الأربعاء 6 شوّال 1439 هـ :: 20 يونيو 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

(2) آداب الحوار


عناصر المادة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد تقدم الكلام عن الحلقة الأولى في آداب الحوار، ونتابع الحديث في الحلقة الثانية من هذا الأدب، الذي يحتاجه كل باحثٍ عن الحق، وكل داعيةٍ إلى الله، وكل أخ في مناقشة إخوانه المسلمين، ويحتاجه حتى الزوج مع زوجته، والولد مع أبيه وأمه.
وهذه المسألة -وهي مسألة الحوار- إذا كانت في الحق، فإن الله -سبحانه وتعالى- يوفق أطراف الحوار للوصول إلى الحق؛ لأن القصد الأول من الحوار، هو معرفة الحق.
قبول الحق ولو من عدو:
ولذلك -أيها الإخوة- لا بد أن يوطن أطراف الحوار أنفسهم على قبول الحق من أي الأطراف جاء، فإذا تبين الحق، فلا يجوز الجدال فيه: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6].
فإذا تبين الحق، وجب المصير إليه.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل الحق ولو جاء من عدو، وقد روت طُفيلة بنت صيفي الجهنية، قالت: أتى حبرٌ من الأحبار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((سبحان الله! وما ذاك؟)) قال: تقولون إذا حلفتم: والكعبة، قالت: فأمهل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً، ثم قال: ((إنه قد قال: فمن حلف فليحلف برب الكعبة)) قال: يا محمد! نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً؟ قال: ((سبحان الله! وما ذاك؟)) قال: تقولون: ما شاء الله وشئت، قالت: فأمهل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئاً، ثم قال: ((إنه قد قال حقاً، فمن قال: ما شاء الله فليفصل بينهما: ثم شئت)) [رواه أحمد: 27138، والحاكم: 7815، وصححه، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة: 1166].
ومعروفٌ أيضاً قصة أبي هريرة -رضي الله عنه- مع الشيطان الذي جاء بصورة رجلٍ يسرق الطعام من مال الزكاة، فأمسكه ثم أطلقه، حتى قال له في الثالثة: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: دعني وأعلمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: وما هن؟ قال: إذا آويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة:255] فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطانٌ حتى تصبح، قال أبو هريرة: فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما فعل أسيرك البارحة؟)) قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك... وأخبره بالخبر، فقال عليه الصلاة والسلام: ((أمَا إنه قد صدقك وهو كذوب)) [رواه البخاري: 2311].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والله قد أمرنا ألا نقول عليه إلا الحق، وألا نقول عليه إلا بعلم، وأمرنا بالعدل والقسط، فلا يجوز لنا إذا قال يهوديٌ أو نصرانيٌ؛ فضلاً عن الرافضي قولاً فيه" أي حق إلا قبلناه، ولا يجوز أن نرفضه؛ لأنه جاء من عدو [انظر: منهاج السنة: 2/199].
ولذلك ينبغي في الحوار سماع كلام الخصم، وتقبل الحق الذي جاء منه بقبول حسن، والاعتراف بالخطأ، والتسليم بالحق الذي يظهره الخصم.
والمسألة أيها الإخوة مسألة تجرد، فمن تجرد لله وفقه الله.
عدم انتصار المحاور لنفسه وعلوه على الآخرين:
ثم من آداب الحوار المهمة: ألا يكون قصد المحاور الانتصار للنفس، والعلو على المحاورين الآخرين، أو إفحام الخصم، واستعراض القوة.
وقد تقدم الكلام على ذلك.
ومن أهم أسباب الانتصار للنفس: أن المحاور يرجو في حواره مع غيره أن يرفع كفته، أو كفة شيخه، أو كفة  مذهبه، أو كفة طائفته وحزبه وجماعته، ويغفل عن أن ظهور الحق على يديه، أو على يد صاحبه خيرٌ له، وفضلٌ عليه من الله تعالى.
قال الجويني رحمه الله: "فأول شيءٍ على المناظر أن يقصد التقرب إلى الله سبحانه، وطلب مرضاته في امتثال أمره سبحانه وتعالى فيما أمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعاء إلى الحق، ويتقي الله أن يقصد بنظره، أو بمناظرته المباهاة، وطلب الجاه، والتكسب والمماراة، والرياء، ويحذر أليم عقاب الله، ولا يكون قصده الظفر بالخصم، والسرور بالغلبة والقهر، فإنه من دأب الأنعام الفحولة، كالكباش والديكة.
