الأربعاء 5 ذو القعدة 1439 هـ :: 18 يوليو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

حديث آخر أهل الجنة دخولاً


عناصر المادة
حديث آخر أهل الجنة دخولا الجنة:
إخراج أناس من النار بشفاعة الشافعين:
أنواع شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-:
شفاعة غير الأنبياء:
كفر من لم يؤمن بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-:
أسعد الناس بالشفاعة:
عدم إحراق نار جهنم لأعضاء سجود الموحدين العصاة:
المقصود بقوله: فيخرجونهم قد امتحشوا :
المقصود بقوله: فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة :
مراتب الخارجين من النار:
المقصود بآخر الخارجين من النار:
حال آخر من يخرج من النار:
بعض فوائد حديث آخر أهل الجنة دخولا:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
حديث آخر أهل الجنة دخولا الجنة:
00:00:13
فحديثنا -أيها الإخوة- عن إخراج الموحدين من النار وعن آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر الخارجين من النار خروجًا منها.
في حديث البخاري يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج، ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، فينبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل منهم مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار؟ فلايزال يدعو الله،فيقول-أي الله -عز وجل-: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب قربني إلى باب الجنة؟ فيقول: أليس قد زعمت ألا تسألني غيره، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو، فيقول -أي الله -عز وجل-: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، فيعطي الله من عهود ومواثيق ألا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب أدخلني الجنة؟ ثم يقول: أو ليس قد زعمت ألا تسألني غيره؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك-أي الله -عز وجل-، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها، فإذا دخل فيها قيل له: تمن من كذا؟ فيتمنى، ثم يقال له: تمن من كذا؟ فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول له: هذا لك ومثله معه [رواه البخاري: 6573].
هذا حديث أبي هريرة.
ورواه أبو سعيد-رضي الله تعالى عنه-، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:  هذا لك وعشرة أمثاله [رواه البخاري: 6574، ومسلم: 482].
وقد جاء قصة هذا الرجل جاءت في صحيح مسلم أيضاً قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة: رجل يخرج من النار حبوًا، فيقول الله -تبارك وتعالى- له: اذهب فادخل الجنة، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله -تبارك وتعالى- له: اذهب فادخل الحنة، قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها ملأى، فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا، قال فيقول: أتسخر بي؟ أو أتضحك بي وأنت الملك؟  قال: لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضحك حتى بدت نواجذه، قال: فكان يقال: ذاك أدنى أهل الجنة منزلة"[رواه البخاري: 6571، ومسلم: 479].
وقد ورد في صحيح مسلم أيضاً أنه يقول عن هذا الرجل الذي يخرج منها زحفًا من النار:  فيقال له: انطلق فادخل الجنة، قال: فيذهب فيدخل الجنة فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمن؟ فيتمنى، فيقال له: لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا [رواه مسلم: 480].
وفي رواية أيضاً عن ابن مسعود: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:  آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو مرة  يسقط على وجهه  وتسفعه النار مرة  أي تضرب وجهه وتسوده  فإذا ما جاوزها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين، فترفع له شجرة، فيقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة، فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها؟ فيقول الله -عز وجل-: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأشرب من مائها، وأستظل بظلها، لا أسألك غيرها؟ فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ فيقول: لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده ألا يسأله غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها، ويشرب من مائها، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة، هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني ألا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب هذه لا أسألك غيرها، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها، فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها؟ فيقول: يا ابن آدم ما يصريني منك؟ -ما الذي يقطع مسألتك في النهاية؟ ماذا تريد؟ متى تنقطع عن السؤال؟- أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟  فضحك ابن مسعود راوي الحديث فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم تضحك؟ قال: هكذا ضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من ضحك رب العالمين، حين قال -يعني قال له الرجل-: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول:  إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر [رواه مسلم: 481].
