الاثنين 13 صفر 1440 هـ :: 22 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

احذروا الزلات


عناصر المادة
مقدمة عن فتن الزلات في هذا العصر:
توفيق الله للعبد بأن يرزقه اليقظة في حياته الدنيا:
أهمية القدوة الحسنة في حياتانا:
أنواع القدوة وأصول القدوة الحسنة:
المنهج الرشيد في التعامل مع زلات العلماء:
الضوابط الشرعية للنصح البنّاء:
خطورة زلة العالم والاغترار بعلماء السوء:
سمات العالم بالشريعة:
الزلات تؤدي بصاحبها إلى أن ينسلخ من دينه:
أسباب الزلات:
اتباع الهوى:
الغفلة:
التقصير:
مسايرة الناس فيما يريدوه:
الآثار المترتبة على مسايرة الواقع:
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
مقدمة عن فتن الزلات في هذا العصر:
00:00:21
 ونحن اليوم في هذا الزمن زمن الفتنة، ومن الفتن: فتنة الزلات، وفتنة الشهرة، فإذا صارت زلة مشهور كانت الداهية الدهياء، والمصيبة العظيمة؛ لما يقع بسبب ذلك من ضلالٍ الخلق عن فتنة الزلات في عالم الشهرة.
نتحدث في هذا الموضوع الخطير والمهم، الذي كان من آثاره تنكب كثير للطريق المستقيم، كان من آثاره زيغ العدد عن الصراط القويم، كان من آثاره اضطراب وحيرة لدى الكثيرين، يقولون: نسمع أقوالاً اليوم بخلاف ما تقرر لدينا في السابق، لقد وعينا من العلماء الماضين أقوالاً نراها تُخالف الآن، فشككنا في أنفسنا، وفي مسموعاتنا ومعلوماتنا، وجعلنا نقول: أين هو الصواب؟ ما هو الحق يا ترى؟ هل الذي كان عندنا أولاً، أم الذي نسمعه الآن؟ وآخرون نشأوا حديثاً لم يسمعوا من كلام الراسخين فيما مضى الفتاوى المشهورة المعلومة في أمور واقعة كثيرة، وإنما تفتحت آذانهم اليوم على أقوال لأناس جدد قد تسنموا تلك الكراسي الدينية، وصاروا يطلقون الفتاوى في الفضائيات وغيرها، مجلات، مواقع، مجامع، فصار هؤلاء يأخذون من زلات هؤلاء، فتنة تعقبها فتنة، زلة وشهرة، واضطراب في الأخذ، وعمن نتلقى، ومن هو الذي يستفتى؟ ومن هو العالم؟ وماذا إذا تعارضت الأقوال؟ إنه دين ولا بد من الاهتمام بالأمر، حول هذا الموضوع الكبير، حول هذه القضية الخطيرة.
نتحدث بمشيئة الله تعالى من أقوال العلماء، ونطلق من منهاجهم بمشيئة الله قواعد واضحة تنير لنا الدرب، وتأخذ بأيدينا إلى الصراط المستقيم، بحول الحكيم العليم.
توفيق الله للعبد بأن يرزقه اليقظة في حياته الدنيا:
00:02:45
 إن من توفيق الله تعالى للعبد: أن يرزقه اليقظة في حياته الدنيا، فلا تراه إلا حذراً محاسباً لنفسه، يرى قدمه أين يضعها حتى لا تزل القدم بعد ثبوتها، وهكذا يجأر إلى الله بالدعاء بالثبات على الدين، ويستعيذ بربه من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنها فتن تموج كموج البحر، يرقق بعضها بعضاً، ينسي تاليها ماضيها، فتن شديدة تعصف بالدين.
وإذا كان النبي ﷺ قد قيل له في القرآن: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [الإسراء: 74]. فسواه من الناس إلى التثبيت أحوج، وهذا تأكيد على أهمية سؤال الله الثبات، والهداية إلى الحق.
وهؤلاء العلماء والدعاة صفوة الأمة، وحصنها الحصين، داء دوائها، وبلسم أمراضها، فيهم من صفات النبل والفضل الكثير، ولكن إذا حصل من هؤلاء الخطأ، فماذا تكون الأحوال؟
إن أصحاب الفضائل الكثيرة، والكمالات العديدة، والمناقب الجليلة، إذا زل الواحد منهم زلة فإنها تُغتفر في بحر علمه وحسناته وفضائله، لكن المشكلة أن يزل أنصاف هؤلاء المتعلمين، أن يزل المشاهير من غير أولي العلم الراسخين، والناس بعضهم مساكين لا يفرقون بين العالم وبين الشاعر، لا يفرقون بين العالم وبين الواعظ، لا يفرقون بين العالم وبين مفسر الأحلام، لا يفرقون بين العالم وبين إمام المسجد وخطيب الجمعة، لا يفرقون بين العالم وبين مقدم البرامج الدينية، لا يفرقون بين العالم والداعية الذي يتصدى لعلاج بعض أمراض المجتمع، وهكذا يخفى من يُسأل، ويسأل من ليس بأهل، والنبي-صلى الله عليه وسلم- حذرنا من فتنة عظيمة يتخذ الناس فيها رؤساً جهالا، يستفتونهم فيفتونهم بغير علم، فيضلون ويضلون، إننا نعلم من القواعد العظيمة أنه ليس في الأمة معصوم إلا هذا النبي الذي أرسله الله رائداً وأسوة وقدوة لها -صلى الله عليه- وعلى آله وصحبه.
ولذلك فإن من عداه يؤخذ من قوله ويرد، وأهل العلم والدين، والذين عرفوا من تاريخهم السابق بالرسوخ في هذا الدين، إذا زل الواحد منهم زلة، فإنه لا يُستغنى عنه ولا يُترك.
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
[نهاية الأرب في فنون الأدب: 3/94].
وما هي إلا مناصحة شفيق ثم تكون العودة إلى الصراط المستقيم، وما هي إلا مناصحة من شفيق ومريد للخير إلا ويعود إلى الصراط المستقيم.
أهمية القدوة الحسنة في حياتانا: 
00:05:58
 إن القدوة مهمة في حياتنا، وزلات القدوات أيضاً خطيرة، والموضوع ينبغي أن يؤخذ من جوانب متعددة.
إن استقامة المؤمن على دينه، وقوة علاقته بربه، وحسن خلقه وتعامله، إنه دليل على تدينه الحقيقي، والقدوة الصالحة لازمة للعالم وطالب العلم والداعية بحسب المكانة، وعليه أن يتحسس خطورة الموقف، وموقعه بين من حوله، وبالتالي فإنه يكون في أشد الحذر من ارتكاب الأخطاء والوقوع في الزلات؛ لأنه يعلم أنه إذا زل زل وراءه ناس.
والقدوة يقال إذا كان يقتدى به فهو قدوة، ولي بك قدوة.  
قال الشوكاني: "اقتدى به فعل مثل فعله تشبهاً به"[إرشاد الفحول: 1/107].
فالاقتداء: طلب موافقة الغير في فعله.
والقدوة هو الأسوة، قال القرطبي -رحمه الله - : "هو من يُتأسى به فيُقتدى به في جميع أحواله" [تفسير القرطبي: 14/155].
ومن هنا وجب على العالم القدوة أن يتأسى بالنبيﷺ في شمائله، ويطبق ما أثر عنه في سلوكه وأحواله، وينبغي أن تكون هذه الصفات التي يتصف بها حقيقية وليست مصطنعة، وأنه يجاهد نفسه حتى تكون له عادة، وكلما كانت الصفات والخلال الحسنة الفطرية مترسخة في الإنسان كان أثره في الآخرين أكبر، وكان داعي الاقتداء به أشد، وأجمل الخلال ما تكون مستوية مستقيمة على الدين خاضعة له ونابعة منه.
أنواع القدوة وأصول القدوة الحسنة:  
00:07:35
 والقدوة قدوتان: قدوة حسنة وقدوة سيئة، قال السعدي -رحمه الله-:" الأسوة نوعان: أسوة حسنة وأسوة سيئة، فالأسوة الحسنة هي الرسول ﷺ ومن نهج نهجه، وأما الأسوة بغيره إذا خالفه -يعني رسول الله ﷺ فهو الأسوة السيئة" فهذه الأسوة الحسنة التي تأست بالنبيﷺفي شمائله وصبره ومصابرته ومجاهدته وخلقه، واقتفت أثره في كل شيء ونهجت نهجه، واستنت بسنته، وقد ينحرف الإنسان فيصبح قدوة سيئة للغير إذا فسدت طويته وساءت نيته، وهكذا يمشي مشية المختل.
إن أصول القدوة الصالحة عظيمة، فما هي؟ ترجع إلى أصلين كبيرين: حسن الخلق، وموافقة العمل للقول، هذه القدوة الحسنة، فإذا تحقق هذان الأصلان حسنت القدوة، وأصبحت سيرة طيبة، ودعوة صامتة.
أنت تقول لولدك مراراً: بكّر إلى الصلاة فلا تراه يتأثر، لكنك إذا قمت إلى الصلاة مبكراً وتوالى ذلك بحيث رآه يحدث مراراً وتكراراً صار يتشبه بك حتى دون أن تكلمه ولا أن تنبهه؛ لأن التأثير بالفعل أشد من التأثير بالقول.
فأما حسن الخلق فإنه لا بد من التأسي والتخلق بالأخلاق الحسنة، كالصدق، والأمانة، والصبر، والرحمة، والتواضع والمحبة، والعطف، والإيثار، والرفق.
