السبت 12 محرّم 1440 هـ :: 22 سبتمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

أواه من مشركي هذا الزمان


عناصر المادة
فضل التوحيد وخطورة الشرك:
وسائل وذرائع توصل إلى الشرك:
تفشي الشرك في العالم الإسلامي:
إقامة التوحيد فريضة وفضيلة:
محياي ومماتي لله:

الخطبة الأولى:

 إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

فضل التوحيد وخطورة الشرك:
00:00:32

فإن الله تعالى خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، (يا معاذ، هل تدري حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟) قلت: الله ورسوله أعلم: قال: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً) [رواه البخاري (2856)].

إن التوحيد هو أساس الحياة، والشرك أخطر منكر على وجه الأرض: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍسورة المائدة:72، فتأمل يا عبد الله في حال المشركين اليوم الذين يدعون غير الله، ويعبدون غير الله، ويشركون مع الله، ويصرفون أنواعاً من العبادة لغير الله، ما هو مصيرهم يوم الدين؟ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍسورة المائدة:72، إنه ذنب لا يغفره الله، إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءسورة النساء:48.

وإنه يحبط الأعمال مهما كانت من البر والخير والمعروف، فإن الشرك يحبطها، لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَسورة الزمر:65، ونجد في الجانب المقابل الموحد كفل الله له الأمن: الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍيعني: بشرك أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَسورة الأنعام:82، الموحد يحرمه الله على النار، فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، الموحد لو أتى الله بملء الأرض خطايا، ولقيه لا يشرك به شيئاً، فإن الله سيلقاه بمثلها مغفرة.

التوحيد سبب نيل رضا الله وثوابه، أسعد الناس بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه، عباد القبور والأضرحة ليس لهم من هذا نصيب، لا ينالون شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.

وكذلك فإن التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين، ويجعل توكله على الله في طلب الرزق، إن التوحيد هو الذي يضاعف الأعمال، (يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله) [رواه الحاكم (1936)].

وهكذا حديث البطاقة: "لا إله إلا الله" بشروطها وأركانها وواجباتها تنجي العبد من النار، وتدخله الجنة.

 
التوحيد سبب انشراح الصدر، التوحيد تُغفر به الذنوب، وتكفر السيئات، التوحيد سبب تفريج الكربات، التوحيد حرز من الشيطان، التوحيد يشفع صاحبه لمن شاء الله له يوم القيامة، فلا يشفع إلا الموحدون، فعباد القبور والأضرحة لا يشفعون يوم القيامة
 

التوحيد سبب انشراح الصدر، التوحيد تُغفر به الذنوب، وتكفر السيئات، التوحيد سبب تفريج الكربات، التوحيد حرز من الشيطان، التوحيد يشفع صاحبه لمن شاء الله له يوم القيامة، فلا يشفع إلا الموحدون، فعباد القبور والأضرحة لا يشفعون يوم القيامة.

التوحيد سبب نيل رضا الله، التوحيد يحرم مال الموحد ودمه بسببه؛ لأنهم يُقاتلون حتى يقولوا: "لا إله إلا الله" حقيقة وليس زوراً وبهتاناً.

التوحيد يحرر العبد من رق المخلوقين، تكفل الله بالنصر في الدنيا والعز في الآخرة لمن كان من أهل التوحيد، التوحيد له فضائل كثيرة عديدة، والشرك له مخاطر وشرور ليس هناك ذنب أعظم منه على الإطلاق.

وسائل وذرائع توصل إلى الشرك:
00:05:23

وللشرك وسائل وذرائع وطرق توصل إليه، وله أشكال وصور وأسباب، فعندما ودعنا النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بقوله: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [رواه البخاري (1390)، رواه مسلم (529)]، (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [رواه البخاري (437)، ومسلم (530)]، قال عليه الصلاة والسلام عن النصارى: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) رواه البخاري [رواه البخاري (427)]، وترى هؤلاء المشركين يرفعون الصور بزعمهم للصالحين، ويصرفون إليهم أنواعاً من العبادة، ويشركون بهم مع الله.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في الحديث السابق: "هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعل النصارى، فتصوير صور الآدميين يحرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده يحرم، فكيف إذا اجتمعا؟! (لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبائهم مساجد) حديث صحيح [رواه النسائي (2046)].

