الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 هـ :: 19 فبراير 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

لغتنا الجميلة هل نعود اليها ؟ - الجزء الأول


عناصر المادة
القرآن عربي مبين:
عراقة اللغة العربية وعظمتها:
أحكام اللغة العربية عند الفقهاء:
خطورة تضييع اللغة العربية:
قدر اللغة العربية عند السلف:

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَسورة آل عمران:102.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاسورة النساء:1.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًاسورة الأحزاب:70-71، أما بعد:

القرآن عربي مبين:
00:01:12

فإن الله سبحانه وتعالى أنزل علينا الكتاب باللغة العربية، فقال عز وجل: كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ سورة فصلت:3أي: بينت معانيه، وأحكمت أحكامه، قرآناً عربياً بيناً واضحاً، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة: أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ هود:1، فهو معجز في لفظه ومعناه: قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَسورة الزمر:28، نزل بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه، ولا انحراف، ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا سورة طه:113، بلسان عربي مبين أنزل الله القرآن، بلسان عربي فصيح لا لبس فيه، ولا عي.

وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّاسورة الرعد:37محكماً معرباً واضحاً جلياً مبيناً، إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَسورة يوسف:2، وذلك؛ لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها، وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس.

لا يضيق صدر العربي الفصيح أن يعبر عما فيه، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أُنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة -وهو رمضان-، في أشرف ليالي العام في ليلة القدر، فكمل الكتاب من كل الوجوه: وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍسورة الشعراء:192-195، تكلم الله بالقرآن بالعربية حرفاً وصوتاً، تكلم الله بالقرآن باللغة العربية، وأنزله سبحانه باللغة العربية، وتكلم به إلى جبريل، وأسمعه جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم باللغة العربية.

ولما اتهم الكفار محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه أتى بالقرآن من نجَّار رومي بمكة، نصراني تعلم منه القرآن، قال الله رداً على هذه الفرية: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ سورة النحل:103، ذلك النصراني رومي لسانه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين، فكيف يخرج العربي المبين من فم رجل نصراني رومي؟!

عراقة اللغة العربية وعظمتها:
00:05:27

اللغة العربية كانت هي لغة الأقوام الأولى من العرب البائدة من عاد وثمود، والعرب الباقية من جرهم وقحطان وحمير حتى ظهر إسماعيل عليه السلام، فصارت نقلة في عالم اللغة العربية، فقد جاء في الحديث الصحيح في قصة إسماعيل لما ضرب جبريل الأرض، فنبع ماء زمزم، وجاءت قبيلة جرهم، ونزلوا عند أم إسماعيل، قال في الحديث: (وشب الغلام) [رواه البخاري (3364)]، وفي رواية: (ونشأ إسماعيل بين ولدانهم) [رواه الفاكهي في أخبار مكة (72/5)]، (وتعلم العربية منهم) [رواه البخاري (3364)]، تعلم العربية من جرهم، ثم حدثت النقلة، فجاء في الحديث: (أول من فتق لسانه بالعربية) الفصحى (المبينة إسماعيل عليه السلام) [رواه السيوطي في الجامع الصغير (2837)].

وجاء في حديث ابن عباس: (أول من نطق بالعربية إسماعيل عليه السلام) [رواه الحاكم في المستدرك (4029)]، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وروى الزبير بن بكار في النسب من حديث علي بإسناد حسن: (أول من فتق الله لسانه بالعربية المبينة إسماعيل)، وبهذا القيد يجمع بين الخبرين، فيكون بعد تعلمه أصل اللغة من جرهم ألهمه الله العربية الفصحى فنطق بها، ومن هنا قال بعض العلماء: إن اللغة العربية وحي.

فإذن تعلَّم إسماعيل أصل اللغة من جرهم، ثم ألهمه الله النطق بالعربية الفصحى، فقال أهل السير: إن عربية إسماعيل أفصح من عربية يعرب وقحطان وجرهم، فصارت العربية على لسان إسماعيل العربية الفصحى بإلهام من الله تعالى، ثم حدثت النقلة العظيمة بنزول القرآن باللغة العربية، فبلغت اللغة أوج مجدها، وقمة عزها حينما صارت لغة الإسلام، ونزل بها القرآن.

