الخميس 5 ذو الحجة 1439 هـ :: 16 أغسطس 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

لغتنا الجميلة هل نعود اليها ؟ - الجزء الثاني


عناصر المادة
الإعجاز البلاغي في الكتاب والسنة:
هيمنة اللغة العربية على غيرها:
الغرب وأذنابه يحاربون اللغة العربية:
لغتنا غنية فلم الذلة لغيرها:
لغتنا هويتنا:
لغتنا عظيمة:
حكم تعلم اللغة الأجنبية:
لنتعلم اللغة العربية:

الخطبة الأولى:

 إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب:70-71، أما بعد:

الإعجاز البلاغي في الكتاب والسنة:
00:01:06

فالحمد لله الذي اختار العرب ليصطفي منهم رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم، وينزِّل بلسانهم كتابه المعجز المتعبد بتلاوته إلى قيام الساعة، هذه اللغة التي صُفيت منذ القدم من نفوس مختارة بريئة من العرب الأقحاح الذين لم يخالطوا غيرهم، فسلمت ألسنتهم من الخسائس المزرية، والعلل الغالبة، حتى إذا جاء إسماعيل نبي الله ابن إبراهيم خليل الله أخذها وزادها نصاعة وبراعة، وأسلمها إلى أبنائها من العرب وهم على الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه السلام، فظلت تتحدر على ألسنتهم مختارة مصفَّاة حتى أظل زمان نبي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله بها كتابه بلسان عربي مبين، ثم تحدى العرب ملوك الفصاحة وأمراء البيان أن يكتبوا مثلها، أن يأتوا بسورة من مثله، عجزوا في الحال، وأخبر أنهم عاجزون في المآل أيضاً: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ سورة البقرة:23-24.

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًاسورة الإسراء:88.

نزول القرآن الكريم باللغة العربية فخرٌ للعرب وقريش، وحق لهم أن يفخروا به، والله قال: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ شرف لك ولقومك وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ شرف لهم أنا أنزلناه بلغتهم، وَسَوْفَ تُسْأَلُونَسورة الزخرف:43-44، ستسألون عن هذا الشرف.

ولا يمكن كما تبين -أيها الإخوة- في المرة الماضية، في خطبة ماضية من أقوال العلماء، لا يمكن أن نعرف الدين إلا باللغة العربية، وتعلم الدين واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، قال العلماء: لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية من العجم والترك وغيرهم أن يعرفوا إعجاز القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) [رواه مسلم (152)].

لقد ذهبت عصا موسى، وناقة صالح، ومعجزة عيسى بشفاء المرضى، وكتب الأنبياء جميعاً ذهبت، أصابها التحريف، بقيت هذه المعجزة "القرآن الكريم بالعربية"، كيف يستمر عمله في الواقع، ويؤمن عليه الناس؟ كيف إلا إذا تعلموا لغته عرفوا إعجازه، كيف يعرفون إعجازه بغير اللغة العربية؟ كيف يتذوقونه؟ كيف تعرف بلاغة القرآن في قوله: اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًاسورة مريم:4، وبلاغته في الأمثال، أعمال الكفار: كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ سورة النور:39، كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُسورة الرعد:14، يقول للماء ارتفع! وهل يرتفع إلا إذا رفعه؟!

ضرب الأمثلة للمنافق المتحير المضطرب: كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْسورة البقرة:20، ووقفوا، لا نور، ولا مشي، ولا حركة، كيف تعرف أن تقديم ما من شأنه التأخير يفيد الحصر، وهذا الفرق بين قولك: نعبد إياك، وإياك نعبد، إِيَّاكَ نَعْبُدُسورة الفاتحة:5أي: لا نعبد إلا أنت، كيف نعرف سائر أنواع الإعجاز في الكتاب العزيز إلا باللغة العربية، وحتى السنة والحديث قال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت جوامع الكلم) [رواه مسلم (523)]، المعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة، كيف سنعرف جوامع الكلم، معاني الأحاديث إلا باللغة العربية، وفهم ألفاظها وتراكيبها.

هيمنة اللغة العربية على غيرها:
00:05:58

قال العلماء: ولسان العرب أوسع الألسنة مذهباً، وأكثرها ألفاظاً، ولا نعلم يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي، لكنه يوجد مفرقاً في الأمة لا يضيع منه شيء.

ولما أنزل الكتاب، ووحد الناس أمر بأن يوحد الناس ربهم، وأن تكون الأمة متحدة -ليست متفرقة- عُلم أنه لا بد من لغة توحدها، قال الشافعي رحمه الله: فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهم بعضهم بعضاً، فلا بد أن يكون بعضهم تبعاً لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتَّبَع على التابِع، وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي صلى الله عليه وسلم.

 

لما أنزل الكتاب، ووحد الناس أمر بأن يوحد الناس ربهم، وأن تكون الأمة متحدة -ليست متفرقة- عُلم أنه لا بد من لغة توحدها، قال الشافعي رحمه الله: فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهم بعضهم بعضاً، فلا بد أن يكون بعضهم تبعاً لبعض، وأن يكون الفضل في اللسان المتَّبَع على التابِع، وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي صلى الله عليه وسلم.