وفي رواية:  فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلك مَلك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربي، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربي، فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولذة عينك، فيقول: رضيت رب، ثم يقول الرجل: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم ترى عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر  قال: ومصداقه في كتاب الله -عز وجل-:  فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17].[رواه مسلم: 485].
شرح حديث: "آخر أهل الجنة دخولا":
هذا الحديث العظيم الجليل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يبين فيه: آخر الناس الذين يخرجون من النار من الموحدين، ومنهم هذا الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولاً إليها، وآخر أهل النار من الموحدين خروجًا منها.
إخراج أناس من النار بشفاعة الشافعين:
00:10:09
قال في الحديث الذي رواه البخاري: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده [رواه البخاري: 6573].
وفي رواية:  حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار [رواه البخاري: 806].
والمراد إخراج الموحدين، وإدخالهم الجنة، واستقرار أهل النار في النار.
هذا الإخراج يقع بشفاعة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
أنواع شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-:
00:10:35
وشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنواع:
الأولى: الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي يرغب الأولون والآخرون فيه إلى الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليشفع إلى ربه كي يخلص العباد من أهوال المحشر؛ لأن الشمس فوق رؤوس العباد، وهم قائمون والشمس تصهرهم، والمقام خمسون ألف سنة، يغرق الناس في العرق، ويتمنون الانفكاك من هذا المحشر ولو إلى النار، فيفزعون إلى الأنبياء واحدًا بعد واحد، حتى يأتوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-فيقول:  أنا لها [رواه البخاري: 7510، ومسلم: 500]هذه الشفاعة العظمى، وهذا المقام المحمود.
الشفاعة الثانية: الشفاعة في أهل الذنوب من الموحدين الذين دخلوا النار أن يخرجوا منها، أناس من الموحدين لكن عصاة، سيئاتهم أكثر من حسناتهم، استحقوا دخول النار، دخلوا النار، شفاعته عليه الصلاة والسلام لهؤلاء الموحدين أن يخرجوا من النار.
وذكر بعض العلماء: أن من شفاعته صلى الله عليه وسلم: شفاعته في أقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة، وفي آخرين قد أمر بهم إلى النار ألا يدخلوها.
وشفاعة له صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم. وكذلك: الشفاعة في أقوام يدخلون الجنة بغير حساب أن يدخلوها بغير حساب.
وكذلك شفاعته صلى الله عليه وسلم في تخفيف عذاب عمه أبي طالب، حيث يخرجه الله به إلى ضحضاح من نار[رواه البخاري: 6208، ومسلم: 531]يكون أبو طالب في غمرات النار، بشفاعة النبي-صلى الله عليه وسلم- يخرج إلى ضحصاح من نار يغطي قدميه فقط، لكن هذه التغطية تغلي منها دماغه، هذا هو أهون أهل النار عذابًا،وإنه يظن نفسه أنه أشدهم عذابًا.
شفاعة غير الأنبياء:
00:12:51
هذه الشفاعة ليست خاصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، بل هناك أيضاً شفاعة للمؤمنين للموحدين، وشفاعة للعلماء والشهداء، وشفاعة للملائكة، فهذه الشفاعة هي المقصودة هنا، عندما يأذن الله للمؤمنين بالشفاعة لإخوانهم، سادات الناس أولياء الله، الشهداء، العلماء، الأولياء، لهم شفاعة، لا ينسون إخوانهم الموحدين في النار، لا ينسونهم، بل يذهبون لإخراجهم، ويطلبون من الله ذلك.
وجاء في حديث أبي سعيد: فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا [رواه البخاري: 7439]فنريد أن يخرجوا من النار! نحن نجونا منها! ونريد أن يخرجوا هم أيضاً!فيشفع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويشفع المؤمنون أيضاً.