 

تعلَّم إسماعيل أصل اللغة من جرهم، ثم ألهمه الله النطق بالعربية الفصحى، فقال أهل السير: إن عربية إسماعيل أفصح من عربية يعرب وقحطان وجرهم، فصارت العربية على لسان إسماعيل العربية الفصحى بإلهام من الله تعالى، ثم حدثت النقلة العظيمة بنزول القرآن باللغة العربية، فبلغت اللغة أوج مجدها، وقمة عزها حينما صارت لغة الإسلام، ونزل بها القرآن.

 

وتحدى الله فصحاء العرب أن يأتوا بمثله فعجزوا، وبسورة فعجزوا، وبآية فعجزوا، فنادى عليهم بالعجز إلى يوم الدين: لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا سورة الإسراء:88.

أحكام اللغة العربية عند الفقهاء:
00:08:52

ووجد العرب في القرآن ألفاظاً ووجوهاً للغة لم يسمعوا بها من قبل، ولم تُعرف إلا من القرآن، تكلم الله بالعربية، وأنزل القرآن بالعربية، وصارت هذه اللغة مقوماً أساسياً من مقومات وجود الأمة، صارت علامة فارقة، وتمييزاً للأمة.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ثم منها ما هو واجب على الأعيان -على كل واحد بعينه-، ومنها ما هو واجب على الكفاية، على بعض الأمة دون الآخرين.

وجاءت الآثار عن السلف بتعلم اللغة العربية، وإعراب القرآن: (أعربوا القرآن) [رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (29912)]، وأمرنا بتعلم اللغة العربية، وأجمع العلماء على أن معرفة النحو من شروط الاجتهاد، وحثوا على تعلمها.

وقال بعض أهل العلم: من شروط المفتي أن يعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابهما.

وقال بعض السلف: تعلموا النحو كما تعلَّمون الفرائض والسنن.

وقال النووي رحمه الله: وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يسلم به من اللحن والتصحيف، اللحن: أي الخطأ كنصب المرفوع، ورفع المجرور، ونحو ذلك.

وقال الشعبي رحمه الله: النحو في العلم كالملح في الطعام لا يُستغنى به.

وكره الإمام أحمد رحمه الله أشد الكراهة تسمية الشهور بالفارسية، وهذا له وجهان كما قال شيخ الإسلام رحمه الله، الأول: إذا لم يُعرف المعنى جاز أن يكون محرماً، والآن يعرف الكثيرون أن أسماء بعض الشهور بلغة الأعاجم التي نستعملها في جميع الشركات، وبعض الأيام، لها علاقة بأسماء الآلهة التي يعبدها الكفار، ومن هذا الباب منع العلماء الرقية بالأعجمية خوفاً أن يكون فيها شرك، وما لا يجوز.

والوجه الثاني: كراهية -لماذا نهى أحمد رحمه الله عن تسمية الشهور بغير العربية، واستعمال الأسماء الأعجمية؟- كراهية أن يتعود الرجل النطق بغير العربية، فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون.

إذن أمة الإسلام تتميز باللغة العربية، هذه لغتها، هذه لغة كتابها وشرحه، هذه لغة كتابها وشرح الكتاب، وهي السنة.

وتكلم الفقهاء في حكم الأذكار والأدعية في الصلاة بغير العربية، وفرقوا بين القادر والعاجز.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأما الخطاب بالأعجمية من غير حاجة في أسماء الناس والشهور فهو منهي عنه مع الجهل بالمعنى بلا ريب.

وكره الشافعي رحمه الله لمن يعرف العربية أن يسميَ بغيرها، وأن يتكلم بها خالطاً لها بغيرها.

وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين، وقال عمر رضي الله عنه: إياكم ورطانة الأعاجم، إياكم! عمر يحذر، إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين يوم عيدهم في كنائسهم.

وسمع محمد بن سعد بن أبي وقاص قوماً يتكلمون بالفارسية، فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية؟! جاء الله بالحنيفية، وباللغة العربية، فما بالكم تستعملون اللغة المجوسية الفارسية بدلاً من الحنيفية، ولغتها اللغة العربية؟! وإسناده صحيح.