 

لا بد من لغة مشتركة لتوحيد الأمة، هذا مطلب شرعي.

ثم قال الشافعي رحمه الله: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذكر فيما افترض عليه.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله، فمعرفة العربية التي خوطبنا بها مما يعين على أن نفقه مراد الله ورسوله بكلامه، وكذلك معرفة دِلالة الألفاظ على المعاني -دلالة الألفاظ على المعاني-، لماذا ضل أهل البدع؛ لأنهم لم يعرفوا دلالة الألفاظ على المعاني، وقال الماوردي رحمه الله، ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره.

لما اكتسح الإسلام بلاد العالم نشر الصحابة اللغة العربية، وذلك منقبة عظيمة من مناقبهم، وتغلغلت في جميع نواحي الأرض من المغرب إلى الهند، واكتسحت اللغة العربية سائر اللغات المستعملة في تلك البلدان كالسريانية واليونانية، والقبطية والبربرية، وأثرت في اللغات الأخرى كالأردية والفارسية تأثيراً عظيماً، واكتسحت اللغة العربية اللغة اللاتينية في أسبانيا في العصور الوسطى حتى إن أهل الذوق من الأسبان بهرتهم نصاعة هذه اللغة، واحتقروا لاتينيتهم، وأقبلوا على تعلم هذه اللغة، وإحصائية القاموس الأسباني والبرتغالي تشهد بأن ربع كلمات الأسبانية والبرتغالية مشتقة وأصولها عربية، بل أثرنا حتى في لغات الأقوام الأوربيين الآخرين.

عباد الله، لما كنا سادة، وكنا قادة، كان العالم لنا تبعاً، وكانت لغتنا هي اللغة السائدة، وكانوا يتعلمونها رغماً عنهم، ولا يمكن لهم تقدم إلا بتعلمها، أقبلوا عليها يتعلمونها زرافات ووحداناً، وجاؤوا من إيطاليا وغيرها إلى الأندلس، ليتعلموا اللغة العربية في الأندلس، وبعثوا البعثات إليها.

يقول بعض المستشرقين: إن أرباب الفطنة والتذوق من النصارى سحرهم رنين الأدب العربي، فاحتقروا اللاتينية، وصاروا يكتبون بلغة القوم القاهرين.

حتى قال أحد القساوسة النصارى: وا أسفاه، إن الجيل الناشئ من المسيحيين لا يحسنون أدباً أو لغة غير الأدب العربي، واللغة العربية، وإنهم ليلتهمون كتب العرب، ويجمعون منها المكتبات الكبيرة بأغلى الأثمان، وكتب ألفاروا مطران قرطبة في عام ثمانمائة وأربع وخمسين للميلاد إلى أحد أصدقائه رسالة يقول فيها: إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا بحب اللغة العربية يبحثون عن كتبها، ويقتنونها، ويدرسونها في شغف، ويعلقون عليها، ويتحدثون بها في طلاقة، ويكتبون بها في جمال وبلاغة، ويقولون عليها الشعر في رقة وأناقة، يا للحزن! مسيحيون يجهلون من كتابهم وقانونهم ولاتينيتهم، وينسون لغتهم نفسها، ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولة لأخيه مسلِّماً عليه، وتستطيع أن تجد جمعاً لا يُحصى يظهر تفوقه وقدرته وتمكنه من اللغة العربية، ثم انقلب الزمان، وتغير الحال، وانعكست القضية، حُق لهم أن يتركوا لاتينيتهم لأجل العربية؛ لأنها أقوى وأعلى، وأثمن وأبلغ، ولكن هل يحق لنا أن نترك عربيتنا لإنجليزيتهم، وهي الأضعف والأسفه، والأدنى والأضيق؟.

ليس عيباً عليهم أن تعلموا عندنا في الأندلس، ولكن العيب نحن أن نستخدم لغتهم، وهي الأضعف.

الغرب وأذنابه يحاربون اللغة العربية:
00:11:59

ولمَّا علم أعداء الإسلام أن اللغة العربية هي الجزء المشترك من كيان الأمة، وهي الوطن المعنوي الواحد لحركة اللسان المعبرة عن حركة الفكر والجدان، وأن مقياس رقي الأمم وانحطاطها في رقي اللغة وانحطاطها هجموا على اللغة العربية، أخذوا تراثنا ومخطوطاتنا إلى مكتباتهم وجامعاتهم، رَمَت الأمة بمخططاتهم التاج العربية من فوق رأسها.

لما أدركوا أن اللغة تربط بين المسلمين، توحد بينهم، كان المسلم ينتقل من المغرب إلى أقصى المشرق يتكلم العربية الفصحى كل واحد يفهمه، كلهم يفهم بعضهم بعضاً، اللغة واحدة، فلما احتل الكفار الدول الإسلامية وقسموها -أي الدولة الإسلامية- شنوا الحرب على اللغة العربية الفصحى، وفرضت لغة الغزاة على الشعوب الإسلامية المغلوبة.

