الأحد 12 صفر 1440 هـ :: 21 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

اخوانكم يستنجدون..المدد المدد


عناصر المادة
سنن الله الجارية في خلقه.
نهاية الظالمين.
أنواع المدد.

الخطبة الأولى.

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

سنن الله الجارية في خلقه.
00:00:54

 

عباد الله:

إن لله سبحانه وتعالى، في خلقه لشأناً عجباً، وله سنن لا تتبدل ولا تتغير، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًاسورة الفتح23.فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا سورة فاطر43.

من الناس من يعرف بأمور من الصفات، والخصال الحميدة، ولكن الله تعالى له الحمد، وله صفات الكمال والجلال كلها، فمن الناس من يعرف ربه بالجود، والإفضال، والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو، والحمل، والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش، والجبروت، والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم، والحكمة، والخبرة، ومنهم من يعرفه بالعزة، والكبرياء، والاستعلاء، ومنهم من يعرفه بالرحمة، والبر، واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر، والملك، والهيمنة

 

من الناس من يعرف بأمور من الصفات، والخصال الحميدة، ولكن الله تعالى له الحمد، وله صفات الكمال والجلال كلها، فمن الناس من يعرف ربه بالجود، والإفضال، والإحسان، ومنهم من يعرفه بالعفو، والحمل، والتجاوز، ومنهم من يعرفه بالبطش، والجبروت، والانتقام، ومنهم من يعرفه بالعلم، والحكمة، والخبرة، ومنهم من يعرفه بالعزة، والكبرياء، والاستعلاء، ومنهم من يعرفه بالرحمة، والبر، واللطف، ومنهم من يعرفه بالقهر، والملك، والهيمنة

 

، ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته، وإغاثة لهفته، وقضاء حاجته، وأعم هؤلاء معرفةً من عرف كلامه في كتابه، ومعاني ما أنزله على عباده، فإنه يعرف رباً قد اجتمعت له صفات الكمال، ونعوت الجلال، منزه عن المثال، بريء من النقائص، والعيوب، والله شديد المحال.

وسننه سبحانه وتعالى، في خلقه لا زالت جارية، والبشر لهم مفاجئات، تحدث على حين غرة، وغفلة، ويقولون: هذا خلاف المتوقع، وأما سنة الله تعالى فإنها تجري على قانون، لا يعرف التبديل، والتغيير، ومن عرف هذه القوانين، وعمل بموجبها سعد، وربنا سبحانه وتعالى، له سنن في النصر مثلاً والتمكين، فمن أخذ بموجب هذه السنة في النصر حصل له النصر إذا استوفى شرائطه، وكمل أركانه، وكذلك من استوفى شروط التمكين حصل له التمكين؛ لأن الله لا يخلف الميعاد.

وسنن الله شاملة، وعامة، وجارية في خلقه، ونافذة، وثابتة لا تتغير، نافذة متحققة، تسري على الجميع رغماً عنهم، أرادوا أو لم يريدوا، ويفاجأ الناس بأمور، ولكن سنن الله عز وجل لا تتخلف ولا تتغير، فسنته سبحانه وتعالى تحدث في الواقع، كقوله:حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِسورة يونس24.

من سننه أنه أبقى آثار العذاب على أقوام رغم تقادم العهود ليكون في ذلك موعظة للمتأخرين، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَسورة النمل52.وقال في قرية قوم لوط:وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًاسورة الفرقان40ولما كانت على طريق السفر لأهل مكة إلى الشام، قال لهم: وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ، وقال:وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ*وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَسورة الصافات137. وأبقى جسد فرعون لمن بعده، فقال: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةًسورة يونس92وقال: ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌسورة هود100. أي: منها قائم كآثار فرعون، كالأهرامات، وآثار نينوى، بلد قوم يونس، وصنعاء بلد قوم تبع، وهناك قرى بائدة، مثل ديار عاد، وقرية مدين، ونحوها، ولكن الذي يجمع كل ذلك قوله:وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌسورة هود102.وهذه سننه في الأفراد، وسننه في الجماعات، والأمم، جارية ولا بد، ومن ذلك سنة التغيير، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌسورة الأنفال53فيغير سبحانه وتعالى من الشدة إلى الرخاء، ومن الرخاء إلى الشدة، بحسب حال العباد، وكذلك فإنه يداول الأيام بين الناس، فتكون القوة تارة لهؤلاء، وتارة لهؤلاء، ولا تبقى لأحد مستمرة، فلو بقيت للكفار فيصيب المسلمين اليأس، وإذا بقيت للمسلمين أصابهم العجب، وحلت بهم الأدواء، وكذلك فإن من سننه هذا التدافع الذي يكون بين أهل الحق، والباطل، وأهل الإسلام، وأهل الكفر، وأهل الشرك، وأهل التوحيد، وأهل السنة، وأهل البدعة، يدفع هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، كما يجري في الاحتساب على أهل المنكر، فيدفع أهل المنكر بأهل المعروف، ويدفع أهل المعصية بأهل الطاعة، كما يقوم لله دعاة يقيمون الحجة، وينصحون الناس، ويكشفون الشبهات، ويبينون زيف الباطل، وهذه سنة الصراع بين الحق والباطل قائمة،وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُسورة البقرة251.