وقد اتفق أصحاب المذاهب الأربعة على وجود تجريد التوحيد، وأن من الآثام ما يحصل من بناء المساجد على القبور، وقد جاء كلام العلماء في هذا مبيناً واضحاً، وعلق ابن القيم رحمه الله على بناء مسجد الضرار ثم هدمه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعد أن بناه المنافقون: "وإذا كان هذا شأن مسجد الضرار -يعني أنه هدم-، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أنداداً من دون الله أحق بذلك، وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد، نص على ذلك الإمام أحمد وغيره".

فإذن إذا وجد مسجد فيه قبر ننظر من الأول، إذا كان القبر أولاً فإن بناء المسجد عليه باطل يهدم، وإذا كان المسجد أولاً ثم دفن فيه ميت ينبش القبر، وينقل إلى المقبرة.

قال ابن القيم رحمه الله: "فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معاً لم يجز، ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة؛ لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجداً، أو أوقد عليه سراجاً، فهذا دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله ونبيه"، وقال الشيخ -شيخ الإسلام-: "يحرم الإسراج على القبور -أي وضع الأنوار والأضواء والسرج- واتخاذ القبور المساجد عليها، ويتعين إزالتها، ولا أعلم فيه خلافاً بين العلماء المعروفين".

وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًاسورة النساء:115.

واتخاذ القبور على المساجد يشمل بناء المساجد عليها، ويشمل الصلاة عندها، والسجود عندها، وهكذا اتخذت بنو إسرائيل القبور مساجد، وكذلك فإن قصد الصلاة فيها حرام، لا تتخذوها مساجد بأي صورة من الصور، وبأي شكل من الأشكال، إنه سبب للعنة.

عباد الله، كيف كان شرك قوم نوح؟ أخذوا صور الصالحين ليتذكروهم بها بزعمهم، ثم أدى بهم ذلك إلى عبادتهم من دون الله، وكذلك فإن هؤلاء الذين يذهبون إلى الأموات يجعلونهم رمزاً وبركة، وروحاً وواسطة ووسيلة، يتلطخ الواحد منهم في أوحال الشرك عنده ويرتجف قلبه، ويتحير عقله، وهكذا ليتخذ القبر وثناً يعبد من دون الله، حتى قبر النبي عليه الصلاة والسلام قال العلماء: لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه وسلم، ولا إلصاق البطن والظهر بجدران القبر، وإن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قد جعل القبر بثلاثة جدران؛ لكي لا يمكن استقباله، ولا الصلاة إليه، وهكذا كان خارجاً قبل زمن الوليد، وأساء من جاء في القرون المتأخرة كما بين العلماء رحمهم الله.

وكذلك فإن مظاهر الوثنية الموجودة في العالم، وعند كثير من المنتسبين للإسلام في هذه القضية تدمي قلوب الموحدين.

قال الشوكاني رحمه الله: "ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولاً أولياً القبب، والمشاهد المعمورة على القبور، وهو أيضاً من اتخاذ القبور مساجد، وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها أهل الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع، ودفع الضرر، وجعلوها مقصداً، وتمسحوا عندها، طلبوا قضاء الحوائج، وإنجاح المطالب، وشدوا إليها الرحال"(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) [رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397)]، فما حكم شد الرحال إليها؟ والسفر إليها؟ والمشي إليها من مسافة بعيدة؟ ذرائع الشرك والكفر بالله العظيم، وشرخ التوحيد، وطرق تؤدي إلى جهنم، قال الشوكاني رحمه الله: "وشدوا إليها الرحال، وتمسحوا بها، واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئاً مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا تجد من يغضب لله، ويغار حمية للدين الحنيف، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيراً من هؤلاء المقبورين إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجراً، فإذا قيل: احلف بالولي الفلاني تلعثم وتلكأ".