والإنسان إذا كان قصده بالحوار أن يتغلب على خصمه فقط، فإنه لا يرعوي عن إتيانه بأي حجة من حقٍ أو باطل، ولا يقبل الحق إذا جاء من الخصم.
وكذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما عرَّف الكبر، قال: ((الكبر بطر الحق، وغمط الناس)) [رواه البخاري: 275].
ولذلك في الحوار لا بد من التواضع، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال: ((ما من آدمي إلا في رأسه حكمةٌ في يد ملك)).
هذا شيءٌ من الغيب، لا نعلمه: ((فإذا تواضع قيل للملك: ارفع حكمته، فيرفع الله ذكره وشأنه بين الناس، وإذا تكبر قيل للملك: ضع حكمته)) [رواه الطبراني: 12765، والبيهقي في شعب الإيمان: 7793، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: 2895].
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إن العبد إذا تواضع لله عز وجل رفع حكمته، وقال: انتعش رفعك الله -فهو في نفسه حقير، وفي أعين الناس كبير- فإذا تكبر وعدا طوره وهصه إلى الأرض". [انظر: إحياء علوم الدين: 2/341] أي: ضرب به الأرض.
الحذر من المراء والجدال:
ثم من الآداب المهمة في الحوار: الحذر من الجدال، فإن اللدد والخصومة من الآفات القاتلة، ويصطبغ الحوار بصبغة التعنت والعناد، ولا يعود القصد هو الحق ولا الهدى، ويتحول الحوار إلى مراء وجدل.
فما هو المراء والجدل بالباطل؟
المراء: أن تنكر الحق الذي ظهرت دلالته ظهوراً واضحاً، وتتعصب للباطل.
والتعصب للمذهب، أو الشيخ، أو الفئة، يحول الحوار إلى مراء وجدال، وينتهي إلى خصومة وفرقة، وتمتلئ الصدور بالأحقاد، وتشحن النفوس بالكراهية.
والجدل آفة يصاب بها الإنسان غالباً في المحاورات، والجدل من طبيعة الناس الفارغين، يعني الذي عنده عمل وإنتاج لا يقع في الجدال في الغالب، الذي يقع في الجدال هم أهل الفراغ، ولذلك يهدرون أوقاتهم بالجدال.
ومع الأسف: فإن عدداً من الشباب يحولون المجالس العلمية، والمحاضن التربوية، والمجتمعات الدعوية، إلى مراء وجدال تقضي على البذور الكريمة، والفائدة والنفع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم محذراً: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) [رواه الترمذي: 3253، وابن ماجه: 48، وأحمد: 22218، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه:  45].
وقال حسَّان بن عطية رحمه الله: "إذا أراد الله بقومٍ شرًا ألقى بينهم الجدل، وخزن العلم". فلا يكون علمًا، وإنما يعطون جدلًا.
أنواع الجدال:
لو قال قائل: إن من الجدال ما هو مفيد؟ ألم يقل الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]؟
فنقول: إنه تعالى ما قال: {وَجَادِلْهُمْ} فقط، وإنما قال: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125].
ومعنى ذلك: أن الجدال أنواع.
فما هي أنواع الجدال؟
الجدال محمودٌ، ومذموم.
أولًا: فالجدال المذموم ما كان بغير حجة ولا دليل.
ثانيًا: الجدال لنصرة الباطل، والشغب للتمويه على الحق، وقد كان الكفار يفعلون ذلك كثيراً، قال تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ} [غافر:5].
ولذلك هؤلاء مهما نصحتهم، لا يستفيدون، كما قال نوح لقومه: {وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ} [هود:34].
ومن الجدال ما يكون محموداً، ومنه ما يكون مذموماً، قال إمام الحرمين الجويني -رحمه الله-: "من الجدال ما يكون محموداً مرضياً، ومنه ما يكون مذموماً محرماً، فالمذموم منه ما كان لدفع الحق، أو تحقيق العناد، أو ليلبس الحق بالباطل، أو لما لا يطلب به تعرف ولا تقرب، أو للمماراة، أو لطلب الجاه، أو إظهار التفوق على الخصوم، أو أنه يعرف أن عنده لسانة، وكلام، وقدرة على الحوار، وأنه لا يتوقف، ولا ينقطع، والله سبحانه وتعالى ضرب أوجه الجدال المذمومة في القرآن، قوله تعالى: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58].
