الاثنين 10 ربيع الآخر 1440 هـ :: 17 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

عاصفة التراب


عناصر المادة
الرعب من جند الله:
الريح ينصر الله بها عباده:
التراب أيد الله بها المؤمنين:
بالدعاء يرفع البلاء:
نصر الله لعباده الموحدين:
نصدق الله لننال نصره:

الخطبة الأولى:

أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له رب الأولين ورب الآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، الحمد لله الذي أهلك عاد الأولى وثمود فما أبقى، الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والحمد لله لا يحمد على مكروه سواه.

الرعب من جند الله:
00:00:52

الحمد لله الذي نصر المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الكافرين، والحمد لله الذي أيد رسوله والمؤمنين بالرعب والريح وبالملائكة، وقال عز وجل: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِسورة آل عمران:151-152، فأخبر تعالى أنه مولى المؤمنين، وناصر المؤمنين، وبشرهم بذلك، فإذا تولوه تولاهم، وإذا نصروه نصرهم وأيدهم بإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، وكان أبو سفيان بعد معركة أحد قد تشاور مع قومه على الرجوع لاستئصال المسلمين، فلما هموا بذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم، فرجعوا خائبين، ولم يحصل لهم ما أرادوا.

 
نصر الله للمؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفاً من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، يكبتهم فينقلبوا خائبين، وقد يجتمع الأمران
 

ونصر الله للمؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفاً من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، يكبتهم فينقلبوا خائبين، وقد يجتمع الأمران، وقد حصل بعد معركة أحد الثاني، فألقى الله في قلوب الكفار الرعب، فرجعوا ولم يغيروا على المدينة ليستأصلوا البقية من أهل الإسلام، لماذا وقع الرعب في قلوبهم؟ قال تعالى في الآية: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِسورة آل عمران:151أي: بسبب إشراكهم بالله، فلما قطعوا ولاية الرحمن؛ فإنه سبحانه وتعالى خذلهم، وألقى الرعب في قلوبهم، أما المؤمنين فإن الله تعالى ثبت قلوبهم وأقدامهم، وقال: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُسورة الأنفال:11-13.

اذكروا نعمة الله عليكم -أيها المؤمنون- لما قارب التقاء العدو، واستغثتم بربكم فأغاثكم، وأمدكم بألف من الملائكة مردفين، جعلها الله بشارة لتطمئن بها القلوب، وأنزل عليكم ماء ومطراً ليطهركم به، وربط على قلوبكم فثبتها، ثم ثبتت الأقدام تبعاً لثبات القلب، وأوحى الله إلى الملائكة أن يثبتوا المؤمنين، وقال لهم: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَسورة آل عمران:151الرعب من أعظم جند الله، بل هو أعظم جند الله على الكافرين.

هذا الرعب الذي لا يستطيع به المقاتل أن يرفع سلاحاً، ولا أن يستعمله، بل كل الذي يفعله أن يولي الأدبار، هذا لو استطاع، وأنجز الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلا إله إلا الله يفعل ما يشاء، ولا إله إلا الله الحي القيوم، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌسورة آل عمران:13، وهكذا نصر الله المؤمنين بإيمانهم، وكان ذلك الرعب أمراً عظيماً، يدعو به المسلمون على الكفار، ولذلك روى يزيد بن عامر السوائي رضي الله عنه، وكان شهد حنيناً مع المشركين ثم أسلم، فسأله بعض المسلمين عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان، قالوا له: أنت كنت مع المشركين كيف هذا الرعب؟ صوره لنا، قال الراوي عنه:  "كان يأخذ لنا بحصاة فيرمي بها في الطست فيطنَّ" صوت عظيم نتيجة هذه الوقعة، فقال لهم: "كنا نجد في أجوافنا مثل هذا" في القلوب نجد صوتاً مثل هذا الرعب [السيرة لابن كثير (3/631)].

 
كان الصحابة يدعون بالرعب على الكفار في قنوت صلاة الوتر في التراويح في رمضان، كانوا يلعنون الكفرة في النصف الثاني من رمضان، يقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق
 

وكان الصحابة يدعون بالرعب على الكفار في قنوت صلاة الوتر في التراويح في رمضان، كانوا يلعنون الكفرة في النصف الثاني من رمضان، يقولون: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالف بين كلمتهم، وألق في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رجزك وعذابك إله الحق، هكذا كانت أدعية المسلمين لإخوانهم، وأدعية المسلمين على الكافرين؛ لأن جيوش المسلمين كانت مبثوثة في عهد عمر بن الخطاب في العراق، في الشام، في مصر، في غيرها من البلدان، يقاتلون، وإخوانهم يرفعون أيديهم يدعون لهم في القنوت، ومن الأدعية: أن يلقي الله الرعب في قلوب الكافرين.