وكذلك من سننه التمكين لعباده الصالحين الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِسورة الحـج41فيزول التمكين بزوال هذه الأمور، التي أمر بقيامها.

ومن سننه تعالى، أنه لا يأخذ البلدة وأهلها مصلحون، كما قال:وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَسورة هود117.

ومن سننه عز وجل أنه يأخذ الظالمين، والمجرمين، والمفسدين وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًاسورة فاطر43وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَسورة الشعراء227وقال:فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَسورة المؤمنون41أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَسورة هود18فمهما استمر ظلم الظالم فإن الله سيأخذه، يستعجل الناس، متى يكون الأخذ؟وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَسورة الحـج47إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًاسورة المعارج6-7 فلله ميزان، ولله حكمة في كل آن، فلا بد للعباد أن يصطبروا، ويثبتوا على مراد الله منهم، حتى يأتي وعد الرحيم الرحمن.

نهاية الظالمين.
00:09:43

عباد الله:

وكم حفل التاريخ بنهايات لهؤلاء الظالمين، وما من يد إلا يد الله فوقها، ولقد حصل في القديم، والحديث، أهلك الله فرعون، وهامان، وقارون، وأهلك الذين أجرموا في أصحاب الأخدود، وأهلك سبحانه وتعالى أحيمر ثمود وعاقر الناقة إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَاسورة الشمس12مع قومه، وهكذا أهلك من جبابرة العرب من أهلك، فذهب أبو جهل، وأبو لهب، وفي الحديث أخذ الله جبابرة كثر، فهذا أتان الترك قد أخذه الله عز وجل، بعد أن حوله مساجد إلى كنائس، وغير دين الله، وألغى الأذان، والتعامل بلغة العرب، ومنع أنواعاً من الشريعة، وعطلها، وفرض السفور، وحارب الحجاب، فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَسورة القصص81لما نزل به أمر الله، وهذا شارون لا هو بين الأحياء، ولا هو بين الأموات،أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَسورة هود18. وهكذا، وهكذا في كل وقت، وحين.

غرت الدنيا غريراً فافتتن *** كنز المال وأخفى وخزن

ثم ولى لم ينل غير الكفن ***  أين نمرود وكنعان ومن

ملك الأرض وولى وعزل *** أين إسكندر سلطان الزمن

قهر الدنيا وأفنى وسجن *** أين قارون وأطيان اليمن

أين من عاثوا فسادوا وعتوا *** وأذلوا واستبدوا وطغوا

أين من نالوا السبايا واقتنوا *** أين من سادوا وشادوا وبنوا

هلك الكل فلم تغني القلل

عباد الله:

إن لله سطوات في خلقه، إن لله سبحانه وتعالى نقمات، فهو يبتلي أهل الإيمان بأهل الطغيان، ثم يأخذ أهل الطغيان،الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَسورة العنكبوت1-3والصبر على هذا، مع الأخذ بالأسباب الشرعية، في دفع الباطل، وأهله، من أعظم العبادات، فيها تحقيق لعبودية رب العالمين، في الثبات على أمره، ونهيه، وشرعه، والصبر لحكمه، وقدره، هذا فيه دليل على إيمان صاحبه؛ لأن من الناسوَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُسورة الحـج11. ولما سئل الإمام الشافعي، رحمه الله: أيهما أفضل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال: "لا يمكن حتى يبتلى"، التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن، هذه السّنة، والقاعدة الربانية، لا تمكين إلا بعد محنة، ولا تمكين إلا بعد صبر على هذه المحنة.

