السبت 9 شوّال 1439 هـ :: 23 يونيو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

أين نصرة المسلمين


عناصر المادة
أهمية نصرة المسلم:
نصرة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين:
حال المسلمين اليوم:
شهر شعبان وما فيه من الأعمال:

الخطبة الأولى:

إن الحمد نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

أهمية نصرة المسلم:
00:00:16

 

فإن نصرة المسلم لأخيه المسلم من الشعائر العظيمة التي جاء بها هذا الدين، ونصرة المسلمين للمسلمين على مستوى الأمة بأسرها واجب ديني وفريضة إسلامية، وقد قال الله تعالى: وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُسورة الأنفال72، قال ابن كثير رحمه الله: فانصروهم إن استنصروكم في قتال ديني على عدو لهم فانصروهم فإنه واجب عليكم نصرهم لأنهم إخوانكم في الدين، فهذه الآية العظيمة تبين وجوب نصرة المسلمين للمسلمين، وأنهم أمة واحدة مهما تناءت ديارهم وتباعدت أقطارهم فإنهم جسد واحد إذا اعتدي على شيء منه نصره بقية الجسد، وهكذا يتداعى الجسد بأسره لبقعة صغيرة تصيبها شوكة أو تجرح بجرح، وهكذا جراح المسلمين في العالم اليوم كثيرة ومتعددة، ولكن هذا الجسد المنهك يحتاج إلى تقوية حتى يستطيع أن يقوم لبقيته وأطرافه.

 
نصرة المسلم لأخيه المسلم من الشعائر العظيمة التي جاء بها هذا الدين، ونصرة المسلمين للمسلمين على مستوى الأمة بأسرها واجب ديني وفريضة إسلامية
 

عباد الله، إن مفهوم النصرة في الدين من المفاهيم التي غابت عن كثير من المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى هاهنا)، ويشير إلى صدره ثلاث مرات.[رواه مسلم2564]رواه الإمام مسلم رحمه الله، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يخذله) قال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه، لزمه أي: وجب عليه، إعانته إذا أمكنه، ولم يكن له عذر شرعي، وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن المسلم أخو المسلم: (لا يسلمه)[رواه مسلم2580]يقال: أسلم فلان فلاناً إذا ألقاه إلى التهلكة ولم يحمه من عدوه، فإذا أسلمه أي: تركه بين براثن عدوه يعبث فيه ويظلمه ويعتدي عليه ويسومه سوء العذاب، ويقتله ويعتدي على ماله وعرضه، إذن من شروط الأخوة الإسلامية أنه لا يخذله ولا يسلمه ولا يتركه نهباً للعدو، وقد جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه أمر بعيادة المريض، وتشميت العاطس، وإبرار القسم -إذا حلف عليك بالله أن تبر قسمه-، ونصرة المظلوم، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي، واتباع الجنائز" وقوله في هذا الحديث: "ونصرة المظلوم" إذا كان الظلم واقعاً عليه وجبت نصرته بالسعي بكل طريق لإزالة الظلم عن أخيه، يسعى بكل طريق ويتخذ كل سبب ويسعى بكل قوة أوتيها لكي يرفع الظلم عن أخيه.

نصرة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين:
00:05:01

أيها المسلمون، نحن أمة واحدة يجب علينا أن نسعى في نصرة بعضنا البعض، وخصوصاً عندما يعتدي الكفار على المسلمين، فيجب أن نري الله من أنفسنا خيراً، وأن نقوم لإخواننا بواجب النصرة، وقد دلت السنة الفعلية على نصرة النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين، روى محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعاً قالا: كان في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده، أسلم زعماؤهم وأعداد منهم ودخلوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وتعاقدوا معه وصاروا حلفاً له، فكان بينهم موثق غليظ، وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، وكانوا كفاراً مثلهم مشركين بالله تعالى، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً، ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلاً، هؤلاء المشركين الخونة وثبوا على خزاعة الذين كثير منهم من المسلمين، وثبوا عليهم ليلاً بماء يقال له الوتير وهو قريب من مكة، وقالت قريش: ما يعلم بنا محمد وهذا الليل وما يرانا من أحد، فأعانوهم عليهم، أعانت قريشاً الدولة العظمى في ذلك الوقت أعانت بني بكر بالسلاح، تلك القبيلة المشركة أعانوهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن عمرو بن سالم وهو أحد زعماء خزاعة المسلمين عندما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر، وقد قال أبياتاً من الشعر أنشدها إياه وقالها أمامه:

يا رب إني ناشد محمداً *** حلف أبيه وأبينا الأتلدا

أي: القديم.

