السبت 9 ربيع الأول 1440 هـ :: 17 نوفمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

الصبر الصبر


عناصر المادة
الصبر في القرآن:
الصبر على الطاعة:
الصبر عن المعصية:
الصبر والمصابرة:
مجالات الصبر كثيرة:

الخطبة الأولى:

 إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب:70-71، أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

الصبر في القرآن:
00:01:26

بسم الله الرحمن الرحيم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ سورة العصر:1-3.

أيها المسلمون، هذا تواصٍ بالصبر نعيشه معاً في هذه اللحظات، إذا تلفتنا يميناً وشمالاً في أحوالنا، وفي أنفسنا، وفي أحوال المسلمين، في أحوال هذه الأمة المنكوبة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، إذا تلفتنا في المصائب النازلة بها، وتكالب الأعداء عليها، وتوالي المؤامرات الواقعة بأفرادها وجماعاتها

 

هذا تواصٍ بالصبر نعيشه معاً في هذه اللحظات، إذا تلفتنا يميناً وشمالاً في أحوالنا، وفي أنفسنا، وفي أحوال المسلمين، في أحوال هذه الأمة المنكوبة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، إذا تلفتنا في المصائب النازلة بها، وتكالب الأعداء عليها، وتوالي المؤامرات الواقعة بأفرادها وجماعاتها

 

، إذا تأملنا في سائر ما يبتلي الله به عباده، وفي سائر ما يعرض لهم، إذا تأملنا في العبادات، إذا تأملنا في الطاعات والمحرمات لوجدنا -أيها المسلمون- أننا بحاجة شديدة إلى هذا الخلق العظيم الذي فرضه الله علينا، وأمرنا به، وشرع لنا التواصي فيه، الصبر، الصبر يا عباد الله.

يسأل الناس ما هو الحل في هذه الخطوب المدلهمة، والظلمات الساجية، فنقول: الصبر الشرعي الذي أمر الله به، الصبر في القرآن على نحو من تسعين موضعاً، هو نصف الإيمان، وهو واجب بإجماع الأمة، يجب الصبر، لو لم نصبر نأثم.

قال الإمام أحمد: وهو واجب بإجماع الأمة، وهو نصف الإيمان، فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر، هكذا قال رحمه الله تعالى.

أمرنا الله بالاستعانة به، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ سورة البقرة:153، وأمر الله به، ونهى عن ضده، فقال: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ سورة الأحقاف:35، وأثنى الله على أهله، فقال: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ سورة البقرة:177، والله سبحانه يحب الصابرين، والله مع الصابرين، والصبر لخير لأهله: وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَسورة النحل:126، من الذي يجازي الصابرين إلا الله عز وجل جزاءاً بغير حساب: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍسورة الزمر:10، فيا بشراهم، وقد بشرهم الله، فقال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَسورة البقرة:155، وما أسرع النصر إليهم، والله يقول: بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَسورة آل عمران:125، هؤلاء الصابرون من عباد الله، الذين لهم الأجر عند الله.

هذا الصبر الذي يورث صاحبه الإمامة، بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَسورة السجدة:24، ما الذي ينير لك الطريق في درب الشبهات؟ ويبين لك الحرام من الحلال؟ ما الذي يبين لك الطاعة من المعصية؟ ما هو دليل الحيران؟ قال صلى الله عليه وسلم: (والصبر ضياء) [رواه مسلم (223)]، قال العلماء: يكشف ظُلم الحيرة، ويوضح حقائق الأمور، كل ذلك بالصبر.

يقول الناس: ليس فينا أئمة، ليس فينا قادة، ليس فينا قدوات، كيف نصل إلى هذه المرحلة؟ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَسورة السجدة:24، فلو صبرنا لأصبحنا قدوات وقادة، ولو صبرنا لأصبحنا أئمة يأتم بنا الناس، ويتشبهون بأعمالنا وأخلاقنا.