وأما القضية الثانية: وهي موافقة القول للعمل، فإن الله  حذر من عكس ذلك فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ [الصف: 2- 3].
إن القدوة الصالحة أهم الوسائل للتأثير في الآخرين، وكثير من الناس لا يكترث بقولك إلا إذا رآك تعمل به، فعندها يزداد قناعة بما تقول وتتكلم، ويعلم بأن هذا الأمر الذي تأمره به هو حق.
قال الشاطبي -رحمه الله- : "إذا وقع القول بياناً، فالفعل شاهدٌ له مصدق، وبيانه وتفصيله أن العالم إذا أخبر عن إيجاب عبادة من العبادات، أو لزوم فعل من الأفعال، ثم فعله هو عند ذلك يقوي اعتقاد إيجابه، وينتهض للعمل به، كل من سمعه وأخبر عنه ورآه يفعله" [الموافقات: 4/85].
ومن هنا تظهر النتائج العكسية لمن يُرى يخالف قوله فعله، وفعله قوله، ويظهر الشعور لدى العامة والأتباع بالتناقض، والقدوة الطيبة لها شأن كبير وأثر بعيد المدى في نفس الإنسان، فهو في الحقيقة يهتدي بهدي هؤلاء؛ لأن المثل الحي ضروري.
صحيح أن عندنا شخصية النبي ﷺ موصوفة بدقة، وكذلك قصص أصحابه، ولكن وجود قدوات في الواقع مهم جداً في عالم التربية اليوم؛ لتأثير هؤلاء في النفوس، والإنسان يقتدي بالأصل، أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: 90]. ولكن لا بد أن تقدم القدوات العملية الحية، كما قال تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ  [آل عمران: 79]. فهذا القدوة بتلقيه للعلم، وتعليمه للناس يصبح ربانياً ومعلماً للخير وقدوة فيه.
أما بالنسبة للزلة، وهي جزء من موضوعنا هذا، فإن أصل الزلة والزلل في اللغة: من زل يزل، إذا انحرف عن مساره، ونزل عن مستواه، والزلة في الأصل: استرسال الرجل بغير قصد، والمزلة: المكان الزلق، وقيل للذنب من غير قصد: زل تشبيهاً بزلة الرجل، [لسان العرب: 11/306]، وعلى هذا فيمكن أن يحدد معنى الزلة بأنها: الخطأ ومجانبة الصواب.
وليس كل من زل يُحكم عليه بأنه آثم.
قال المناوي:" فإن قلت: كيف تدخل زلة العالم غيره النار مع أنه مأجور وإن أخطأ؟، هذا لأنه مجتهد وغيره تبين له خطأ قول هذا العالم واتبعه، أو أخذه لأنه يوافق هواه" [فيض القدير: 1/187].
قال ابن المبارك:" رب رجل حسن وآثاره صالحة له هفوة وزلة، فلا يقتدى به فيهما"[نفس المصدر].
والزلة والغلط تارة تقع عن تقصير في الاجتهاد، وفاعل ذلك غير مأجور بل مأزور، وتارة تقع عن اجتهاد تام، لكن وقع فيه الغلط في استحلال محرم، أو تحريم حلال، أو ترك واجب بتأويل، وهو في نفس الأمر خطأ، فهذا يؤجر على اجتهاده ولا يعاقب على زلته"، إذن، قد يجتهد العالم فيخطيء فيثاب إذا كان من أهل الاجتهاد بأجر واحد يثاب. ولا يجوز لمن علم خطأه أن يتبعه على ذلك، وإذا اجتهد من لم يكن من أهل الاجتهاد فإنه يأثم، سواء أصاب أو أخطأ، لو واحد قال: أنا سأجتهد وسأعمل رأيي وفكري في المسألة وهو ليس من أهل النظر والاجتهاد الشرعي، فهو آثم إذا عمل بذلك، أو نشره، سواء كان مصيباً أو مخطئاً، أما إذا كان الشخص من أهل الاجتهاد فاجتهد واستفرغ وسعه وأخطأ فيؤجر بأجر واحد، وإذا أصاب يؤجر بأجرين.
لقد جاء عن السلف التحذير من زلات العلماء فكيف بزلات أنصاف المتعلمين وزلات الجهال وزلات من ليس ينتسب إلى العلم أصلاً، مشهور من المشاهير، فلنستمع إلى ما قالوا، أولاً في زلات العلماء حتى نعرف قيمة زلات هؤلاء الآخرين، من المتقرر شرعاً أن العلماء غير معصومين بل هم عرضة للخطأ والسهو والغفلة والتقصير فتقع منهم الزلات والأخطاء، قال النبيﷺ: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون  رواه أحمد وهو حديث حسن [رواه أحمد: 13049 وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة: 2499].
قال شيخ الإسلام :" فأما الصديقون والشهداء والصالحون فليسوا بمعصومين، وهذا في الذنوب المحققة، وأما ما اجتهدوا فيه فتارة يصيبون، وتارة يخطئون، فإذا اجتهدوا فأصابوا فلهم أجران، وإذا اجتهدوا وأخطأوا فلهم أجر عن اجتهادهم وخطأهم مغفور لهم" [مجموع الفتاوى: 35/69].
المنهج الرشيد في التعامل مع زلات العلماء:
00:14:15
 والمنهج الرشيد في التعامل مع زلات العلماء بعد ثبوت كونها زلة من كلام العلماء الآخرين، واتضاح كونها زلة لمخالفتها للدليل الواضح البين من الكتاب والسنة نتعامل معها:
أولاً: بألا نتبعهم عليها.
قال الشاطبي: "فعلى كل تقدير لا يتبع أحد من العلماء إلا من حيث هو متوجه نحو الشريعة قائم بحجتها حاكم بأحكامها جملة وتفصيلاً وأنه متى وجد متوجهاً غير تلك الوجهة في جزئية من الجزئيات، أو فرع من الفروع، لم يكن حاكماً بالشريعة حينئذ ولا استقام أن يكون مقتدى به فيما حاد فيه عن صوب الشريعة البتة" [الاعتصام للشاطبي: 3/315].
وقال: " إن زلة العالم لا يصح اعتمادها، ولا الأخذ بها تقليداً له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عُدت زلة " [الموافقات: 5/136].
والناس إذا أخذوا بزلات العلماء جمعوها، هذا زل في مسألة في البيع، هذا زل في مسألة في الطهارة، هذا زل في مسألة في النكاح، هذا زل في مسألة كذا، يُجمّع زلات العلماء، يجتمع فيه الشر كله.
ولذلك قال الأوزاعي: " من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام " [سير أعلام النبلاء: 6/552].
وقال الذهبي -رحمه الله- : "من يتتبع رخص المذاهب وزلات المجتهدين فقد رق دينه" [سير أعلام النبلاء: 8/90].
هذا ما عنده ورع، هذا إنسان لا يخاف الله، هذا متبع للهوى، ينظر الذي زل زلة توافق هواه يتبعه.
وقال سليمان التيمي: "إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله" [تذكرة الحفاظ: 1/114].
قال ابن عبد البر: "هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً"[جامع بيان العلم وفضله: 2/927].
قال ابن تيمية: " وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطأوا كما قال: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: 286]
قال-عز وجل-: قد فعلتُ [رواه مسلم: 126]، وأمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا، ولا نتبع من دونه أولياء".
[مجموع الفتاوى: 32/239].
فإذا تبين لنا أن كلام العالم أو طالب العلم، أو أحد من المفتين، أو داعية من الدعاة مخالف للكتاب والسنة، فلا يجوز لنا اتباعه، حرام، فإذا كان الرجل من أهل الاجتهاد لا نتكلم فيه إلا بخير، ولكن نقول: هذا خطأ، ولا يجوز اتباعه.
هذا كلام مهم جداً اليوم في هؤلاء الذين يحتجون على ما يوافق هواهم بزلة فلان وعلان، وعندهم كتب العلماء، القرآن والسنة وكلام السلف في شرحهما، وكتب المذاهب الأربعة وغيرها، ثم يقولون: أفتى فلان، كأنهم ظفروا بالكنز الثمين، لماذا؟ مشكلاتنا اليوم في زلات بعض هؤلاء المشاهير ليست من وزنهم العلمي، فإن بعضهم لا يكاد يوجد له وزن علمي، لكن تطير أقوالهم بين الناس؛ لأنها توافق الهوى، بعض الناس قد يزل بسبب زلة شخص فعلاً عنده علم، أو يظن أن عنده علم، وأنه مليء، لكن هنالك زلات أخرى اشتهرت بين الناس ليس بسبب الوزن العلمي لصاحبها، لكن بسبب أنها وافقت هوى الناس، فتكلموا فيها، ونشروها، وأقبلوا عليها، واحتجوا بها، وعملوا بها، وهكذا وقعت المصيبة، لماذا تحدث مثل هذه الضجة؟ قاله: مفسر أحلام، قاله: واعظ من الوعاظ، قاله: شاعر من الشعراء، أديب من الأدباء، ما يسمونه بمفكر إسلامي، وكل الناس يفكرون، عندهم تفكير، ما يقال عنه إذا زل مثل هذا ما قيمة زلته؟، ولماذا تأخذ ضجة كبيرة في المنتديات ووسائل الإعلام، وإلى آخره، ينبغي أن تتناسى، أصلاً ما قيمتها العلمية؟ لا شيء، إذا حذر السلف من زلة العالم فكيف بزلة من هو دونه.