الريح ينصر الله بها عباده:
00:08:40

ومن الآيات العظيمة التي نصر الله بها رسوله، وأهلك بها الكفار الريح، قال تعالى: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًسورة فصلت:15، وكذلك قال هؤلاء الكفار المعاصرون: نحن القوة العظمى، من أشد منا قوة؟ نحن القطب الواحد في العالم.

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَسورة فصلت:15-16، أرسل الله عليهم العاصفة المجتاحة الباردة في أيام نحس عليهم، وهو الخزي في الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أخزى.

وكانت الريح تعمل في غزوة الأحزاب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًاسورة الأحزاب:9، قال مجاهد رحمه الله: "سلط الله عليهم الريح، فكفأت قدورهم، ونزعت خيامهم، حتى أضعنتهم" أي: جعلتهم يرتحلون.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور) [رواه البخاري (1035)، ومسلم (900)]قال ابن حجر: "الصبا الريح الشرقية، والدبور الريح الغربية".

روى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: "قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقوله؛ قد بلغت القلوب الحناجر؟ قال: (نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا)، قال: فضرب الله وجوه أعدائه بالريح؛ فهزمهم الله عز وجل بالريح" [رواه أحمد (10613)]، وسكت ابن حجر رحمه الله عن الحديث في الفتح.

وقال الله تعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًاسورة الأحزاب:25بهذه الريح التي أرسلها عليهم ردهم في غيظ، في حنق، يأكل الواحد منهم نفسه من الداخل، وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًاسورة الأحزاب:25ردهم خائبين، فلم يحصل لهم الأمر -هذا قال المفسرون- الذي كانوا حنقين عليه مغتاظين قادرين عليه جازمين بأن لهم الدائرة، قد غرتهم جموعهم، وأعجبوا بتحزبهم، وفرحوا بعدَدِهم وعُدَدِهم، فأرسل الله عليهم ريحاً عظيمة، وهي ريح الصبا، فزعزعت مراكزهم، وقوضت خيامهم، وكفأت قدورهم وأزعجتهم، وضربهم الله بالرعب، فانصرفوا بغيظهم، وهذا من نصر الله لعباده المؤمنين، هكذا في تفسير العلماء لهذه الآيات.

قارن -يا عبد الله- لتعلم جند الله تعالى، عندما يرسلها على الكفار كيف يكون مفعولها، الرعب والريح، قال: وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًاسورة الأحزاب:25أي: لا يغالبه أحد إلا غلب، ولا يستنصره أحد إلا غلب، ولا يُعجزه أمر أراده، ولا ينفع أهل القوة والعزة قوتهم وعزتهم إن لم يعنهم بقوته وعزته، وهكذا شتت الله شمل الأحزاب بهذه العاصفة التي أرسلها عليهم.

التراب أيد الله بها المؤمنين:
00:13:29

عباد الله، لقد كان هناك تراب أيضاً، تراب أيد الله به المؤمنين بقبضة من نبيه صلى الله عليه وسلم، هذا التراب الذي جاء ذكره في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ كفاً من تراب، فرمى بها الكفار، فلم تترك وجه واحد منهم ولا عينيه إلا دخلت فيه، حصل هذا في معركة بدر، وحصل هذا في وقعة حنين أيضاً، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَىسورة الأنفال:17، أخذ كفاً من تراب، وكفاً من حصباء، فرمى الكفار بها، فدخلت في أعينهم، وكان ذلك سبب الهزيمة، وكان ذلك الذي ردهم بغيظهم، وكان ذلك الذي جعل المسلمين يُعملون السيف في رقابهم؛ لأن المقاتل إذا دخل التراب في عينيه وأنفه، إذا صار في وجهه، إذا صار يلسع جسده، فأي شيء يستطيع أن يعمل؟ لا شيء، ينتظر القتل فقط، ويولي، وينهزم.

