن أومن بشيء لم أسمعه، ولم...؟
أتاك القرآن، القرآن هذا كتابه حجة عليك، ولذلك لو قال واحد: طيب أعطنا دليلاً؟
نقول: هذا القرآن:وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ[البقرة: 23 - 24].
فأمر الله من ارتاب أن يأتي بمثل هذا القرآن: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: 34]؟ ما استطاعوا، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود: 13]؟ ما استطاعوا.
نزل معهم قال: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [يونس: 38]؟ ما استطاعوا.
فنادى عليهم بالعجز في العالمين، والأولين والآخرين، وقال لهم سبحانه دامغاً موبخاً: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88].
قل لأي ملحد: هات مثل القرآن، هذا كلامه أنزله، هات مثله، وفيه الحجج الدامغة، في أمره ونهيه وشرعه وقدره.
ولو طعن إنسان في نبوة محمد ﷺ فيقال له كما رد الله على من قال: قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ [يــس: 15]، وقال:  وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [الأنعام: 91] يا أيها اليهود إذا طعنتم في نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- فأجيبونا من الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى؟ لأن اليهود يزعمون الإيمان بموسى، ويزعمون الإيمان بالتوراة، فيقال لهم: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى؟
الذي أنزله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء به محمد ﷺ.
اليهود والنصارى يزعمون أنهم أحباب الله، كيف رد الله عليهم؟
 وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ[المائدة: 18] نحن المقربون إليه، نحن الأصفياء عنده، نحن كالأبناء له في القرب والمنزلة، كيف رد الله عليهم؟
 قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم  [المائدة: 18]، شوف الرد، الرد -يا إخوان- شيء مبهر، مسكت، مفحم، فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم  [المائدة: 18]؟
لو قالوا: لا، هذا ما هو تعذيب، هذا تأديب، وتعرف الأب يؤدب الولد، فنقول: التأديب غير التعذيب، الله عذبكم فمسخ منكم قردة وخنازير، المسخ هذا تأديب؟ هذا تعذيب، قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف: 166]، سلط عليكم بختنصر يسومكم سوء العذاب، يجسون خلال الديار، خرب مملكتكم، وقتل أبناءكم، وأخذ نساءكم، هذا تعذيب.
 وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا [الإسراء: 8]  وَإِنْ عُدتُّمْ  إلى الكفر  عُدْنَا  إلى تعذيبكم.
لكن عقوبة الله لا تأتي على عجل دائماً تأتي على مهل، استدراجاً، فبعض الناس يقولون: هؤلاء اليهود طغوا؟
نقول: والله الذي لا إله إلا هو أن هناك عذاباً سيأتيهم؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، ولما قال: وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا  فلابد أن يعود عليهم بالعذاب كما عادوا بالكفر والإفساد في الأرض.
-طيب- إذا هذه حجة أخرى دامغة.
وكذلك نجد النبي ﷺ في قضايا العقيدة، حتى في موضوعات الإقناع؛ لأن الحجة ليست دائماً يعني تقال لكافر، فقد يأتي مسلم عنده شبهة فيرد عليه بحجة، فكان في الجاهلية اعتقاد أن المرض يعدي بنفسه، وتأثر بذلك من تأثر، والنبي ﷺ كان يصلح عقائد المسلمين الجدد، فلما قال ﷺ : لا عدوى  يعني على مفهوم أهل الجاهلية أن المرض يعدي بنفسه، وليس نفي وجود العدوى أصلاً، لا عدوى بمفهوم الجاهلية، أن المرض يعدي بنفسه، والصحيح أنه يوجد عدوى لكن تعدي بمشيئة الله، فإذا شاء الله انتقلت العدوى وإذا كان شاء الله ما انتقلت.
هذه عندها ولدان صغيران واحد أصيب بجدري الماء الذي يسميه العامة: العنجز، فقالت: هذا يبغى له علاجات، ويبغى له عناية، خلوهم اثنين مع بعض، فوضعتهما معاً، ولفتهما معاً، وما مرض، وما أصيب بالعدوى.