الصبر على الطاعة:
00:07:10

يا أيها المسلم، ماذا فرض الله عليك؟ طاعات كثيرة، من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن منكر، وإقامة حدود الله، وسائر العبادات، من صلة الرحم، وبر الوالدين، والإخوة في الله، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، ونحو ذلك.

كيف نقوم بالعبادات؟ لا يمكن إلا بالصبر، لا يمكن إلا بالصبر، لا يمكن تحقيق القيام بالعبادة إلا بالصبر يا عباد الله.

هذه صلاة الفجر ما أصعب القيام إليها، لكنه لا يمكن إلا بالصبر، هذه المحافظة على صلاة العصر في وقتها مع الجماعة إذا رجعت -يا أيها الموظف- متعباً من العمل تنام بعد الغداء، والصلاة في المسجد تفوت لا يمكن القيام إليها بالصبر.

يا أيها التاجر، يا صاحب الملايين، إذا رأيت الزكاة تبلغ الكثرة الكاثرة، فما الذي يمكنك من أدائها وإخراجها إلا الصبر، ما الذي يجعل المسلم يُعطش نفسه لله في اليوم الحار إلا الصبر، لأجل نيل الجزاء، بأن يباعد الله بينه وبين النار سبعين خريفاً.

ما الذي يجعلنا نصبر عند القيام بالعبادة، وقبلها وبعدها إلا الصبر، ما الذي يجعلنا نصحح نية العبادة، ونعزم على الإخلاص فيها قبل أدائها وقبل الدخول فيها إلا الصبر، منع النفس من أن ترد عليها الموارد والواردات من الرياء والسمعة، وحب الظهور، والتحدث بما قام به، والصبر حال العبادة، بأن لا يغفل عن الله أثناءها، ولا يتكاسل عن تحقيق أركانها وواجباتها، وشروطها وآدابها وسننها، فيكون الصبر أثناء قيام العبادة.

وما الذي يحبس النفس عن إفشائها، والتظاهر بها بعد القيام بها رياءً وسمعة، والتحدث بالمن والأذى؟ ما الذي يمنع ذلك كله إلا الصبر.

الصبر على أداء الواجبات الشرعية: اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِسورة البقرة:153، اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْسورة الأعراف:128، إن هذه الدنيا مليئة بالمغريات.

الصبر عن المعصية:
00:10:32

أيها المسلمون، ما أكثر المعاصي في هذه الأيام، وما أكثر دروب الشيطان، وما أكثر وسائل الفساد، لا تخرج من بيتك فتلتف يمنة ولا يسرة إلا وتجد للشيطان دروباً، وتجد للفساد أنواعاً مبثوثة في المجتمع، بل إن في بيتك أنواعاً من الفساد، لو كنت تدري لأخرجته ولأخرجتها ومنعتها، فما الذي يجعل المسلم يصبر على الانحرافات؟.

الصبر خلق لا يوجد في الملائكة؛ لأنهم مفطورين على طاعة الله، ولا في الحيوانات لا يوجد نوع الصبر على الطاعات، ولا الصبر عن المحرمات، لا يوجد إلا في بني آدم، إلا من خلقهم الله وكلفهم من أنواع المخلوقات الأخرى.

الصبر إذن، الصبر يوجد عندنا، إذا تصبرنا يصبرنا الله لأجل مواجهة المعاصي، ما الذي يصبرك على منع اللسان من الغيبة والنميمة والكذب؟ ما الذي يصبرك عن الوقوع في الزنا؟ وعن رؤية المحرمات؟ وعن النظر إلى النساء؟ وعن التختم بالذهب؟ وعن لبس الحرير؟ ما الذي يصبرك عن سماع الأغاني والموسيقى؟ ما الذي يصبرك عن أنواع الملذات المحرمة، ويمنعك من تناول المكاسب المحرمة كالربا والرشوة والغصب، وأكل مال اليتيم، والسرقة والاختلاس؟ ما الذي يمنعك من هذا كله إلا الصبر.