وهكذا -أيها الإخوة- جعل لنبينا صلى الله عليه وسلم الرعب، قال عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر...) [رواه البخاري (335)]الحديث، (نصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي) كما قال في الرواية الأخرى [رواه النسائي في الكبرى (999)]، الشهر فما فوقه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الرعب أورد العلماء الاحتمال بأن يكون لأمته من بعده أيضاً، أن الله عز وجل يلقي الرعب في قلوب أعدائهم إذا صدقوا ربهم، الرعب الذي إذا حصل ولى الكفار الأدبار، وهذه الريح كذلك، رعب وريح.

قال ابن كثير رحمه الله في وقعة الفرس مع المسلمين: "فصلى سعد بن أبي وقاص بالناس الظهر، ثم خطب الناس فوعظهم وحثهم، وتلا قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَسورة الأنبياء:105، وقرأ القراء آيات الجهاد وسوره، ثم كبر سعد أربعاً، ثم حملوا بعد الرابعة، فاقتتلوا ثلاثة أيام، وكلهم ثابت في مواقعه، فلما أصبح اليوم الرابع اقتتلوا قتالاً شديداً، فلما كان وقت الزوال هبت ريح شديدة، فرفعت خيام الفرس عن أماكنها، وألقت سرير رستم الذي هو منصوب له، فبادر فركب بغلته وهرب، فأدركه المسلمون فقتلوه، وقتلوا جالينوس مقدمة الطلائع في غزوة القادسية، وانهزمت الفرس -ولله الحمد والمنة- عن بكرة أبيهم، ولحقهم المسلمون في أقفائهم، فقتلوا ثلاثين ألفاً".

ويكون الريح والتراب والرعب من جنود الله يسلطها على الكافرين وقت ما يشاء، كيفما يشاء سبحانه وتعالى.

بالدعاء يرفع البلاء:
00:18:12

وهذه الأدعية المنطلقة من حناجر المسلمين هي التي تزلزل الكفرة حقاً وحقيقة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر في الحديث الصحيح عن ضعفاء المسلمين قال: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) [رواه البخاري (2896)]بأي شيء؟ بصلاتهم، ودعائهم، فهكذا إذن يستجيب الله تعالى الدعاء.

وكم رفع المسلمون من أكفهم في هذه المحنة والبلية التي أصابت بلاد الإسلام في هذا الوقت، وكم من دعاء انطلق من الحناجر، وكم من شيخ كبير وعجوز مسنة تضرعت إلى ربها، وكم من قنوت قام، فماذا كانت النتيجة؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِسورة البقرة:186، والله الذي لا إله إلا هو إنها لأدعية المسلمين -يا عباد الله-، لقد كنا في أزمة نفسية وخوف واستغلاق قبل أيام قبل أن تحدث ضربة الصليبيين لنقول: كيف سيكون نصرهم عظيماً؟ وكيف ستكون المقتلة في المسلمين كبيرة، وكيف ستكون النتيجة بعدها؟ والدور على من؟ ونتخيل ونتصور من الأمور من الخشية والخوف، هذا الذعر الذي عم الكثيرين، ألا ترون أن الله نفس كرب المكروبين، وأنه تعالى استجاب دعاء المسلمين، وأن نفوسنا قد انفرجت، وحصل شيء من التنفيس؟ بلى والله، لقد حصل شيء من التنفيس، وأرانا الله آيات وعجائب، والله الذي لا إله إلا هو إنها عجائب، هل يستحقها المسلمون على حالهم؟ كلا والله، هل لهم قائد مسلم وراية نقية؟ كلا، إنما هو صف مختلط كما تراه يا عبد الله.

المسلمون مساكين ضعفاء، وليس لهم راية نقية، ولا قائد مسلم موحِّد يقودهم، لكنه صف مختلط، فيهم السني والمبتدع، والمسلم والمشرك والمرتد، فيهم وفيهم، ومعروف ما هي عقائد حزب البعث، وبالرغم من هذا فإن الله قد أرانا آيات، ما هو السبب؟ هل هو إسلام القيادة التي قادت المسلمين؟ كلا، هل هو نقاء الصف على التوحيد؟ كلا، فيه أخلاط وشوائب، إذن بأي شيء حصل هذا التنفيس وهذه الأمور غير المتوقعة؟ حتى الكفار أنفسهم لم يتوقعوها، بماذا حصل؟ إنما هو بأدعية المسلمين، وصدق هؤلاء الذين كانوا يحاربون وهم مسلمون موحدون، وكذلك نصرة الله للمظلومين، ألم يفتك بالنساء والذرية؟ ألم تحرق البيوت على من فيها؟ ألم تهدم على رؤوس الأطفال التي انشدخت؟ ألم تكن الصور فظيعة؟ ألم تكن المآسي والجراحات كبيرة؟ أليس لهؤلاء المصابين آباء من المسلمين من أهل السنة من الموحدين يدعون على الظالم؟ ألم يكن هناك تكبير في المساجد؟.