فإذًا، إذا أراد الله أصابت، وإذا ما أراد الله ما انتقلت، فلما النبي ﷺ قال:  لا عدوى  بمفهوم أهل الجاهلية قال أعرابي: يا رسول الله "فما بال إبلي تكون في الرمل كأنها الظباء" يعني في اللون الحسن، فيأتي البعير الأجرب فيدخل بينها فيجربها؟ فقال: فمن أعدى الأول؟ [رواه البخاري: 5717، ومسلم: 2220] أول بعير أصيب بالجرب، من الذي أعداه؟ المرض ينتقل بأسباب كثيرة، ما هو فقط بالعدوى، ممكن ينتقل بالطعام، ممكن ينتقل بالتغير المناخي، ممكن ينتقل بأشياء، لا يشترط أنه ما ينتقل المرض إلا من مريض إلى صحيح، ممكن الصحيح يمرض بأسباب أخرى غير الاحتكاك بمريض، ويمكن ما يمرض أصلاً.
فإذًا، من قال هذا العدوى هذه حتمية، نقول: لا، هذه عقيدة الجاهلية.
فإن قال: أنا آخذ بالأسباب، فأبعد المريض عن الصحيح.
نقول: هذا صحيح، هذا الأخذ بالسبب صحيح، ولذلك نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يورد ممرض على مصح [رواه مسلم: 2221]، يعني: واحد مريض ما يحتك بالصحيح من باب الأخذ بالأسباب، لا من باب أن العدوى حتمية، وأن المرض أنه سيعدي حتماً، هؤلاء الأطباء في المستشفيات لو كانت العدوى حتمية كان كل الأطباء صاروا على أسرة المرضى.
لكن الشاهد ما هو؟ الشاهد الرد كيف كان؟
 فمن أعدى الأول  هذا جواب مفحم مسكت.
ومع ذلك الشرع أمرنا باتخاذ الأسباب، ونهى عن مخالطة المجذومين، من باب الأخذ بالسبب لا من باب أن العدوى حتمية الإصابة.
جاء رجل إلى النبي ﷺ يشك في زوجته ويعرض بنفي الولد، يا رسول الله امرأتي ولدت غلاماً أسود؟ يعني: لا أنا أسود ولا زوجتي سوداء، يعني: من أين جاء الغلام؟ يعني يمكن واحد.. يمكن..، يمكن..، يشكك، "إن امرأتي ولدة غلاماً أسود؟ قال ﷺ:  هل لك من إبل؟  قال: نعم، قال:  ما ألوانها؟  قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟  يعني: سواد غير حالك، قال: نعم، قال: فأنى كان ذلك؟  إذا كانت ألوانها حمر، من أين ولدت هذا البعير؟ أو هذا باللون المختلف؟ قال: أراه عرق نزعه" لعل في واحد من أجداد هذا البعير كان بهذا اللون، قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق   [رواه البخاري: 5305، ومسلم: 1500].
وفعلاً وجد أن لهذا الغلام جدة أمة سوداء.
فإذًا، هكذا يكون الرد.
مثال آخر مع الأعداء، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد أرأيت جنة عرضها السموات والأرض؟" أنت تقول وفي كتابكم الجنة عرضها السموات والأرض، "فأين النار؟" ما سبب شبهة هذا المسكين؟ -طبعاً- هذا المغالط ممكن يكون جاحداً حتى لو كان عنده علم يكتمه، لكن أنا أسألكم سؤالاً: هل الله ﷺ لم يخلق إلا السموات والأرض؟ هل عنده سبحانه خلقاً آخر غير السموات والأرض؟
كثير، مثل: العرش، والكرسي فوق السماء السابعة سدرة المنتهى، وفوق الماء، والعرش على الماء، والله استوى على العرش.