أما الجدال المحمود، فهو الذي يحقق الحق، ويكشف عن الباطل، ويهدف إلى الرشد، ويرجى به رجوع المبطل إلى الحق.
وهذا المقصود بقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125].
وقول الله -تعالى-: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
فالمقصود به الجدال المذموم.
أما لو تناقش بعض طلبة العلم في مسائل -مثلاً- في الحج، ليستدلوا بها على السنة؛ كأن يتناقشون في مكان الوقوف في رمي الجمرات، في أي الأماكن يقف؟ وأين يضع الجمرة؟ وأين يكون الموقع الذي يرمي منه؟ فمثل هذا لا يكون جدالاً مضيعاً للوقت، ولا منهياً عنه في الحج؛ لأنه لمصلحة الحج.
فإذًا، هذا الجدال لمصلحة الحج، ليعظم الأجر، وتصاب السنة.
الهدوء أثناء الحوار وعدم الغضب:
ومن الآداب المهمة في الحوار: الهدوء.
فكثيراً ما تتحرك الطبائع الكامنة في النفوس، ويحدث هناك غليان وغضب، وانفعال، وعصبية، وتندفع الكلمات، وتتسابق الأطراف كالسيل الجارف، بالتهكم والسخرية، وتراشق التهم، ونحو ذلك.
وهذا من أخطر آفات الحوار؛ لأنه لم يعد هناك حوارا مثمرا، هذا صار مفسد للعلاقات.
ولذلك بعض الناس تحس أنك لو ما دخلت معه في حوار لكان أحسن، كنت صاحباً له قبل الحوار، وبعد الحوار صار بينكما قطيعة.
ولذلك تنافر القلوب، من آثار الحوار المذموم
إن القلوب إذا تنافر ودها *** مثل الزجاجة كسرها لا يجبر
والصراخ والشتائم كل إنسان قد يقدر عليه، لا فرق في ذلك بين كبير وصغير، وجاهل وعالم، وكما قال القائل:
صغار الأسد أكثرها زئيراً *** وأصرمها اللواتي لا تزير
أي: لا تزأر.
والذي يميز الرجل الرباني الصادق في حواره؛ هدوء نفسه، وعفة لسانه: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً} [طه: 43-44].
والنبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال أنس: "لم يكن سباباً ولا فحاشاً ولا لعاناً" [رواه البخاري: 6031].
وشيخ الإسلام -رحمه الله- خاض غمار حوارات كثيرة، ومناظرات مع أهل البدعة، وكان من الخلاصات التي خرج بها، يقول: "الرد بمجرد الشتم والتهويل، لا يعجز عنه أحد" [مجموع الفتاوى: 4/186].
والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب، لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه، والباطل الذي معهم، فقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46].
والإنسان إذا جلس في مجالس أهل العلم ينبغي أن يتأدب، ولذلك الحوار العلمي ينبغي أن يأخذ أدباً أعلى بكثير من الحوار في المسائل الدنيوية، أو في الأسعار، أو في السلع، أو في مساومات، وفي نحو ذلك.
وبعض الإخوان قد يظن أن الحوار مع أهل البدع يقتضي أن ترفع الصوت، وتظهر الغضب، وتقطب الجبين، وتحمر العينان، وتتسارع الأنفاس، هذا غير صحيح.
لكي يتقبل الشخص الآخر، لابد أن تظهر الهدوء في النقاش؛ لأن القصد الآن ليس هو ألا تتيح له فرصة في الكلام إذا كان الحديث بينك وبينه، وإنما المقصود أن يصل الرجل إلى الحق، ويقتنع به، ولذلك عامة الناس لا يحبون التشنج والانفعالات في النقاشات، ويقولون: هذا الشيخ الذي خرج في البرنامج الفلاني ما عنده إلا العصبية والانفعال، وتلك المرأة غلبته، وتفوقت عليه، مع أنه خرج لينصر الحق بزعمه، وهي تمثل أهل الباطل، فالناس ينفرون من التشنج والانفعال.