هذا بيان لما يقع فيه كثير من الناس اليوم من الكلام في مدارسهم ومكاتبهم وبيوتهم من لغة الأعاجم، والذين يتباهون بها، والذين يظنون أنهم يكونون في تقدم وحضارة إذا تكلموا بها، ثم إن المؤسف أن تجد هؤلاء يخلطون اللغة العربية باللغة الأعجمية خلطاً مقرفاً، مقززاً مشوهاً للغة العربية.

وقد يقول بعض الناس: إنها تصدر بغير قصد بعض كلمات، قال شيخ الإسلام رحمه الله: جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة -أي: كلمات قليلة قد تدخل في عرض الكلام-، جاء عن بعض السلف أنهم كانوا يتكلمون بالكلمة بعد الكلمة من العجمية، وفي الجملة فالكلمة بعد الكلمة من العجمية -ليس المقصود الكلمة بعد الكلمة يعني كلمة عربية وكلمة أعجمية، كلا، الكلمة بعد الكلمة يعني: كلمات نادرة تأتي في عرض الحديث-، قال شيخ الإسلام: فالكلمة بعد الكلمة من العجمية أمرها قريب، وأكثر ما يفعلون ذلك إما لكون المخاطَب أعجمياً، فيضطرون للإتيان ببعض الكلمات ليفهم، أو قد اعتاد العجمية يريدون تقريب الأفهام عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، وكانت صغيرة قد وُلدت بأرض الحبشة لما هاجر بها أبوها، فكساها النبي صلى الله عليه وسلم خميصة -أي فستاناً صغيراً-، وقال: (يا أم خالد، هذا سنا) [رواه البخاري (5845)]، وسنا بلغة الحبشة الحسن الجميل.

ثم قال رحمه الله: وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو لأهل الديوان، أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم، وقد نهينا عن التشبه بالكفرة: (ومن تشبه بقوم فهو منهم) [رواه أبو داود (4031)].

قال رحمه الله: وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية التي هي شعار الإسلام حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، أو لأهل الدار، أو للرجل مع صاحبه، أو لأهل السوق، أو لأهل الديوان، فلا ريب أن هذا من التشبه بالأعاجم: (ومن تشبه بقوم فهو منهم).

قال رحمه الله: ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر -ولغة أهلها رومية-، وأرض العراق وخراسان -ولغة أهلها فارسية-، والمغرب -ولغة أهلها بربرية-، عودوا أهل هذه البلاد العربية حتى غلبت على أهل هذه الأمصار مسلمهم وكافرهم، حتى الكفار، في البلاد التي فتحها المسلمون عودوهم العربية، لتكون معبراً وقناة تدخل من خلالها الدعوة، منفذ على القرآن والسنة، بدون لغة لا يوجد فهم.

خطورة تضييع اللغة العربية:
00:20:19

وانظر الآن إلى حال المسلمين يفتحون الكتاب العزيز كثير من الكلمات لا يفهمونها فضلاً عن الأحاديث، ولا مراد الله بها، ولا المقصود منها، ولا الأحكام التي تضمنتها، لأي شيء؟ ما هو السبب؟ عدم فقه اللغة، وعدم معرفة معانيها، ضعف اللغة العربية أثَّر تأثيراً مباشراً وواضحاً في فهم الكتاب والسنة.

ثم يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنهم -المسلمون المتأخرون الذين جاءوا من بعد- تساهلوا في أمر اللغة، واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم، وصارت العربية مهجورة عند كثيراً منهم، ولا ريب أن هذا مكروه، وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية، -اعتياد! كيف نعالج القضية؟ كيف نوجد الحل؟- اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في المكاتب -يعني مدارس الصبيان- وفي الدور؛ فيظهر شعار الإسلام وأهله.