وجاء عند الطبراني بسند حسنه الحافظ ابنحجر -رحمه الله- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
 يدخل من أهل القبلة في النار من لا يحصي عددهم إلا الله هؤلاء من أهل القبلة لا يحصي عددهم إلا الله، لماذا؟  بما عصوا الله، واجترؤوا على معصيته، وخالفوا طاعته [رواه الطبراني في الكبير: 1401، والصغير: 103، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3640].
قد يقول إنسان: نحن من الموحدين ولا نشرك بالله؟
إن سلمنا بهذا، لكن ما الذي يضمن ألا نكون من هؤلاء الذين يدخلون؟ يدخل النار من أهل القبلة من لا يحصي عددهم إلا الله، بما عصوا الله، واجترؤوا على معصيته، وخالفوا طاعته  يقول في الحديث:  فيؤذن لي في الشفاعة، فأثني على الله ساجدًا كما أثني عليه قائمًا، فيقال لي: ارفع رأسك  الحديث[رواه الطبراني في الكبير: 1401، والصغير: 103، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 3640].
وتقبل شفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم تقبل شفاعة الأنبياء والملائكة، وتقبل شفاعة المؤمنين أيضاً، فيقول بعد ذلك: إذا شفع الأنبياء والمؤمنون، وأخرجوا من النار من يخرج، يبقى أناس موحدين لكن ما نفعتهم شفاعة الشافعين، فيبقى هناك سبب أخير، وهو أن يخرج الله من هؤلاء يخرجهم بمنه وفضله، الدفعة الأخيرة من الموحدين الذين في النار وهم أقل منازل الموحدين، من العصاة، أسوأ العصاة من الموحدين، وأقل أهل التوحيد منزلة في النار، هؤلاء يخرجهم الله -تعالى- بمنه وكرمه، فجاء في الحديث:  وفرغ من حساب الناس، وأدخل من بقي من أمتي النار مع أهل النار، فيقول أهل النار  الخالدين فيها لهؤلاء الموحدين، الذين دخلوا النار بمعاصيهم:  ما أغنى عنكم أنكم كنتم تعبدون الله لا تشركون به شيئًا؟  نحن وإياكم سواء  فيقول الجبار: فبعزتي لأعتقنهم من النار، فيرسل إليهم فيخرجون [رواه أحمد:12491، وقال محققو المسند: " إسناده جيد"].
وفي رواية ابن أبي عاصم البزار:  وإذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة،يقول لهم الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ فقالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها، فيأمر الله من كل من أهل القبلة فأخرجوا، فقال الكفار: يا ليتنا كنا مسلمين [رواه ابن أبي عاصم في السنة: 843، وصححه الألباني في صحيح السنة: 843].
وجاء في حديث أبي بكر الصديق: ثم يقال: ادع الأنبياء فيشفعون، ثم يقال: ادع الصديقين فيشفعون، ثم يقال: ادع الشهداء فيشفعون .
فإذًا، يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصديقون، ويخرجون من النار من أهل التوحيد  من كان يشهد: أن لا إله إلا الله .
كفر من لم يؤمن بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم-:
00:17:27
وقد زعم بعض المبتدعة: أن كل من وحد الله من أهل الكتاب يخرج من النار ولو لم يؤمن بالنبي -عليه الصلاة والسلام-.
وهذا قول باطل؛ لأن من جحد رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم- كذب الله؛ لأن الله أوجب الإيمان بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يتصور أن يوجد موحد من أهل الكتاب يوحد الله، ثم لا يؤمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، لا يوجد، ولذلك بعض الناس يقولون: إن كل أهل الديانات السماوية يدخلون الجنة، وهذا كذب على الله، فإن الله لا يدخل اليهود والنصارى، المشركين الجنة أبداً.
ثم بعض الناس يقولون: كل من قال "لا إله إلا الله" بلسانه يدخل الجنة، ولو ما صلى ولا عمل من الصالحات، وهذا غير صحيح أيضاً، فإن المتولي عن الدين يعرض عنه، لا يعمل به، هو كافر، يسميه العلماء: كفر التولي والإعراض.