يا رب إني ناشد محمداً *** حلف أبيه وأبينا الأتلدا

قد كنتم ولداً وكنا والدا *** ثمة أسلمنا فلم ننزع يدا

أسلمنا دخلوا في الإسلام فصاروا إخوة والعقد واحد: أسلمنا فلم ننزع يدا.

فانصر رسول الله نصراً أبداً *** وادعوا عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجرداً *** إن سيم خسفاً وجهه تربدا

في فيلق كالبحر يجري مزبداً *** إن قريشاً أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكداً *** وجعلوا لي في كداء رصدا

وزعموا أن لست أدعو أحداً *** فهم أذل وأقل عددا

هم بيتونا بالوتير هجداً *** وقتلونا ركعاً وسجدا

فهكذا قام المشركون على هؤلاء المسلمين الذين يقومون بالليل وهم يتهجدون، فقتلوهم راكعين وساجدين، فطلب النصرة من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نصرت يا عمرو بن سالم، نصرت يا عمرو بن سالم) كانت هذه الكلمات الثلاث كافية لأن يجهز جيشاً عظيماً يغزو به ينصر أولئك المسلمين، فما برح حتى مرت بنا عنانة، وهي السحابة، في السماء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب)[رواه البيهقي في السنن الصغير2962]وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم، فتلك عشرة آلاف من المقاتلين هبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنصر المسلمين من إخوانهم الذين اعتدي عليهم وظلموا، كانت هبة من الله تعالى للمسلمين أن حصلت الخيانة لكي تفتح مكة وينصر المسلمون ويقتل المشركون ويدخل الناس في دين الله أفواجاً.

اللهم إني ناشد محمداً *** حلف أبينا وأبيه الأتلداً

فانصر هداك الله نصراً أعتداً *** وادعوا عباد الله يأتوا مدداً

وهكذا جاء عباد الله مدداً لنصرة إخوانهم المسلمين.

حال المسلمين اليوم:
00:11:23

عباد الله، لو عددنا ما في المسلمين من النكبات اليوم لطال المقام وكثرة الجراحات التي وقعت بإخواننا، إنها كثرة عظيمة ولكن إلى الله المشتكى من هذا الجسد المسلم المنهك بالأعراض والأمراض، لا يستطيع الكثيرون نصر إخوانهم ولو استنجدوا لا يجدون من ينجدهم، إنه تقصير فظيع وإنه تأخر شنيع وإنه تخلف عن النصرة التي نص عليها الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن نستشعر تقصيرنا، لا بد أن نعرف الخلل في أنفسنا، ولا بد أن يكون لنا هبة لنصرة إخواننا بما نستطيع، وإذا كنا غير قادرين على أن نسير جيشاً جحفلاً لنصرتهم في كل الأرض فلا أقل من الاستعداد للقيام بهذا الواجب، النصرة الإسلامية، نصرة المظلومين المسلمين، نصرة إخواننا في الله، نصرة الرابطة التي بيننا وبينهم وهي رابطة العقيدة.

 
لو عددنا ما في المسلمين من النكبات اليوم لطال المقام وكثرة الجراحات التي وقعت بإخواننا، إنها كثرة عظيمة ولكن إلى الله المشتكى من هذا الجسد المسلم المنهك بالأعراض والأمراض، لا يستطيع الكثيرون نصر إخوانهم ولو استنجدوا لا يجدون من ينجدهم
 

