الثلاثاء 7 صفر 1440 هـ :: 16 أكتوبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

وتلك الأيام نداولها بين الناس - الجزء الأول


عناصر المادة
كل يوم هو في شأن:
النصر والهزيمة بقدر الله:
الأيام دول بين الناس:
خطورة الهزيمة النفسية:
سينتشر الإسلام كما كان:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب:70-71، أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

كل يوم هو في شأن:
00:01:19

أيها الإخوة، سبق وأن ذكرنا في مرة ماضية ما لتوحيد الأسماء والصفات من أهمية بالغة في حياة المسلم الذي يريد أن يسير إلى ربه عز وجل سيراً حثيثاً مضطرداً على ضوء من الكتاب والسنة، توحيد الأسماء والصفات -أيها الإخوة- أحد أنواع التوحيد الثلاثة التي ذكرها علماء الإسلام، وقسموها ليتضح المعنى، ويتضح المقصود، أسماء الله وصفاته التي طالما جهلها المسلمون في كثير من الأزمان.

واعملوا -يا إخواني- أن معرفة صفات الله عز وجل من الأمور التي تصحح تصورات المسلمين، ومن ثم أعمالهم، تصحح التصورات، وتصحح الأعمال، فمثلاً إذا نظرنا اليوم في حال المسلمين، والهزائم المتكررة التي يعيشونها، والتقهقر الذي وصلوا إليه، واستعداء الشرق والغرب عليهم من كل جانب، وتسلط الكفار على رقاب المسلمين حتى لم يعد لهم حول ولا قوة، ولا طول ولا تحكم في الأمور، ولا قيادة يسيرون خلفها كما كانت الخلافة الإسلامية في العصور الماضية، وهذا الظلام الحالك الذي يلف بلاد المسلمين يسبب نوعاً من اليأس والقنوط، ولا تلبث حركة تقوم في بلاد المسلمين إلا وتنطفئ، ولا جهد إلا وينتهي بالفشل.

وفي وسط هذه الهزيمة النفسية، قبل الهزيمة العسكرية التي يعيشها المسلمون تظهر الحاجة ملحة لفهم صفات الله عز وجل وأسمائه؛ لأن فهم هذه الصفات يزيل هذه الظلمة الحالكة، ويبرر ما وصل إليه المسلمون، ومعرفة أقدار الله الكونية والشرعية، معرفة سنن الله عز وجل التي يسير بها الكون، والتي لا تتخلف أيضاً من الأمور المساعدة على فهم حال المسلمين.

 

في وسط هذه الهزيمة النفسية، قبل الهزيمة العسكرية التي يعيشها المسلمون تظهر الحاجة ملحة لفهم صفات الله عز وجل وأسمائه؛ لأن فهم هذه الصفات يزيل هذه الظلمة الحالكة، ويبرر ما وصل إليه المسلمون، ومعرفة أقدار الله الكونية والشرعية، معرفة سنن الله عز وجل التي يسير بها الكون، والتي لا تتخلف أيضاً من الأمور المساعدة على فهم حال المسلمين.

 

أيها الإخوة، هذا الفشل، وهذه الهزيمة التي يعيشها المسلمون في أصقاع الأرض لا بد من تدبر للمسبب وراءها، ولا بد من تفكير في صنع الله عز وجل الذي قدر هذه الأمور، وكانت بإرادته سبحانه وتعالى.

معرفة الأسماء والصفات من الأمور التي تساعد على تكوين الموازين الصحيحة التي بواسطتها يستطيع المسلم أن يُوجِد له مواقف ثابتة من الأحداث الجارية في هذا العالم.