هذا الأمر الجزئي مع دعاء المسلمين الذي حصل كان سبب هذه الأمور العجيبة التي وقعت، أدهشت العالم والله العظيم، دهشة تعم العالم من شرقه إلى غربه، ويسابق المحللون العسكريون في قضية ماذا حصل، وكيف حصل، هل تظنون أن مثل هذه الأتربة والعواصف معتادة؟ ولو أن إنساناً حدثنا فقال: قبل أسبوع أو عشرة أيام شيخ مسن يطلق من بارودة تشيكية قديمة على أحدث هيلكوبتر في العالم فيسقطها، ويأسر طياريها لقلنا بلسان العامة إنه فيلم هندي، لكن أيها الإخوة آيات يريها الله للمؤمنين، وعينات من النصر، هذه عينات، كأنه يقول لنا: إذا اعتصمتم بكتابي، إذا نصرتموني أعطيتكم البقية، هذه عينات يا أيها البشر، يا أيها المسلمون، عودوا إلى الله، يا أيها الناس، انصروا الله، هذه مقدمة، انصروا الله، عودوا إليه، قوموا بما أوجب عليكم، اتركوا المعاصي، الجؤوا إليه بالدعاء، تضرعوا، ومن عنده تأتي الآيات، ويأتي الفرج من الله، فهل أخذنا الدرس؟ وهل اعتبرنا؟.

اللهم إنا نسألك أن ترد المسلمين إلى الإسلام رداً جميلاً، اللهم اجعلنا لك تائبين، لك ذاكرين، لك شاكرين، إليك أواهين منيبين، اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، هو القوي المتين الجبار سبحانه وتعالى، يذل الجبابرة، ويرغم أنوف أهل الطغيان، وأصلي وأسلم على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، أمينه على وحيه، وصفيه من خلقه، وعلى آله وأزواجه وذريته الطيبين، وعلى خلفائه وأتباعهم إلى يوم الدين.

نصر الله لعباده الموحدين:
00:26:05

عباد الله، "رفع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر يديه، فقال: (يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً)، فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم" [السيرة لابن كثير (2/433)]، وهكذا كانت وجوه المشركين.

وعن أياس بن سلمة حدثني أبي قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنيناً، إلى أن قال: ومررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته الشهباء، فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كفاً من تراب عليه الصلاة والسلام فرماهم به، لم تبق عين مشرك إلا دخل فيه من ذلك التراب" [رواه مسلم (1777)].

كان للمسلمين مواعيد مع النصر بإلقاء الرعب في قلوب الأعداء، كما حدث في موقعة لوشة العظيمة في انتصار المسلمين سنة ثمانمائة وسبع وثمانين للهجرة، عندما جاء صاحب قشتالة النصراني، وحاصر مدينة لوشة التي فيها أهل الإسلام، وجاءتهم النجدات من رجال غرناطة، وحصل القتال الشديد، فلما أصبح الصباح، ورأى النصارى الزيادة في جيش المسلمين -مع ما نالهم من أول الليل من الهزيمة والقتل- داخلهم الرعب، واشتد خوفهم، فأخذوا في الارتحال، فخرج إليهم المسلمون من المدينة، من البلد، كان المسلمون محصورون في البلد، فقاتلوهم قتالاً شديداً، فانهزم النصارى، وتركوا كثيراً من أخبيتهم وأمتعتهم، وأطعمتهم وآلة حربهم، وتركوا من الدقيق شيئاً كثيراً، فاحتوى المسلمون على جميع ذلك، وانصرف العدو مهزوماً مثلولاً إلى بلده، ففرح المسلمون بذلك فرحاً عظيماً.

وفي ليلة شاتية يحكي قصتها ابن الأثير في كتابه الكامل حرب بين المسلمين والصليبيين، وكثر المطر، ولقوا الفرنجة من الغد فواقعوهم، واقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض، فظفر بهم المسلمون، فلم يفلت منهم غير مقدمهم ومعه أربعون رجلاً، وأخذوا ما معهم، وهي عشرة آلاف دابة موقرة محملة، وثلاثمائة أسير، وعادوا إلى دمشق لم يمسهم قرح، فلما علم من عليها من الفرنج ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم، فرحلوا عنها شبه منهزمين، وأحرقوا ما تعذر عليهم حمله من سلاح وميرة، وغير ذلك، وتبعهم المسلمون، والمطر الشديد، والبرد عظيم، يقتلون كل من تخلف منهم، فكثر القتلى منهم، وكان نزولهم ورحيلهم في ذي الحجة من هذه السنة.