أيها المسلمون، إن القلوب لتدمي وإن الأعين لتدمع، ونحن نسمع ما يتواصل من الفظائع على رؤوس إخواننا المسلمين في فلسطين وغيرها، هؤلاء الذين احتلوا مدارس أطفال المسلمين حطموا أساس بعض المدارس، وحولوا بعضها إلى ثكنات عسكرية، ومنعوا حتى أطفال المسلمين من الدراسة وقاموا وأقاموا المتاريس في الشوارع المؤدية إليها، الذين يضربون اليوم المسلمين بالرصاص ذي الأجنحة المعدنية المركبة على هذا الرصاص ليحفر حفراً غائرة في أجسادهم، فإذا لم يموتوا من أول الأمر نزفوا حتى الموت، ثم يطلقون الرصاص على سيارات الإسعاف التي تسارع لنجدة الجرحى فيمنعونهم من إخلاء الجرحى ويبقى هذا الإنسان المسلم يبقى ينزف حتى الموت بعد إصابته بالأعيرة النارية كما حصل في عدد من الأحيان، هؤلاء الذين منعوا المسلمين حتى من إزالة القمامة لتبقى القمامة في الشوارع، تتراكم وتنذر بتفشي الأمراض بين السكان، هؤلاء الذين قاموا بمحاصرة المسلمين حتى نقصت البضائع والمؤن الأساسية ثم شرعوا يوردون إليهم مؤناً فاسدة لكي ينتشر فيهم أنواع السرطانات وغير ذلك من الأمراض الفتاكة، هؤلاء الذين استهدفوا الأطفال وأعينهم لكي يوقعوا العاهات بهم، هؤلاء الذين قاموا بشتى الفظائع الشنيعة، لقد اعتلوا أسطحة العمائر التي يسكن فيها المسلمون، وقام بعض اليهود أولئك الأنجاس الأرجاس، وتصوروا حجم الشنائع والفظائع بالتبول، قاموا بالتبول في خزانات المياه العلوية للعمائر التي يسكن فيها المسلمون، وهكذا قطعوا أسلاك الكهرباء، وهكذا حتى قاموا بممارسات فاضحة أمام الفتيات المسلمات، وتستمر عجلة القهر، والإذلال، والظلم، والقتل، والقصف، وهكذا يكون المسلمون في هذا النير المستعر عليهم، ثم بعد ذلك لا توجد حمية كافية في النفوس، فأين النصرة إذن؟ وإذا كنا مقصرين فأين تلافي التقصير؟ وإذا كنا عاجزين فأين أسباب دفع العجز ورفعه حتى نكون قادرين؟

أيها المسلمون، لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَاسورة البقرة286فإذا كان في الوسع شيء فلا بد من بذله، ولا بد من الحرص على القيام به.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا القيام بحق إخواننا، وأن يجعلنا ممن ينصرون إخوانهم في الدين والعقيدة، اللهم لا تؤاخذنا بتقصيرنا، اللهم لا تؤاخذنا بتقصيرنا، اللهم لا تؤاخذنا بتقصيرنا في حق إخواننا، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا سلماً لأوليائك حرباً على أعدائك، نحب بحبك من أحببت ونبغض ببغضك من أبغضت، اللهم اجعلنا إخواننا وفي الجنة على سرر متقابلين يا رب العالمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، الحمد لله الذي لا إله إلا هو لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، أشهد أنه الحي القيوم ذو الجلال والإكرام، مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً رسول الله الرحمة المهداة البشير والنذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

شهر شعبان وما فيه من الأعمال:
00:18:18

عباد الله، نحن في شهر مبارك شهر شعبان، شعب وظهر بين شهري رجب ورمضان، هذا الشهر الكريم تقول عائشة رضي الله تعالى عنها في نبينا صلى الله عليه وسلم في فعله في هذا الشهر "وما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان" كان يصوم شعبان إلا قليلاً، ولعل من أسباب إكثاره من الصيام فيه قضاء التطوعات التي فاتته في أسفار الجهاد وغيرها التي تجتمع عليه في السنة في هذا الشهر قبل رمضان، إنه شهر أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس تغفل فيه، وأنه بين رجب الشهر الحرام ورمضان، هذا شهر الصيام، فشعبان بين الشهر الحرام وشهر الصيام، يغفل الناس فيه؛ ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يستحب أن يعمل فيه أعمالاً صالحة؛ لأن الأعمال ترفع فيه إلى الله، وهو يحب أن يرفع عمله وهو صائم صلى الله عليه وسلم، وفي هذا استحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، كما كان بعض السلف يكثرون من الصلاة بين العشائين: بين المغرب والعشاء، إحياء لساعة الغفلة التي يغفل فيها كثير من الناس عن العبادة.