والصبر كالصبِرِ مر مذاقته *** لكن عاقبته أحلى من العسل

فلا بد إذن من الصبر على مرارة الابتلاء، لا بد أن تتعاضد الأمة في هذا الصبر، حتى يأتي وعد الله، والله مُتم نوره ولو كره الكافرون،يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَسورة التوبة32.لكن بشر هذه الأمة بالسناء، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فإذا قامت بأمر الله، فإن الله سبحانه وتعالى سيأتيهم بوعده.

نسأل الله عز وجل أن يعجل الفرج لهذه الأمة، وأن يأتي بالتمكين لعباده الصالحين، وأن يخزي المجرمين، ويأخذ الظالمين، إنه سميع مجيب قريب.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، وسبحان الله، ولا حول، ولا قوة إلا بالله، أشهد أن لا إله إلا الله، لم يتخذ صاحبة، ولا ولداً، وأشهد أن محمداً عبد الله، ورسوله، والرحمة المهداة، البشير، والنذير، والسراج المنير، صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، وذريته الطيبين، وخلفائه الميامين، وأصحابه، أولي الهدى، والعرفان، المستمسكين بالدين، رضي الله عنهم، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أشهد أن رسول الله محمد قد دعا إلى الله سبحانه وتعالى، وبيّن لنا الصراط المستقيم، وحثنا على كل خير، ونهانا عن كل شر.

أنواع المدد.
00:16:01

عباد الله:

وفي غمرة صبر إخواننا من أهل الابتلاء فإن على إخوانهم في الأرض، واجبات كثيرة، فإنهم يرون الملاحم العظام، والفظائع، والمشاهدات الجسام، تفتُّ الفؤاد فتَّاً، وتقطع القلب كمداً، فهؤلاء أطفال، وصغار حملتهم شاحنة في الطريق من حمص إلى دمشق، ذكوراً، وإناثاً، من محسن حملهم، أكبر واحد فيهم عمرة ست عشرة سنة، ثم رووا من قصص الأهوال التي تعرضوا لها، والاغتصابات التي حدث لإناثهم، وليس لهم أهل يعرف مكانهم، وهكذا يبقى أناس على وجوههم يهيمون، فما هي واجبات إخوانهم تجاههم؟

 

في غمرة صبر إخواننا من أهل الابتلاء فإن على إخوانهم في الأرض، واجبات كثيرة، فإنهم يرون الملاحم العظام، والفظائع، والمشاهدات الجسام، تفتُّ الفؤاد فتَّاً، وتقطع القلب كمداً، فهؤلاء أطفال، وصغار حملتهم شاحنة في الطريق من حمص إلى دمشق، ذكوراً، وإناثاً، من محسن حملهم، أكبر واحد فيهم عمرة ست عشرة سنة، ثم رووا من قصص الأهوال التي تعرضوا لها، والاغتصابات التي حدث لإناثهم، وليس لهم أهل يعرف مكانهم، وهكذا يبقى أناس على وجوههم يهيمون، فما هي واجبات إخوانهم تجاههم؟

 

فإلى متى يبقى فؤادك قاسياً *** وإلى متى تبقى بغير شعور

هلا قرأت ملامح الأم التي *** ذبلت محاسن وجهها المذعور

هلا استمعت إلى بكاء صغيرها *** وإلى أنين فؤادها المفطور

هلا نظرت إلى دموع عفافها *** وإلى جناح إبائها المكسور

ولا بد للمسلمين، أن يقوموا لله بواجب إخوانهم.

ألا نفوس أبيات لها همم *** أما على الحق أنصار وأعوان

وربنا قال:إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌسورة الحجرات10و(المسلم أخو المسلم لا يسلمه)[رواه البخاري بمعناه2442].وفي رواية للطبراني: (ولا يسلمه في مصيبة نزلت به) [رواه الطبراني في الكبير13239]. قال العلماء: "لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه"، ومعلوم ما في تفريج الكربات من الأجور العظام، والحسنات، وما في الخذلان من السيئات، والمسلمون للمسلمين أمداد، بتقويتهم، وإعانتهم، والمدد كان يطلق على العسكر الذي يحلق بالغزو في سبيل الله، فكان عمر يصف أهل اليمن بأنهم الأمداد؛ لأنه قد جاء من جنوب الجزيرة من جاء لمدد إخوانهم.