ثانياً: لا يجوز أن تكون سبباً للتشنيع عليه ورد بقية أقواله وفتاويه الصحيحة، ولا يجوز أن يتخذ من خطأ هذا الإنسان ذريعة للحط منه والنيل بالباطل، وينبغي أن نتحلى بالعدل.
قال ابن القيم -رحمه الله- : "من له علم بالشرع والواقع يعلم قطعاً أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور، بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يُتبع فيها، ولا يجوز أن تُهدر مكانته ومنزلته في قلوب المسلمين" [إعلام الموقعين عن رب العالمين: 3/220].
وقال أيضاً: "فلا توجب هذه الزلة من شيخ الإسلام، وكان يتحدث عن هفوة من هفوات أبي إسماعيل -رحمه الله- الذي شرح ابن القيم كتابه، قال: "لا توجب إهدار محاسنه وإساءة الظن به، فمحله من العلم والإمامة والمعرفة والتقدم في طريق السلوك المحل الذي لا يُجهل، وكل أحد فمأخوذ من قوله ومتروك إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والكامل من عُدّ خطؤه" [مدارج السالكين: 1/216].
إذا صارت الأخطاء قليلة بحيث تُعد هذا إنسان قدوة
*** كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
[أدب الدنيا والدين: 173]
ومن تجاوز الحد في العلماء، قيض الله له من يتجاوز فيه، والجزاء من جنس العمل.
قال الخطابي – رحمه الله -:
ارض للناس جميعاً *** مثل ما ترضى لنفسك
إنما الناس جميعاً *** كلهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك *** ولهم حس كحسك
وأما الذين يجحدون الصواب والإحسان لأجل هفوة أو نقصان فإنهم على غير الجادة، وهذا منطق الحمقى، وليس بمنطق الحكماء، بل هو مذهب: لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت ما أحسنت قط [رواه البخاري: 29، ومسلم: 907].
قال أبو هلال العسكري: "ولا يضع من العالم الذي برع في علمه زلة، إن كان على سبيل السهو والإغفال فإنه لم يعر من الخطأ إلا من عصم الله جل ذكره، وقد قالت الحكماء: الفاضل من عُدت سقطاته وليتنا أدركنا بعض صوابهم أو كنا ممن يميز خطأهم" [الإعلام بحرمة أهل العلم والإسلام: 371].
وقال الشاطبي -رحمه الله - عن زلة العالم: "لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يُشن عليه بها، ولا يُنتقص من أجلها، أو يُعتقد فيه المخالفة بحتاً، فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين" [الموافقات: 5/136].، وينبغي ستر زلة العالم ما أمكن، وإقالة العثرة؛ لأن النبيﷺ قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود رواه أحمد وهو حديث صحيح بطرقه. [رواه أحمد: 94، وأبود داود: 4375، والنسائي في الكبرى: 7254، وصححه الألباني في السلسلة: 638].    
هذا الكلام عن زلات العلماء، زلة العالم تحصل بها مصيبتان لطائفتين؛ طائفة تعظم ذلك العالم وتصوّب كل أقواله فستأخذ بها، وطائفة ستذمه على زلته، وتحول كل حسناته إلى سيئات، والعدل هو الحق، تعظيم من يستحق التعظيم من علماء هذه الأمة، والرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه، وإن كان من أولياء الله المتقين، ومثل هذا إذا وقع كما قال ابن تيمية: "يصير فتنة لطائفتين؛ طائفة تعظمه فتريد تصويب ذلك الفعل، واتباعه عليه، وطائفة تذمه، فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه، بل في بره وكونه من أهل الجنة، بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان، وكلا هذين الطرفين فاسد، وهذا فعل أهل الأهواء" [منهاج السنة النبوية: 4/543].
ثالثاً: من حق العالم إذا زل أو أخطأ أن يُنصح، وأن يُشرح له الأمر، وأن يقوم أهل العلم بالبيان له، وأن يُنقل من كلام العلماء الآخرين له ما يبين زلته، ويكون ذلك بغاية الأدب حتى يرجع إلى الصواب؛ لأن هذا فيه إعانة على الرجوع إلى الصواب، وقال ﷺ: الدين النصيحة وذكر:لأئمة المسلمين وعامتهم [رواه مسلم: 55]، والعلماء من أئمة المسلمين.
الضوابط الشرعية للنصح البنّاء:
00:23:04
 ولا يصح أن تُتخذ النصيحة متكأ للتشهير بهؤلاء، والنصح ينفر المنصوح إذا لم يكن بالطريق الشرعي، وحتى يكون بالطريق الشرعي لا بد:
أولاً: أن يكون الهدف هو الإصلاح لقول شعيب : إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود: 88].
ثانياً: أن يظهر هذا المقصد على تصرفات الناصح وأعماله، فلا يُجرح الأشخاص، ولا يفتري عليهم.
ثالثاً: أن يبتعد عما يثير المنصوح ويسبب له العناد والتمادي في الباطل، بل يكون لطيفاً، وكان -عليه الصلاة والسلام- يقول: ما بال أقوام [رواه البخاري: 456، ومسلم: 1401].
رابعاً: البعد عن التصيد للأخطاء، ومحاولة لي كلام الرجل أو الشخص، والتوصل من خلال ذلك لتكون وسيلة إدانة.
خامساً: الحرص على إقامة الحجة والبرهان؛ لأن عليها المعتمد.
أيها الأخوة: إذا كان اتباع العالم الثقة في زلته حرام، فكيف باتباع كلام الأئمة المضلين؟
قال ﷺ: إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين  رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح. [رواه أبو داود: 4252، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 4].
 الداعين إلى البدع، إلى الفسق، إلى الفجور، إلى المعصية والخروج عن شرع الله.
قال ﷺ محذراً من هؤلاء إذا كانوا يتمتعون بحلاوة باللسان، وحسن في المنطق، وبلاغة في الأسلوب، وقوة في التعبير، وسحر في النفوس : إن من البيان لسحراً [رواه البخاري: 5146]، قال:  إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان [رواه أحمد: 143، والطبراني في الكبير: 593، وصححه الالباني في السلسة: 1013].
قال عمر لزياد بن حُدير: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟، قلت: لا ، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين"، صححه الألباني.
خطورة زلة العالم والاغترار بعلماء السوء:  
00:25:03
 زلة العالم سقطته وهفوته وفعلته الخطيئة جهراً، إذ بزلته يزل عالم، "اتقوا زلة العالم" [رواه البيهقي في الكبرى: 20917،وابن المبارك في الزهد والرقائق: 1449، وضعفه الألباني في الضعيفة: 1700]؛ فإنه يزل بزلته عالم؛ لاقتدائهم به، فتترتب على هذه الهفوة مفاسد، فاحذروا من متابعته فيها، والتمسوا له أحسن المحامل ما دام من أهل الاجتهاد.
أما إذا كان من أهل الجهل، أو الأئمة المضلين، أو المنافقين، فيُفضح، ويحذر منه، ويشهر به؛ لأن هذا نصح في الدين، ويجب أن يحذر الناس أمثال هذه الشخصيات، وينبغي أن يكون القصد حينئذٍ ليس التشفي والانتقام، وإنما البيان للناس للتحذير، وبعض الناس قد يأكلون الحرام، ويقولون: عذرنا أن فلاناً أكله!، ومن خالف أمر الله لا يُقتدى به كائناً من كان، وإذا كان غيرك يدخل النار وأنت تقدر أن لا تدخلها، أفتدخلها وراءه؟، وتقول: إنه كان يمشي برجليه إليها، وأنا اتبعته ويعتبر ذلك عذر؟، كلا.
واحذر من الاغترار بعلماء السوء، فإن شرهم أعظم على الدين من شر الشياطين، إذ الشياطين بواسطتهم يتصدون إلى انتزاع الدين من قلوب المؤمنين، ولذلك يجب على من تبين له خطؤه أن يتوب إلى الله، ويبرأ منه، ويبين، إذا ما بين مصيبة،كما نشر الباطل ينشر الحق، وإذا ما نشر التصحيح معناه أنه صاحب هوى، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها [رواه أحمد: 19200،وابن ماجة: 203، وصححه الالباني في صحيح الجامع: 19200].
ولا بد من الانتباه إلى هذا، والمشكلة عندما يظن بعض الناس أن فلاناً عالم، وليس بعالم، ثم يتابعونه على الخطأ، وكما قيل في الأمثال: زلة العالم يُضرب بها الطبل، وزلة الجاهل يخفيها الجهل، الجاهل إذا زل أصلاً من الذي سيأخذ بقوله إذا كان مغموراً؟ المشكلة إذا كان الرجل مشهوراً، أو يظنه الناس عالماً.
العالم إذا زل انتشرت الزلة فوراً، مكالمات- رسائل- مواقع- منتديات- قنوات فضائية- برامج، فلان أفتى بكذا وكذا، والناس يوافق هذا الكلام هواهم ينشرونه، ويقولون: هذا الذي سينقذنا من النار إذا تعلقنا به، إنها فرصة لنا، فرصة، فعلاً اقتناص بعض الناس لزلات مثل هؤلاء يدل على الهوى الموجود في قلوب المقتنصين كأنهم عثروا على الكنز الدفين والعقد الثمين ويطيرون به؛ لأنهم أصحاب هوى، فما بالك إذا وجد هيئات وأشخاص وإذا وجد من هو مكلف من الأعداء بنبش الزلات ونشرها بين الناس!.