من أعرض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به، فلا تنفعه كلمة يقولها بلسانه دون حقيقة في قلبه، دون حقيقة في واقع، دون حقيقة في العمل، لا ينفعه ذلك، كمن قال: لا إله إلا الله، ورجله على المصحف.
فإذًا، لا ينفع إلا إذا وجد أصل الإيمان في القلب، أما كلمة باللسان يقولها اليوم المشركون حتى عباد الأصنام، عباد القبور، عباد الأولياء، الذين يشركون شركًا أكبر، والذين يذبحون لغير الله، ويطلبون من غير الله ما لا يقدر عليه إلا الله، هؤلاء من المبتدعة أيضًا من أهل الرفض وغيرهم من المشركين شركًا أكبر، من الذين يعتقدون أن غير الله يعلم الغيب، وأن غير الله يلجئ إليه في الشدائد، وأن غير النبي -صلى الله عليه وسلم- يوحى إليه، وكلامه تشريع، هؤلاء يقولون: لا إله إلا الله، لكن لا تغني عنهم شيئًا، فإن لا إله إلا الله مثل المفتاح، والمفتاح لا يفتح إلا إذا كان له أسنان، ولا إله إلا الله لها شروط، فإذا لم تتوفر شروطها، لا تغني شيئا عن صاحبها.
فإذا، أهل التوحيد هؤلاء الذين يخرجون بعدما يعذب العصاة منهم الذين كتب الله عليهم دخول النار، فالنبي -صلى الله عليه وسلم-يخرج من الموحدين من النار خلقًا عظيمًا، جاء في الحديث:  فيحد لي حدًا فأخرجهم [رواه البخاري: 7440، ومسلم: 495] يقال هؤلاء يا محمد -صلى الله عليه وسلم-أنت يخرجون بشفاعتك من الموحدين العصاة في النار، فيخرجون، ثم الملائكة تشفع ويخرجون، ثم يخرج أيضاً المؤمنون، فيخرجون خلقًا آخر كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا؟ ما تركنا واحدا في النار فيه خير، فيقول الله:  شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار  ويخرجهم سبحانه وتعالى. الحديث [رواه مسلم: 472].
وعند مسلم في حديث جابر ثم يقول الله: أنا أخرج بعلمي وبرحمتي .
وفي حديث:  أنا أرحم الراحمين، ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئًا [رواه أحمد: 15، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"].
أسعد الناس بالشفاعة:
00:20:53
أهل الشفاعة من هم؟ من هم الذين ينالون الشفاعة؟
قال صلى الله عليه وسلم: أسعد الناس بشفاعتي من قال:"لا إله إلا الله" خالصا [رواه البخاري: 99]فكيف نتصور واحد يقول: "لا إله إلا الله" وهو لا يصلي أبداً؟ كيف نتصور واحد يقول: "لا إله إلا الله" وهو يرضى بالتحاكم إلى غير الله؟ كيف نتصور واحد يقول: "لا إله إلا الله" وهو يطيع من يحل الحرام ويحرم الحلال فيتبعه عن اعتقاد في تحليل الحرام وتحريم الحلال؟
لا يمكن.
عدم إحراق نار جهنم لأعضاء سجود الموحدين العصاة:
00:21:30
-طيب-:هؤلاء الموحدين في النار العصاة عندما يخرجون كيف يعرفهم المؤمنون فيخرجونهم؟ المؤمنون الآن سيخرجون من النار هؤلاء أصحابهم فكيف يخرجونهم؟
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:  فيعرفونهم بعلامة آثار السجود [رواه البخاري: 6573]كما قال الله -تعالى-:  سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ  [الفتح: 29]؛ لأن وجوههم لا تأثر فيها النار، فتبقى على حالها وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود [رواه البخاري: 6573]فهؤلاء الناس احترقوا حتى صاروا فحمًا إلا مواضع لم تحترق، ماهي؟
أثر السجود منهم.