وقال الإمام البخاري رحمه الله: "باب العون بالمدد". وقد استمد النبي صلى الله عليه وسلم أناساً من المسلمين، فأمدهم بسبعين من الأنصار، والله سبحانه وتعالى يرسل مدداً من الملائكة، فقال في كتابه العزيز:بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ سورة آل عمران125.

والمدد منه معنوي، ومنه مادي، فيكون مدداً بالمال، ومدداً بالتفريج، ومدداً بالإنقاذ، ومدداً بالعلاج، وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًاسورة المائدة32.

وهؤلاء النازحون في الداخل، واللاجئون في الخارج، يحتاجون إلى من يدعوهم، ويعينهم، ويصبرهم، ويحتاجون إلى من يعالجهم، ويداويهم، ويحتاجون إلى من يؤويهم، ويحاجون إلى من يطعمهم ويكسيهم، وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍسورة التوبة71. المؤمنون كرجل، ورجل واحد، إن اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى، والسهر، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز المعاونة على البر والتقوى، وذكر نبيه صلى الله عليه وسلم، عون الله للعبد، ما دام العبد في عون أخيه.

وإن من أنواع المدد في زمننا هذا؛ المدد بالإعلام، والمدد بالدعم في المحافل العامة، وكذلك فإن فيها نصرة للمظلوم، ومنع من الخذلان، وأيضاً استعمال الجاه في نصرة الإخوان في الله، وإذا نظرنا إلى تاريخنا؛ لوجدنا هذا الأمر واضحاً غاية الوضوح، كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن، وهم الأعوان والأنصار، الذين كانوا يمدون المسلمين، سألهم: "أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس، قال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم؟ قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)، فاستغفر لي" – يقول عمر – فاستغفر له – أي أويس [رواه مسلم1969].

وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: "خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مدد من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزوراً، فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه، فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب فجعل الرومي يغري بالمسلمين، أي يحث أصحابه الكفرة على القتال، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه. الحديث رواه أبو داود وأصله في مسلم، [رواه أبو داود2719].

وهكذا ظهرت الإعانات في حال الأزمات جلية، ففي الهجرة كانت عائشة وأسماء تمدان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر في الغار، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بالأخبار، وهذا نوع مهم من المدد، الخبر عن العدو، وكان عامر بن فهيرة يأتي بمنحة من غنم فيريحها عليهما، يعني للشرب، فأنت ترى اتخاذ الأسباب في هذه الحركة النبوية، وأن هناك أمور قد حسب لها الحساب، وأعد الغذاء، والعلم بأخبار العدو، ووسيلة النقل، والمكان، ونحو ذلك.

عباد الله:

وإن من إمداد المسلمين لإخوانهم ما يحصل بالأطعمة، والأكسية، كما كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستغيثهم لأهل المدينة، ومن حولها، ويستمدهم في عام الرمادة، فكان أول من قدم عليه أبو عبيدة بن الجراح في أربعة آلاف راحلة من طعام، فولاه قسمتها فيمن حول المدينة، وتتابع الناس، واستغنى أهل الحجاز، وأحيوا مع أول الحياء أي: المطر، وبعث عمرو بن العاص من مصر بعشرين سفينة تحمل الدقيق، والسمن، وبعث ألف بعير وخمسة آلاف كساء، وبعث معاوية من الشام بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق، وثلاثة آلاف عباءة، وبعث والي الكوفة بألفي بعير تحمل الدقيق، وهكذا يكون الإمداد، إمداد بالمال وخاصة عندما يكون الناس مجهدون معسرون، وكذلك المواساة بالمركب لمن ليس له مركب، (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له)[رواه مسلم1728].وهكذا بالمسكن، لمن ليس له مسكن إذا كان عند الإنسان فضل في المسكن، وأيضاً الإمداد بالدواء ومن يعالج بالدواء، وقد كان هذا من شأن المسلمين، فإن حروبهم في القادسية وغيرها كان يأتيهم فيها المدد من إخوانهم الأطباء، والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا المواساة: (إن الأشعريين) يعني: من أهل اليمن المسلمين القادمين إلى المدينة، (كانوا إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء)[رواه البخاري2486]والنبي صلى الله عليه وسلم، لما حث الناس عندما رأى قوماً جاؤوا حفاة عراة مجتابي النمار حثهم على الصدقة، فاجتمع عنده كوم من طعام، وثياب حتى تهلل وجهه، وهكذا يكون الإمداد بالمساندة الإعلامية في القنوات، والبرامج، وما أشد فعلها في العدو؛ لأنها من جنس ما كان يقوم به حسان بن ثابت رضي الله عنه من الدعاية الإعلامية للمسلمين في شعره، والتخذيل، والتثبيط للكفار، والانتصار، ورفع المعنويات للمسلمين، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وقال: (اهجوا قريشاً فإنه أشد عليها من رشق بالنبل)[رواه مسلم2490]وهكذا لما جاء الأسد الضارب بذنبه وأدلع لسانه، وجعل يحركه ويقول: "والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم"، فيكون الإعداد لهذه المواد التي ترفع معنويات المسلمين وتخذل في الأعداء، وأيضاً ما يكون عن طريق هذه الشبكات من أنواع الإمداد في الكلام المكتوب وغيره من المواد المنقولة في نصرة المسلمين.