وكذلك في أسفل سافلين في الأرض السفلى التي نحن ما نراها، في عوالم أخرى.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا محمد أرأيت جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ:أرأيت هذا الليل قد كان ثم ليس شيء، اختفى الليل، أين جعل؟ شوف الرد والله شيء عظيم مشكاة النبوة، قال: الليل هذا كان موجوداً، الليلة الماضية نحن الآن في الصباح، أين ذهب الليل؟ أين جعل؟ قال: الله أعلم، قال:فإن الله يفعل ما يشاء[رواه الحاكم: 103، وابن حبان: 103، وإسحاق بن راهويه: 437، وصححه الألباني: ، وكذلك في تحقيق ابن حبان].
في رسالة هرقل إلى النبي ﷺ: تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فرد النبي ﷺ: سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار؟[رواه أحمد في المسند: 15655 ، قال ابن كثير: "إسناده لا بأس به"].
وهكذا تجد أن العلماء الذين ساروا على طريق الأنبياء حججهم قوية، وعساكرهم كبيرة، وجنودهم وفيرة، من أين؟
إنها نصوص الكتاب والسنة.
لو هزم المسلمون عسكرياً لا يمكن أن يهزموا بالحجة والبيان.
العامي من الموحدين يغلب الألف من العلماء المشركين، فما بالك بعلماء المسلمين؟
أروع المناظرات:
00:28:51
 لما جاء الدهرية إلى أبي حنيفة، يقولون: ما في إله وهذا الكون له دورة، كل ستة وثلاثين ألف سنة يكرر كل شيء مرة أخرى، بعد ستة وثلاثين ألف سنة في آدم ثاني ونوح ثاني، وبشرية ثانية، بعد ستة وثلاثين ألف سنة يطلع آدم ثالث ونوح ثالث، ما في إله، قال أبو حنيفة: أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم؟ قالوا: هات؟ قال: إني رأيت سفينة مشحونة مملوءة بالأمتعة والأحمال في البحر محاطة بالأمواج المتلاطمة، والرياح المختلفة، وهي من بينها تجري مستوية ليس فيها ملاح يجريها، ولا متعهد يسوقها، تنخر عباب الرياح، وتنزل في الميناء ترسو وتنزل البضاعة، وتحمل بضاعة، وما فيها لا ملاح، ولا متعهد، ولا بحارة، ولا عمال، وحدها هذه، قالوا: هذا شيء لا يقبله العقل، قال: سبحان الله إذا لم يجز في عقولكم وجود سفينة مستوية من غير بحار ربان! فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغير أمورها، وسعة أطرافها من غير حافظ، ولا رب يربُها ويقوم عليها؟! فانقلبوا صاغرين.
سار القاضي أبو بكر الباقلاني -رحمه الله- رسولاً من أمير المؤمنين إلى طاغية الروم، وجرت أمور عظيمة، ومنها: أن طاغية الروم أراد أن يدخل عليه أبو بكر القاضي هذا ممثل المسلمين راكعاً منحنياً، قالوا: لكن هؤلاء المسلمين لا ينحنون لغير الله، قالوا: فما الحل؟ قالوا: اجعل لإيوانك مدخلاً نازلاً، بحيث يضطر إذا دخل أن ينحني ليدخل، فعل ذلك، فجاء القاضي أبو بكر -رحمه الله- فرأى ذلك، استدار فدخل بقفاه، ثم ذهب إلى المجلس وفيه كبارهم، وصاحب صليبهم الأعظم، فجاءه وحياه، وقال: كيف الحال؟ كيف الأهل والعيال؟ فقاموا، وغضبوا، وقالوا: إن صاحبنا منزه عن الزوجة والأولاد. هذا الراهب الأعظم! رهبان! ما هم أصحاب شهوات! يتزوج! ويجيب أولادا! متفرغون للكنيسة! فوق مستوى الشهوات! قال: سبحان الله! نزهتم صاحبكم عن الزوجة والولد! ولم تنزهوا ربكم عن الزوجة والولد؟! فادعيتم له صاحبة انجب منها ولدا! -تعالى الله عن قولكم علواً كبيراً- [ينظر: سير أعلام النبلاء: 13/12].