بل إن بعض الكفار من المستشرقين قد سجلوا ذلك، فقال أحد الإنجليز: "ويحمل المسلمون على اختلاف مذاهبهم -ما عدا الوهابيين- للأولياء احتراماً وتقديساً لا سند لهما من القرآن أو الأحاديث، ويشيدون فوق أغلب القبور مساجد كبيرة وجميلة، وينصبون فوق قبور من هم أقل شهرة بناءً صغيراً مبيضاً بالكلس متوجاً بقبة، ويقام فوق القبر نصب مستطيل من الحجر أو القرميد يسمى تركيبة، أو من الخشب ويسمى تابوتاً، ويغطى النصب عادة بالحرير، أو الكتَّان المطرز بالآيات القرآنية، ويحيط به قضبان، أو ستر، أو من الخشب يسمى المقصورة"، وهكذا لاحَظَ هذا النصراني هذا الشرك، ولما درس شيئاً في القرآن عرف هذا الكافر أن هذا شرك لا سند له من القرآن.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا -يا عباد الله- أن الشرك سيرجع إلى الأمة؛ فلا تستغرب إذن إذا وجدت هؤلاء الملايين يشركون بالله العظيم في المناسبات المختلفة، وفي أربعينياتهم وأعيادهم التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) [رواه البخاري (7116) بلفظه، ومسلم (2906)]، وذي الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية، رواه البخاري ومسلم، ومعنى تضطرب أي:يضرب بعضها بعضاً، و الألية هي العجيزة، قال العلماء في شرح الحديث: "فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور أي: قبل أن تقوم الساعة، ويتزاحمن عنده بحيث تضرب عجيزة بعضهن الأخرى عند الطواف حول الصنم المذكور.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعزى) رواه مسلم في صحيحه [رواه مسلم (2907)]، وقال عليه الصلاة والسلام: (ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان) رواه أبو داود والترمذي [رواه أبو داود (4252)]، وقد حدث فعلاً أن لحقت قبائل من هذه الأمة بالمشركين، فدخلوا في دين البدعة الشركي، وعبدوا هذه القبور من دون الله، وهؤلاء المقبورين، وتوسلوا إليهم، ونادوهم عند المصائب، وعند الملمات نداء: يا فلان، بدلاً من أن يقولوا: يا الله اشفنا، عافنا، ارزقنا، انصرنا، فإذا بهم ينادونهم، ينادون الأموات من دون الله، ويطوفون حول تلك القبور سبعة أشواط كما يطوفون حول الكعبة هذا إذا طافوا حول الكعبة، ويتبركون بالضريح والقبة، ومنهم من يضع يديه على السياج المعدني حول القبر يمسح به وجهه وجسده، ومنهم من يقبله، وكذلك يلحون عنده في طلب الحوائج.

وقد شوهدت امرأة في قبة الشيخ عبد الباقي ترفع يديها وبيديها طفل تهزه، وتخاطب الشيخ راجية البركة لصغيرها، ثم تقول: يا شيخ سمعت، سمعت؛ لتتيقن سماعه وقضاء حاجتها بزعمهما.

ومنهم من يسجد للقبر ويستدبر الكعبة -أي جهة القبلة-، ويقدمون النذور عندها، ويحلقون رؤوسهم عندها.

وهكذا يحدث في أنواع الشرك والكفر عند هذه المزارات والأضرحة، بل إن بعضهم قد ألفوا في مناسك حج المشاهد كأنها هي عندهم حج، بل أعظم من الحج.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما المشاهد فيعظمونها أكثر من المساجد، حتى قد يرون أن زيارتها أولى من حج بيت الله الحرام، ويسمونها الحج الأكبر، وصنفوا في ذلك".

وعندهم فيه من الأكاذيب والأقاويل ما لا يوجد في سائر الطوائف، وكلما كان الرجل أتبع لمحمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم توحيداً وإخلاصاً له في الدين.

تفشي الشرك في العالم الإسلامي:
00:19:02

وكذلك فإن هذه الشعائر التي يزعمونها والمناسك التي يقومون بها شركاً مع الله وكفراً به، وبكتابه وبنبيه صلى الله عليه وسلم من أنواع الشرك العظيمة، وقد تفشى هذا الداء في العالم الإسلامي.

قال الإمام الصنعاني رحمه الله: "فبالأضرحة والقبور أقسموا، ويقسمون بأسمائهم -بأسماء الأولياء والموتى-، ولا يُصدق الحالف إلا إذا حلف بواحد منهم، وبها لاذوا -أي بالقبور والأضرحة-، واحتموا"، قال: "تلك الأضرحة الوثنية جعلت حرماً آمناً يهرع إليه المجرمون، ويلجأ إليه الخائفون ليأمنوا في رحابها"، قال: "وإليها توجهوا بالطلب والدعاء، وأخذ العوام يطوفون بقبور الصالحين يستعينون بهم ويخاطبونهم"، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) [رواه الترمذي (2516)]، الله عز وجل قال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَسورة الأعراف:194، لكنهم لا يعقلون، قال: "ولا شك أن من الدعاء الاستغاثة والاستعانة، وقد أكثر هؤلاء المشركون من دعاء غير الله، بل إن بعضهم إذا ركب البحر، واضطربت به الأمواج قال: يا فلان نجنا، يا فلان أنقذنا، وذبحوا لها، ونذروا"، قال: "فالرعاة في شرقي الأردن يطوفون بالأغنام حول مقام النبي يوشع في أزمان الأوبئة، ويختارون خير النعاج، ويصعدون إلى سطح المقام، وينحرونها، فيسيل دمها على عتبته، وكثيراً ما يقترن الذبح بالنذر، وتوضع الأموال، وترمى صدقة لهذا المقبور بزعمهم".