الآن بالعكس تماماً، تدريس اللغة الإنجليزية للأطفال في الروضة، ومفاصلة القائمين على المدارس: لماذا لا تزيدون حصص اللغة الإنجليزية؟ وبعض الآباء يتعمدون اليوم الخطاب مع أولادهم بلغة الكفرة داخل بيوتهم، وفي السيارة، وفي الطريق! يقولون: ليتعلم الولد اللغة مبكراً، ويضرون لغته الأصلية، ويضرون فهمه وعقله بازدواجية في اللغة، أكد علماء التربية حتى من غير المسلمين على أنها ضارة، ونصوا في دول الكفر على عدم السماح بتعلم الولد في المرحلة المبكرة في سن الطفولة، على عدم تعلمه لغة أخرى غير اللغة القومية، ولا يمكن أن تجد في فرنسا مثلاً روضة أطفال يتعلم مع الفرنسية اللغة العربية، أو لغة أجنبية؛ لأن القانون لحامية الثقافة الفرنسية والإنجليزية وغيرها لا يمكن أن يسمح بتعلم لغة أخرى، ونحن نرحب، ونأهل ونسهل، ونهلل لأولادنا إذا نطقوا باللغة الإنجليزية، وترى كلمات التشجيع تنطلق مرحبة مادحة للولد إذا رطن بالأعجمية.

وبعض أولاد المبتعثين إلى الخارج رجعوا الآن لا يفقهون اللغة العربية، وصرت تحتاج أن تترجم لولد عربي ابن عربي اللغة العريبة. وفُتح الطريق لاقتباس ثقافات القوم الكفرة، وعادات القوم الكفرة، وفهم أغاني الكفرة، وغير ذلك من أفلام الكفرة، ومجلات الكفرة، وكتب الكفرة

 

بعض أولاد المبتعثين إلى الخارج رجعوا الآن لا يفقهون اللغة العربية، وصرت تحتاج أن تترجم لولد عربي ابن عربي اللغة العريبة. وفُتح الطريق لاقتباس ثقافات القوم الكفرة، وعادات القوم الكفرة، وفهم أغاني الكفرة، وغير ذلك من أفلام الكفرة، ومجلات الكفرة، وكتب الكفرة

 

؛ لأن الأولاد صاروا يحسنون اللغة الإنجليزية، لم نستفد الفائدة الصحيحة، لم نعلم الأولاد اللغة الإنجليزية في السن الصحيح ولا بالكيفية الصحيحة، ولا ليستفيدوا المعارف التي يحتاجها المسلمون، وإنما فتحنا الباب على مصراعيه، فصرنا نتباهى بأن الطفل يتكلم الإنجليزية بطلاقة، ثم يتأتئ في اللغة العربة، لا يحسنها، ولا يحسن الكلام بها.

قال رحمه الله في علاج المشكلة العظيمة: وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية حتى يتلقنها الصغار في المكاتب، وفي الدور؛ فيظهر شعار الإسلام وأهله، ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة، وكلام السلف، بخلاف من اعتاد لغة، ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى فإنه يصعب.

ثم قال رحمه الله مبيناً أثر اللغة على الدين والخلق والعقل، واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين -إذا كانوا يتعلمون العربية يتشبهون بالصحابة والتابعين-، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، ولذلك ترى كثيراً من الذين يجيدون الإنجليزية، ويتكلمون بها دائماً قد أثرت في أخلاقهم، بل إنك ترى بعض العرب الذين يدرسون في الخارج إذا أرادوا أن يتحدثوا عن موضوع خسيس، أو كلام فاحش قلبوا إلى اللغة الإنجليزية.

إذن -أيها الأخوة- العلاج هو أنه لا بد من التعويد، لا بد من اعتياد الكلام باللغة العربية، واللغة العربية الفصحى.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا أوفياء للإسلام، وأن يجعلنا ممن قاموا بحدود الله تعالى.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أشهد أنه الله الحي القيوم ذو الجلال والإكرام، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وأشهد أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

قدر اللغة العربية عند السلف:
00:27:29

عباد الله، لقد كانت تربية السلف لأولادهم على النطق باللغة العربية وإتقانها أمراً عجيباً، وذلك لأنهم كانوا يعرفون تمام المعرفة أن الولد لن يفهم كتاب ربه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلا إذا أجاد اللغة العربية، وكانوا يحاربون اللحن والخطأ في اللغة جداً، وكان أمرهم شديداً في هذه المسألة.