أولاً: جعلوا لغتهم هي اللغة الإجبارية في المدارس، في المرحلة الابتدائية إلى الجامعية فما فوق، واعتبروها اللغة الأساسية في البلاد، مع إهمال اللغة العربية، حتى ينشأ جيل من أبناء المسلمين يتكلم بلغة الغزاة، ويهجر لغته الأصلية، وصار طالب العمل والوظيفة لا يستطيع أن يجد وظيفة إلا إذا كان يتقن لغة الغزاة إتقاناً جيداً، حتى صارت الأجيال في بلاد المسلمين لا تحسن النطق بالعربية، وتجيدها بلغات القوم الغزاة، وابتعدت الأجيال عن الدين نتيجة لذلك حتى صار الواحد يفتح المصحف لا يحسن التلاوة فيه، ولا قراءة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن مقطوعة شعرية، أو قصة كتبت بالعربية، انظروا إلى حال المسلمين في أفريقيا، في شمال أفريقيا، ماذا فعلت بهم فرنسا وإيطاليا؟ والشعوب الإسلامية في روسيا والصين دُمِّرت اللغة العربية تدميراً تاماً، يتكلمون فرضاً باللغة الروسية، وهكذا، وهكذا، في كثير من البلدان أزيحت اللغة العربية عن مسرح الحياة.

ثم قاموا بعد ذلك بشن الهجمات، ومن ذلك محاولة نشر اللهجات العامية الإقليمية، والتشجيع على أن تكون اللهجة العامية هي التي تكتب بها العلوم والآداب والمعاملات، وأن العامية سهلة، وتجيدها كل المستويات، والفصحى صعبة، قواعد صعبة، ألفاظ معقدة، هكذا خيلوا إلينا، فصارت اللغة العامية هي الدارجة حتى نصير مثل الألمان والإنجليز والفرنسيين انفصلوا بلغات مختلفة عن اللغة اللاتينية الأم، هكذا كان المخطط، وأعطيت اللهجة العامية صيغة اللين والسهولة، ووصفت بأنها القادرة على التعبير عن كل أفكار أفراد المجتمع، وفتح المستشرقون الباب للدراسات، ونشروا الأبحاث في المجلات، وقاموا بتلك الحركة الخبيثة لترك الفصحى إلى العامية.

قام وليم ويلكوكس وقام سلدنمور وغيرهم -من هؤلاء الأخباث الأنجاس لويس ماسنيون، وبعضهم أسماؤهم على شوارع في بلاد المسلمين- دعوة إلى العامية، وتلقفها من المحسوبين على المسلمين من أمثال لطفي السيد، وعبد العزيز فهمي، وتوفيق الحكيم، وزكي نجيب محمود، وغيرهم إشاعة اللهجة العامية، وهدم اللغة العربية، تغيير قواعد اللغة العربية، تغيير الخط العربي، تغيير قواعد الإملاء، حذف بعض القواعد، وأيدهم نصارى العرب من أمثال سعيد عقل، وأنيس فريحة، ولويس عوض، ولا غرابة أن يتشجع نصارى العرب، ويتحمسوا لهذه الفكرة، وسخرت الأفلام والمسلسلات، والمقالات والمجلات لهذه الأغراض الخبيثة، وأثيرت النعرات القومية، فإذا كان المسلمون من أصل هندي أثاروا قضية الحضارة الهندية القديمة وآدابها ولغتها السنسكريتية ، نبشوا قبور المقبرة السنسكريتية، وأخرجوا العظام البالية ليقولوا: هذه لغتكم الأصلية، وأثاروا النعرة البربرية في أبناء المغرب العربي، والقومية الطورانية في أبناء تركيا المسلمين، والنعرة القبطية في أبناء مصر، وأحيوا أمجاد الفراعنة، وآثار الفراعنة لقطع الشعب عن أصالته العربية الإسلامية، وفي بلاد الشام أثاروا الحضارة الفينيقية، والقومية الكردية في الأكراد، وغير ذلك، وهكذا لتقطيع أوصال الأمة، وفرض أتان الترك على المسلمين في تركيا كتابة اللغة الأحرف باللغة اللاتينية، ومنع الأذان بالعربية، والكتابة بالعربية، والتدريس بالعربية، واللباس الذي يميز المسلمين، فصار حالهم كما ترون اليوم، مساكين لا يقدر المسلم أن يفتح القرآن ويقرأ، لا يفهم بعضنا على بعض، إذا التقينا في الحج يتكلم المسلم مع المسلم بالإشارات، ذهبت اللغة العربية.

وقام طه حسين وأذنابه ومن معه بحركة إلغاء الإعراب، وإشاعة قاعدة: "سكِّن تسلم"، إلغاء الحركات الإعرابية، رفع الفاعل نصب المفعول به، كيف سيعرف المسلم معنى قول الله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءسورة فاطر:28، الله: لفظ الجلالة مفعول به مقدم منصوب، هو الذي يخشى، والعلماءُ: فاعل هم الذي يَخشون.

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍسورة البقرة:124، من الذي ابتلى؟ إبراهيم: مفعول به مقدم، ربه: فاعل لفظ الجلالة، فاعل مؤخر، وإذا ألغينا الحركات الإعرابية كيف سنفهم؟ من الذي ابتلى؟ ومن الذي ابتلي؟ ومن الذي يَخشى؟ ومن الذي يُخشى؟ إذا سرنا على قاعدة: "سكِّن تسلم"، وألغينا الحركات الإعرابية.