وكانوا قد أعدوا له أسئلة للإحراج، فقالوا: ما فعلت زوجة نبيكم؟ يعني: عائشة ما الخبر هذا؟ في خبر عن عائشة أنها كانت مع واحد في السفر وحدها، وأنها فعلت أشياء أعطونا ما قصة عائشة؟ فقال على البديهة: عائشة -رضي الله عنها- مثل مريم -عليها السلام-، ذكرتا بسوء، فبرأهما الله -عز وجل-، وعائشة ذات زوج ولم تأت بولد، ومريم لم يكن لها زوج وأتت بولد [البداية والنهاية: 11/403].
هذه الحجة البالغة، الحجة في مواجهة عساكر المشركين.
سمع ابن عباد -رحمه الله- مبتدعاً خبيثاً يتكلم في فتنة القبر، ويقول في سؤال منكر ونكير: فيقعدانه ويسألانه عن ربه ونبيه ودينه، ويسألانه عن علي بن أبي طالب، فقال عباد: لم نسمع بهذا، يرد على هذا الكذاب، يقول: لم نسمعها بأحاديث فتنة القبر، ما فيها أنه يسأل عن علي في قبره، قال المبتدع: أنت عثماني خبيث، أنت من الذين يحبون عثمان الذي قتل بنتي النبي ﷺ، فقال له عباد -رحمه الله-: قتل الأولى، فلم زوجه الثانية؟ [الكامل في ضعفاء الرجال: 8/516] يعني: في أب يرى أن زوج ابنته قتلها فيزوجه الثانية؟
من المعاصرين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- مشهور بالمناظرات، جاء واحد عراف يدعي علم الغيب، فيريد أن يناظره ويجادل الشيخ، فقال له الشيخ في المناظرة: طيب أنا أريد أن أسألك سؤالاً؟ قال: ما هو؟ قال: كيف تدعي علم الغيب وأنت لا تعرف ما هو السؤال؟
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وهو يرد على من قال بوحدة الوجود، أصحاب وحدة الوجود كفرة يقولون: الله هو الكون! هو السموات! هو الأرض! هو الجدار! هو السقف! كل ما ترى بعينك فهو الله! ما يؤمنون برب استوى على عرشه فوق خلقه، فيقول شيخ الإسلام: قال بعض الذين يقولون بوحدة الوجود: من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له آخر: فمن الذي كذب؟ [مجموع الفتاوى: 2/305].
هذا يقول صاحب الباطل: من قال إن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له السني: فمن الذي كذب؟ يعني: هذا الآن أنت تقول القائل: أي واحد يقول: أي شيء يقول في الكون سوى الله فقد كذب؟ فقال: طيب إذا قلت: هذا فلان قال: لا، إن الكون غير الله! الله خالق الكون! الله استوى على العرش! فمن الذي كذب؟ على كلامك أنت تتهم ربك بالكذب؟!
وكان الشيخ إحسان إلهي ظهير -رحمه الله- يقارع أهل البدع والشركيات قال: وقد حدث لنا شخصياً سنة 1965م، في مدينة سامراء المليئة بالرفاعيين مثل ما حدث لشيخ الإسلام، السلاح والرماح والسكاكين يقولون: ما تؤثر فينا، فقلت: لماذا لا تذهبون إلى جبهة القتال، والله الناس بأمس الحاجة إليكم، ما دام تقولون: مهما طعنا أنفسنا بالسيوف والرماح ما تؤذينا ، لماذا ما تروحوا للجبهة الناس تحتاجكم جداً، وما دام الرصاص لا يؤثر فيكم؟ قال: وتحديت أحدهم قلت له: أعطني الآن سلاحاً مليئاً وأطلق عليك وأرى إن كان فعلاً أنتم أولياء، وما يؤثر فيكم السلاح، فقال: ما ذكر لي إلا ما ردوا به على شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الكرامات لا تظهر للمكذبين، والله هذه تحفة، لماذا؟ الكرامات المفروض تطلع لكل أحد، بل الكرامات أصلاً تستعمل للمكذبين حتى يؤمنوا.