وكذلك من أنواع المدد الإمداد بالرأي والمشورة،وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِسورة آل عمران159.وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْسورة الشورى38.وعمر رضي الله عنه في قتال الفرس مع سعد بن أبي وقاص لم يدع ذا رأي، ولا شرف، ولا خطيباً، ولا شاعراً، ولا وجيهاً من وجوه الناس إلا سيره إلى سعد في تلك المواجهة العظيمة، بين المسلمين، وبين المجوس.

والإمداد بالدعاء، كان يفعله عليه الصلاة والسلام، لأفراد، ومجموعات ممن آمن به:(اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد) ثم يقول: (اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين)، فيدعو لأفراد وجماعات، ويقول: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف)[رواه البخاري1006]. ويدعو للضعفاء، ويهتم بأمر الضعفاء، ودعاء الضعفاء شأنه عظيم، تنصرون بضعفائكم، إن من أنواع الإمداد: الإمداد بالفتوى، ويحتاجونه كثيراً في هذه الأيام في نوازل وقعت لهم، فإذا نزحوا من حي قد أصابه القصف إلى حي آخر فيه بيوت لأناس غير مسكونة فهل يجوز يا ترى لهم أن يدخلوها بلا إذن وأن يستعملوا ما فيها، وهكذا من أنواع النوازل التي حصلت حتى في أمور النساء وحصلت في أنواع كثيرة في مواجهة العدو.

عباد الله:

الأمناء، والموازنات، والإخلاص، وتسخير المواهب، والقدرات لخدمة إخواننا في العقيدة والدين.

اللهم إنا نسألك أن تكون معهم يا أرحم الراحمين، اللهم اجمع شملهم على الحق المبين، اللهم ثبت أقدامهم وانصرهم على القوم الكافرين، أنزل عليهم صبراً، وثبت أقدامهم، وتغشاهم بسكينة من عندك، وأمددهم بملائكتك، اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه الفرج لإخواننا بالشام، وسائر الأرض يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام، والمسلمين في بلاد المسلمين، اللهم هيئ لها من يحكم بشرعك، ويقيم أمرك، ويدعو إلى سبيلك، اللهم عليك بالمجرمين الظالمين، أنزل بهم بأسك، زلزلهم وخذهم، اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم، واجعل عليهم بأسك ورجزك وعذابك يا مجري السحاب، وهازم الأحزاب، يا منزل الكتاب، اللهم اهزم هؤلاء المجرمين، شتت شملهم واجعلهم عبرة للمعتبرين، اللهم خالف بين كلمتهم، وألق الرعب في قلوبهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين، اللهم إنهم لا يعجزونك، وأنت الواحد القهار العزيز الجبار، اللهم خذهم أخذاً وبيلاً، اللهم خذهم أخذاً أليماً، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم، اللهم اشدد وطأتك عليهم يا قوي، اللهم آمنا في الأوطان، والدور، وأصلح الأئمة، وولاة الأمور، اللهم اغفر ذنوبنا، واقض ديوننا، واستر عيوبنا، واجمع على الحق كلمتنا، يا رب العالمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

1 - رواه البخاري بمعناه2442.
2 - رواه الطبراني في الكبير13239.
3 - رواه مسلم1969.
4 - رواه أبو داود2719.
5 - رواه مسلم1728.
6 - رواه البخاري2486.
7 - رواه مسلم2490.
8 - رواه البخاري1006.