نعم، بعض الأحيان يلزم إظهار شيء من الشدة، لكن ليس أن يتحول الحوار إلى صراخ.
والغضب لا يبقي سداداً للفكر، ويتعكر المنطق بسببه، وتتقطع مادة الحجة، وقال ابن القيم رحمه الله: "الغضب نوعٌ من الغلق" تستغلق به على الإنسان الأمور، ولذلك وكيف يأتي المرء بحجة أو ينقض حجة للخصم إذا كان في حال الغضب؟
" الغضب عدو العقل، وهو له كالذئب للشاة قل ما يتمكن منه، إلا اغتال عقله" هكذا صوره ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان [إغاثة اللهفان: 2/49].
والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو، فيقول: ((وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب)) [رواه النسائي: 1305، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي: 1305].
وكلما ازداد انفعال المتحاورين ازدادت الشقة بينهما، وابتعد الواحد منهما عن الآخر: ((ليس الشديد بالصرعة؛ إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب)) [رواه البخاري: 6114، ومسلم: 6809].
رُوي أن المزني -رحمه الله- ناظره إنسان كثير الصياح، كثير الشغب، فقال المزني: أخبرنا الشافعي أن أبا حنيفة ناظر رجلًا، فكثر صياح أبي حنيفة، فمر به رجل آخر، وقال: أخطأت يا أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ما هذه المسألة؟ -أنت أيها المار ما هذه المسألة التي تتحدث عنها؟- فقال الرجل: لا أدري، فقال أبو حنيفة: وكيف عرفت أني أخطأت؟ فقال الرجل: لأنك إذا أخطأت صحت، وإذا أصبت رفقتَ، فعلمت أنك أخطأت حيث رأيتك تصيح.
إذًا، فمسألة الصياح هذه تفسد الحوار.
إذا ما كنت ذا فضلٍ وعلمٍ *** بما اختلف الأوائل والأواخر
فناظر من تناظر في سكونٍ *** حليماً لا تلح ولا تكابر
يفيدك ما استفاد بلا امتنانٍ *** من النكت اللطيفة والنوادر
وإياك اللجوج ومن يرائي*** بأني قد غلبت ومن يفاخر
فإن الشر في جنبات هذا *** يمني بالتقاطع والتدابر
ورُوي أن رجلاً من بني هاشم اسمه عبد الصمد، رفع صوته في النقاش عند أحد الخلفاء، فقال له:
لا ترفع صوتك يا عبد الصمد، إن الصواب في الأسدّ، لا في الأشدّ.
إن الصواب في الأسد، القول السديد، لا في الأشد، وليس بالصوت الشديد.
وإذا أفحش الخصم في جوابه، فينبغي عدم الحدة؛ لأن الصياح لا يقابل بالصياح والاستخفاف؛ فهذا من أخلاق السفهاء.
ومن الطرائف: أن أحد الشعراء سمع اثنين ينتسبان إلى الفقه، ينبز أحدهما بالبغل، والآخر بالجاموس، فقال:
البغل والجاموس في جدليهما *** قد أصبحا عظةً لكل مناظر
برزا عشية ليلة فتباحثا *** هذا بقرنيه وذا بالحافر
ما أتقنا غير الصياح كأنما *** لقنا جدال المرتضى ابن عساكر
فإذا، المناقشة ليست بالقرون والحوافر، وإنما بالكلام المتزن الهادئ.
والإنسان إذا كان عصبياً، لا ينصح بخوض الحوارات، إذا كان حاد المزاج، قد يفسد أكثر مما يصلح. وإذا أردنا أن نرشح أشخاصاً للحوار، فلنرشح أشخاصاً عُرفوا بهدوء الطبع؛ لأن المحاور خصوصاً في هذا الزمان، ينتدب على أنه يمثل فكرة من الأفكار، أو منهجاً من المناهج، فإذا كان إنسانًا حادًا عصبيًا يمكن أن يؤدي إلى إقناع الناس بالباطل، أو ينفرون من الحق.
فينبغي أن يعتنى بالحوارات، ولا يدخل فيها إلا من عنده صفات علمية، وأخلاقية، تؤهله للدخول. 