وقام السوق السخرية بمدرسي اللغة العربية، وأصبحت رواتبهم من أدنى الرواتب إن لم تكن أدناها، ويُظهر مدرس اللغة العربية في الأفلام بمظهر الهزي والسخرية، وتطلق النكات المضحكة اللاذعة، تعمل سخرية.

قللت حصص اللغة العربية، وحذفت في بعض المدارس بالكلية، مع أن قواعد اللغة الإنجليزية تدرَّس في الجامعات، التخصص علمي، أو أدبي، أدبي تدرس قواعد اللغة الإنجليزية، واللغة العربية حذفت بالكلية! بل إنه وصل الحال المزري أن تدرس في بعض الجامعات حصص قليلة للغة العربية، قواعد اللغة العربية باللغة الإنجليزية، لا يقال: هذا فاعل، يقال: هذا objective، وهذا subjective، وهذا adverb، وهذا pronoun، هكذا تدرس قواعد اللغة العربية، المدرس يقول عن الفاعل: هذا كذا باللغة الأعجمية.

ولما قام بعض المخلصين بتعريب المصطلحات والكلمات قامت السخرية بالترجمة أو بالتعريب، قالوا: ماذا تريدون؟! ترجمتم ساندويتش إلى شاطر ومشطور، وبينهما كامخ أو طازج؟ سبحان الله! من الذي قال: إن هذه ترجمة ساندويتش، ما هو الشاطر؟ أليس السكين والمشطور هو الفطيرة، أو الشطيرة، كيف تكون ترجمة ساندويتش سكين وشطيرة، ما عندنا كلمة واحدة نقولها: فطيرة، أو شطيرة، وإذا كان ساندويتش هو اسم الشخص الذي اخترع الفكرة، وبانطلوني اسم الإيطالي الذي فصل هذا أول ما فصله، فبأي شيء يتبجحون علينا والقضية قضية أسماء؟!

وأشيعت المفردات الأجنبية في كتب اللغة العربية، والمدارس العربية، والجامعات العربية مع لها بدائل واضحة وسهلة، أدخلت كلمة بايلوجي مع أننا بسهولة نقول: علم الأحياء، وفيسيلوجي، وبسهولة نقول: علم وظائف الأعضاء، وسايكلوجي، ونقول بسهولة: علم النفس، وهكذا، لكن رنين الكلمة الذي يوحي بالتقدم والحضارة عند المنهزمين من أبناء جلدتنا صاروا يرطنون بهذه الألفاظ في كلامهم؛ ليدللوا على أنهم متقدمين وحضاريين، ومواكبين للمخترعات والمكتشفات، والحضارة الغربية، نعم لو قالوا أسماء الأشخاص أسماء البلدان، أسماء الأدوية التي لا حيلة فيها ربما لقبلنا ذلك، وقلنا:نأخذ الأسماء كما هي.

لغتنا غنية فلم الذلة لغيرها:
00:23:22

أيها الإخوة، يقول الشافعي رحمه الله تعالى في تعليقه على قضية تسمية التجار بالسماسرة، والسماسرة ليست لغة عربية، قال: سمى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجاراً، ثم سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمى الله به من التجارة بلسان العرب، والسماسرة اسم من أسماء العجم، فلا نحب أن يسمي رجل يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً، لا نحب أن يسمي التاجر إلا تاجراً، ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالأعجمية.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وما زال السلف يكرهون تغيير شعار العرب حتى في المعاملات، وهو التكلم بغير اللغة العربية إلا لحاجة -من فقه العالم أن يراعي قضية الحاجة- كما نقل ذلك عن مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه.

يقول محمد بن أحمد الخوارزمي البيروني: والله لأن أهجى بالعربية أحب إلي من أن أمدح بالفارسية.

لقد رشقت اللغة العربية بسهام الأعداء والأبناء، فوصفوها بالصعوبة، ونعتوها بالغموض والجمود، وحاولوا تهميشها في واقع الحياة، وتباهوا برطانة الأعاجم، وعزف كثير من الطلاب عن دراسة اللغة العربية، وتبرموا من مناهجها الدراسية، وانحدر مستوى مادة قواعد اللغة العربية والنحو والصرف، وكثرت الأخطاء في كلام الخطباء والكتاب، حتى أنك لا تكاد ترى رسالة في دائرة أو شركة إذا كتبت بالعربية إلا وهي مملوءة بالأخطاء، وادعي أن اللغة العربية لا تصلح لمواكبة التطور العلمي والتقني، وقال القائلون: ارحموا أولادنا وأطفالنا، كيف لا تصلح؟ كيف لا تصلح؟ هل تعجز اللغة العربية على انتقاء اسم، واختيار اسم لمخترع من المخترعات؟.

وسعت كتاب الله لفظاً وغاية *** وما ضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

وقام فريق منا يلوون ألسنتهم بالإنجليزية والأعجمية لتحسبوه من الحضارة والتقدم، وما هو من الحضارة والتقدم في شيء، كيف يفلح قوم يتكلمون بغير لغتهم، ويفكرون بغير لغتهم، ويدرسون بغير لغتهم، ويكتبون بغير لغتهم.