فمثلاً من صفات الله عز وجل أنه يدبر الأمر، فيقول الله تعالى في محكم تنزيله: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ سورة السجدة:5، فهو سبحانه وتعالى يدبر الأمور، ويصرفها كما يشاء بقدر منه عز وجل، لحكم يعلمها سبحانه وتعالى، تسير أمور العالم كله وفق إرادته عز وجل، لا تحيد يمنة ولا يسرة عما قدره الله سبحانه وتعالى، وكتبه في اللوح المحفوظ، فإذن ليس هناك في هذا العالم ما يحدث فيه من خير أو شر، من نصر للمسلمين أو هزيمة، من رفعة لهم، أو ضعة عليهم إلا وهي حادثة بتقدير الله سبحانه وتعالى.

ومن صفات الله عز وجل أنه كل يوم في شأن من الشؤون، قال سبحانه وتعالى: يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ سورة الرحمن:29، وكما قال المفسرون رحمهم الله: من شأنه أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين سبحانه وتعالى، كل يوم هو في شأن يرفع أقواماً، ويضع آخرين.   

إذن -أيها الإخوة- من هو مالك الملك الحقيقي؟ من هو الذي يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء؟ من الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء؟ إنه الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.

النصر والهزيمة بقدر الله:
00:06:31

معرفة هذه الصفات لله عز وجل من الأمور المهمة التي تجعل المسلم يعرف من هو المسيطر الحقيقي على أزمة الأمور، ومجريات الأوضاع في العالم، إن هذه الحقيقة قد غابت عن أذهان المسلمين، أو عن أذهان كثير منهم إلا من رحم الله تعالى، فكثير من المسلمين اليوم يشعرون من خلال قراءتهم وسماعهم لأخبار العالم، وما يدور فيه أن المسيطر على مجريات العالم، وعلى حروبه، والمسير للأحداث الجارية أناس من الشرق أو الغرب.

يشعر المسلم وهو يسمع أخبار القوى في العالم، ومن الذين عندهم الصواريخ والطائرات، والقنابل بأنواعها، يشعر بأنهم هم المسيطرون على الأمور، وهم الذين يسيرون دفة العالم، يغيب عن باله في هذا الخضم الهائج من التصارعات الدولية على شؤون العالم أن هناك من البشر من يسير الأمور، ولكن الحقيقة أن الآيات تثبت لنا بشكل لا يجعل مجالاً للشك مطلقاً أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء، يصرف الأمور كيف يشاء سبحانه وتعالى، فقد يرفع الله أقواماً من الكفار، ويكتب الهزيمة على المسلمين، هذا شيء من تقدير الله عز وجل.

وقد جرت أقدار الله في عالم المسلمين أن تكون لهم الكرة مرة، وعليهم مرة، يقول الله في شأن الآيات النازلة في غزوة أحد: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ سورة آل عمران:139-140.

إذن من الذي يجعل النصر اليوم والغلبة في هذا اليوم لقوم من الأقوام؟ ومن الذي يجعل النصر والغلبة لقوم آخرين في يوم تال، أو أسبوع تال، أو شهر تال، أو سنة قادمة؟ إنه الله سبحانه وتعالى.

يا إخواني، يجب أن لا تغيب عن أذهاننا هذه الحقيقة بأي حال من الأحوال، وإذا أردت أن تعرف أكثر، وتتصور أكثر، فتأمل وتذكر خارطة العالم، ودويلات العالم في العصور السابقة، هل بقيت الخارطة لم تتغير؟ هل بقيت الدول كما هي منذ أن خلق الله العالم إلى الآن ما تغيرت؟ هل بقيت الغلبة لقوم معينين تناسلوها جيلاً عن جيل بقوا يغلبون حتى الآن؟ كلا أيها الإخوة.

الأيام دول بين الناس:
00:10:08

إن أحوال العالم تتغير يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، وعقداً بعد عقد، وقرناً بعد قرن من الزمان، والله سبحانه وتعالى بحكمته عز وجل وعلمه، وقدرته وإرادته هو الذي يغير هذه الأمور: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِسورة آل عمران:140، نزلت هذه الآية في معركة أحد، كان المسلمون قد انتصروا قبلها في غزوة بدر انتصاراً مبيناً فرقاناً بين الحق والباطل، وبعد ذلك في معركة أحد انهزم المسلمون، وقتل منهم سبعون من خيارهم، وحصلت هزيمة عظيمة، وشُجَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت منه الدماء، ودفع المسلمون ثمن الهزيمة باهظاً من الأرواح والمعنويات التي فقدوها في تلك الغزوة، وأطلع النفاق رأسه، واشتد النفاق بعد معركة أحد بالذات ما لم يشتد قبل ذلك.