حسن الاستماع والإصغاء للمحاور:
ومن لوازم الهدوء في الحوار: حسن الاستماع، والإصغاء للآخرين، وإعطاؤهم الفرصة للتعبير عن آرائهم. أحياناً ينشغل المحاور بإخراج كل ما في جعبته، يكون هذا همه، لكن هذه طريقة قد لا تكون مقنعة للآخر؛ لأنه ليس المهم أن يفرِّغ الإنسان كل ما في جعبته.
المهم أيضًا أن يستفرغ ما في جعبة الطرف الآخر، إذا استفرغت ما في جعبة الآخرين، سهل عليك الرد، لا أن تقول كل ما عندك، ثم يقول هو كل ما عنده، ولا يبقى عندك شيء تقوله.
ثم قد يكون القضية قد لا تحتاج لكل هذا، فيكفي كلام أقل، ولذلك إعطاء الخصم فرصة ليتكلم، يساعد على إخماد ما لديه من الشبهات.
والمحاور الجاد هو الذي يهتم بصاحبه، ويصغي لكلامه، وعدم الإصغاء، وكثرة المقاطعة والاعتراض، سيجعل الأمر أكثر صعوبةً.
والمشكلة أننا أحيانًا لا نتناقش مع أهل البدع والعلمانيين والمنافقين، نتناقش مع إخواننا وأصحابنا وزملائنا، وربما عاملنا هذا مثل هذا، وهذا ظلم، إذ كيف تعامل أخاك بالحوار مثلما تعامل المبتدع والضال والكافر والمنافق؟
ولا يكن ديدن الواحد، كما قال القائل: إذا كنت تريد أن ينفض الناس من حولك، ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك، فهاك الوقفة.
لا تعط أحداً فرصةً للحديث، تكلم بغير انقطاع.
وإذا خطرت لديك فكرة بينما غيرك يتحدث، فلا تنتظر حتى يتم حديثه؛ لأنه ليس ذكياً مثلك، فلماذا تضيع وقتك بالاستماع إلى كلامه السخيف؟ اقتحم عليه الحديث، واعترضه في منتصف كلامه.
ولا شك أن مثل هذا لا يمكن أن يحبه الناس.
ولذلك، العبرة بكسب الأشخاص لا بكسب المواقف، يعني: أنت ممكن قد تدخل في نقاش، وتسجل نقطة على الخصم، لكن لم تكسبه؛ ما أعطيته فرصةً للحديث، ما تكمن أن يتكلم، حتى يمكن أن الناس يقولون: فلان غلب فلاناً، لكنك خسرت الرجل، وإن كسبت الموقف، فالذكي لا ينظر إلى كسب المواقف فقط، ينظر إلى كسب الأشخاص أيضاً، المهم كسب الشخص.
وبعض المحاورين يسارع إلى الرد، ويبادر في المقاطعة، قبل أن يستقبل صاحبه الحجج والبراهين التي لديه، وهذا يؤدي إلى شحن وإثارة النفوس، والشريعة قد جاءت بكل ما يقطع النزاع، ويغلق أبواب الخصام والنفور.
وبعض الناس ربما إذا جاء الشخص الآخر بالحديث، يقول: أعلم ذلك.
كان عطاء بن أبي رباح -رحمه الله- يقول: "إني لأسمع الحديث من الرجل، وأنا أعلم به منه، فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً" [صفة الصفوة: 2/214]، وقال: "إن الشاب ليتحدث بالحديث فاسمع له، كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد [سير أعلام النبلاء: 5/86].
وقال بعضهم: أسمعه كأني أسمعه منه المرة الأولى، وقد سمعته من قبل ثلاثين مرة.
وتراهم يفضي بالحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به؛ كما قال الشاعر:
وتراه مصغٍ للحديث بسمعه *** وبقلبه ولعله أدرى به
فإذا خرج الخصم من الحوار، وقد عرف بأنك إنسان تريد الوصول إلى الحق، وأنك مؤدب في النقاش، هذا مكسب.
إقبال المتحاورين على بعضهم البعض أثناء الحوار:
وينبغي أن يكون كل واحدٍ من الخصمين مقبلاً على صاحبه بوجهه في حال المناظرة، مستمعاً إلى كلامه إلى أن ينهيه، فإن ذاك طريق معرفته والوقوف على حقيقته، كما ذكر الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- [ينظر: الفقيه والمتفقه].
وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه، وتقطيعه عليه، وإظهار التعجب منه، وليمكنه من إيراد حجته، فإنما يفعل ذلك المبطلون والضعفاء.