ثم هذه الإنجليزية التي يتفاخرون بها، وتظاهرون بها، ويتمظهرون بها دقق في ألفاظها سترى أثر اللغة العربية فيها، وسترى أنهم نقلوا منا الكلمات بالنص، وبعضها بتغيير طفيف، كيس في اللغة العربي كيس بالإنجليزية، قط Cat، كهف Cave، صك شيك، يقول الناس اليوم: وهو هي كلمة عربية صك، كَفن كُفِن، قطن  Cotton، كفر باللغة العربية يعني غطى وستر، وسمي الكافر كافراً؛ لأنه يغطي حقيقة التوحيد بكفره، كفر كفر، صفر Cipher، وهؤلاء المسلمون هم الذين اخترعوا الصفر، الكمية غير السالبة ولا الموجبة، وبذلك أسدوا للاتينيين نعمة عظيمة، وكانوا يكتبون الأرقام الطويلة المكتوبة الآن على الساعات، الأرقام اللاتينية، إذا أراد أن يكتب رقماً كتبه رقماً طويلاً، لما اخترع الصفر اختصر لهم الأرقام، يقول الواحد منا: سنذهب إلى السِيف، إلى الشاطئ، يستخدم بظنه كلمة إنجليزية مع أن سيف هي شاطئ باللغة العربية، وقد جاء في حديث أبي عبيدة في البخاري "حتى أتينا سِيف البحر" يعني: شاطئ البحر.

ماذا يقول الإنجليز عن السكر؟ أليس Sugar؟ وماذا يقولون عن التعريفة؟  Tariff، وماذا يقولون عن الكوب؟ cup، وعن الكأس؟ glass، وقومنا يقولون: هات الجلاص، هم أخذوها منا، كأس وكوب، والله ذكر الأكواب والكأس في القرآن الكريم، أخذوها منا، ثم نأخذها نحن بلكنتهم، أليس عيباً؟! أليس عيباً؟!

ويقولون الأطباء: سيرب، هم أخذوها منا "شراب"، أخذوها منا، يقولون: اللغة العربية ليست لغة علمية وتقنية، انظروا إلى الألفاظ المتعلقة بالعلوم في لغتهم، "Algebra" أليست من ألفاظ الرياضيات واللغات العلمية من أين أخذوها؟ من عندنا نحن، "Algorithms" العلامة الخوارزمي، يقولون: "Olvpetkal Order"، "Olvpetkal"، وليس عندهم ألف! ما عندهم ألف! لكن يقولون عن نظام ترتيب الحروف "Olvpetkal"؛ لأنهم أخذوها منا نحن "الألف باء"، الكحول، الصفر، وهكذا، وهكذا، أشعة ألفا، بيتا، كلمات علمية من أين أخذوها، أليست الألف والباء أليست حروفنا نحن؟.

ثم يتباهى المتفرنجون الذين يقلِّدون الغرب منا باستعمال كلماتهم، وإذا صدق أن الأنفلونزا هي أنف العنزة؛ لأنه يسيل دائماً، فواعجبي، انظر إلى ما يستعمل الناس اليوم من الكلمات الأجنبية في اللغات، و"Air Station"، "Taxi"، وكذلك يستعمل الطلاب في الجامعات "Kozskashen"، ثم يجمعون جمع تكسير، وجمع تشويه تجمع الألفاظ، والذين يعملون في المطارات، وهذه الرحلة عليها أوفر، ألا تستطيع أن تقول كلمة بالعربية "زيادة"، "Konkachin" ألا تستطيع أن تقول بدلاً منها كلمة بالعربية؟ ألا يوجد في العربية كلمات مرادفة، انتهينا من الأسماء، وأسماء المخترعات، وسلمنا بأخذها كما هي، ولكن هذه الكلمات التي نقولها طلاباً وموظفين، وأطباء ومدراء، ويتكلم الواحد مع الآخر -العربي مع العربي- في الشركة باللغة الإنجليزية.

لغتنا هويتنا:
00:31:29

يقول مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: هل أعجب من أن المجمع العلمي الفرنسي يؤذن في قومه –أي الفرنسيين – بإبطال كلمة إنجليزية كانت في الألسنة من أثر الحرب الكبرى -أي العالمية-، ويوجب إسقاطها من اللغة جملة، وهي كلمة: "نظام الحصر البحري"، وكانت مما دخل على الفرنسيين من النكبات مع نكبات الحرب العظمى، فلما ذهبت تلك النكبات رأى المجمع العلمي الفرنسي أن الكلمة الإنجليزية نكبة على اللغة الفرنسية يجب التخلص منها، رآها كأنها جندي دولة أجنبية في أرض دولة مستقلة بشارته وسلاحه وعلمه، الفرنسيون رأوا الكلمة الإنجليزية كأنها جندي بسلاحه وعلمه وشارته فوق أرضهم المستقلة.

ثم يقول الرافعي رحمه الله -من كبار الأدباء الذين أنجبتهم مصر أرض الكنانة-: ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار، ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضاً على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها ويشعرهم عظمته فيها فيحكم عليهم أحكاماً ثلاثة في عمل واحد، أما الأول فحسب لغتهم في لغته سجناً مؤبداً، وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محواً ونسياناً، وأما الثالث: فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يضعها، فأمرهم من بعدها لأمره تبع.