فصارت الآن الكرامات ما تطلع للأعداء، وتطلع للأصدقاء والأصحاب.
يروى أنه لما ذهب حاطب -رضي الله عنه- للمقوقس وهو ملك الاسكندرية عظيم القبط، قال: يا حاطب كيف الحرب بين محمد وبين المشركين؟ قال: سجال يدال عليهم ويدالون عليه، قال المقوقس: أنبي الله يغلب؟ فقال له حاطب: وابن الله يصلب؟!
وفي مجال الأحكام الشرعية يوجد طاعنون يطعنون في الحلال والحرام والأحكام، فلا بد أن يكون من أهل العلم والدعوة والبيان من يقوم يرد عليهم؛ لأنه لا يجوز أن تثار شبهات على أحكام الدين، ولا يقوم أحد بالرد عليها؛ لأن الرد -يا إخوان- فرض كفاية إذا ما قام به من يكفي أثم الجميع.
فأي شبهة في أي جريدة، في أي مجلة، في أي موقع، في أي مكان، يجب الرد عليها، لو عرض في برنامج شبهة وعندك استطاعة الاتصال والإفحام يجب أن ترد.
في مسألة اجتماعية، نأخذ مثالاً اجتماعياً، واحد يريد أن يحرم بنته، يقول: أوزع أموالي على أبنائي الذكور، البنات ما لهن شيء.
لماذا؟
قال يعني: هذه البنت متزوجة من واحد غريب، ما هو منا، ما هو من صلبي، فأنا إذا أعطيت البنت الآن مالاً، يعني: سينتقل المال إلى هذا الغريب، لا، أنا أبغى مالي كله في صلبي، ما أعطي هذا، ما أبغى المال يروح إلى الغرباء، فقال له صاحب العلم: لقد أعطيته عرضك، أفلا تعطيه مالك؟ ثم إن مالك الذي تعطيه لابنك الذكر سيقسم من بعده فتأخذه زوجته التي هي من ناس غرباء؟ أفتعطيها ولا تعطي ابنتك؟
قال بعض منكري السنة: لقد نهى النبي ﷺ عن كتابة الأحاديث فكيف كتبتموها؟
النبي ﷺ نهى عن كتابة الأحاديث لظرف معين، كان يخشى ﷺ أن يختلط القرآن بغيره، فمنع أن يكتب شيئاً غير القرآن، وكان فيه كتاب للوحي، فلما استقر القرآن في النفوس، وحفظه الناس، ووجدت هذه المصاحف، ووزعت على الأمصار، وانتشر القرآن، وزال المحذور، ومات النبيﷺ، وانقطع الوحي، والقرآن اكتمل، بعد ذلك أذن العلماء بكتابة السنة، فجاء هذا المبتدع يقول، وعند المبتدعة، حديث ضعيف، موضوع، صحيح لا يفرقون، يأتيك في الجدال بحديث يمكن يكون موضوعاً، وقد يأتيك بحديث صحيح لكن معناه غير الذي يقول به هذا الرجل، فالحديث قد يكون منسوخاً فيأتي بحديث منسوخ ويرد عليك، ولا يأتي بالناسخ، المهم قال: نهى نبيكم عن كتابة الأحاديث، فكيف تكتبونها؟ فقال له العالم: ومن أين علمت النهي عن كتابة الأحاديث إلا من حديث مكتوب في الكتب، يعني هذا الحديث الذي أنت تستدل به من أين اتيت به؟ أليس في الكتب؟
دخل ناس من اليهود على علي -رضي الله عنه- فقالوا له: ما صبرتم بعد نبيكم إلا خمساً وعشرين سنة حتى وقعت الفتنة فيكم، قال علي -رضى الله عنه-: قد كان صبر وخير، ولكنكم يعني يا معشر اليهود، ما جفت أقدامكم من البحر حتى قلتم: يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  [الأعراف: 138]. [فضائل الصحابة: 2/725].