قرأ بعضهم يوماً قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءسورة فاطر:28، "العلماءُ" فاعل، هم الذين يخشون الله، فقرأها: "إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ"، فقال له قائل: أتنطق بالكفر؟! جعلت الله يخشى العلماء!.

وسمع أعرابيٌ -وكانوا أهل اللغة-، قارئاً يقرأ: وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَسورة التوبة:3قال: "ورسولِه"، لما جرها، جر اللفظة: "ورسولِه" صارت معطوفة على المشركين، صار الله بريئاً من المشركين، ومن رسوله، ومعاذ الله أن يتبرأ الله من رسوله.

ومر أحدهم على قارئ يقرأ قوله تعالى: وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَسورة البقرة:221"لا تُنكح" يعني لا تعط بنتك، أو أختك، لا تزوج مشركاً حتى يسلم، لا يجوز أن تُجعل مسلمة تحت يهودي، أو نصراني، أو كافر: وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَسورة البقرة:221، فمن جهل القارئ قرأ: "ولا تَنكحوا المشركين"، فقال: والله لن ننكحهم حتى ولو آمنوا، كيف ينكح الذكرُ الذكرَ؟ فانظر إلى شناعة التغير الذي يحدث بتغيير ضمة، أو فتحة، أو كسرة.

وكان الوليد يخطب العيد فقرأ: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَسورة الحاقة:27، هذه جملة تامة: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَسورة الحاقة:27هي كانت القاضيةَ، كان واسمها وخبرها، جملة تامة، قال بدلاً من ذلك: "كانت القاضيةُ"، صارت جملة ناقصة، "كانت القاضيةُ"! وماذا بعد؟ على من القاضية؟ فقال عمر بن عبد العزيز: عليك؛ فتريحنا منك.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن، فنحن مأمورون أمر إيجاب، أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي، ونصلح الألسنة المائلة عنه، فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة، والاقتداء بالعرب في خطابها، فلو تُرك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً.

ويعجبني زِي الفتى وجماله *** ويسقط من عيني ساعة يلحن

ورأى أبو الأسود الدؤلي رحمه الله أحمالاً -بضائع- للتجار مكتوب عليها: "لأبو فلان"، واللام حرف جر "لأبي فلان" الصحيح، فقال: سبحان الله يلحنون ويربحون.

أيها الإخوة، كان الأمر عندهم مهماً، أما الأمر عندنا اليوم غير مهم، لو قال واحد في مجلس: "I is" لنظر إليه شزراً من الحاضرين: كيف يخطئ في هذا الفعل؟! كيف يخطئ في الكلمة؟! يا متخلف، يا جاهل، تنظر إليه الأعين، لكن لو أخطأ في آية، أو حديث، ونصب مرفوعاً، وجر منصوباً، وغير المعاني، فمن ذا الذي ينكر عليه في المجلس؟ من ذا الذي ينكر عليه؟

ولا زالت القضية، قضية اللغة العربية مفتوحة، والكلام فيها آتٍ إن شاء الله؛ لأن القضية خطيرة -أيها الإخوة- أن تفقد الأمة مميزاً وخصيصة من خصائصها تحت مطارق الهزيمة النفسية، والتخلف الذي نعيش فيه، ولعلنا نتم الكلام على هذا الموضوع بإذن الله تعالى.

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من المتفقهين في الدين، العاملين بسنة سيد المرسلين، وأن يرزقنا النصر على الأعداء.

اللهم إنا نسألك أن ترفع شأن هذه الأمة، وأن تنصرها على أعدائها، وأن تحرر ما سُلب من أراضيها، وأن تعيدها إلى كتاب ربها، وتحكيم شريعتها يا أرحم الراحمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. 

وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه البخاري (3364).
2 - رواه الفاكهي في أخبار مكة (72/5).
3 - رواه البخاري (3364).
4 - رواه السيوطي في الجامع الصغير (2837).
5 - رواه الحاكم في المستدرك (4029).
6 - رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (29912).
7 - رواه البخاري (5845).
8 - رواه أبو داود (4031).