اللغة هي صورة وجود الأمة بأفكارها ومعانيها، وهي عمقها وعاطفتها وتفكيرها، فهي نسب للعاطفة والفكر، حتى إن أبناء الأب الواحد لو اختلفت ألسنتهم، فنشأ منهم ناشئ -أبناء الأب الواحد!- فنشأ منهم ناشئ على لغة، ونشأ الثاني على أخرى، والثالث على لغة ثالثة لكانوا في العاطفة كأبناء ثلاثة آباء.

ترى الواحد منا اليوم مع الأسف الكلمة الأجنبية تسبق إلى لسانه، أسبق إلى لسانه من الكلمة العربية، وإذا أراد أن يُبدي تراجعاً وقف فترة يفكر ويبحث عن الكلمة العربية المرادفة، ويعصر ذهنه؛ لأن الثروة اللغوية ضعيفة.

اللغة الفرنسية مفرداتها حسب القاموس تقريباً خمسة وعشرين ألف كلمة، واللغة الإنجليزية بالمصطلحات وبالمولدات وبالأشياء الجديدة -وما أكثرها- مائة ألف كلمة، القاموس العربي كلمات اللغة العربية أربعمائة ألف كلمة، كم اسماً للسيف، وكم اسماً حتى للكلب في اللغة العربية؟ وعندهم الكلمة الواحدة تحتمل معاني كثيرة لا علاقة، ولا رابطة بينها وبينها.

يذهب أولادنا إلى الخارج لدراسة اللغة الأجنبية في الخارج، وتقول له: يوجد هنا تدريس لغة أجنبية، يقول: لا، لا بد أن أسكن مع عائلة أجنبية في الخارج لأتعلم اللغة، وأصبح طليق اللسان بها.

وفُتح باب الهجرة إلى الغرب كندا وغيرها، لماذا؟ للاستفادة، للامتصاص عقول المسلمين، عصارة المسلمين لصالحهم وتقدمهم، وإذابة المهاجرين المسلمين في مجتمعاتهم، أهداف مزدوجة.

ذهب رجل مسلم مع زوجته المحجبة وأولاده إلى السفارة الأجنبية، إنسان عربي إلى سفارة أجنبية يطلب الهجرة، قال له الملحق في تلك السفارة، قال له بصراحة، قال: نحن لا يهمنا لا أنت ولا زوجتك المحجبة، لا نطمع فيك، ولا في زوجتك المحجبة، ولا في أولادك الذين عندهم شيء من الثقافة المشرقية، لكننا نسمح لك؛ لأن أحفادك لنا؛ لأننا نوقن أن أحفادك لنا نحن.

وهكذا حصل، ماذا يفعل الذي يترك بلاد المسلمين والعرب إلى الغرب، وبعضهم مضطر لهذا ماذا يفعل؟ يوم واحد السبت أو الأحد يعلم ولده حصة لغة عربية، وماذا تغني في مركز إسلامي، أو معهد إسلامي، سنوات الولد يتهجى الكلمات، سنوات وهو لسانه طلق بلغة القوم، وإذا قلت له: تكلم بالعربية، أولاد المبتعثين الذين عاشوا سنين في الخارج إذا طُلب من الواحد أن يتكلم بالعربية كأنه يكسر أحجاراً، يقول كلمة أو كلمتين.

قال أحد الدعاة إلى واحدة إلى بنت صغيرة من بنات هؤلاء: قولي لي حكاية، حكاية باللغة العربية، أي قصة مخترعة، وغير مخترعة، قالت: كانت هناك بنت، بنت هناك كانت، وكان لها ثنتين قُطَّز، الجمع، ثم تخلت عن العربية، ولم تستطع أن تكمل الحكاية باللغة العربية!.

هذا حال أولاد المسلمين في الخارج مأساة.

جاءني رجل قال، يسأل عن مشكلة اجتماعية، ويعترف بأنه ارتكب جرماً عظيماً عندما تزوج من امرأة أمريكية في الخارج، وقال لي: انظر إلى هذا، وكان بجانبنا واحد من الصالحين يقرئ ولده القرآن، قال: أنا ولدي الصغير لا يستطيع أن يقرأ مثل هذا، وهو عربي لا يستطيع أن يقرأ مثل هذا الولد، الآن عرفت الجريمة التي أجرمتها بحق ولدي.

لما تركنا أولادنا أمام التلفزيون مستمعين طيلة الوقت صار الولد عاجزاً عن تركيب الجمل والتعبير، كان الأولاد في السابق يجتمعون أمام البيوت وفي الحارات، يؤلفون قصصاً يتكلمون، الآن أولادنا أمام الشاشات وألعاب الكمبيوتر، القدرة على الكلام تلاشت، يصاب الولد بالارتباك في تفكيره وحركة أصابعه، ولم يحسن إمساك القلم بعد، ونحن ندرسه بلغتين في الروضة، ويكتب مرة من اليمين إلى الشمال، والحصة التي بعدها من الشمال إلى اليمين، في غاية الإرباك.