وقال بعضهم في مشاهداته: "لقد ذهبت إلى قبر ابن عربي في دمشق، فوجدت فئاماً من الناس يغدون إليه ويروحون، وجدتهم يطوفون حوله، ويتوسلون به، ويعلنون دعاءهم له، وجدت المرأة تضع خدها على شباك الضريح، وتمرغه وتنادي: أغثني يا محي الدين، وجدت الصبايا البريئات يجئن إليه، ويمددن أمامه الأكف، ويمسحن الوجوه، ويخشعن، ويتضرعن، وفي الهند أصبح قبر بهاء الدين زكريا الملتاني مرجع الخلائق عندهم، يطوفون به، ويعملون، ويصنعون كما يصنع العابد بالمعبود من النذور والسجود، وضريح علي الهجوري في لاهور من القبور العظيمة التي يزورونها في كل سنة بل في كل يوم يسجدون له، ويقدمون النذور، والقبر المنسوب إلى هود عليه السلام في حضرموت يحدث عنده من الشرك الأكبر ما يعجز القلم عن وصفه، ويزورونه من أماكن بعيدة".

وقال بعض أهل المغرب: "إن كثيراً من العوام بالمغرب ينطقون بالكفر في حق الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويسجدون له، ويقبلون الأرض بين يدي القبر، وفي قبر ابن مُشيش -وهو من الأولياء الكبار عندهم-، يقولون: يا مولانا عبد السلام ألطف بعبادك، ويسألونه المطر، فإذا اشتد المطر قالوا: ألطف بعبادك".

وهكذا عرف الكفار قيمة هذه الأضرحة والأولياء؛ ولذلك فإنهم ساعدوا على إحيائها كما فعل الفاطميون الباطنيون في مصر لما استولوا عليها، أحيوا عبادة القبور والأضرحة، ولما جاء الفرنسيون إلى بعض البلاد العربية محتلين في أوائل القرن الماضي، وما قبله أيضاً أحيوا الموالد، حتى أن نابليون من قبل قد شارك في المولد.

ودفع أحد هؤلاء إلى الشيخ البكري ثلاثمائة ريال فرنساوية معاونة على إقامة مولد عند بعض قبور الأولياء المشهورة.

وقال بعض المؤرخين المعاصرين: "لا ريب في أن الأوروبيين قد عرفوا ذلك واستغلوه في أعمالهم الاستعمارية، ومثال على ذلك ما حدث في احتلال فرنسا للقيروان في تونس، فإن أهل تلك البلدة -لما جاءهم الفرنسيون- دخلوا إلى سادن ضريح من الأضرحة الكبيرة عندهم، وكان القائم على القبر له علاقة بالفرنسيين، فقال: لا بد أن أستشير لكم الشيخ، فدخل ثم خرج، فقال: إن الشيخ ينصحكم بالتسليم؛ لأن وقوع البلاد صار محتماً، فاتبع القوم البسطاء قوله، ولم يدافعوا عن مدينة القيروان، فدخلها الفرنسيون آمنين في سنة ألف وثمانمائة وواحد وثمانين، ويعتقد بعضهم أن من هؤلاء الأولياء المقبورين حرس حدود، وأن كل مدينة كبيرة أو صغيرة محروسة بولي من الأولياء يذب عنها غارات الأعداء، ونكبات الطبيعة".

وكذلك من هذا ما يعتقده بعضهم في ذلك القبر المسمى مقام سيدي حسن أبو رايتين، وأنه يحرس القرية مغاغة من السرقات، وعداوات الدم، ويلجأون إليه برفع المظالم، وكان بعضهم يعتقد أن ضريح علي الروبي بالفيوم قد أنقذ المدينة من الدمار خلال الحرب العالمية، وكذلك قال القائل: لما أغار التتر على بلاد الشام:

يا خائفين من التتر *** لوذوا بقبر أبي عمر

فعندهم أن القبر قبر أبي عمر هو الذي يحميهم من التتر، بدلاً من أن يستغيثوا بالله عز وجل، وعندما زحفت روسيا على مدينة بخارى فزع الناس إلى الاستغاثة بحامي بخاري -كما يسميه أهلها- شاه بنقشبند، فلم يغن عنهم شيئاً.