كان خير عيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر، خير عيشهم بالصبر، ما طابت لهم الحياة إلا بالصبر.

الصبر والمصابرة:
00:12:51

يا أيها الناس، يا أيها المسلمون، نحن الآن ونحن نسمع الأخبار، ونسمع ما أصاب المسلمين في أنحاء العالم، يصيبهم كل يوم من النكبات ما الله به عليم، هذه أمة مرحومة، جُعل البلاء عافية لها في الآخرة، ومن أنواع الابتلاء ما يصيبها من النكبات:

أولاً: تسلط اليهود والنصارى عليها، تسلط أعداء الله، تسلط المنافقين من أبنائها، تحكيم غير شرع الله، الحروب التي تقع عليهم تقتيلاً وتشريداً وتدميراً، أيتام وأرامل، وتخريب بيوت، وحرق زراعات، وتعطيل مصالح، هذا الزمن الذي يُضيق فيه على المسلم؛ لأنه مسلم.

كنا في مسلم يعتز فيه المسلم بالانتساب للإسلام، أما اليوم فهو يهرب منه مخافة القتل في بعض دول العالم التي يوجد فيها مسلمون، واليوم يحاول أن يطوِّع الإسلام لأجل الهروب من الابتلاءات، ولا يريد أن يقابل الناس بالتزام صحيح؛ لأن فيه أذى لا يريد التعرض له، ولا الصبر لله وفي الله، فيقول: أنا مسلم عصري، أنا مسلم غير متشدد، أنا مسلم عادي؛ لأجل أن أعداء الله قد وصموا المسلمين الصادقين بالتشدد والرجعية، والأصولية والتزمت، ونحو ذلك، فالهجوم علينا في المبادئ، والهجوم علينا بالسلاح، هجوم نفسي وعسكري، وهذا القتل واقع في هذه الأمة، وأنت تسمع الأخبار يومياً، والابتلاءات الواقعة في الدعاة الحاملين لرسالة الإسلام؛ سجن ومحاكمات، وإعدامات وتعذيب وتجويع، كل ذلك تقرؤه يومياً، فما الذي يصبِّر المسلم الصادق أن يصيبه إحباط ويأس، أو أن ينهار تحت مطارق الأخبار اليومية التي يسمعها عن أحوال المسلمين، وإن قدموا لنا الرغيف لجياعنا بيد فإنهم يقدمون الصليب والكفر باليد الأخرى، وهذا ما تشاهدونه وتسمعونه يومياً.

والمسلم يتعرض لضغط نفسي لا يعلمه إلا الله كل يوم، فما الذي يجعله واقفاً بصمود أمام هذه الفتن؟ اسمع، قال الله تعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ سورة الحجر:97، ولكن جاء التعقيب بعد قوله أيضاً: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ سورة آل عمران:186.

لا يضركم كيدهم شيئاً، هذا الصبر والتقوى له عاقبة عظيمة: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاسورة آل عمران:120، يا عباد الله، هم يكيدون لكن متى نتقي كيدهم: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًاسورة آل عمران:120.

فسنخرج من المحنة سالمين، وسنخرج من البلية غانمين، إذا حفظ الله علينا ديننا، وهو رأس مالنا، وأي خير بعده إذا فقد: وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِسورة آل عمران:186، لا بد من الصبر في هذه الحالات، نحن نحس يومياً بالآلام إذا كنا مسلمين حقاً من جرَّاء ما يصيب إخواننا في أنحاء العالم، من جميع أنواع الأذى، لكن ماذا نملك؟

أيها الناس، هذه قضية لا بد لها من حل، ومسألة لا بد لها من بيان؛ لأن الناس يتلفتون يقولون الآن: هذه مذابح قتلانا في البوسنة والهرسك وغيرها، وهذه أنواع الابتلاءات نازلة يومياً على المسلمين، فماذا نفعل؟ ما هو الحل؟ يقول الله عز وجل في آخر سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة آل عمران:200، اصبر مع نفسك، وصابر مع غيرك من عباد الله، وَرَابِطُواْ قدموا ما تستطيعون لأجل الدين، نحن لا ندعو إلى صبر يجعلنا أسراء ومكبلين ومقيدين، نحن ندعو إلى صبر نحافظ فيه على العزة والتوازن، ندعو إلى صبر يمنع الطيش والجنون، لكننا في نفس الوقت نرابط كما أمر الله اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ، كلكم على ثغرة من ثغر الإسلام، فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك يا عبد الله، اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ، أربعة أوامر في آية واحدة من كتاب الله، كل منها له معنى لا بد من تحقيقه.