قال حكيم من الحكماء لابنه: "يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام؛ فإن حسن الاستماع انتباهك للمتكلم حتى يفضي إليك بحديثه، والإقبال في الوجه والنظر" [الآداب الشرعية: 2/163].
والصبر، حتى ينهي الآخر ما لديه من الأخلاق التي يحتاج إليها في المناظرة.
وليس حسن الاستماع مجرد الإنصات، فبعض المحاورين يسكت، ويجعلك تتكلم، وتتم الحديث دون مقاطعة، لكن يتغافل عنك، ويتشاغل بكتابٍ بين يديه يقلب أوراقه، أو يعبث بالقلم، أو ينظر إلى السماء، وربما انتهيت وهو لا يدري أنك انتهيت، فهذا في الحقيقة ما أنصت، وإنما سكت، والإنصات هو الانتباه لما يقوله الآخر. 
عدم اتهام نية المحاور الآخر:
ومن الآداب المهمة أيضاً: عدم اتهام النيات؛ لأن بعض المتحاورين يتهم نية الشخص الآخر، وهو لم يطلع عليه، وهذا يثير الطرف الآخر ولا شك، فإذا قال: أنت صاحب هوى -مثلا-، أنت تقصد كذا، فإذا لم يتبين هذا من الكلام، فالحكم عليه اتهام لنيته، واتهام النيات لا يقبله المستمعون، المستمعون يريدون رداً مقنعاً.
أما أن يقول الواحد للآخر: أنت تقصد كذا، لشيء في نيته وقبله، فهذا لا يقبله الناس.
ويفعل هذا كثير من الناس، لإسقاط الأطراف الأخرى في الحوار، مع أن المسألة -كما قلنا- ليس المقصود منها إسقاط الطرف الآخر، المقصود منها الوصول إلى الحق.
تهيئة الجو واختيار الوقت المناسب للحوار:
وينبغي أن يهيأ للحوار جو مناسب بعيد -مثلاً- عن الضجيج، يراعي فيه المكان.
من تهيئة الجو، التعارف بين الطرفين.
والدخول مع شخص مجهول في حوار دون التعرف عليه، مما يبعد فرصة الوصول إلى الحق معه.
وتحديد أيضاً موعد مناسب للحوار، مثلما فعل موسى عليه السلام: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً} [طه:59].
فاختار موسى عليه السلام يوم العيد الذي تتعطل فيه الأعمال، ويجتمع فيه كل الناس "يوم الزينة". واختار الوقت الذي لا يكون فيه ليلٌ، ما يرى الناس ماذا يحدث، ولا تكون فيه الشمس ضاربة في العين، فلا يبصرون، أو لا يكادون يبصرون من شدتها وتوهجها، قال: {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً} [طه: 59].
ففترة الضحى، هذا اختيار حكيم من موسى عليه السلام لإجراء الحوار والمناظرة، أو المغالبة.
إن اختيار الوقت المناسب، وتهيئة الظروف المناسبة، يؤدي إلى حصول المقصود بنسبة أكبر.
ثبات صاحب الحق وعدم تأثره بهجوم صاحب الباطل عليه ومقاطعته له:
وينبغي كذلك في الحوار: ألا يتأثر صاحب الحق بهجوم صاحب الباطل عليه، ومقاطعته، وإنما يكمل كلامه بالحق، كما فعل موسى عليه السلام لما ناظر فرعون، أراد فرعون أن يقطع عليه الحديث، قال فرعون: وما رب العالمين؟
{قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 24].
فخاف الطاغية أن تتسرب الكلمات إلى قلوب السامعين، فعارض موسى، وحول الحوار إلى السامعين، وقال: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 25].
فلم يلبث موسى أن أعطاه الصفة الثانية من صفات رب العالمين: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26].
-طبعاً- هذا كلام يمس العقيدة التي عليها فرعون مساً مزعجاً له جداً؛ لأن فرعون يقول: أنا ربكم الأعلى، وهذا يقول: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26].
فما ملك فرعون إلا أن يقول كلاماً سخيفاً، قال: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27].
وهذا استهزاء وتهكم، لكن لم يفت ذلك في عضد موسى، فتابع الكلام: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28].