يأتي العامل بالنغالي، العمال -أيها الإخوة- الذين قدموا علينا جلسوا عشر سنين وخمسة عشر سنة ماذا تعلموا؟ ماذا يتعلم الهندي الذي يأتي من الهند يمكث عندنا هنا ماذا يتعلم؟ الواحد منا إذا ذهب إلى الخارج تعلم رغماً عنه، وفي مدة يسيرة ستة أشهر يتقن اللغة الإنجليزية، يتقنها، والألمانية، والألماني في الشارع في ألمانيا يرفض أن يكلمك باللغة الإنجليزية ولو كان يعرفها، يفرض عليك أن تتكلم بالألمانية، لائحات الشوارع لافتات الشوارع كلها بالألمانية، لا مجال للغة الدخيلة، ولا اللغة الأجنبية عندهم، والفرنسي لا يتكلم معك بالإنجليزية يعتبره غزواً ثقافياً وعيباً، نحن يأتي أخونا المسلم من الهند يعيش بيننا ماذا يتعلم؟ أنت في روح، أنا في روح، أنت في يجي، خلي يولي! عبارات عجيبة، ويعود إلى بلده لا يحسن العربية، ولا يتكلم بالعربية، ولا يكتب بالعربية، بل الأعجب من ذلك يأتي العامل البنغالي إلينا هنا يجلس معنا لا يعرف لا الإنجليزية، ولا العربية لا يعرف إلا لغته الأصلية، يرجع من عندنا، وقد تكلم باللغة الإنجليزية؛ لأننا نحن عودناهم أيها الإخوة.

انظر إلى أسماء الشركات، دسكو ، مسكو، فسكو، أسماء المحلات، الألفاظ التي حدثت، نعجز أن نقول عن التلفون هاتف، أو عن البيجر نداء، أو عن الراديو مذياع، ونحو ذلك، عندنا كلمات، لكننا نحن كلمناهم وعودناهم، ورضخنا للأجنبي نتكلم معهم، ولو ذهبنا إلى بلده لا يعترف بلغتنا؛ هزيمة، ضعف، مصيبة، مصيبة كبيرة أيها الإخوة.

وأهل العلم كانوا يرون بتعزيز من يروج الأشعار باللهجة العامية، صار عندنا عقدة الأجنبي، عقدة الأجنبي صارت عقدة عظيمة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يردنا إل الحق رداً جميلاً ، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعنا من أهل العربية، وأهل كتابه المبين، ومن أهل سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

لغتنا عظيمة:
00:42:24

عباد الله، إن هذه القضية من القضايا الأساسية المهمة التي ينبني عليها توحد شخصية الأمة، وفهم الكتاب العزيز، والسنة النبوية الشريفة، إنها قضية دين ومبدأ ومصير، وليست قضية هامشية، ولا جانبية، ولا فرعية.

أيها المسلمون، أيها الإخوة، ما عرفنا ميزات لغتنا، ضيعنا لغتنا، لم نعرف ميزات اللغة في ثراء ألفاظها، لم نعرف ميزة الاشتقاق في هذه اللغة، ميزة عظيمة، الكلمة، الجذر -جذر الكلمة-، ثم أسرة هذا الجذر، تأخذ الفعل والماضي والمضارع، واسم الفاعل واسم المفعول، والصيغة المشبَهة، واسم الزمان واسم المكان واسم الآلة، واسم التفضيل، كله من جذر واحد، لكن هل عندهم ذلك في لغاتهم الأجنبية مثلما عندنا؟ كلا والله، ما عندهم ذلك.

مدرسة، نحن نقول: "درس يدرس مدرسة دارس مدرس" كلها من جذر واحد، وهم يقولون: "School"، و"Student"، و"Leeson"، جذور كلمات مختلفة، نحن لغتنا أسهل في التعلم، وإن قالوا: عندنا اختصارات، فنقول: وعندنا اختصارات، عندنا باب النحت في اللغة، الحمدلة، الدمعزة، البسملة، الحوقلة، هناك باب النحت، ولو قالوا: إن المصطلحات العلمية تقتضي الاختصار بالأحرف، ونقول: ونحن وماذا يضيرنا لو استعملنا ص. ب لصندوق البريد، و"س. ت" للسجل التجاري، و"ن. ق" لنصف القطر في الهندسة، وهكذا، وهكذا، استعملنا من سائر المختصرات، إذا كان ولا بد أن نختصر.

انظروا إلى تكامل حروفنا في مخارجها وتوزعها على المخارج، من أقصى الحلق إلى الشفتين في الأمام، وأطراف اللسان، واللسان ذاته الحروف موزعة عليه توزيعاً عجيباً، ولذلك نحن نستطيع أن ننطق سائر الحروف التي لديهم من كمال مخارجنا، ونقول: "p" و"v"، لكن هل منهم من يستطيع أن ينطق بسهولة: "ع"، و"ح"، و "غ"، و"ق"، و"ص"، و"ط"، لا يستطيعون وبصعوبة، مخارجنا أكمل من مخارجهم.

لقد قلت للعلج الذي درسني اللغة الإنجليزية مرة: هل تستطيع أن تتنحنح؟ قال: نعم، وتنحنح، وظهر حرف الحاء في نحنحته، فقلت له: وهل تستطيع أن تقول: محمد، فقال: مهمد، وهو قد أتى قبل قليل بالحاء في نحنحته، وهو عاجز أن يقولها في كلمة.