ما بالكم إذا كان هناك من هو مكلف من قبل أعداء الإسلام من المنافقين وغيرهم، بأن ينشر الزلات، ويتتبع الأخطاء ويشهرها، وهذا يحدث الآن. هناك ناس هذا عملهم، وهذه وظيفتهم، يقول الناس: عرفنا فتاوى علمائنا، سواء علماء الصحابة والتابعين، سواء أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة، وغيرهم، سواء فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وابن رجب، وابن كثير وغيرهم، سواء فتاوى العلماء، ابن إبراهيم، ابن السعدي، ابن عثيمين، ابن باز، الألباني، وغيرهم، فإذا بهؤلاء اليوم يأتون بأشياء مخالفة لما نعرفه، نقول: أول شيء دع ما تنكر، وخذ بما تعرف، أول ما تلاحظ أن الفتوى والكلام مخالف ارم به واضرب به عرض الحائط، قسه على كلام العلماء، وقارن به، اسأل طلبة العلم، قل لهم: هذه الفتوى التي أفتى بها فلان، والقول الذي صدر من علان مقارنة بكلام العلماء الآخرين، ماذا يكون؟ ماذا قال العلماء الآخرون؟ المقارنة مهمة جداً، ثم هذا الشخص ما هي حقيقته؟ ما هو مبلغه من العلم؟ من هو العالم؟ قضية من هو العالم؟ هذه مسألة مهمة جداً.
سمات العالم بالشريعة:
00:29:36
 بعض الناس يعتقد أن العالم هو من حفظ أقوال وسردها، بعض الناس يعتقد أن العالم من نمّق الكلام وأتى بالأساليب الأدبية، وعنده أشعار، وبعض الناس يظن أن العالم هو الذي يفسر الأحلام، والذي يبكي الناس في المواعظ، ويهز القلوب، أو الذي يشتغل بإصلاح الأوضاع الاجتماعية، وحل المشكلات النفسية والزوجية، وقد لا يكون أحداً من هؤلاء عالماً.
العالم الذي يعرف علم الكتاب والسنة، يعرف معاني القرآن، أو أغلب معاني القرآن، ويعرف حديث النبي-عليه الصلاة والسلام-، يميز بين صحيحه وسقيمه، ويعرف معاني الأحاديث.
العالم الذي يعرف آيات الأحكام، وأحاديث الأحكام، العالم  الذي يعرف من أصول الفقه من الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والمجمل والمبين، العالم الذي عنده علم بلسان العرب ومفرداتها، وتراكيبها؛ لأن القرآن والسنة بلسان عربي مبين.
العالم الذي يعرف دلالات الألفاظ، وإذا تعارضت الأدلة في الظاهر ماذا يفعل، العالم الذي يعرف قواعد الترجيح، العالم الذي يعرف أقوال العلماء الذين سبقوه، العالم الذي عنده قوة فهم، عنده استنباط، عنده قدرة على جودة القريحة، معرفة مقاصد الكلام، عنده نقاء في الفكر.
يقول الشافعي: "لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفاً بكتاب الله، بصيراً بأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصيراً باللغة الفصحى، والشعر الجيد، وما يُحتاج إليه منهما في فهم القرآن والسنة، ويكون مع هذا مشرفاً على اختلاف أهل الأمصار، علماء الحجاز، علماء اليمن، علماء مصر، علماء الكوفة، علماء الأندلس، علماء العراق، وتكون له قريحة وقّادة، فإذا كان هذا فله أن يفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي" [الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي: 2/331].
أنت تقول، ومن حقك أن تقول: كيف يعرف العامي العالم؟
العامي لا يستطيع أن يعرف العالم، العامي إذا رأى أقوالاً سرداً وحفظاً على الشاشات بهره ذلك، بل ربما يبهره اللحية والمشلح، فمن هو العالم؟ وكيف يعرف العوام العلماء؟ لا يعرفونهم إلا بتزكية طلبة العلم والعلماء الآخرين لهم، يُعرف العالم بسجله وتاريخه، يُعرف العالم بما أصدره من فتوى وعلم وكتب سابقة، يُعرف العالم بشيوخه على من درس، وكم من المدة والزمن، ومن لازم، العلماء يعرفهم طلاب العلم.
إن الزلات التي تصدر ممن يُنسب للعلم اليوم كارثة عظيمة على الإسلام وأهله.
قال ابن عباس: "ويل للأتباع من زلة العالم، قيل له: وكيف؟، قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى من هو أعلم منه برسول الله، فيخبره فيرجع، ويقضي الأتباع بما حكم" [المدخل للسنن الكبرى: 836].
العالم إذا روجع على الفتوى الخاطئة رجع، لكن الذي أخذ بالفتوى، والذين طارت فيهم الفتوى، ماذا يفعلون؟ ما هو مصيرهم؟، كان معاذ بن جبل -رضي الله عنه- يقول: " إياكم وزيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، وقد يقول المنافق الحق، فتلقوا الحق عمن جاء به، فإن على الحق نوراً، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟، قال: كلمة تروعكم وتنكرونها" [رواه أبو داود: 4611، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: 1871، والأصبهاني في الحلية: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: 1/232، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 4611].
أول ما تسمع الفتوى في قناة فضائية، أو في كتاب، أو في جريدة، تصطدم نفسياً، تصيبك روعة، تتروع، تحس بوحشة، تنكر ذلك، تتهيب من الكلام، قال: "كلمة تروعكم وتنكرونها"، تذكر هذه الكلمة يا أخي، يا أيتها الأخت، كلمة معاذ بن جبل، "كلمة تروعكم وتنكرونها"، وتقولون: ما هذا؟ "فاحذروا زيغته".
وحكى الزركشي أن القاضي المالكي إسماعيل بن إسحاق الأزدي -رحمه الله – قال: "دخلت على المعتضد، الخليفة، فدفع إلي كتاباً نظرت فيه، وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم".
هناك ناس يتقربون إلى السلاطين إلى الكبراء بمثل هذه الفتاوى، فيريد أن يتزلف إليه ويتقرب، فيأتيه –مثلاً- إذا كان يحب الغناء برسالة أو كتاب في إباحة الغناء، وآخر غني يتعامل بالربا في طرق معينة؛ مثلاً أسهم ربوية، معاملات ربوية ، فيأتيه برسالة فيها زلات تبيح التعامل بالربا، وهكذا من الأشياء، شخص طلق زوجته ثلاثاً تورط، يريد أن يعود إليها، وليس ثمة أمر إلا بعد زوج، فيأتي له بقول شاذ منكر لمن أجاز أن يعقد على المرأة عقداً شكلياً، ثم تطلق بدون دخول، وترجع إلى الأول، ويقول له: هناك من أفتى بهذا، فيتقربون إلى الكبراء بالشذوذات ومنكرات الأقوال وزلات الكلام، ويهدونها إليهم، والمصيبة أن بعض هؤلاء المنافقين يحتجون بها على المؤمنين إذا ناقشوهم ونصحوهم، ويقول: أنت تنصحني بترك الغناء، خذ هذا كتبه شيخ، خذ، أنت تقول لي: الأسهم الربوية محرمة، هذا كتبه دكتور، خذ، وهكذا ولا يزالون يجادلونهم بها، من الذي أعطاهم السلاح ووضعه في أيديهم؟ هذا المتزلّف الذي يريد حظوة، مكانة، مال، وهو ممكن أن يكون أيضاً منسوباً إلى العلم حتى تكتمل المؤامرة ويحصل الخداع.
"دخلت على المعتضد، فدفع إليّ كتاباً نظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم
فقلت: إن مصنّف هذا زنديق، -الذي ألّف هذا الكتاب، وجمع هذا الجمع، زنديق-، قال: ألم تصح هذه الأحاديث -يعني هذه الأخبار وهذه النقول المكتوبة، ما صحت نسبتها إلى قائلها؟- قلت: الأحاديث على ما رويت،-الأقوال صحيحة إلى من قالها، لكن ما صحة القول نفسه؟- قال: ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب" [تاريخ دمشق لابن عساكر: 71/203]. رجع المعتضد إلى الحق، لما بُين له.
وسنأتي إلى مزيد من التوضيح لأمثلة في بعض الزلات.
وقد أحسن من قال:
أيها العالم إياك الزلل *** واحذر  الهفوة فالخطب جلل
هفوة العالم مستعظمة إن *** هفى يوماً أصبح في الخلق مثل
إن تكون عندك مستحقرة *** فهي عند الله والناس جبل
أنت ملح الأرض ما يصلحه *** إن بدى فيه فساد أو خلل
[المدخل لابن الحاج: 1/112].
يعني ما يصلح الملح إذا الملح فسد، نحن نصلح الطعام بالملح، فإذا فسد الملح، فبأي شيء نصلحه.
ولذلك فقد عظم المحققون من التحذير في متابعة أهل العلم على زلاتهم.
قال ابن القيم -رحمه الله -: "العالم يزل ولا بد، إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم" [إعلام الموقعين: 2/ 132]، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله.
والله -عز وجل- أمرنا باتباعه واتباع رسوله ﷺ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ  أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأدخل طاعة أولي الأمر من العلماء والأمراء في طاعته، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ  وما جعل لهم طاعة مستقلة، ما قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، قال:  أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ 
أولو الأمر هم العلماء والأمراء الذين يحكمون بالشرع، ما جعل لهم طاعة مستقلة؛ ليدل على أن الأساس هي طاعته وطاعة رسوله، وطاعة أولي الأمر تبع لطاعة الله ورسوله، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59].
ولما كان العلماء غير معصومين عن الخطأ والوهم، فإن الواجب اجتناب زلاتهم.