إذا نحن وقعنا في خطأ، وما بين مجتهد مؤول ومجتهد مصيب، يعني: مجهد مخطئ ومجتهد مصيب، أنتم وقعتم في الشرك الأكبر، الكفر العظيم، وإذا كنا نحن بعد خمس وعشرين سنة، أنتم في حياة نبيكم، وإذا كنا نحن بعد خمس وعشرين سنة، أنتم أهلك الله عدوكم أمامكم وأنتم تنظرون وجاوز بكم البحر، وأول ما جاوز بكم البحر قال الله: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: 138].
واحد من هؤلاء أهل العلمنة والنفاق مر على شيخ يعلم طلابه الفقه، -طبعاً- أول باب وأول كتاب في الفقه ما هو؟ الطهارة، فطبيعي الشيخ لما يعلم راح يبدأ كما بدأ العلماء، بدأ بكتاب الطهارة، فجاء هذا يقول له: أنت تعلم طلابك الطهارة والناس وصلوا القمر، هو مشكلة الآن أن بعض هؤلاء المنافقين يقول: الناس وصلوا القمر، مع أن الناس وصلوا بعد القمر، أظن يقول: وصلوا المريخ، طلعوا خارج المجموعة الشمسية، لكن أنت تعلم طلابك الطهارة والناس وصلوا القمر؟ فقال له: وأنت لا بالذي أنت طلعت القمر! ولا بالذي أنت تعلمت الطهارة!
وسائل اكتساب الحجة القوية:
00:43:49
 الحجة البالغة وقطع الحجة -أيها الإخوة- تحتاج إلى أشياء، نحن الآن ذكرنا أمثلة، لكن كيف أكتسب حجة قوية؟
 أولاً:الإخلاص لله -تعالى-، بأن لا تكون رغبتك في تعلم الحجج الغلبة والتشفي وحب الظهور؛ لأن بعض الناس يقول: حتى أنا أطلع أمام الناس إني أنا متفوق، وخصمته وأفحمته وسكته.
نقول: ابتغ وجه الله، اجعل نيتك إذا كنت تريد أن تتعلم الحجج، وكيف ترد على أعداء الله، أن تقيم الدين، تظهر الحق، وتجعل أمر أهل الباطل في سفال، وترد عليهم باطلهم، اجعلها لله، إرادة وجه الله، تريد حسنات، وتريد وجه الله -سبحانه وتعالى-.
قال الشافعي -رحمه الله-: "ما ناظرت أحداً على الغلبة إلا على الحق عندي، وبودي أن جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب على أن لا ينسب إلي منه شيء"[سير أعلام النبلاء: 10/76]، وقال: "ما ناظرت أحداً إلا على النصيحة"[سير أعلام النبلاء: 10/29]، وقال: "ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من علم إلا وددت أنه عند كل أحد ولا ينسب إلي" [تاريخ دمشق: 51/384].
بودي لو العلم الذي عندي عند الناس، ويطلع من زيد وعبيد وما ينسب إلى محمد بن إدريس منه شيء.
ثانياً: لا بد من العلم والبيان، ما يمكن واحد يكون عنده حجة بدون علم، فلا بد أن نتعلم العلم، وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ  [آل عمران: 187].
وينهى المناظر عن المناظرة وهو ضعيف العلم والحجة، ولذلك من الأخطاء الفادحة: أن يدخل واحد يمثل أهل السنة في مناظرة وهو ضعيف العلم أو ضعيف الحجة؛ لأنه إذا غلب على من ستحسب؟
على أهل الحق، على أهل السنة.
ولذلك لا يجوز لقاصر علم أو قاصر حجة أن يدخل في مناظرة، المناظرات لها أهلها.
ثالثاً: لا بد من الاطلاع على دلائل الخصم، ولهذا قال العلماء: من لم يطلع على دلائل خصمه لم يقدر على قطعه وخصمه.