وهكذا ترى أهل الكفر يحترمون الأضرحة، فإذا دخلوا بلداً -هؤلاء الصليبين- لا يمسون الأعتاب المقدسة، ولا القبور والأضرحة والمساجد المبنية عليها بسوء، فيحفظونها لعلمهم لما عليه أهلها من الشرك بينما هم مستعدون أن يقصفوا مسجد أبي حنيفة، وأن يقتلوا فيه المصلين.

وقد وُجد في بعض الرسائل المرمية على قبر الشافعي عام 1955م رسالة كتبها الذي قذفها إلى القبر، أنه ينادي الشافعي بعقد جلسة شريفة يحضر فيها الحسن والحسين وزينب وجميع أهل البيت ويطلبون من الله مسح إسرائيل من الوجود.

وهكذا شرع بعضهم يطلب من الشيخة صباح إبراء النساء من العقم، ومزار بنات عين في معان يأتي إليه العواقر، ويدعونه بالمستشفى النسائي، ويقدمون القرابين لكي تحمل المرأة، وفي مدينة حلب اعتاد بعض الناس أن يسافروا إلى ضريح الشيخ ريح؛ زاعمين أنه يشفيهم من ريحهم.

 
شرع بعضهم يطلب من الشيخة صباح إبراء النساء من العقم، ومزار بنات عين في معان يأتي إليه العواقر، ويدعونه بالمستشفى النسائي، ويقدمون القرابين لكي تحمل المرأة
 

وللناس في قبر أبي العلاء المعري في معرة النعمان اعتقاد عظيم يبيتون على قبره شربة ماء يأخذونها في صباح اليوم التالي، يزعمون أنها تحمي من الحمى، وبعضهم يقول إن ضريح محمد الحدري شفاء أمراض الروماتيزم، والضريح الفلاني شفاء للأطفال، وهكذا وزعوا القضية.

عباد الله، شرك وكفر، واعتقادات باطلة، ومجانبة للتوحيد! نسأل الله السلامة والعافية.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، اللهم أحينا موحدين، وأمتنا موحدين، ولا تجعلنا من المشركين يا رب العالمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وأوسعوا لإخوانكم يوسع الله لكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام على سيد الموحدين، وإمام الأنبياء، وحامل لواء الشفاعة، وصاحب مقام الحمد الذي يحمده عليه الخلائق أجمعون، محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.

إقامة التوحيد فريضة وفضيلة:
00:30:06

عباد الله، لقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف لماذا؟ (بعثت بالسيف بين يدي الساعة) لماذا؟ لماذا قاتل؟ لماذا جرد الجيوش للقتال؟ لماذا؟ (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله لا شريك له) [رواه أحمد (5093)]، هذا هو السبب (حتى يعبد الله لا شريك له)، فمن عبد معه غيره يستحق القتال، وإذا أبى أولئك بالدعوة إلى التوحيد الاستجابة تجرد الجيوش لقتالهم، وتلقى رؤوسهم من فوق أجسادهم، لماذا؟ لأن الله قال: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهسورة الأنفال:39، ما هي الفتنة؟ الشرك، فما هو علاج المشركين إذا لم يستجيبوا للدعوة، أهل الشرك الأكبر يقاتلون ويجاهدون، فإذن إذا وجدت القدرة على جهادهم فيجب تجريد الجيوش لقتالهم، وإن من البدع العظيمة قيام هؤلاء بالحج إلى القبور -كما تقدم-، ويزعمون أن الحجة إلى ذلك القبر تعدل عشرين حجة إلى مكة، وأن تراب تلك البلدة أعظم من تراب مكة، وأن ذلك المقام أعظم من الكعبة.

وكذلك الطواف بقبور الأئمة، ويقولون بفضل الصلاة عنده، وأن صلاة واحدة عند قبر ذلك الإمام كثواب من حج ألف حجة، واعتمر ألف عمره، وأعتق ألف رقبة، ووقف في سبيل الله ألف ألف مرة، مع نبي مرسل، يعني في الجهاد، وله بكل خطوة مائة حجة، ومائة عمرة، وعتق مائة، رقبة في سبيل الله، ويكتب له مائة حسنة، ويحط عنه مائة سيئة، فماذا بقي بعد هذا من الشرك؟

ثم ينكبُّون على القبر، ويقول الواحد منهم: يا مولاي، أتيتك خائفاً فآمني، وأتيتك مستجيراً فأجرني، ماذا بقي لله إذن؟! ماذا بقي لله يا عباد الله؟! إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لُعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) [رواه أحمد (7776)]، فكيف بمن اتخذ قبراً دون قبر النبي صلى الله عليه وسلم-مهما كان- مسجداً.