قال الشاطبي بعد أن سرد جملة من الآثار في التحذير من زلة العالم: "وهذا كله وما أشبهه، دليل على طلب الحذر من زلة العالم، وهو وإن كان معذوراً مأجوراً، لكن الاتباع لقوله فيه خطر عظيم" [الموافقات: 5/135].
ثم نقل عن بعض أهل العلم: "إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة، وذكر أمثلة، ثم قال: "فهذه ذنوب يتبع العالم عليها، فيموت العالم ويبقى شره مستطيراً في العالم أياماً متطاولة، فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه، وهذا الحكم مستمر في زلته في الفتيا من باب أولى" [الموافقات: 5/136].
ومن أمثلة ذلك بدعة: "الإرجاء"، أول من أظهرها واحد ممن ينتسب إلى العلم، وهو الحسن بن محمد بن الحنفية، قال عنه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- : "ثقة فقيه، ثقة فقيه" يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء" [تقريب التهذيب: 164].
قال عثمان بن إبراهيم بن حاطب: "إن أول من تكلم في الإرجاء هو الحسن بن محمد بن الحنفية، كنت حاضراً يوم تكلم، وكنت في حلقته مع عمي، وكان في الحلقة جحدب وقوم معه، فتكلموا في علي وعثمان وطلحة والزبير فأكثروا، والحسن بن محمد بن الحنفية ساكت ، ثم تكلم فقال: "سمعت مقالاتكم، ولم أر شيئاً أميل من أن يُرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يُتولوا ولا يُتبرأ منهم"، لا تتولوهم ولا تتبرؤا منهم، أرجؤوهم، أخروهم، توقفوا فيهم، ثم قام فقمنا، قال لي عمي: يا بني، ليتخذن هؤلاء هذا الكلام إماماً، -سيحتجون به الآن-، قال عثمان: فقام به سبعة رجال رأسهم جحدب من تيم الرباب، ومنهم حرملة التيمي، وأبو علي بن حرملة، وبلغ محمد ابن الحنفية، من هو محمد ابن الحنفية؟ أبو من؟ الحسن الذي تكلم، فضربه بعصاً فشجه، وقال: لا تتولى أباك علياً؟، أنت اسمك إيش، نسبك من هو؟ الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، تقترح في الحلقة أن يتوقف في شأن علي، يعني ما تتولى جدك؟، تتوقف في توليه؟، وتقول لا أتولاه؟ [تاريخ الإسلام: 2/1082].
والمطلوب من المؤمن أن يتولى الذين آمنوا، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: 56].
فلا بد أن المؤمن يوالي المؤمن، هذا الولاء الذي عقد الله في كتابه بين المسلمين، قال: "لا تتولى أباك علياً"، وكتب الرسالة التي ثبت فيها الإرجاء بعد ذلك، قال عطاء بن السائب: "إن زذان وميسرة دخلا على الحسن، فلاماه على الكتاب الذي وضع في الإرجاء، فقال لي زذان: "يا أبا عمر، وددت أني كنت مت ولم أكتبه" [الطبقات الكبرى: 5/252]  ندم، لكن بعد أن كتب الكتاب ونُسِخ منه نسخ.
 قال بعضهم: "زلة العالم كالسفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير" [الفقيه والمتفقه: 2/27].
الآن الزلة في القنوات الفضائية تعني كم مليون سمعها، ولو أراد أن يتراجع المخطئ الذي زل، فكم واحد من الذين سمعوه أولاً، قد سمعوه ثانياً؟، وكم واحد من الذين سمعوه أولاً لم يسمعوه ثانياً؟.
ولذلك الفتاوى في القنوات الفضائية خطيرة جداً جداً جداً، ليس هناك أسرع في الذيوع والانتشار منها، وإصلاحها صعب جداً جداً جداً، ولذلك لا بد أن يلازم الواحد ممن يتكلمون في القنوات كلمة لا أدري، أول ما يشك لا أدري، لا أدري، ومن أخذ بالزلات اجتمع فيه الشر كله.
روى عبد الرزاق عن معمر قال: "لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء، -يعني بعض الذين كانوا  يسكنون المدينة النبوية أفتى بإباحة الغناء، وليس المعازف، الغناء- وإتيان النساء في أدبارهن –قال: يجوز تأتي المرأة في دبرها- وبقول: أهل مكة في المتعة والصرف، -يعني بعض الذين كانوا يسكنون في مكة أفتى بجواز نكاح المتعة، وأفتى أنه لا ربا إلا في النسيئة، يعني أنكر ربا الفضل، إذا فيه تأخير في القبض ربا، وأما يداً بيد بزيادة يجوز في الذهب والفضة مع أن النبي ﷺ قال: الذهب بالذهب والفضة بالفضة يداً بيد مثلاً بمثل [رواه مسلم: 1587]. لا ربا الفضل جائز، ولا ربا النسيئة جائز، عشر في أحد عشر في الذهب والفضة لا يجوز، ولو كان يداً بيد، ذهب بذهب، فضة بفضة، لا يجوز، ولو كان يداً بيد، وإذا أخر صار ربا نسيئة، القبض بعد ذلك، صار ربا نسيئة، لا بد أن يكون مثلاً بمثل، يداً بيد، فبعضهم خفي عليه بعض الأدلة، وأجاز ربا الفضل، قال: "وبقول أهل الكوفة في المسكر، -بعض من كان يعيش في الكوفة، أفتى بأن الشراب الذي يسكر كثيره، لو شرب منه قليلاً، لا يسكر، وكان من غير العنب يجوز، زل، والقاعدة: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، سواء كان من العنب، أو من غير العنب، ما هو الفرق؟ فهذا زل، زلة، قال: إذا كان من غير العنب، وشرب منه قليلاً بحيث لا يسكر، يجوز!، زل، ما أسكر كثيره فقليله حرام-، فيقول معمر: لو أن رجلاً أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء، وإتيان النساء في إدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر كان شر عباد الله" [تاريخ دمشق لابن عساكر: 59/419].
الزلات تؤدي بصاحبها إلى أن ينسلخ من دينه:
00:45:06
 وأما الزلات قد تصل بالإنسان إلى أن ينسلخ من دينه  وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  [الأعراف: 175- 176]
قال ابن القيم: "فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه، ذمه الله من وجوه:
أولاً: أنه ضل بعد العلم، ما ضل عن جهل، ضل بعد العلم، آتيناه آياتنا فانسلخ منها، واختار الكفر على الإيمان عمداً لا جهلاً.
ثانياً: أنه فارق الإيمان مفارقة لا يعود إليها؛ لأن الانسلاخ إذا سلخت جلد الذبيحة عن الذبيحة تستطيع أن تعيدها مرة أخرى؟، انتهى، انسلخ منها، يعني خرج ولم يعد، بدليل قوله:  فَانْسَلَخَ .
ثالثاً: أن الشيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه، لأن الله قال: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ .
رابعاً: أنه غوى بعد الرشد، لقوله:  فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ  [الأعراف: 175]، والغي: الضلال في العلم والقصد.
وخامساً: أنه لم يشأ أن يرفعه بالعلم ما شاء أن يرفعه بالعلم، فكان سبب هلاكه، لماذا؟
الله -عز وجل- لا يضل قوماً بعد إذ هداهم، إلا إذا أرادوا هم الضلال والزيغ  فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف: 5]، وهذا لم يرفع رأساً بالعلم، ولذلك أذله الله ونكسه.
سادساً: أنه أخبر عن خسته ودنو همته باختيار الأسفل على الأعلى  وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ [الأعراف: 176]، تحت، أخلد إلى الأرض.
سابعاً: أنه اختار الهوى واتباع ما تميل إليه النفس" [الفوائد لابن القيم: 101].، فهذا الشخص يتكرر في كل عصر ومصر.
روى أبو يعلى الموصلي في مسنده من حديث حذيفة، و هذا الحديث جوّد إسناده ابن كثير، وصححه الألباني، قال: قال رسول الله ﷺ: إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام، عراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك، قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: بل الرامي [رواه ابن كثير في تفسيره: 3/509، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 3201].
إذن، إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، وحفظه كله، من أوله إلى آخره، حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، زلات.
حكوا قصة المؤذن الذي أغوته نصرانية فنزل إليها وتنصّر من أجلها، حكوا قصة المجاهد الذي أغوته كافرة من الحصن فأدخلته فتنصر فنسي القرآن إلا آية، كان إخوانه المسلمون إذا مروا عليه يقولون: يا فلان، يخاطبونه في الحصن مع الكفار، ما فعلت صلاتك؟، ما فعل صيامك؟، ما فعل حجك؟، ما فعل قرآنك؟
فيقول: أنسيته كله إلا قوله: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الحجر: 2]، رُبَمَا  يتمنى،  رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [البداية والنهاية: 11/74].
يوم القيامة سيتمنى كل كافر أنه كان قد أسلم في الدنيا، ولكن فات الأوان.