رابعاً: لا بد من الشجاعة فلا يستطيع المسلم أن يدخل في مبارزة لهؤلاء الأعداء إلا بجرأة محمودة وشجاعة، ليس تهوراً، وعدم مبالاة بالأخطار وما عند العدو، لا، وإلا سينقطع هو، ولا يجبن فيقعد.
وأحياناً يتعين عليك، يعني: أحياناً تثار الشبهة في فصل دراسي، ولا يوجد يعني أنت أمثل الموجودين، رد يا أخي؟ رد إذا عندك حق تعرفه، واستعن يعني في الرد بما تعرفه من الآيات، معرفة حفظ النصوص -يا إخوان- مهم جداً في إقامة الحجة، ليه؟ لأن النص لا يعوزك، إذا أردته وجدته، الحفظ، هذه ثمرة الحفظ، مباشرة يأتي على لسانك، هكذا في خصمك يكون عندك خصمك كالقنبلة، تأتيه كالقذيفة، تصعقه.
فلما قام واحد يقول أمام الطلاب: متى النساء ستنتهي من هذه الخيمة السوداء، وهذا اللباس المتخلف؟ متى تطلع بزينتها وتمثل مجتمعها؟ متى تكون على خشبة المسرح وتظهر المستوى الفني؟ متى تطلع في الأولمبياد وتظهر المستوى الرياضي؟ ومتى؟ ومتى؟
قام واحد من الطلاب قال: يا دكتور أنا عندي سؤال؟ قال: هات، الديمقراطية التي يزعمونها أنك تفسح المجال، هات، قال: أنا عندي سؤال: أأنتم أعلم أم الله؟ فقال الدكتور: طبعاً الله أعلم، أكيد، لا يستطيع أن يقول غير ذلك، شوف المدخل في إقامة الحجة: أأنتم أعلم أم الله؟ قال: لا طبعاً أكيد، هو سبحان الله من يوم ما تجي الآية منهم من يجيب الحديث، إلا وتجد الرجرجة، والخلخلة..، رعب! الفزع! قال الله عن القرآن: وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان: 52]، هذا القرآن،  وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا  [الفرقان: 52].
أول ما جاء السؤال: أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ[البقرة: 140]؟ قال: الله أعلم أكيد أنه الله أعلم، قال: فإذا كان الله يقول:وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النـور: 31]، وإذا كان الله يقول:وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى[الأحزاب: 33]، وإذا كان الله يقول: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ [النــور: 31]، وإذا كان الله يقول:فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب: 32]، وأنت تريدها تغني، وخشبة المسرح، وتطلع في رياضة متبرجة؟ نسمع كلامك وإلا كلام الله؟ انتهت، يعني: ماذا سيقول؟
ثم لا بد أن يكون هنالك معرفة بحيل هؤلاء الخبثاء، حتى شيخ الإسلام لما جاؤوا وناظروه، بعض هؤلاء يعني أهل البدع، يقولون: عندنا كرامات، قالوا: نحن ندخل في النار فلا نحترق! وأججوا ناراً! وحطوا أيديهم في النار! وشيخ الإسلام -رحمه الله- كان يعلم أنهم يطلون أجسادهم بالدهن النارنج.
ودهن النارنج هذا من خصائصه أنهُ مقاوم للاحتراق، يعني مثال: الآن مطابخ إذا طليت بمادة تقاوم الاحتراق، فيه قاعات محاضرات، فيه أرضيات مقاومة للاحتراق، والمواد قديمة.
فقال شيخ الإسلام: أولا أنا أغسلكم بماء الخل ثم تدخلون، قالوا: لا، ما تظهر الحجج للمنكرين! ما تظهر الكرامات للمكذبين! [ينظر: مجموع الفتاوى: 11/459].
وكذلك من الأمور المهمة في مسألة إقامة الحجة: التمرين على سرعة البديهة مثلما قال الشافعي: "من عود لسانه الركض في ميدان الألفاظ، لم يتلعثم إذا رمقته العيون" [سير أعلام النبلاء: 10/41].