وكذلك فإن ما يقام من أنواع البدع والخرافات مما هو داخل في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)[رواه مسلم (934)].

وهكذا لما سئل شيخ الإسلام رحمه الله عما يفعله هؤلاء، وعمن يقرأ القرآن وينوح على القبر، فأجاب: الحمد لله، النياحة محرمة على الرجال وعلى النساء، واستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) [رواه البخاري (1294)]، قال: "والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة إذا كانت جديدة إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع، كما قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَسورة البقرة:155-156".

وهكذا يتذكر الإنسان بالمصيبة مصيبته بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فتهون مصيبته عليه، أما إحياء المصائب القديمة، قال شيخ الإسلام: "وما يصنعون فيه من الندب والنياحة، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوصل بذلك إلى سب السابقين الأولين، ولم تعرف طوائف الإسلام أكثر كذباً وفتناً، ومعاونة للكفار على أهل الإسلام من هذه الطائفة الغاوية، فإنهم شر من الخوارج المارقين، وأولئك قال فيهم النبي: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان) [رواه البخاري (3344)، ومسلم (1046)]"، قال شيخ الإسلام في كلامه: "وهؤلاء يعاونون اليهود والنصارى والمشركين كما أعانوا المشركين من الترك والتتر على ما فعلوه"، قال: "ومن حماقتهم إقامة المأتم والنياحة على من قد قتل من سنين عديدة، وكذلك فعلُ ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعوى بدعوى الجاهلية".

محياي ومماتي لله:
00:35:55

عباد الله، ما أسهل مهمة الأعور الدجال في هذه الأمة، إذا كان هذا يحدث في الملايين، فكيف لو خرج الأعور الدجال الذي معه جنة ونار، والذي يتظاهر بإحياء الموتى، والذي تتبعه كنوز الأرض، والذي يأمر السماء فتمطر، والذي يأمر الأرض فتنبت، كل ذلك بإذن الله فتنة وامتحان، وابتلاء واختبار العباد، كيف ستكون مهمة الأعور الدجال سهلة، إذن إذا كان هذا حال كثير من الذين يسمون أنفسهم مسلمين، فإن مهمة الأعور الدجال ستكون فتنة عظيمة جداً.

ولا حل إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجريد التوحيد والإخلاص لرب العالمين، لا نعبد إلا الله، ولا نتوكل إلا على الله، ولا نصلي إلا لله، ولا نذبح إلا لله، ولا ننذر إلا لله، ونحلف به، ولا نحلف بغيره: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَسورة الأنعام:162.

اللهم إنا نسألك أن ترزقنا التوحيد يا أرحم الراحمين، اللهم اجعلنا بحبلك مستمسكين.

اللهم إنا نعوذ بك من الشرك والكفر، والشقاق وسوء الأخلاق، ونعوذ بك من النفاق، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وبرد العيش بعد الموت، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، اللهم أخرج المحتلين من بلاد المسلمين أذلة صاغرين، اللهم اجعل بأسهم بينهم، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، اللهم عاجلهم بنقمتك، وأسقط عليهم عذاباً من فوقهم، وائتهم من حيث لا يحتسبون.

اللهم أخرج اليهود من بيت المقدس أذلة صاغرين، واجعلنا في بلادنا آمنين مطمئنين يا رب العالمين.

من أراد بلدنا هذا أو بلاد المسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره، اللهم ارزقنا الأمن والإيمان في بلدنا هذا، واجعله سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وانشر علينا نعمتك، نعوذ بك من تحول نعمتك، وزوال عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، قوموا إلى صلاتكم.

1 - رواه البخاري (2856).
2 - رواه الحاكم (1936).
3 - رواه البخاري (1390)، رواه مسلم (529).
4 - رواه البخاري (437)، ومسلم (530).
5 - رواه البخاري (427).
6 - رواه النسائي (2046).
7 - رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397).
8 - رواه البخاري (7116) بلفظه، ومسلم (2906).
9 - رواه مسلم (2907).
10 - رواه أبو داود (4252).
11 - رواه الترمذي (2516).
12 - رواه أحمد (5093).
13 - رواه أحمد (7776).
14 - رواه مسلم (934).
15 - رواه البخاري (1294).
16 - رواه البخاري (3344)، ومسلم (1046).