عبد الله الذي كان علامة في زمانه، وأصله من أرض النيل، وعاش في القصيم، وألّف كتباً في العقيدة مبهرة، مثل كتاب: "الصراع بين الإسلام والوثنية"، ورد فيه على أهل الضلال، وأهل الشرك والمتوسلين توسلاً بدعياً، وكتب وألّف وأجاد في أشياء كثيرة، أصبح ملحداً من الملاحدة، كان هذا الرجل قد نال شيئاً كثيراً من العلم، وأثنى عليه معاصروه، وقالوا: لم نره إلا وقد تأبط كتاباً، وكان مولعاً بقراءة صحيح البخاري، لكن هذا الرجل كانت فيه آفة تنخر،لم يوقف جماحها، ولم يكبحها، وهي تحقير الآخرين، والثناء على نفسه، مغرور بنفسه، ويهضم الآخرين، حتى قال مرة:
ولو أن ما عندي من العلم والفضل *** يوزع في الآفاق أغنى عن الرسل
وانظر إلى اعتداده بنفسه وغروره وكبره، وهو يقول:
ولو أنصفوا كنت المقدم في الأمر *** ولم يطلبوا غيري لدى الحادث النكرِ
هذا قبل أن يلتحق ببلاد الكفار ويذهب
ولم يرغبوا إلا إلي إذ ابتغوا *** رشاداً وحزماً يعزبان عن الفكر
ولم يذكروا غيري متى ذكر الذكاء *** ولم يبصروا غيري لدى غيبة البدر
فما أنا إلا الشمس في غير برجها *** وما أنا إلا الدر في لجج البحر
بلغت بقولي ما يرام إلى العلا *** فما ضرني فقد الصوارم والسمر
أسفت على علمي المضاع ومنطقي *** وقد أدرك لو أدرك غاية الفخر
[من قصيدة عبدالله القصيمي]
إلى آخر كلامه، هذا الإنسان انتكس، طبيعي، مغرور، متكبر، ولو كان عنده علم، ولو كان عنده حافظة قوية، ولو ألّف كتباً، ولو كان دكتوراً، ما دام بهذا الغرور والكبر يسقط.
أخطاء العلماء حتى وهم علماء السلف وعلماء ثقات، وعلماء كبار، عديدة، مثلاً: نوف البكالي، كان يزعم أن موسى الذي جرت له القصة مع الخضر غير موسى بني إسرائيل كليم الرحمن، ابن عباس لما سمع كلامه اشتد عليه قال: "كذب عدو الله" كيف يقول هذا؟ [رواه البخاري: 122، ومسلم: 2380].
مثال آخر: روي عن بعض السلف أنه فسر قوله تعالى:  اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر: 1]
قال: سينشق يوم القيامة، يعني ما انشق في الدنيا، والمفسرون مجمعون على أنه انشق، وأنه معجزة للنبي ﷺ، ولذلك ابن الجوزي لما ذكر القول قال: "هذا القول الشاذ لا يقاوم بالإجماع"[زاد المسير في علم التفسير: 4/197].
فإذن، لا يمكن أن يكون هذا قول قوي، شاذ وليس له مستند، بعض الظاهرية -غير أهل البدع وهذه مفروغ منها عندهم-، يجيزون الجمع بين أكثر من أربع نسوة في وقت واحد، ويستدلون بضلالهم: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ  [النساء: 3]، اثنين، وثلاثة، خمسة، وأربعة تسعة، ضلال.
وإذا أردتَ أن تطبق من هذا مثل هذا كثير، مثل هؤلاء الجهال، يقول: الفلفل الحار مذكور في القرآن! أين؟
قال:  الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا [يس: 80].
أشعة إكس هذه التي في المستشفيات موجودة في القرآن!، أين؟ قال: نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ [الهمزة: 6- 7]. وهذا كثير، جهال، اليوم كل واحد يتكلم بالقرآن، بلا علم ولا دين ولا ورع، وكل ما خطرت فكرة على بال باحث، أو صاحب أبحاث ليزرية أو فيزيائية، أو جيولوجية، قال: إعجاز علمي، هات من القرآن، هات، انشر، ما سبقني إليه أحد من العالمين، ويخالفون اللغة، وكلام السلف، والعلماء والمفسرين، شيء جديد.
وقد نشر بعضهم هذه الأيام بحثاً في الأنترنت حول هذا، يريد أن يطبق آية بالقوة على رأي له في الإشعاعات.
وهكذا قولهم في دابة الأرض، وقولهم في طير الأبابيل جراثيم مرض الجدري!.
هذه الأشياء المسفة، والتي تدل على الجهل الفظيع، وبعض من كان في المذاهب يبتكرون أقوالاً من رؤوسهم، ثم ينسبونها إلى مذاهب الأئمة، زعماً أنها مخرجة على قواعد الأئمة.
مثال: ما ذكره الحطاب الرعيني في شرحه على مختصر خليل عن الشيخ زروق من كراهية صوم يوم المولد النبوي، قال: يوم المولد النبوي يكره صيامه، لماذا؟ قال: العلة أنه من أعياد المسلمين، فينبغي ألا يصام، بما أنه عيد، والعيد لا يصام، إذن يُكره صوم يوم المولد النبوي، فانظر كيف أُدرجت هذه البدعة النكراء ضمن بعض كتب الفقه التي تُنسب إلى الإمام مالك، وصار يتداولها بعض المتأخرين؛ مع أن الإمام مالك -رحمه الله- لم يقل بها لا تصريحاً، ولا تلميحاً، ولا إيماء، ولا هي مخرجة على أصول مذهبة، ولا على قواعد فقه.
ولذلك العلامة محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-، وهو من الخبراء الكبار في مذهب مالك، و متفقه أصلاً على مذهب المالكية، قال في هذا الكلام: "فهذا الكلام الذي يقتضي قبح صوم يوم المولد، وجعله كيوم العيد من غير استناد إلى كتاب الله، ولا سنة رسوله، ولا قول أحد من أصحابه، ولا من تابعيه، ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة ولا من فقهاء الأمصار المعروفين الذي أدخله بعض المتأخرين في مذهب مالك، ومالك بريء منه براءة الشمس من اللمس، ولم يجر على أصول مذهبه" [أضواء البيان: 7/374].
مثال آخر: اشتهر في مذهب الشافعي التلفّظ بالنية في الصلاة، مع أن الشافعي -رحمه الله- لم ينص عليه، ولم يذكره، ولم يقره، ولا نقله عنه تلاميذه، حتى جاء أبو عبد الله الزبير بن أحمد الزبيري، أحد فقهاء الشافعية بالبصرة، وخرّج وجهاً من كلام الشافعي زاعماً أنه يقول بوجوب التلفظ بالنية في الصلاة، وخطّأه كبار الأئمة من الشافعية، وسببه سوء فهم عبارة للشافعي، والعبارة: قال الشافعي-رحمه الله-: "إذا نوى حجاً وعمرة أجزأ وإن لم يتلفظ، وليس كالصلاة لا تصح إلا بالنطق"، وقصد الشافعي: يعني يجزئ الدخول في الإحرام ويصح ولو ما تلفظ بالتلبية، وليست مثل الصلاة التي لا تصح إلا بالنطق بالتكبير، فخرّجها على أن النطق المقصود به: التلفظ بالنية، وظن أن هذا قول الشافعي، وقد يكون في هذا معذوراً، نحن نلتمس العذر، نقول: وهِم، أخطأ.
ولكن المصيبة في الذين يتابعون على الخطأ، والنووي -رحمه الله- خطأ هذا القائل، قال: "وليس مراد الشافعي بالنطق في الصلاة هذا، بل مراده التكبير" [المجموع شرح المهذب: 3/277]. والنووي من محققي المذهب.
هذه أشياء أخطأ فيها بعض الناس قد يكونون من المعتبرين، ولهم علم، أصحاب علم، لكن انظر اليوم بماذا يفتى؟ المسلسلات والأفلام مهما كانت جائزة إذا لم تله عن الصلاة، الفوائد البنكية ضرورة اقتصادية، الموسيقى إذا كانت هادئة كلاسيكية لا بأس بها، مصافحة المرأة الأجنبية جائزة إذا كان القلب نظيفاً، تمثيل المرأة في المسلسلات الدينية والتاريخية جائز، الإنشاد الديني للمرأة جائز، سبحان الله!.
هل لك أن تفهمني كيف ستنشد المرأة إنشاداً دينياً، كيف ستنشد بدون أن تخضع بالقول، ممكن نفهم كيف ستنشد المرأة إنشاداً دينياَ بدون أن تخضع بالقول، والله -عز وجل- قال:  فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب: 32] وهذا يقول: اتصلت عليّ الفنانة الفلانية، وقالت: أنا تبت، وأريد الاعتزال، وأسأل عن الأموال التي عندي حِل هذه الأموال من حرمتها، قال: لماذا تعتزلين أصلاً؟ يعني أتركي قضية المال الآن ننتقل إلى أصل المسألة، قال: وانتهت المكالمة بتوفير طاقة فنية في التمثيل الإسلامي!، تمثل محجبة، وهذا يقول: الدخان للغني جائز، وللفقير مكروه!.
المصيبة زلات المشاهير، مصبية فعلاً، شخص مشهور يزل زلة، كارثة، وهذا يترحّم على البابا، يثني عليه من واجبنا أن نقدم العزاء إلى الأمة المسيحية، وإلى أحبار المسيحية في الفاتيكان، وغير الفاتيكان في أنحاء العالم، نقدم لهم العزاء في وفاة هذا الحبر الأعظم، عزاؤنا في هذا البابا الذي كان له مواقف تذكر وتُشكر!
ثم قال: ومواقف الرجل عامة، وإخلاصه في نشر دينه، المسؤول الأول عن نشر الشرك في العالم، نشر الكفر في العالم، الشرك الذي  تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا [مريم: 90-91].