قال القاضي عياض -رحمه الله-: "فيه دليل على أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار"؛ لأن النار لا تأتي على جميع أعضائهم "إكراما لموضع السجود، وعظم مكانهم من الخضوع لله -تعالى-"[فتح الباري: 11/456].
وهذا الحديث يدل على أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة، وهي: الجبهة واليدان والركبتان والقدمان.
وفي حديث آخر:  إن قوما يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم [رواه مسلم: 492] دارات الوجوه لم تحترق.
فإذًا، الناس الذين في النار هؤلاء بعضهم غاب في النار إلى نصف ساقيه، وبعضهم غاب في النار إلى ركبتيه؛ كما في صحيح مسلم، وبعضهم إلى حقوه إلى منتصفه[رواه مسلم: 7385].
 يخرج قوم من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم .
فإذًا في احتراق بالنار، إلا مواضع السجود، وبعض الناس دارات الوجوه غير محترقة، لماذا؟
لأنهم كانوا يسجدون لله -عز وجل-، كانوا يصلون.
فإن قال قائل: كيف يكون منغمر في النار إلى ساقيه ولا يحترق القدمين ولا يحترق موضع السجود في القدمين؟ كيف يكون منغمرًا إلى وسطه والركبتين لم تحترق؟
فيقال: إن الله على كل شيء قدير، وأحوال الآخرة خارجة عن قياس أهل الدنيا.
ولنأخذ مثلا آخر قال عليه الصلاة والسلام:  ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار [رواه البخاري: 5787]الذي يسبل إزاره تحت الكعبين الجزء الزائد الذي نزل عن الكعبين من الثوب هذا الذي يحرق بالنار، الله على كل شيء قدير، قادر على أن يحرق من الإنسان أصبع، وسنتمتر، ومقدار يسير، يعذبه به هو فقط، والله على كل شيء قدير.
فالآن هؤلاء الناس انغمروا في النار، لكن أعضاء السجود ما احترقت، النار تحرق منهم كل شيء من أجسامهم إلا أعضاء السجود، هذه لشرفها لما سجدت لله -تعالى- في الدنيا.
وهذا المعنى في قضية احتراق بعض الأجزاء دون بعض، نظم أبو العلامة الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني -رحمه الله- فيه بيتين لطيفين فقال:
يا رب أعضاء السجود عتقتها *** من عبدك الجاني وأنت الواقي
والعتق يسري بالغنى ياذا الغنى *** فامنن على الفاني بعتق الباقي

[فتح الباري: 11/457].
يقول:
"يا رب أعضاء السجود عتقها *** من عبدك الجاني" في النار "وأنت الواقي" الذي تقي من العذاب.
"والعتق يسري بالغنى" لو واحد أعتق نفس العبد شرعًا العتق يسري، ويعتق العبد كله.
"والعتق يسري بالغني يا ذا الغنى *** فامنن على الفاني بعتق الباقي"
عتق باقي الأعضاء.
المقصود بقوله:  فيخرجونهم قد امتحشوا :
00:26:13
قال في الحديث:  فيخرجونهم قد امتحشوا  يعني احترقوا، والمحش احتراق الجلد، وظهور العظم، هؤلاء الموحدون الذين يخرجون من النار وقد احترقوا، وظهرت العظام، واحترق الجلد، ماذا يحدث لهم لكي يعادوا؟
المقصود بقوله:  فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة :
00:28:35
قال: فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة [البخاري: 6573].
وفي رواية:  فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة [البخاري: 7439].
وفي رواية:  على نهر يقال له: الحياة [رواه أحمد: 14531، وقال محققو المسند: "إسناده صحيح على شرط مسلم"].
 يلقون في نهر في أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة  فينبتون نبات الحِبة [البخاري: 6573] الحِبة جمعها حبب، وهي بزور الصحراء، فإن من النبات نبات له بزور ينبت بدون بذر، هذه بزور الصحراء، إذا جاء عليها المطر أو جاء الماء نبتت.