وكذلك فإن العمل إذا كان أخفى وفيه إسرار فإن الله يحبه أكثر، وكان بعض السلف يصوم فلا يشعر به أحد.

عباد الله، إن العمل الصالح في أوقات الغفلة شاق على النفوس؛ ولذلك كانت العبادة في الهرج، أي: في زمن الفتنة التي يتبع الناس فيها أهواءهم كالهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث مسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يداوم على الأعمال والنوافل ولا يقطعها ولو فاته شيء قضاه، ولو فاته شيء من صيام النافلة قضاه في شعبان، والصيام فيه تمرين على صيام رمضان، ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان كان فيه شيء مما في رمضان من العبادة ولذلك فإن الصيام فيه كالنافلة القبلية والسنة القبلية لصلاة الفريضة، وكان شعبان عند السلف يسمى شهر القراء، فكانوا يكثرون فيه من قراءة القرآن.

وأما بالنسبة لهذه الليلة وهذا اليوم الذي سنقدم عليه وهي نصف شعبان، فإن بعض الناس قد ابتدعوا فيها بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان، وقد قال ربنا: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًاسورة المائدة3فلا مجال إذن للزيادة في الدين، والزيادة فيه كالنقص منه: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)[رواه البخاري2697]وقد أحدث بعض الناس الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام وليلها بالقيام من بين سائر أيام شهر شعبان ولياليه، وهذه ولا شك بدعة فإنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في فضل تخصيصها بصيام أو قيام، قال ابن رجب رحمه الله: قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، فإذن لا يجوز لمسلم أن يحدث في دين الله ما ليس منه، سواء فعله مفرداً أو فعله في جماعة، فلو قال بعضهم: القيام الجماعي فيها بدعة، فنقول: وحتى تخصيصها بالقيام الفردي وإنما تقام ليلتها كما تقام بقيت الليالي، لا كما تقام بقيت الليالي دون زيادة في العبادة، وكذلك يصام فيها كما يصام في غيرها، فإذا كان يصوم أيام البيض من كل شهر: الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، كان صيام هذا اليوم الخامس عشر من شعبان واحداً من أيام البيض الثلاثة، لا يخصص بصوم دون بقية الشهر، يعامل كبقية الأيام، ولو صادف اثنين فصامه لأنه اثنين أو صادف خميساً فصامه لأنه خميس فلا بأس بذلك، أو كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فوافق صيامه الخامس عشر فلا بأس بذلك، لكن أن يقصده فيخصصه بعبادة فيه أو بزيادة عبادة فإن ذلك بدعة، ولا ريب أن صلاة الرغائب التي صلاة ليلة النصف من شعبان التي كتبت في بعض الكتب أنها لا دليل عليها ولا عبرة بما جاء في قوت القلوب أو إحياء علوم الدين أو الدعاء المستجاب أو غير ذلك من الكتب التي حوت أحاديث ضعيفة وموضوعة وحوت بدعاً لا عبرة بذلك، بل العبرة كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ادعى بعضهم أنها أفضل من ليلة القدر، فكيف هذا الكلام؟ وقد هم من سمع بذلك من أهل العلم أن يضرب بعصاً من قال ذلك الكلام.

عباد الله، إن الأيام والليالي لله فهو خالقها وهو يفضل بعضها على بعض، التفضيل من حقه فهو عز وجل يفضل ما يشاء ويشرع ما يشاء، وليس التفضيل لنا، لسنا نحن الذي نفضل ما شئنا من الأيام والليالي ونخترع فيها عبادات ونخصها بأشياء، وإنما الحق في التشريع والتخصيص والتفضيل لخالق الزمان وخالق المكان سبحانه وتعالى.