كمال مخارجنا، كمال حروفنا، عندنا المفرد والمثنى والجمع، اللغة الإنجليزية ما فيها المثنى، وعندنا "أنتِ"، و"أنتَ"، للدلالة على ذلك، ويقولون: "you"، ولا تعرف أيخاطب رجلاً أم امرأة، ويقول: "Doctor" و"Teacher"، ولا تعرف هل هو رجل أو امرأة، ونحن عندنا تاء التأنيث، وألف المقصورة للتأنيث، علامات التأنيث للتفريق بين الذكر والأنثى، فلا تعجب أن يكون أولئك فيهم ظاهرة الخنوثة في لغتهم وفي أخلاقهم.

حكم تعلم اللغة الأجنبية:
00:46:51

أيها الإخوة، سيطول الكلام ولم ينفصل بعد في ذكر مزايا اللغة العربية، ومقارنتها باللغة الأجنبية، ولا أرى أن الوقت يتسع لذلك، ولكنني أختم بمسألة: إذا قال قائل هل تريد أن تقول بتحريم دراسة اللغة الأجنبية؟

فالجواب: كلا أيها الإخوة؛ لأننا نعرف يقيناً أننا في مرحلة استضعاف، ونقدر عصرنا حق قدره، ونعرف أن المراجع، والجامعات، والابتعاث، ولغة الخطابات، والشركات، والكمبيوتر "الحاسب الآلي" كل ذلك باللغة الإنجليزية، ونعرف أننا نحتاج إلى تعلمها، وأننا لن نتمكن من اقتباس العلوم إلا بذلك، وعندنا الدليل على جواز تعلم اللغة غير العربية للحاجة، عندنا الدليل على ذلك، روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده: "قال زيد: ذُهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعجب بي، فقالوا: يا رسول الله، هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة -غلام-، فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (يا زيد، تعلم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي)، قال زيد: فتعلمت كتابهم، ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب" يعني إليه [رواه أحمد (21108)].

إذن تعلم اللغة الأجنبية للحاجة جائز، ولكن الحاجة تقدر بقدرها، فإذا لم يوجد حاجة لتدريس الأطفال في الروضة ما درسناهم، أين توجد الحاجة؟ في أي مرحلة نقدرها؟ ولا مانع عندنا من أخذ الحكمة من أي مكان.

ثم قد ذكرنا في المرة الماضية أن العلماء قالوا: لا بأس بالكلمة بعد الكلمة، لو واحد قال مرة: "ok" لا ننكر عليه ونقول: جريمة وحرام، لكن أن تصير اللغة عادة لأهل المصر في المكاتب، وفي الشوارع، وفي البيوت! العرب يتكلمون مع العرب باللغة الإنجليزية بدون داع، يصبح ذلك عادة، يصبح ذلك مظهراً، فهذا الذي ينبغي إنكاره أيها الإخوة.

لنتعلم اللغة العربية:
00:49:46

ثم ينبغي نشر اللغة العربية والكتب الشيقة السهلة للطلاب، واستخدام وسائل العرض الحديثة، والمكافآت والحوافز، ومجامع اللغة العربية تعمل، وتُتخذ القرارات على مستويات عليا في تعميم إنتاج المجامع العربية.

لقد تجارب جيدة لكن لم تعمم، وكذلك ينبغي أن تعقد الدورات والدروس في المساجد وغيرها، وحتى الأب يدرب الولد وهو يمشي معه في الشارع، يقول: أعرب لي كذا، وإذا كان الأب لا يحس شيئاً كيف يربي ولده على اللغة العربية، في كل جملة تمر عليك إذا كان تبدأ بفعل ابحث عن الفاعل وارفعه، وعن المفعول وانصبه، تجربة، تمرين.

وإذا بدأت باسم فهو المبتدأ فارفعه، وابحث عن الخبر فارفعه كذلك، يجب أن نستخدم اللغة في كل شيء: إشارات الشوارع، لوحات الدكاكين، الملصقات، المنتجات، وصفات الأدوية، وغير ذلك، كلما وجدنا سبيلاً لإشاعة اللغة نشيعها، وإذا وجدت الحاجة لدراسة اللغة الأجنبية درسناها، ولكن ننقل للعربية، في كوريا -آكلي الكلام- عمارة تتكون من ثمانين دور لنقل اللغة الإنجليزية والمصطلحات العالمية أولاً بأول إلى اللغة الكورية، وهكذا يفعل اليابانيون وغيرهم، ونحن سادة الدنيا ونحن أفضل أهل الأرض، وديننا أفضل الأديان، ولغتنا أفضل اللغات، اليهود أحيوا العبرية وهي ميتة، نبشوها من القبور، عظام بالية، يكتبونها على صدورهم وسيارات الإسعاف، وكل شيء تجده عندهم مكتوباً؛ لأنهم يريدون قومية مستقلة، لغة مستقلة، ونحن أولى بذلك منهم.

اللهم إنا نسألك أن ترينا الحق حقاً وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلاً وترزقنا اجتنابه، اللهم علمنا ما ينفعها، وانفعنا بما علمتنا.

اللهم وفق أبناءنا في اختباراتهم وامتحاناتهم، واجعلها عوناً على طاعتك يا رب العالمين، وجنبهم فيها المحرمات يا أرحم الراحمين.

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه مسلم (152).
2 - رواه مسلم (523).
3 - رواه أحمد (21108).