فهذا -طبعًا- غير الحَبة التي يزرعها الناس وجمعها حبوب.
قال: فينبتون في حافتيه كما تنبت الغثاءة [مسلم: 476] فينبتون في حميل السيل، ما يحمله السيل.
وفي رواية: في حمئة السيل [مسلم: 476] يعني ما تغير لونه من الطين، وهذا أجود أنواع التربة التي ينبت فيها النبات، ففيه إشارة إلى سرعة نباتهم؛ لأن الحِبة أسرع في النبات من غيرها.
مراتب الخارجين من النار:
00:28:04
والنبي -صلى الله عليه وسلم-لما ذكر للصحابة هذا الحديث، قال لهم يعني ألا ترون إلى هذه النباتات؟ يقول: فجىء بهم ضبائر ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة [رواه مسلم: 477] هؤلاء الموحدون الذين أخرجوا، جماعات جماعات، فبثوا على أنهار الجنة، ثم قيل: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحِبة تكون في حميل السيل  فقال رجل من القوم: "كأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-قد كان في البادية" [مسلم: 477]؛ لأن الذي يعرف نبات هذه الأشياء يكون في العادة من أهل البادية.
وهؤلاء إذا نبتوا يكونون مثل ما تنبت هذه النباتات صفراء وبيضاء، التي تكون إلى جهة الشمس تكون صفراء وخضراء، والتي تكون إلى جهة الظل تكون بيضاء، يقول: ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض؟ [مسلم: 472].
فهذا فيه تنبيه على أن الذين يخرجون من النار هؤلاء أيضاً مراتب، وبعضهم دون بعض، وأن منهم من يكون تلقاء الجنة، فيسبق إليه البياض المستحسن، ومنهم من يكون إلى جهة النار، هم أخرجوا، لكن ناس إلى جهة النار، وناس إلى جهة الجنة، وينبتون، وجوه الذين إلى جهة الجنة بيضاء، ووجوه الذين إلى جهة النار صفراء، ثم بعد ذلك فيتأخر النصوع عليهم إلى أن يتلاحق البياض، ويستوي الحسن والنور، ونضارة النعمة عليهم.
وفي ناس يصيبهم الماء قبل أناس، يرش عليهم قبل أناس، فيسرع النصوع إليهم، ثم ينصع الذين بعدهم، وهكذا..
المقصود بآخر الخارجين من النار:
00:30:18
آخر واحد يبقى رجل يبقى رجل منهم مقبل بوجهه على النار، وجهه إلى النار هو آخر أهل النار دخولاً الجنة.
هذا الرجل قيل: إنه من بني إسرائيل.
قيل: إنه كان نباشًا.
قيل: إنه رجل كان يسيء الظن بعمله.
قيل: إنه الرجل الذي قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني.
حال آخر من يخرج من النار:
00:30:42
في حديث أبي عوانة: يقول الله:  انظروا في النار هل تلقون من أحد عمل خيرا قط؟ قال: فيجدون في النار رجلا، فيقول له: هل عملت خيرا قط؟ فيقول: لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع والشراء [رواه أحمد: 15، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"].
وفي الحديث أيضاً:  ثم يخرجون من النار رجلا، فيقول له: هل عملت خيرا قط؟ فيقول: لا، غير أني قد أمرت ولدي إذا مت فاحرقوني بالنار  [رواه أحمد: 15، وقال محققو المسند: "إسناده حسن"].
هذا الرجل الذي يقول فيه عوف الأشجعي -رضي الله عنه-: قد علمت آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، رجل كان يسأل الله أن يجيره من النار، ولا يقول: أدخلني الجنة!هذا الرجل آخر من يخرج من النار!يخرج وهو الذي كان يتعثر على الصراط! الذي يمشي مرة ويكبو مرة! وتسعفه النار مرة! هذا الذي يزحف زحفًا يخرج من الصراط زحفًا!هذا الرجل إذا جاوز النار، يقول: تبارك الذي نجاني منك[انظر الحديث رواه مسلم: 481].