فالآن موسى يتكلم، وفرعون يحاول أن يغير مجرى الحديث إلى الناس، يتكلم فيشغب على موسى، ومرة يقول: أنت مجنون، ولذلك ما كان أمام فرعون إلا اتهامات باطلة، وأنه يقول: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء: 34-35].
هذا الموقف الضعيف من فرعون كان له أثر ولا شك.
وعندما صارت المعركة، وأسقط في أيدي السحرة، بسبب التأييد الذي أيده الله -سبحانه وتعالى- لموسى -عليه السلام-.
عدم مقاطعة المحاور والانتظار حتى يتم حديثه:
ولا بأس أن الإنسان في الحوار يطلب الإنظار، وعدم الاستعجال، فإن بعض الأطراف إذا أراد أن يحاورك قطع عليك، فتقول: انتظر حتى أتم كلامي.
ولما اختصم علي والعباس إلى عمر رضي الله  عنهم، جاءا في قضية الميراث، فقال عمر: اتئدا! أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا نورث معاشر الأنبياء، ما تركنا صدقة))؟
فأوقفاهما.
ولما جاء رجل إلى ابن عمر، قال: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة وأطيل فيهما القراءة؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى يوتر بركعة.
قال السائل: إني لست عن هذا أسألك؟
فقال ابن عمر: إنك لضخم -أي: وصفه بوصفٍ فيه إشارة إلى شيءٍ من الغباء- إنك لضخم، ألا تدعني أستقرئ لك الحديث؟  كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة، ويصلي الركعتين قبل صلاة الغداة" [رواه البخاري: 995].
فقاطع السائل ابن عمر قبل أن يجيبه.
وهذا نلاحظه كثيراً في أسئلة العلماء، إن بعض السائلين يسأل العالم، وقبل أن يتم العالم كلامه، يدخل السائل مرةً أخرى في مسألة ثانية، ولذلك تجد العلماء أصحاب الخبرة في الإفتاء، يتكلم، ثم إذا انتهى كلامه قال: نعم، يعني: انتهى كلامي، إذا عندك شيء آخر، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على أن الكلام انتهى.
فمن حسن الأدب مع العالم: أنك إذا دخلت معه في حوار أو نقاش أو مساءلات، ما تقطع الكلام عليه، وتنتظر حتى هو يقول: نعم.
فإذا شككت هل هو أنهى كلامه أم لا، اصبر ولا تعجل، والإنسان خلق عجولاً، ولذلك كثيراً ما يقع  في مزالق بسبب عجلته، وتفوته فوائد، وربما أن الشيخ طفش منه، ولم يسمح له بالمزيد من الأسئلة بسبب مداخلاته ومقاطعته المستمرة.
الالتزام بطرق الإقناع الصحيحة عند الحوار:
ومن الأمور المهمة في الحوار: التزام طرق الإقناع الصحيحة، تقديم الأدلة المثبتة للدعوى، صحةً، وطريقة الاستدلال؛ لأن بعض الناس يستدلون بأدلة ضعيفة، وبعضهم يستدل بأدلة صحيحة، لكن بطريقة خاطئة، فالحديث صحيح لكن يستعمله بطريقة خاطئة.
اليوم واحد، قال لي: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -حديث في مسند أحمد-: ((ليس منا من حَلَقْ)) [رواه أبو أحمد: 19705، والنسائي: 1866، وصححه الألباني الإرواء: 771 ] كيف يقول: ليس منا من حلق، وهو قد حلق في الحج والعمرة؟
طيب -يا أخي- هذا الحديث: ((ليس منا من حلق وخرق وسلق)) هذا المقصود به عند المصيبة، الذي يحلق شعره، أو التي تحلق شعرها عند المصيبة.
"وسلق" أي: يصرخ نياحة.
"وخرق" قطع ثيابه.
فهو جاء بحديث صحيح: ((ليس منا من حَلَقْ)) يقول لك: هذه مشكلة، كيف تعارض؟ الحج في حلاقة؟ فالقضية الآن الحديث صحيح، لكن ما وجهه؟ وما معناه؟ وكيف فهمه العلماء؟ وفي أي مناسبة جاء الحديث؟
البدء بالأدلة القوية عند الحوار:
ثم الإنسان إذا أراد أن يبدأ في حوار، ما يبدأ بالأدلة الضعيفة، بل يأتي بالأدلة القوية؛ لأنك إذا أتيت بالأدلة المحتملة، يصير النقاش في الاحتمالات، والشخص الآخر يورد عليك إيرادات قد تكون صحيحة، ويضيع الوقت فيها، هات الأدلة الأقوى أولاً، وهذه مسألة يغفل عنها بعض طلبة العلم أثناء النقاشات، يأتي بالدليل الأضعف، مع أن الحكمة تقتضي أن يأتي بالدليل الأقوى أولاً.