هذه عبارة عظيمة للشافعي: "من عود لسانه الركض في ميدان الألفاظ" يعني: درب نفسك في ميادين النقاش، درب نفسك في الكتابة، في الردود الكتابية التي فيها المجال للتفكير، وأنت تستطيع أن ترسل الرد تضغط الزر وإلا ما ترسل، في نوع من التحكم، "من عود لسانه الركض في ميادين الألفاظ لم يتلعثم إذا رمقته العيون"، هذه مهمة.
ثم الإنسان حتى إذا أراد أن يتمرن مع الخصوم يبدأ بالخصوم المبتدئين.
وأيضاً مشاهدة المناظرات التي ناظر فيها غيرك، وقراءة المناظرات التي ناظر بها غيرك.
ومن أعظم المناظرات -كما ذكرنا-: مناظرة إبراهيم الخليل -عليه السلام-.
ومن وسائل اكتساب الحجة: التأمل في الإجابات المفحمة، والعلماء لهم مصنفات في الإجابات المفحمة.
ومن الوسائل: التمرين على السبر والتقسيم، يعني: الاحتمالات في المناظرات مهمة، قال الله -تعالى-: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ  [الطور: 35] في مناظرات الملاحدة،  أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ [الطور: 35]؟ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ  الطور: 36]؟  أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ  الطور: 37]؟ يعني: خلقوا من العدم، وإلا هم الذي خلقوا أنفسهم، وإلا هم الذين خلقوا السموات والأرض، وإلا هم الذين عندهم خزائن السموات والأرض؟
فهذا السبر والتقسيم، الاحتمالات، مهمة، نقول: إما أنه كذا، أو كذا، في عندك احتمال آخر؟ نقول: لا، نقول: نبدأ بالأول، الرد عليه كذا، الثاني الرد عليه كذا، فلم يبق إلا الثالث، وهكذا..
عجبي للمسيح بين النصارى *** وإلى أي والد نسبوه
شوف المناظرة الآن الرد في الأبيات هذه:
أسلموه إلى اليهود وقالوا *** إنهم بعد قتله صلبوه
فإذا كان ما تقولون حقا *** وصحيحا فأين كان أبوه
يعني أب يتفرج على ابنه وهو يصلب؟ فيه أب يتفرج على ابنه وهو يقتل، ولا يفعل شيئاً، ولا يحرك ساكناً؟
فإذا كان ما تقولون حقاً *** وصحيحاً فأين كان أبوه
حين حل ابنه رهين الأعادي *** أتراهم قد ارضوه أم أغضبوه
فلئن كان راضياً بأذاه *** فاحمدوهم لأنهم عذبوه
وإذا كان ساخطاً فاتركوه *** واعبدوهم لأنهم غلبوه
[الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، القرطبي، ص: 419].
ثم من أسباب تكَّون الحجة: الدعاء: ((رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكاراً، لك ذكاراً، لك رهاباً، لك مطواعاً، لك مخبتاً، إليك أواهاً منيباً، ماذا قال بعدها؟  رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدد لساني .
هذه مهمة جدا هذه الدعوة النبوية: ثبت حجتي وسدد لساني واهد قلبي  والحديث في الترمذي [رواه أبو داود: 1510، والترمذي: 3551، وابن ماجه: 3830، وأحمد: 1997، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح"].
فهذا الدعاء عظيم الأثر في وجود الحجة وقوتها.
ومع تحسين المستوى اللغوي، مع التدبر في الكتاب والسنة، والتدبر مهم جدا: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى [محمد: 17]، فإن هذه الأمور مما يعين كثيراً على اكتساب الحجة للمسلم.
أسأل الله أن يغفر ذنوبنا، ويرحم ضعفنا، ويجبر كسرنا، وينصرنا على عدونا، ويرحم إخواننا المستضعفين، وأن يكون لهم ولياً ونصيرا، إنه نعم المولى ونعم النصير.
اللهم سدد ألسنتنا، وثبت حجتنا، وطهر قلوبنا، يا أرحم الراحمين.
وصلى الله على النبي الأمين.
 
  • عمر

    جزاك الله خير الجزاء