ومن هم أولئك المسلمون؟ إنهم الصفوة المختارة التي قادها أعظم نبي ظهر في البشرية على الإطلاق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، السبب طبعاً: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَسورة آل عمران:152، الفشل والتنازع، والمعصية وحب الدنيا، أربعة أسباب رئيسية ذكرتها الآية، أسباب لهزيمة المسلمين في معركة أحد.

قبل فترة كانوا منتصرين وبعد فترة أصبحوا منهزمين، وبعدها انتصروا في الأحزاب، وبعدها جاءت حنين، فانهزموا في البداية، وانتصروا بعدها، ثم توالت انتصارات المسلمين تفتح بلاد العالم شرقاً وغرباً.

وبعد ذلك حصلت نكسات أخرى، فمن هذه النكسات التي حصلت مثلاً ما حصل للمسلمين عندما غزا التتر الكفرة بلاد العالم، فاجتاحوها من الشرق إلى الغرب.

قال ابن الأثير رحمه الله -وهو يروي حوادث التتر-: هذا فصل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم منذ خلق الله آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقاً، -ولعل الخلائق من هول الأشياء التي عرفها هذا المؤرخ المسلم ابن الأثير رحمه الله يقول معبراً-: ولعل الخلائق لا يرون مثل هذه الحادثة إلى أن ينقرض العالم، وتفنى الأجيال إلا يأجوج ومأجوج.

ما هي هذه الحادثة؟ ما هي أطراف مما حصل؟ يقول ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة ستمائة وست وخمسين للهجرة، يقول عن التتر: قتلوا الرجال والنساء والأطفال، وشقوا بطون الحوامل، وقتلوا الأجنة داخل بطون أمهاتها.

وفي بغداد لما اجتاحها التتر -وكانت حاضرة العالم الإسلامي، ومقر الخلافة الإسلامية- كان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فيفتحها التتر بالنار، ثم يدخلون عليهم، فيهرب المسلمون إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم، يقتل التتر المسلمين بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة -ميازيب البيوت التي تكون في أعالي البيوت، والتي إذا نزل المطر تدفق منها ماء المطر المتجمع من السطح إلى الأسفل، فصارت تصب بدلاً من ماء المطر دماء المسلمين-.

ووضع السيف في بغداد أربعين يوماً، فتراوحت التقديرات في قتلى المسلمين خلال هذه الأربعين يوم بين قرابة مليون نفس من المسلمين ومليونين، قُتل ما يقرب من مليون إلى مليونين من المسلمين في تلك الأربعين يوماً فقط.

والقتل كان في الطرقات، والقتلى كانهم التلول -تلة من القتلى، تلال من القتلى-، وأنتنت الجيف، وتغير الهواء، فحصل بسبب ذلك وباء شديد حتى تعدى، وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء، والفناء والطعن والطاعون.

ولما رحل التتر عن بغداد خرج من كان تحت الأرض من الناس المختبئين، الذين اختفوا داخل الأقبية، وحتى في المقابر خرجوا كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه.

وساق ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة سبعمائة وسبعة عشر للهجرة، قال: لحق ستون فارساً من التتر قافلة فيها أكثر من ألف من المسلمين، فمالوا عليهم، فقتلوهم عن آخرهم، فقتل من تجار المسلمين في تلك القافلة ستمائة، ومن عامتهم ثلاثمائة، ولم يبق منهم سوى الصبيان، وعددهم سبعون صبياً، فقالوا -هؤلاء التتر-: من يقتل هؤلاء؟ فقال واحد منهم: أنا بشرط أن تعطوني مالاً زائداً من الغنيمة، فقتلهم كلهم عن آخرهم! سبعين صبياً وطفلاً! وردمت بهم خمساً من الصهاريج الضخمة، حتى امتلأت رحمهم الله، ولم يسلم من الجميع إلا رجل واحد عاش ليروي هول المذبحة.