هذا الشرك الذي ينشره البابا، والمسؤول الأول عن نشره في العالم، يثني عليه في نشر دينه ونشاطه وهمته على رغم شيخوخته وكبر سنه!، طاف العالم وزار بلاداً، تمدحه على نشر الشرك في العالم؟ ولا نستطيع إلا أن ندعو الله تعالى أن يرحمه ويثيبه بقدر ما خلف من خير للإنسانية وعمل صالح وأثر طيب، ونقدم عزاءنا، والله كارثة، صدمة فعلاً، الواحد يتألم، ممكن تكون أحياناً من شخص ليس زنديقاً، ولا منافقاً، ولا جاهلاً، ولا ملحداً، ولا من أعداء الإسلام، قد يكون رجل له مجهودات دعوية وله سابقة، إنسان صاحب فهم، لكن تستغرب، فعلاً انظر حجم الزلة، الكارثة في مثل القضية هذه، هذه قضية شرك وتوحيد، السماوات والأرض، نحن كلنا خلقنا لماذا؟ لعبادة الله وحده لا شريك له، كل الأنبياء والرسل والكتب لماذا أرسلوا؟ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف: 59]، و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ  [الإخلاص: 1 - 3].
يا أخي هذه قضية،  لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ [المائدة: 73].
والذين قالوا: المسيح ابن الله، كفروا، كفار، شتيمة لله أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا  [مريم: 91]. يسب مسبة، كما جاء في الحديث الصحيح:  يسبني ابن آدم مسبته إياي أنه يدعي أن لي ولد [رواه البخاري: 4482].
فكيف بعد ذلك، بأي منطق بأي عقل بأي مدخل بأي سبب، تريد أحياناً أن تلتمس عذراً، ولعله قصد، ولعله، مصيبة، العبارات لا تسمح لك بالأعذار، و أنت قد تقول: لعل الله يتجاوز عن الشخص، غفر الله له، لعل له حسنات أخرى، لكن المشكلة في العامة الذين يتبنون كلامه، والمنافقون الذين يقولون: هذا الإنصاف الاعتراف بالآخر، الآخر إذا كان كافراً أو مشركاً يقول: لله ولد وله زوجه، وطء وشهوة، مصيبة، سبوا الله سباً ما سبه مثلهم أحد، كلام العلماء، فكيف بعد ذلك ؟ سبحان الله، تستغرب فعلاً، صدمة، غاية الاندهاش، الإنسان يعيش أحياناً ينشل الفكر في بعض مثل هذه الأشياء، لكن المؤمن المسلم يقول: انتهى نحن نعتصم بالكتاب والسنة، خلاص هذا كلام العلماء، لا يجوز اتباع زلات هؤلاء، العالم الكبير لا يجوز اتباع زلته، فما بالك بمن هو أقل منه، فما بالك إذا كان داعية، أو مفكر إسلامي كما يقولون؟.
إذن، المسألة اعرض، هذا يبين بطلانه، وكما نشر الباطل ينشر الرد، ولا تحكم على القائل تقول: هذا فاسق أو كافر، تقول: نسأل الله أن يعفو عنه، وأن يغفر له، على القواعد التي مرت معنا، ويناصح.
مثال: صاحب كتاب فتح المنعم، وهو يتكلم عن حلق اللحية، قال: "ولما عمت البلوى بحلقها في البلاد المشرقية، حيث أن كثيراً من أهل الديانة قلّد فيه غيره؛ خوفاً من ضحك العامة منه، -يعني أن بعض المتدينين صاروا يحلقون حتى لا يستهزئ بهم العامة-، قال: "لاعتيادهم حلقها في عرفهم، بحثت غاية البحث عن أصل أخرّج عليه جواز حلقها، -انظروا غرضه الآن في البحث، يجتهد في البحث عن شيء يخرّج عليه جواز الحلق، حلق اللحية، لماذا ؟- قال: "حتى يكون لبعض الأفاضل مندوحة عن ارتكاب المحرم باتفاق، -يعني هو يعترف أن هذا حرام باتفاق،
قال: فأجريته على القاعدة الأصولية أن الأمر مختلف فيه للاستحباب وللوجوب، وهذا أمر غير مختلف فيه.
إذن، ممكن يكون الاستحباب، فإذن، يجوز، لماذا هذا التلفيق؟
لأجل أن العامة ما يستهزئون!، الرسل استهزئ بهم  وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [الأنعام: 10].
إذن، نحن نترك أشياء من الدين لاستهزاء العامة؟.
أحد الباحثين في الفقه وله مؤلفات مشكورة، جاء على مسألة قبول شهادة الكتابي أو النصراني بعد ما تكلم على قضية التلفيق بين المذاهب، وذكر أنه لا يجوز قبول شهادة الكافر أو الفاسق، وفي النهاية وجد حلاً بزعمه لجواز قبول شهادة النصراني، وإن خالف رأي المذاهب الأربعة، ويقول: لأن الظروف الخاصة والأسباب الاجتماعية تحتم علينا قبول شهادة غير المسلمين!، الآن قبول شهادة أهل الكتاب تكون في حالة خاصة جداً جداً، واحدة ذكرها الله في كتابه، وبشروط، يؤخذ منها تعميم قبول شهادة الكتابي بإطلاق لأجل الظروف الخاصة التي نمر بها، وهذه المشكلة، المشكلة الضغوط ضغوط، فيضطر هؤلاء أن يقدم تنازلات بهذا الفقه الطائش الذي يتخطى النصوص، ويخطئ الأسلاف، ولما سئل أحد الذين يرأسون الأوقاف في بلد عربي عن رأيه إذا حدث تناقض بين القانون الوضعي وما ينص عليه الإسلام، ماذا نفعل؟ أجاب: إذا تعارض القانون الوضعي مع ما نص عليه الإسلام، قال: نبحث عندئذ عما فيه المصلحة بالنسبة للمسلمين، فمصلحة المجتمع لها القول الفصل في هذه القضية، إذا تعارض القانون مع الشريعة العبرة بالمصلحة، ولذلك أبواب المصلحة والمفسدة وغيرها استخدمت كأسلحة قاتلة يلهو بها أطفال، وباسم المصلحة وباسم قواعد المصلحة تتجاوز النصوص، ويُضرب بكتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عرض الحائط، وهكذا، وصار التلاعب، انفتح باب الحيل على الناس، أن تصل القضية إلى درجة أن أحدهم يسأل عن صلاة النساء على الشواطئ بالمايوه؟، قال: يجوز إذا سترت العورة المغلظة!.
سئل أحد هؤلاء عن دعاء أصحاب الأضرحة، فقال: - انظر استعمال المثال وضرب المثل في توضيح الكلام-
يقول: إذا أردت أن تدخل على أحد الرؤساء في مصلحة لك، أتدخل عليه بمفردك أم من الخير أن تصحب معك إنساناً قريباً إلى قلبه محبوباً عنده؟ الآن السائل يقول له: ما حكم التوسل إلى أصحاب الأضرحة والقبور؟
ونقول: يا بدوي اشف مريضي، يا بدوي اشفع لي عند الله أن يغفر لي، مثلاً، ميت، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30]،  لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى  [النمل: 80]، وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ  [فاطر: 22]، وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ  [فاطر: 14].
فالآن جاء يوضح له بالمثل جواز هذه القضية، يقول: إذا أردت أن تدخل على أحد الرؤساء في مصلحة لك أتدخل عليه وحدك أم من الخير أن تصحب إنساناً قريباً إلى قلبه محبوباً عنده؟، ولذلك تقول: يا سيداه، يا حسين، توسط لي عند ريك، كما تُبتغى الوسائل عند أهل الزلفى من الرؤساء، انظر المثال لكي يقنع الناس.
ولما جاء سؤال إلى أحد هؤلاء يقول له: انظر الناس يقبّلون قبر الحسين؟، فقال: تعال يا بني، فجاء، قال: قبّل راسي، فقبّل رأسه فقال: أنت قبلت ماذا؟، قال: قبلت رأسك، قال له: لا، قبّلت العمامة، يعني إذا جاءت على شبك الحديد لا، سبحان الله الإنسان أحياناً والله يتألم، وأحياناً تتفاجأ من مسلسل الفتاوى وراء بعض، وكارثة وراء كارثة، وبعد ذلك تقول: الله يستر من الكارثة القادمة، كل ما جاءت واحدة أنستك التي قبلها، وهكذا.
سؤال عن الفتاة ليلة الزفاف؛ هل يجوز أن تخلع الحجاب؟ قال: إذا كانت ستلبسه فيما بعد فلا بأس! يعني أمام الناس وهذا الدكتور التركي الذي أفتى بذبح الدجاج بدل الخراف إذا ارتفعت أسعار الخراف!
وهذا الذي أفتى بجواز أخذ القروض الربوية لأجل بناء البيوت، وهكذا من الأشياء.
أسباب الزلات:
01:08:00
 اتباع الهوى:
01:08:00
 قد يكون بعض هؤلاء عندهم هوى، رغبة في ما عند الناس، قضية الأموال، المناصب ابتغاء ثناء الآخرين مثلاً، ألّا يقال عنه: متزمّت، متشدد، بعض الناس مستعد يبيع أشياء من الدين في سبيل أن يُمدح أنه معتدل، فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ [القصص: 50].
الغفلة:
01:08:27
 سبب آخر: الغفلة، قد يغفل الإنسان أحياناً ، قد يكون عالماً تقياً ورعاً، عمر -رضي الله عنه- مثلاً غفل في لحظة موت النبي ﷺ مع رهبة الموقف، ومع التأثير النفسي، ورأى المنافقين بدأوا بالتحرك، ورده، فقال: من زعم أن محمداً قد مات قطعت رأسه، إنه ذهب إلى ربه كما ذهب عيسى، وسيعود ، فقال له الصديق -رضي الله عنه-: "يا عمر، أمسك، وتلا عليهم الآية، ووضح لهم الموقف، حتى بعض الكبار يخطئ  يغفل عن شيء، الناس لما قرأ عليهم الآية: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30]، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [رواه البخاري: 3667].