عباد الله، إن الصيام في النصف الثاني من شعبان كما قال أهل العلم: منهي عنه لمن لم يكن يصوم في نصفه الأول، فليس إذا اقترب رمضان يشرع بالصيام، كل ذلك احتياطاً لعدم الزيادة في العبادة، ولكن إن كان له صوم معتاد فليكمل صومه المعتاد، إن كان يصوم الإثنين والخميس أو يصوم يوماً ويفطر يوماً كان له عادة بذلك، فيكمل عادته ولو في النصف الثاني من شعبان، ولو في اليومين الأخيرين منه، يجري على عادته المعتادة لكن ليس إذا جاء رمضان واقترب قام يصوم عند اقتراب الشهر في آخر الأيام، قبله يعمد إلى صيام؛ لأن في ذلك ذريعة إلى الزيادة في الصيام، وقد صح الحديث عند عدد من أهل العلم في قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)[رواه أبو داود2337]رواه أبو داود، وهذا يحمل على من ليس له عادة من قبل، وأما من كانت له عادة فليتم على عادته.

وحرصوا نساءكم اللواتي عليهن دين من رمضان سابق بقضاء ما عليهن قبل دخول شهر الصيام.

أيها المسلمون، إن اليهود يريدون إطفاء جذوة هذه الهبة قبل قدوم رمضان؛ لأنهم يعلمون ما سيكون فيه من النشاط والحيوية للمسلمين، ولكننا نرجو أن تكون يقظة مباركة، وأن تكون هبة إيمانية في هذه الأمة متوالية في رجب الحرام إلى شعبان وإلى رمضان، ويتوالى دعاؤنا بالقنوت عليهم في هذا الوقت كما نقنت عليهم في رمضان إن شاء الله.

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعز الإسلام وأهله، اللهم دافع عن إخواننا المستضعفين، اللهم ارفع الظلم عن المضطهدين يا رب العالمين، اللهم انصر كل مظلوم مسلم في أقطار الأرض، اللهم أطعم الجائع المسلم واكس العاري، وآوي الشريد، وارحم الشهيد، اللهم اشف المريض، وأبرئ الجريح، اللهم إنا نسألك أن تجمع كلمة المسلمين على التوحيد، اللهم أحي في نفوس المسلمين الحمية لجهاد اليهود، وأيقظ في قلوبهم اجتماع الكلمة على جهاد اليهود، اللهم إنا نسألك أن تفرقهم شذر مذر، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً، اللهم حطم اقتصادهم، واقتصاد من عاونهم، اضرب الظالمين بالظالمين اللهم شتت شملهم وفرق جمعهم واجعل دائرة السوء عليهم وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إن في بلاد المسلمين من اللأواء والشدة والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم فاجعل فرجنا وفرج المسلمين قريباً، اللهم عجل فرجنا وفرج المسلمين وأغثنا بدينك وأغثنا بوحيك بالتمسك به يا رب العالمين، واجعل فيما آتيتنا من الغيث عوناً على طاعتك يا أرحم الراحمين، اللهم آمنا في أوطاننا وآمن سائر المسلمين في أوطانهم، اللهم آمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور واغفر لنا يا عزيز يا غفور.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

1 - رواه مسلم2564.
2 - رواه مسلم2580.
3 - رواه البيهقي في السنن الصغير2962.
4 - رواه البخاري2697.
5 - رواه أبو داود2337.
  • صالح القحطاني

    بارك الله فيك يا شيخ محمد وأسأل الله أن ينفع بما قلت وأن يعيننا على فعل ما أمرنا الله به في قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}

  • هادى احمد

    جزاك الله عزوجل خيرا يا شيخى الحبيب نحبك فى الله تعالى

  • فارس

    بارك الله فيك يا شيخ، فهذا هو دور العلماء، وان لم يقولوها فلا خير فيهم، وبذلك يكونوا قد خانو الله ورسوله، ولا خير في اعتلائهم لهذه المناصب، وما الفرق بينهم وبين العامي، بل هو أفضل منهم، قلها يا شيخ ونحن من ورائك قادمون، حتى نظهر هذه الشعيرة الغائبة قبل ان تسألون عنها يوم القيامة انتم قبل غيركم، والسلام على من اتبع الهدى