أيها الإخوة، إذن رفع الدول، وخفض الدول، ونصر الناس، وهزيمة الناس بيد الله عز وجل فقط، لا يملكها أحد من الشرق أو الغرب: وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِسورة آل عمران:140، وأحياناً تكون الفترة بين نصر دولة وهزيمتها صغيرة جداً لدرجة أنه قد يعيشها فرد واحد، وإليكم مثالاً على ذلك، يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله في مطلع سورة الروم وهي سورة عظيمة: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَسورة الروم:1-6.

ذكر المفسرون رحمهم الله في شأن هذه الآية: أن المسلمين لما كانوا مستضعفين في مكة -في مرحلة الاستضعاف قبل الهجرة-، كان الفرس قد تغلبوا على الروم، وقتلوا منهم خلقاً عظيماً -تغلبت دولة فارس على دولة الروم-، وقد استبشر الكفار في مكة من عبدة الأصنام، اسبتشروا بهزيمة الروم الذين كانوا أصحاب كتاب، كانوا نصارى، استبشروا بغلبة فارس عليهم؛ لأن الفرس كانوا عباد أصنام، وكان المسلمون يتمنون أن ينتصر الروم، لا لأنهم على حق، ولكن لأنهم أقرب إلى المسلمين من المجوس الوثنيين عباد الأصنام الفرس، فقال الله سبحانه وتعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَسورة الروم:2-3وهم من بعد هزيمتهم سيغلبون فِي بِضْعِ سِنِينَسورة الروم:4بضع سنين لا تتجاوز التسعة كما هو معروف من تعريف البضع في لغة العرب، تسع سنين تقوم الدولة مرة أخرى، وقد انهزمت هزيمة كبيرة جداً إلى أقصاها، فتتغلب على من هزمها في تسع سنين، فتحدى المسلمون والكفار بعضهم بعضاً، وحدث أن تطاول الكفار على المسلمين في شأن هذه الآية، فقالوا للمسلمين: إن قرآنكم كذب، وكيف يصدق إنسان أن الفرس الذين غلبوا هذه الغلبة العظيمة في بعض سنين سيغلبون؟ ولم تمض تسع سنين حتى غلبت الروم الفرس غلبة منكرة، وهزموهم هزيمة عظيمة، بعد تسع سنوات.

وقد روى ابن أبي حاتم عن العلاء بن الزبير عن أبيه قال: رأيت غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم في خمسة عشر عاماً -لأنه بعدما غلبت الروم فارس من الذي تغلب عليهم كلهم؟ المسلمون الذين فتحوا بلاد فارس والروم-.

انظروا -أيها الإخوة-، تمعنوا في أحداث التاريخ كيف تنتصر دولة، ثم تنهزم من الدولة التي هزمتها، ثم يأتي  أقوام آخرون، ويهزمون الدولتين كلتيهما بقدر الله سبحانه وتعالى، كيف تتغير خريطة العالم في زمن وجيز جداً، من الذي يصرف الأمور؟ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء اليوم تؤتيه الناس الفلانيين، وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء، وتنزع من أناس آخرين، وَتُعِزُّ مَن تَشَاء، فيغلبون وَتُذِلُّ مَن تَشَاء، فينهزمون، بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة آل عمران:26، وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِسورة آل عمران:140، وتلك الأيام نداولها يوماً لهؤلاء، ويوماً لهؤلاء على قدر من الله عز وجل.