والرسول ﷺ بشر، ولا بد أن يموت، الناس كأنهم سمعوها لأول مرة، أصابتهم صدمة، دهشة، غفلوا عن الأمر، فأخطأ الواحد في كلامه.
التقصير:
01:09:29
 أحياناً يكون السبب التقصير، التقصير من المجتهد، لا يستفرغ الوسع في النظر في المسألة، يجيب عن المستعجل مثلاً، كما قال ابن تيمية: "فيقول قبل أن يبلغ النظر نهايته فيتكلم" [رفع الملام عن الأئمة الأعلام: 43].
يقول ويجيب قبل أن يبلغ النظر نهايته.
مسايرة الناس فيما يريدوه:
01:09:47
 من الأسباب الخطيرة: مسايرة الناس فيما يطرحونه من استفتاءات حول بعض المخالفات الشرعية المعاصرة، فيأخذون أقوال شاذة ومهجورة، ويتعذرون بقواعد الضرورة، ورفع الحرج، ويقولون: هناك رخص، خذ من هذه الرخص.
والذي يتعمد أن يقول للناس دائماً رخص، ويقول: نريد أن نسهل لهم الدين؛ حتى لا يستصعبوه وينفروا منه.
وهذه حجة كثير من الناس اليوم ممن يعملون في الدعوة، حتى يقول بعضهم: نحن إذا قلنا للناس هذه الأحكام التي بالأدلة الصارمة سينفر الناس من الدين، والحل؟، قال: نعطيهم رخصاً حتى نرغبهم في الدين، ويدخلون الدين، وبعد ذلك ربما إذا قوي إيمانهم يلتزمون بالحق، سبحان الله!، أنت إذا أدخلتهم إلى الدين من باب بزعمك، فإنك أخرجتهم من باب آخر، أنت ما أدخلتهم إلى الدين، أنت أدخلتهم إلى شيء آخر، ليس إلى دين الله، ثم قد ينشأ على هذا وينشروه، ومن الذي يضمن لك أنهم يعودون إلى الحق بعد ذلك؟.
هذه نقطة مهمة جداً جداً لفت الشاطبي -رحمه الله- النظر إليها، يقول: " المقصد الشرعي من وضع الشريعة هو إخراج المكلّف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبدٌ لله اضطراراً "
ويقول: "إن أخذ الترخيص بإطلاق -يعني سواء رخصة شرعية، أو غير شرعية، عليها دليل أو ليس عليها دليل، توافق الحق أو هي باطل، ترخيص، "إن أخذ الترخيص بإطلاق يكون ذريعة إلى انحلال عزائم المكلفين في التعبد"[الموافقات: 1/507].
لماذا وضع الشرع؟ لماذا وضعت هذه الأحكام؟ حتى يخالف المكلف هوى نفسه.
أنت الآن تصلي وتزكي وتصوم وتعبد الله، وتتقيد بالأحكام؛ حتى تتربى على مخالفة هوى نفسك، فإذا جعلنا نعطي الناس رخصاً بغير وجه حق، معناها: أننا نحل عزائم التدين في أنفسهم، ونخالف مقصود الشريعة، وهي تربية الإنسان المكلف على مخالفة هوى نفسه، هذه القاعدة العظيمة، قال الشاطبي: "فإذا اعتاد الترخص سارت كل عزيمة في يده كالشاقة الحرجة" [الموافقات: 1/508] أي تكليف بعد ذلك يقول: أنا ما أطيقه.
الآثار المترتبة على مسايرة الواقع:
01:12:23
 لقد كان من الآثار الخطيرة لمسايرة الواقع المزعوم، فقدان الهوية الإسلامية، ذوبان الشخصية الإسلامية، مخالفة شرع الله، استمراء المعصية، فقدان المصداقية عند الناس والعامة، إذا صار الشخص ينطلق في هذه الترخيصات، طبعاً الناس في الأخير يقولون: هذا أبو الرخص حتى المنافقين والفسقة يتندرون به ويستهزئون به، وإن أظهروا في الظاهر، أظهروا احترامه وتوقيره والثناء عليه ومدحه وأنه واسع الأفق وأنه مرن وأنه معتدل، لكن في الحقيقة هم يلمزونه يعرفون أن هذا الإنسان يقول هذا الكلام إرضاء لفلان وعلان، ولكي يثنى عليه، ولكي لا يتهم بكذا وكذا، ولذلك يفقد الإنسان هذا مصداقيته بين الناس، وإذا خسر الواحد سمعته، فمتى يعوضها، وليس كل صدمة للسيارة إذا أجريت عليها عملية سمكرة تعود كما كانت، أصلاً، لا تعود كما كانت.
ولذلك الآن لما يحدث حادث صدام سيارة ليس التعويض الشرعي حق التصليح، ثمن تصليح السيارة، تصليح الذي هو سمكرة، لا، هذا ظلم، ليس هو هذا، وإنما التعويض الشرعي أن تقوّم السيارة قبل أن تُصدم وبعد أن صدمت وهي مصدومة، كم، ويعطى صاحبها الفرق بينهما، هذا هو التعويض الشرعي؛ لأن تصليح السيارة وسمكرة السيارة لا يعيدها كما كانت لا يعيده، إلا إذا بدلت القطع تماماً جديد كل شيء، قد تعيدها أحسن مما كانت، لكن هذه التصليحات هذه السمكرة والبوية والمعجون لا تعيدها كما كانت، فليس التعويض الشرعي ثمن السمكرة، وإنما التعويض الشرعي الفرق بين القيمتين، فالشاهد أن السمعة إذا خُدشت كيف تعود؟
وأيضاً يترتب على هذا كتمان الحق، إخفاء الحق، نشر الباطل، تشكيك الناس، الناس لا يدرون الآن ما هو الحق؟ أين هو؟ ولذلك فإنه لا يجوز استفتاء من عُرف بالترخص، ولا المتساهل، لا يجوز ذلك، ويجب التعامل مع هذه الأشياء بحزم، الشريعة فيها يسر، صحيح، لكن فيها حزم وعزم أيضاً، أين يسر الشريعة؟، نقول له أمثلة: قصر الصلاة في السفر، المسح على الخفين والجوربين، إفطار المرضع والحامل، عدم صيام الحائض أصلاً، وتقضي بعد ذلك هذه الرخص، هذا يسر الشريعة، القيام لصلاة الفجر -مثلاً- أليس شاق على النفس؟ ألا يوجد في الشريعة أشياء فيها عزم، وفيها قوة؟ ومطلوب من الإنسان أن يجاهد نفسه عليها، وأن يخالف هواه، وإذا كان الشخص سوف يأخذ هذه يعني بالحيل والرخص، ويقول: أنا أنظر يعني آخذ جدول الحج في كل أعمال الحج، مكتوب حنفي مالكي شافعي حنبلي، الوقوف بعرفة، مزدلفة، رمي الجمار، هذا يقول: واجب، سنة، ركن، سآخذ سنة، هذه مستحب، هذا جائز، حرام، مكروه، جائز  هذا هو هذا هو، وهكذا، لو فعل إنسان هذا، فكيف يكون حجه يا ترى؟ كيف يكون حجه يا ترى؟، قال العلماء: "يحرم التساهل في الفتيا واستفتاء من عرف بذلك".
فإذن، هذا ما يقال في مثل هؤلاء، وقد ذكرنا قواعد في قضية الدفاع عمن عرف بالحق، إذا أخطأ مرة مرتين ثلاث فإنه لا يسقط ولا يُسقط، لكن من كثرت هفواته كثرت غلطاته كثرت سقطاته كثرت زلاته، هذا يُحذر منه، هذا ما عاد ثقة، صاحب الأوهام إذا كثرت أوهام المحدث الشخص اللي في سند الحديث كثر نسيانه إذا كثر غلطه ترك يترك الراوي، إذا صار غلطاته كثيرة يترك الراوي وهكذا إذا رأينا الواحد يزل أول مرة أو ثاني مرة أو ثالث مرة، وكل مرة يفاجئنا بزلة وكل مرة ما تدري  المصيبة من أي باب سنؤتى، فقط يضع يده على رأسه من المصيبة ثم يضع على قلبه من الحذر من المصيبة الجديدة، في هذه الحالة هذا ليس حجة ولا حافظ عليه على حقيقته، مفسر أحلام، هو مفسر أحلام، شاعر قل: شاعر، واعظ قل: واعظ، إنما يستفتى ويتكلم في قضايا الأمة، كثرت زلاته، قل هذا متساهل، ولا يجوز استفتاء  المتساهل نص العلماء على ذلك كالسفاريني وابن مفلح وغيرهم من العلماء، لا يجوز استفتاء المتساهل، لا يجوز، من عرف به، والزلة نقول بخطئها، ونحذّر منها، ونحفظ الحق لقائلها إن كان معروفاً بالصدق والثقة والدين والأمانة.
نكتفي بهذا القدر، والموضوع له واجهة أخرى وهي قضية القدوة، وزلات القدوة، وكيف يتعامل معها من جهة تربوية، لعله يكون في ذلك فرصة أخرى في طرح هذا الموضوع بمشيئة الله تعالى.
ونسأل الله -عز وجل- أن يغفر لنا ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يعفو عن زلاتنا، وأن يدخلنا جنات النعيم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.