هذا الرجل يخرج ووجهه إلى النار، يخرج زحفًا، يخرج حبوًا، ويكون هنا عبوره على الصراط هو دخوله في النار، وآخر أهل النار دخولا أي من العبارين على الصراط؛ لأن الورود يطلق عليه دخول، الورود على النار، والعبور على الصراط يطلق عليه دخولا، هذا الذي يخرج زحفًا، ويخرج حبوًا، ويتكفأ به الصراط حتى في النهاية يسلم، ويخرج من النار، هذا آخر أهل الجنة دخولاً الجنة، يطلب من الله أن يصرف وجهه عن النار، فيصرف الله وجهه عن النار، ويكون ذلك بعد دعاء، يقول:  يا رب قد قشبني ريحها؟ [رواه البخاري: 6573].
ومعنى:  قشبني يعني سمني وأذاني وأهلكني، القشب أن تخلط السم في الطعام  يا رب قشبني ريحها  أحرقني وأذاني، وغير جلدي وصورتي  وأحرقني ذكاؤها  وهو لهبها ووهجها  فاصرف وجهي عن النار [رواه البخاري: 6573]يطلب من الله أن يصرف وجهه عن النار، فيستجيب الله لدعائه، ويصرف وجهه عن النار، ثم يطلب أن يقرب إلى شجرة ليستظل بها، وتحدث المحاورة التي تقدم ذكرها، والله في كل مرة يأخذ عليه العهد: ألا يطلب شيئًا آخر، ثم يطلب شيئًا آخر، والعبد يحلف ويقول: لا وعزتك لا أسألك غيره، والله يطلب منه الميثاق والعهد من هذا الرجل، وهو يحلف لله -عز وجل-، حتى يصل إلى الجنة، فإذا رأى ما فيها، إما لأن جدار الجنة شفاف، يرى الباطن من الخارج؛ كما جاء في وصف الغرفات، يطلب من الله أن يدخله الجنة، ويقول معتذرًا لربه:  يا رب لا تجعلني أشقى خلقك؟ [البخاري: 6573].
-طبعًا-  أشقى خلقك   من أهل الجنة  لا تجعلني أشقى خلقك لا تجعلني خارج الجنة مستمرًا خروجي منها، ولكن أدخلني.
فيتفكر في كرم الله ورحمته، هو حلف، وأعطى الله العهد والميثاق، لكن لما يرى الجنة تشتاق نفسه إليه ويتفكر في كرمه ورحمته -عز وجل-، فيطلب من الله أن يدخله الجنة، وعند ذلك يضحك الرب -عز وجل-، ويذكر العبد بنعيم الدنيا، يقول: تمن؟ يذكره بأشياء حتى أن الله ليذكره، من كذا وكذا، يذكره من الذهب ومن الفضة، ومن اللباس، ومن الحرير، ومن الطعام ومن الشراب، ومن البيوت، ومن الحور العين، يذكره الله -عز وجل- من النعيم، وهو يقول: أتمنى كذا، وأتمنى كذا، فيقال له:  هذا لك وعشرة أمثاله [رواه البخاري: 6574، ومسلم: 485]على حديث أبي سعيد على رواية أبي سعيد  لك هذا وعشرة أمثاله  فيفاجئ الرجل فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ فالله -سبحانه وتعالى- ينفي أنه يسخر منه، وإنما كان ضحكه سبحانه، وهو ضحك حقيقي، يليق بجلاله وعظمته، يكون رضا عن هذا العبد، أدخله به الجنة، وأنه أعطاه من هذا النعيم.
-طيب-: وهذا العبد أقسم، ثم رأى غيرها خيرًا منها، فخرج عن اليمين، ولكن لا كفارة عليه؛ لأن الكفارات ترتفع في الآخرة.