وهذه الهزائم والانتصارات سواءً كانت في المسلمين، أو في الكفار، يقول الله تعالى في شأنها: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُسورة الروم:4، من قبل الهزيمة والانتصار، ومن بعد الهزيمة والانتصار، الأمر لله عز وجل.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وإياكم في دينه، وأن يرزقنا وإياكم التدبر في كتابه، ومعرفته أحكامه وسننه، وأن يرسخنا على الإيمان وطريقه، وصلى الله على نبينا محمد.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، يعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده.

خطورة الهزيمة النفسية:
00:21:53

أيها الإخوة، هذه القضية التي تكلمنا عنها الآن نعود فنربط بين صفات الله عز وجل أنه يدبر الأمر، وأنه يداول الأيام بين الناس، وأنه يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، وأن له الأمر من قبل ومن بعد.

هذه الحقائق القرآنية لها التصاق وثيق بأحوال المسلمين اليوم، والسبب الذي من أجله نتحدث عن هذه القضايا أن هذه الهزائم التي يعيشها المسلمون اليوم تسبب إحباطاً في نفوسهم، ويأساً من نصر الله تعالى، فيقول المسلمون اليوم: كيف يمكن أن ننتصر؟ كيف يمكن أن ننتصر وحالنا من التشتت والانقسام ما هو معروف وواضح؟ كيف يمكن أن ننتصر والشرق والغرب من الشيوعيين والرأس ماليين، ومن بينهما من الطبقات الكافرة يملكون من القوى والأسلحة، والعتاد العسكري، والعدد والعدة ما يفوق المسلمين بأضعاف كثيرة؟ بل لا يمكن أن يقارن على المستوى المادي العسكري بين قوة المسلمين، وبين قوة الكفار، كيف يمكن أن ننتصر وكل يوم تتجدد المذابح، وتتجدد الهزائم المتوالية، وتحتل أراضي جديدة من أراضي المسلمين، والنكسات في داخل بلاد المسلمين وخارجها حاصلة، ودائرة التخطيط على المسلمين قائمة على قدم وساق؟.

إذن هذه الهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون اليوم تسبب أنواعاً كثيرة من الأضرار منها: أولاً: أنها تفقد المسلم القدرة على إيجاد التصورات الصحيحة التي يستطيع أن يسير بها في حياته. ثانياً: أنها تفقد المسلم القدرة على التفكير السليم؛ لأن الذي يعيش في أجواء الهزيمة -هذه نقطة مهمة-، يفقد القدرة على الابتكار، وعلى العطاء، وعلى الإنتاج، وهذا من أسباب تخلف المسلمين اليوم

 

الهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون اليوم تسبب أنواعاً كثيرة من الأضرار منها: أولاً: أنها تفقد المسلم القدرة على إيجاد التصورات الصحيحة التي يستطيع أن يسير بها في حياته. ثانياً: أنها تفقد المسلم القدرة على التفكير السليم؛ لأن الذي يعيش في أجواء الهزيمة -هذه نقطة مهمة-، يفقد القدرة على الابتكار، وعلى العطاء، وعلى الإنتاج، وهذا من أسباب تخلف المسلمين اليوم

 

، واستيرادهم لأتفه المنتوجات من بلاد الكفرة، يفقد القدرة على العطاء، وعلى الابتكار، وعلى الإنتاج بجميع أنواعه حتى في المجالات الشرعية؛ لذلك قل علماء المسلمين، وقل الإنتاج الحقيقي -الذي له ثقل في مجال العلوم الشرعية- كثيراً، وقل الدعاة، وقل المصلحون، وانحسر الإسلام في نفوس الناس، وتشوهت الفكرة الإسلامية، والعقيدة الإسلامية في نفوس كثير من المسلمين، فلم يعرفوا من القرآن إلا رسمه، وكيفية كتابته، هذا إن قرأه قراءة صحيحة، وجهلوا معانية، وما انطوى عليه من الحكم والأحكام.