لا يكفي أن تقول: أصبر أنا فقط، أين المصابرة مع بقية عباد الله المخلصين؟ أين التكاتف والتعاون في سبيل درء الشر؟ أين المرابطة وهي تقديم ما يستطيع دفاعاً عن الإسلام وأهله؟ لم يقيدنا الله ويقول اقعدوا في بيوتكم، صموا آذانكم عن أخبار إخوانكم، واعموا عيونكم عن مآسيهم ومذابحهم، كلا، لكن قال: اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ، معناها: المسألة فيها عمل، وفيها جهد، وفيها تقديم، وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة آل عمران:200.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصابرين، ومن حزبك المفلحين، اللهم اجعل الصبر لنا ضياءً، ولنا عدة وعوناً، واجزنا به الجزاء الأوفى.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخبطة الثانية:

الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن سبحانه وتعالى، مالك الملك، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، هو الذي خلق فسوى، وقدر فهدى سبحانه وتعالى، لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، وكل أفعاله حكمة سبحانه وتعالى، وليس في أفعاله شر محض، ولو رأينا شيئاً من الشر فلا بد أن يكون فيه خير بوجه من الوجوه، وإن خفي علينا، فلا إله إلا الله العليم الحكيم، ولا إله إلا الله رب السماوات السبع، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد البشير النذير، والسراج المنير، بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، وجاهد في الله حق جهاده، صبر على الأذى إذ أخرجه قومه، وصبر على الأذى لما سبوه وعابوه ، وصبر على الأذى لما خنقوه وضربوه، وصبر على الأذى لِما أصابه في سبيل الله، وهو يجاهد من أجل رفع راية الإسلام.

مجالات الصبر كثيرة:
00:22:15

أيها المسلمون، إذا استحكمت الأزمات كما هو حالنا اليوم، وتعقدت حبالها، وترادفت الضوائق، وطال ليل الطغاة والمتجبرين، فالصبر على الهدى والحق هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، والصبر ضياء.

إن المسلم الذي يسير إلى الله على هدىً من ربه يحتاج في مسيرته إلى أنواع من الصبر، الصبر على شهوة النفس ورغباتها وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجرها وبجرها، وعجلتها وملالتها، كل ذلك لا بد أن يصبر عليه.

الصبر على شهوات الناس، ونقصهم وضعفهم وجهلهم، وسوء تصورهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم وغرورهم، والتواءاتهم، الصبر على انتفاش الباطل، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الهوى، الصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، وساوس الشيطان، الصبر على مرارة الجهاد، وعلى الكرب والضيق، الصبر على الغيظ، ثم الصبر بعد هذا كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والغلبة والانتصار، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر بدون خيلاء.

أيها المسلمون، لا يخلو أحدنا من مصيبة من المصائب، فهذا مريض فيه مرض مزمن يحتاج إلى الصبر، الذي يصبر على كريمتيه يعوضه الله الجنة، والمريض الذي يصبر على المرض فلا يشكي ربه إلى عواده يبدله الله لحماً خيراً من لحمه، ثم يقوم من مرضه مغفوراً له، لا يخلو أحدنا من وفاة قريب أو حبيب، أو ولد أو أب أو أم، ورسالة تأتي، وهاتف يُقرع لينبئك بمصيبة حلت، وطامة نزلت، ماذا تفعل؟ ليس لك إلا الصبر على ما قدر الله، وعدم الاعتراض، لا يخلو أحدنا من ضائقة في رزقه، من عدم وجود عمل، أو عدم كفاية الراتب، المرتب، فماذا يفعل إلا الصبر.