وروت كتب التاريخ لنا أيضاً عن حصار الديماس، حصار ذلك الحصن في أفريقيا، وعنده جموع الفرنج العظيمة، وجنود المسلمين محيطة بهم، فلما كان الليل صاح المسلمون صيحة عزيمة بالتكبير، فارتجت الأرض، فوقع الرعب في قلوب الفرنج، ولم يشكوا أن المسلمين يهجمون عليهم، فجعل الفرنج يقتلون خيولهم، وغنم المسلمون منهم غنائم عظيمة، وجعلوا يكبرون، ويصيحون بهم، حتى قل الماء عند الفرنج بل انعدم، وضجروا عن مواصلة القتال، ففتحوا الباب وخرجوا، فقتلوا عن آخرهم.

الرعب سلاح يرسله الله تعالى، وإذا لم تعرف معناه وقيمته ففسر لنا إذن ما معنى النيران الصديقة؟! وما معنى أن يصيب باتريت طائرة أخرى، وأن تصيبه طائرة؟! وما معنى أن تقصف دبابة تشالنجر دبابة أخرى من نفس الطراز؟! وما معنى أن يقصف المارينز فرقة أخرى من المارينز؛ فترد عليها؟! وما معنى وما معنى وما معنى، كثير من هذه الأحداث التي تحدث اليوم يا عباد الله، ينقصهم اتصالات؟! ينقصهم آلات؟! ينقصهم علامات يميزون بها؟! أليس عندهم أعقد أنظمة الاتصال في العالم؟! أليس عندهم أفضل أنواع الاحتياطات؟! ليس هناك من جواب إلا أن يقال: إن الله ألقى الرعب في قلوبهم فلم يعودوا يدرون من أعداؤه من أصدقائهم.

إنه الرعب يا عباد الله، إنه الرعب، بل إن بعض اليهود المخالطين لهم قد شهدوا عليهم بحالة الرعب التي تسود جنودهم، بل قلة الخبرة، وعدم المعرفة.

وهكذا شهدنا حقيقة هذه القوة التي يتفاخرون بها، وهذه الهالة التي صنعوها لأنفسهم، واتضح أن أفلام هوليود شيء، والواقع شيء مختلف تماماً، وأن ذلك الدجل الذي مارسوه والكذب في تفخيم أنفسهم إنما هو فقاعة.

نصدق الله لننال نصره:
00:32:40

يا عباد الله، لو صدق المسلمون ربهم والله لكانت الانتصارات والغنائم أضعافاً مضاعفة، ولكان القتل في هؤلاء أضعافاً مضاعفة، ولولوا الأدبار وانهزموا، وما استمروا، هؤلاء الذين قالوا: إن العمليات ستكون مجرد نزهة، بل إنهم تكلموا في النظام الذي سيخلفونه بعدهم، كأن القضية الأولى مفروغ منها، والنقاش فيما بعدها من ترتيب الأوضاع، ولكن هذا الاضطراب والكذب الذي تفوقوا به على كذابي العرب، الكذب، سقطت، لم تسقط، طهرت، لم تطهر، نظفت، لم تنظف، لا زالت هناك جيوش، دخلنا، لم ندخل، اقتحمنا، لم نقتحم، تقدمنا، لا زلنا، انتهينا، نحن إلى البداية أقرب، وهكذا، وهكذا من أنواع الكذب الذي بان للعالم، أين الدقة والموضوعية؟ أين هي؟ إنما أكذوبات استهلاكية، قصيرة سرعان ما يظهر فسادها.

وهكذا ظهر من المسلمين على الشوائب الموجودة، وعلى الأخطاء، وعلى الخلط الموجود في الرايات وفي الساحة، لكن أليس منهم -من الموحدين- من أهل السنة؟ أليس منهم من قنتوا؟ أليس منهم من كبروا؟ ألم تتضاعف أعدادهم في المساجد؟ بلى، وخصوصاً في صلاة الفجر، ألم يحدث من بعض المسلمين بطولات؟ ألم يتوزعوا الأدوار فالنساء يخبزن للمقاتلين، والشبان يحملون ويرابطون بالسلاح على رؤوس الشوارع وفي الخنادق، والأطفال يرتضعون البطولة من تلك الصور؟

وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْسورة البقرة:216، قال سفيان بن عيينة: "ما يكره العبد خير له مما يحب؛ لأن ما يكره يهيجه على الدعاء، وما يحب يلهيه عن الدعاء".