إذن هذه الهزيمة النفسية تسبب هذه الأضرار، كيف نعالج هذه الهزيمة النفسية؟ كيف نقنع الناس اليوم بأن الشرق أو الغرب لا يملك شيئاً؟ كيف نقنعهم بأن الله إذا أراد شيئاً هيأ أسبابه، وأن الله إذا أراد شيئاً فلا بد أن يكون؟ لو أراد الله أن ينتصر المسلمون غداً على الكفرة في الشرق والغرب، ويعم الإسلام الأرض لكان ذلك؛ لأن الله أراده.

إذن -أيها الإخوة- نحن نفقد معاني أسماء الله وصفاته التي تهيئ لنا الأجواء النفسية المطمئنة التي نستطيع من خلالها أن نتحرك، وأن ننتج، هذه الهزائم التي يعيشها المسلمون اليوم، هل فكرت -يا أخي- كيف كان المسلمون إلى عهد قريب؟ كيف كانوا إلى عهد قريب قبل بضع مئات من السنين فقط؟ إليك هذه التواريخ والأحداث التي جرت فيها.

سينتشر الإسلام كما كان:
00:26:13

في عهد آخر خلافة قامت للمسلمين -الخلافة العثمانية-، في عام ألف وستمائة وثلاثة وثمانين للميلاد يعني قبل كم سنة؟ ألف وستمائة وثلاثة وثمانين؟ أربعمائة سنة، فتحت جيوش المسلمين بولندا والنمسا، بولدنا والنمسا التي هي من معاقل الكفر، ودول الكفر قبل أربعمائة سنة تقريباً، كانت جيوش الخلافة العثمانية قد دخلت داخل بولندا والنمسا، وأصبحت على أسوار فينا -عاصمة النمسا-، ورفع الأذان هناك، وكان الاتحاد السوفيتي الآن بلاد الروس الآن كلها تحت سيطرة الدولة العثمانية -الخلافة الإسلامية-، بلاد القوقاز، وما وراءها، وبلاد تركستان -التي هي من دولة روسيا الآن-، كلها كانت تبعاً للخلافة العثمانية، وكانت بلاد للمسلين، إلى عام ألف وستمائة وأربعة وأربعين ميلادي.

كان المغول المسلمون يحكمون الصين، انتهى حكم المسلمين للصين عام ألف وستمائة وأربعة وأربعين للميلاد قبل بضع مئات من السنين فقط، انتهت، ربما بعض المسلمين الآن لا يعرف أصلاً أن المسلمين قد حكموا الصين في يوم من الأيام، ولا يتصور أن الصين التي تدين اليوم بالشيوعية والإلحاد آلاف الملايين من الناس الذين فيها، أو مئات الملايين من الناس الذين في الصين كانوا يوماً من الأيام يُحكمون من المسلمين.

عام ألف وخمسمائة وستة وعشرين فتح المسلمون العثمانيون المجر -هنغاريا-، وفي عام ألف وخمسمائة وسبعة وثلاثين فتح المسلمون أجزاء من إيطاليا، ودخلوا مدينة أوترانتوا الإيطالية، كانت الخلافة الإسلامية العثمانية موجودة هناك، ووصلت جيوش المسلمين في عهد الخلافة العثمانية في عام ألف وخمسمائة وثلاثة وأربعين إلى فرنسا، واحتلوا مدينة نيس وطولون في فرنسا، ودخلوها، وأقاموا فيها مسجداً، ورفع شعار "لا إله إلا الله" في قلب فرنسا، وأسبانيا التي بقيت قروناً من الزمان في أيدي المسلمين.

وهذه شبه القارة الهندية استكمل المسلمون السيطرة عليها -بلاد عباد البقر والهندوس الآن- كانت يوماً من الأيام قريبة -في عام ألف وخمسمائة وستة وثمانين- تحكم بالإسلام.

إذن -أيها الإخوة- هذه الأحداث، وهذه الأشياء التي وقعت في الماضي تنبئ عن أي شيء؟ تنبئ على أنه بمقدور الإسلام أن ينتشر، وبمقدور المسلمين بإذن الله عز وجل أن يستولوا على ما شاؤوا بإذن الله سبحانه إذا توافرت عندهم شروط النصر.