 

لا يخلو أحدنا من مصيبة من المصائب، فهذا مريض فيه مرض مزمن يحتاج إلى الصبر، الذي يصبر على كريمتيه يعوضه الله الجنة، والمريض الذي يصبر على المرض فلا يشكي ربه إلى عواده يبدله الله لحماً خيراً من لحمه، ثم يقوم من مرضه مغفوراً له، لا يخلو أحدنا من وفاة قريب أو حبيب، أو ولد أو أب أو أم، ورسالة تأتي، وهاتف يُقرع لينبئك بمصيبة حلت، وطامة نزلت، ماذا تفعل؟ ليس لك إلا الصبر على ما قدر الله، وعدم الاعتراض، لا يخلو أحدنا من ضائقة في رزقه، من عدم وجود عمل، أو عدم كفاية الراتب، المرتب، فماذا يفعل إلا الصبر.

 

ولا يخلو أحدنا من دين على ظهره يزيد همه، ويثقل كاهلة، ويطرق الديان بابه ليُقضَ مضجعه، فما له إلا الصبر، ما الذي يكون حلاً لمشكلته الآن إلا الصبر لا شك مع ابتغاء الأسباب، والقيام بها، لا يخلو أحدنا من زوجة أو ولد تُكدر عيشه، وتجعله مُراً، فكيف له وقد اعوجت، والولد قد عق، وتآمروا عليه ليس له إلا الصبر، مع ابتغاء الأسباب في دفع الشر، لكن الإنسان أحياناً تكون استطاعته قليلة، والأسباب التي يستطيع بذلها نادرة، ليس له إلا الصبر.

وبالجملة -يا عباد الله- لا يمكن أن يكون عيشنا هنيئاً، ولا حياتنا سوية إلا بالصبر مع أنفسنا، ومع الآخرين، والصبر في الله أولاً بأداء العبادات، والانتهاء عن المحرمات.

يقول أحدهم: إني أعاني الآن وأنا أجلس في هذا الصيف، لم أسافر إلى الخارج، أعاني من ضغط الزوجة والأولاد، لماذا لم نسافر؟ لماذا لا نسافر؟ لماذا؟ العالم كلهم يسافرون! ما هو الحل؟ اصبروا، وصابروا يا عباد الله، ليس إلا الصبر، فإن الصبر عاقبته جميلة، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَسورة يوسف:18.

اللهم إنا نسألك أن تجعل عاقبة المسلمين خيراً، اللهم عاجلاً غير آجل، اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا رحمتك، اللهم إنا نسألك أن تجعل لنا بعد الضيق فرجاً، وبعد الهم مخرجاً.

اللهم إنا نسألك أن تكون في عون إخواننا المسلمين، اللهم صبرهم على مصابهم، وأنزل عليهم نصرك يا أرحم الراحمين.

اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين، اللهم أنزل عليهم نقمتك وعذابك الذي لا يرد عن القوم الكافرين، اللهم شردهم وقتلهم، اللهم أنزل عليهم نقمتك وعذابك، وصب عليهم العذاب صباً.

اللهم إنا نسألك أن تجتمع شمل المسلمين على الحق والتوحيد والسنة يا رب العالمين، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وقنا شر أنفسنا، واغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وأصلح لنا نياتنا وذرياتنا، وتوفنا مع الأبرار، وارفع درجاتنا في الجنة، وارزقنا رؤية نبيك محمد صلى الله عليه وسلم فيها.

اللهم إنا نسألك يوم المحشر شربة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم اجعلنا من السابقين وأصحاب اليمين، اللهم اجعلنا في ظل عرشك يوم الدين، اللهم إنا نسألك أن تعتق رقابنا من النار، وان تغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين يا رب العالمين.

 إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه مسلم (223).