بعض فوائد حديث آخر أهل الجنة دخولا:
00:36:12
وفي هذا الحديث: فضل الدعاء، لا زال في دعاء حتى في ذلك المقام في دعاء، ولا زال العبد يدعو الله، فهذا فيه أهمية الدعاء، وفضل الدعاء، وأن العبد بالدعاء دخل الجنة.
وأيضاً فيه: قوة الرجاء، مع أن هذا تعذب في النار عذابًا لم يشهده أحد من الموحدين؛ لأن هذا آخر واحد فيهم، تعذب في النار عذابًا، كم آلاف السنين؟ ملايين السنين؟
لا ندري، عذب عذابًا شديدًا جداً، ولذلك لما يخرج من النار يقول:  تبارك الذى نجانى منك لقد أعطانى الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين [رواه البخاري: 481]يعني بعد الهول الذي رآه يتصور أن الله ما أنعم على أحد مثلما أنعم عليه من الأهوال التي رآها.
هذا الرجل رجا الله، مع أنه أعطى العهود والمواثيق ألا يسأل شيئًا، رجا الله، فالله عند ظن العبد به، ويجيب الداعي، ومن رجاه لا يخيبه سبحانه وتعالى، وهو صاحب الفضل الكريم الواسع، فيدخله الجنة. وقوله في الحديث:  ما أغدرك  يدل على أن الشخص لا يوصف بالفعل الذميم إلا إذا تكرر منه ذلك؛ لأنه ما قال له من المرة الأولى من أول طلب خالفه  ما أغدرك  وإنما بعد تكرر النكث بالعهد والوعد، قال له: ما أغدرك ففيه فائدة تربوية أنه ما نقول عن شخص: كذاب من أول كذبة، وخلاف للوعود من أول إخلاف، فإنما إذا تكرر منه ذلك يستحق لقب الوصف المذموم: الغدار، الكذاب، ونحو ذلك.
والحديث أيضاً: يدل على ما طبع عليه الآدمي من الطمع والحيلة في التخلص من المطلوب، فأول شيء ما قال: أدخلني الجنة، قال: أبعدني عن النار، اصرف وجهي عن النار، ثم أدنني إلى الشجرة الفلانية، ثم الشجرة التي أمامها، ثم الشجرة التي أمامها، ثم باب الجنة، ثم يقول: أدخلني الجنة، فتلطف للدخول، طلبًا بعد طلب، ومرحلة بعد مرحلة، وهذه صفات الآدمي التي شرفه الله بها على الحيوان؛ لأن عنده فكر وعقل.
وهذا الحديث مع أنه حديث يبعث الأمل في النفس، لكنه أيضًا حديث مخيف؛ لأن معنى ذلك أن هناك موحدين سيدخلون النار، وأننا لو قلنا عن أنفسنا: أننا موحدين، وفضل الله عظيم، والحسنات تضاعف والسيئات لا تضاعف، لكن المشكلة في تكرار سيئاتنا، يعني كذب من هنا، وغيبة من هنا، ونميمة من هنا، وإخلاف الوعد، وحلف على الكذب، وأخذ حقوق الآخرين، وظلم الآخرين، وضرب هذا، وشتم هذا، وأكل مال هذا، وسب هذا، ونحو ذلك، تتراكم السيئات حتى تطغى، وتكون أكثر من الحسنات، وإلا هو فضل الله عظيم، وفضل واسع، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
فهذا الحديث في الوقت الذي فيه رجاء، لكنه أيضا مخيف، ويبعث الإحساس بالنفس بالتيقظ، وعدم معصية الله -عز وجل-.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينجينا من النار، وأن يدخلنا الجنة، وأن يرزقنا الفردوس الأعلى.
ونحن دائمًا نطمع في رحمته -عز وجل-، وننظر إلى العلو ونطلب وليس لفضله سبحانه وتعالى حد، ولذلك أمرنا بسؤال الفردوس الأعلى، نسأل الله الفردوس ولو كنا مقصرين.