لقد حدثت للمسلمين نصر وهزيمة، ونصر وهزيمة، ونصر وهزيمة، كما مر معنا قبل قليل، بدر نصر، أحد هزيمة، ثم نصر متوالي، ثم جاء التتار، فانهزم المسلمون هزيمة شديدة، ثم ظهر صلاح الدين الأيوبي، وحرر أراضي المسلمين من النصارى، ثم حصلت هزائم أخرى متوالية، ثم ظهرت الخلافة العثمانية، ثم نحن نعيش الآن في عصر الهزيمة، إذن يمكن أن يحدث بعد هذه الهزيمة نصر بإذن الله عز وجل، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أعداء الإسلام يخططون، ويدبرون، ولا شك في هذا، وعندهم جيوش جرارة لا شك في هذا، وكل يوم تحصل هزائم وانتصارات، لكن من الذي يدبر حقيقة؟ من الذي وراء الأحداث كلها؟ من الذي فوق كل شيء ذاتاً وصفات، وله علو الذات والصفات والقهر والغلبة؟ إنه الله عز وجل، كل الأشياء التي تحدث في العالم: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُسورة الروم:4، كلمات واحدة تحتوي كل شيء يدور، كل الأشياء التي تدور: لِلَّهِ الْأَمْرُ.

أيها الإخوة احفظوا هذه الكلمات: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُسورة الروم:4، من قبل حدوث الأحداث، ومن بعد حدوث الأحداث، الأمور بيد الله عز وجل، الله عز وجل يؤتي من يشاء، ويمنع من يشاء، هذا مفهوم مهم جداً أن يكون مرتكزاً في نفوساً، وإلا فليس هناك أمل أن تتحسن الأحوال مطلقاً.

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم وارزقنا معرفتك، ومعرفة أسمائك وصفاتك، وعبادتك بها يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، اللهم واجعلنا من الذاكرين لك كثيراً، ومن الشاكرين لك نعمك وإحسانك يا رب العالمين.

اللهم واجعلنا من جندك، وأوليائك، وأتباع نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، الله وارزقنا النصر في العقيدة، اللهم وارزقنا النصر في القوة على أعدائك يا رب العالمين، اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، والبدعة والعناد.

اللهم وانشر دين المسلمين في أصقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم وهيئ لهذه الأمة أمر رشد تعز فيه أهل طاعتك، وتذل فيه أهل معصيتك، اللهم واجعل يوم النصر قريباً يا رب العالمين.

وصلوا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أمركم ربكم بالصلاة عليه، وأجزل العطاء عشر صلوات لمن صلى عليه مرة واحدة، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أيها الإخوة، إن المسلم -وإن كان يعيش الآن في هزيمة-، فإنه -كما يقول رحمة الله عليه صاحب الظلال-: فإنه ينظر إلى غالبه من علٍ، وإن كنا مغلوبين فإنا ننظر إلى أعداءنا من فوق ننظر! كيف؟ الله عز وجل في الآية التي قرأناها في انهزام المسلمين في أحد قال قبلها مباشرة: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا، نحن مغلوبون، نعم، نحن قد أهنا، نعم، قد علا الكفار علينا، نعم، يقول الله تعال: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ سورة آل عمران:139، لا تهنوا، لا تشعر بالمهانة -يا أخي المسلم-، ولا بالذلة، بل اشعر بالعلو على الكفرة، انظر إلى من غلبك من الأعلى، لماذا؟ لأنك تستعلي عليهم بعقيدتك، العقيدة أغلى شيء، تستعلي على الكفرة بالعقيدة، بالعقيدة أيها الإخوة! حتى يأتي يوم ينصر الله فيه الإسلام، فنحن والحمد لله عندنا هذه العقيدة الصافية النقية التي هي مصدر العز، ومصدر الاستعلاء في الأرض، التي إذا علمنا لها كما أمر الله فلا بد أن ننتصر: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، "لام" القسم، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ سورة الحـج:40.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.