قال شريح: "إني لأصاب بالمصيبة..." ونحن لا زلنا نتحدث عن مصيبة، مصيبة نزلت بديار الإسلام، قصف وتشريد، وقتل وجرح، لا شك قائم إلى الآن، ومذابح وربما تزداد، وربما في النهاية يتغلب الكفار أهل الصليب، لا ندري عن الغيب، ربما يتغلبون بعد أن يقتل منهم من يقتل، وبعد أن تحصل فيهم النكاية، ويضرب الله الظالمين بالظالمين، لكن فيها عبر وآيات للمسلمين، الله يعلم عباده الدروس، العبر والعظات بالدماء والأشلاء والجراحات، الدروس هذه تلقاها أهل المسلمين في أحد لم يتلقوها مجاناً، تعلموا دروساً عظيمة بعدما قتل سبعون من خيار المسلمين.

قال شريح: "إني لأصاب بالمصيبة؛ فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني"، ولذلك لو قلت لكم: ما أصاب المسلمين الآن هل حسن دينهم؟ هل جعلهم أقرب إلى الله؟ هل صاروا يسألون عن أمور الدين، وارتفعت لهجة الخطاب الديني، وسقط كثير من الشعارات الزائفة الكفرية التي كانت موجودة من قبل؟ نعم.

لقد عرفوا أن القضية لا تتم إلا بالصدق مع الله، وهذه دروس بليغة، أهم شيء -أيها الإخوة- في هذه الأحداث أن نأخذ الدروس والعبر والعظات.

اللهم إنا نسألك أن تغيث إخواننا المستضعفين، اللهم ارحم ضعفهم، واجبر كسرهم، وأبرئ جريحهم، واشف مريضهم، وارحم ميتهم، وارزقهم الصبر على ما أصابهم.

اللهم وحد على التوحيد صفوفهم، اللهم وارزقهم قائداً ربانياً يقودهم إلى الحق والنصر يا رب العالمين.

اللهم إنا نسألك النصر للمجاهدين، اللهم أعل كلمة الدين، انصر كتابك وسنة نبيك وعبادك الموحدين، اللهم ثبت أقدام المجاهدين، وانصرهم على القوم الكافرين، اللهم أنت الجبار لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، ولك الكبرياء، وأنت الكبير المتعال، وأنت القوي الجبار.

اللهم إنه لا يعجزك شيء، لا يُغلب جندك سبحانك لا إله إلا أنت اقصم ظهور اليهود والصليبيين، وعاجلهم بنقمتك يا رب العالمين، وأرنا فيهم آية، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، سلط عليهم جندك، اللهم زلزلهم ودمرهم، واقصفهم وأرعبهم واخذلهم، اللهم قطع مددهم وأوصالهم، واجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين، اللهم إنا نسألك في ساعتنا هذه أن تجعلهم في سفال وشأنهم إلى زوال، اللهم دمر فيهم أسلحتهم، اللهم وعطلها عليهم.

اللهم إنا نسألك وأنت على كل شيء قدير، ونرغب إليك وأنت الواحد الديان، ونفزع إليك وأنت الرحمن الرحيم، ونسألك بأسمائك الحسنى أن تنصر الإسلام والمسلمين، وأن تذل الكافرين يا رب العالمين.

اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزم الأحزاب والصليبيين، وردهم على أعقابهم خاسئين، اللهم ردهم خاسرين، اللهم ردهم بغيظهم لا ينالون ما أرادوا، أفشل خططهم، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، واجعلنا في بلادنا هذه آمنين مطمئنين، وسائر بلاد المسلمين، ومن أراد ببلدنا هذا سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا أجمعين، ولا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وعمل مبرور، وسعي مشكور يا عزيز يا غفور.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - السيرة لابن كثير (3/631).
2 - رواه البخاري (1035)، ومسلم (900).
3 - رواه أحمد (10613).
4 - رواه البخاري (335).
5 - رواه النسائي في الكبرى (999).
6 - رواه البخاري (2896).
7 - السيرة لابن كثير (2/433).
8 - رواه مسلم (1777).