عدم تكرار الدعوى بدون دليل:
ثم بعضهم إذا أراد أن يناقش، ما تخرج من نقاشه إلا بتكراره للدعوى التي يقولها دون أدلة، يرجع ويكرر الدعوى، دعوى بدون دليل، تتناقش معه فيكرر دعواه مرة ثانية، تريد دليلاً لا تجد دليلاً، ما عنده إلا التكرار وترديد أصل الدعوى.
احترام أدلة الطرف الآخر إذا كانت صحيحة ووجيهة:
ثم يجب احترام أدلة الطرف الآخر إذا كانت صحيحة ووجيهة، ولا يقول كما يقول بعض المتعصبين للمذاهب: هذا الدليل ساقط؛ لأن إمامي لم يقل به، ولو كان صحيحاً لعرفه، وقال به.
فكونه ما قال به، لا يعني أنه ليس بصحيح.
عدم استعجال استخلاص النتائج دون مقدمات صحيحة:
ثم أيضًا من الأخطاء في الحوار: أن الإنسان يقفز إلى النتائج دون مقدمات صحيحة تؤدي إليها "بما أن ..إذاً" فيقول: "بما أن" لا علاقة لها "بإذاً" فكيف يجوز أن يقفز إلى النتيجة دون مقدمة صحيحة، فعندنا مقدمات ونتائج، مثلاً: الرياضيات "بما أن.. "إذاً".. فلابد أن تكون "بما أن "وإذاً" لهما علاقة ببعضهما واضحة، وألا ترتب نتائج على مقدمات لا علاقة لها بها، أو على مقدمات خاطئة، فهذا خطأ كبير في الحوار. 
عدم إهمال الاستدلال بالقرآن والسنة والحذر من تقديم الأدلة العقلية عليهما:
ثم إن بعض الناس أحياناً يهملون الاستدلال بالآيات والأحاديث، ويقدمون الأدلة العقلية، مع أن الحوار قد يكون بين شخصين مسلمين من أهل السنة، لست تناقش الآن كافراً، أنت تناقش الآن شخصاً من أهل السنة، فقدم الأدلة من القرآن والسنة.
الانتباه أثناء الحوار إلى القول باللازم:
ثم الانتباه إلى القول باللازم، يعني: أحياناً يُستدل على فسادِ القول من لازمه، فيقال: يلزم من هذا الكلام الذي تقوله: كذا وكذا، واللازم هذا صحيح، فعند ذلك يسقط الاحتجاج.
ثم لو أخذنا مثالاً على هذا: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 100-101].
فنسبة الولد لله يلزم منه وجود زوجة.
فمن هي الزوجة؟
ولذلك ناقش النصراني، قل له: أنت تقول: لله ولد، من أين جاء الولد؟ خلقه، لو خلقه صار مخلوقاً مثلنا، ما كان له ميزة على بقية المخلوقين.
فإن قال: هذا ولد له صفات من صفات الله.
نقول له: هو ولد، من أين خرج؟
فإذا سلم أنه خرج من امرأة.
نسبة الزوجة لله مصيبة.
ثم نقول له: تعرف -يا أيها النصراني- ماذا يلزم من القول بأنه خرج من زوجة؟
يلزم أنه صار هناك وطءٌ وشهوةٌ.
ولذلك الاستدلال على فساد القول من لوازمه، هذه من الطرق المهمة في الحوارات والنقاشات.
محاصرة المخالف وإفحامه بعباراته الخاطئة التي قالها أثناء الحوار:
ثم مما يستعان به على إفحام الخصم خصوصاً المبتدعة أن تمسك عليه الكلمات الباطلة التي يقولها وتسجلها، قد لا تعترض الآن.. اتركه يتكلم مع أنه يقول كلاماً خطأً، فاتركه يتكلم لتسجل ألفاظاً تُدِينه من خلالها، وتقول: أنت قلت كذا في كلامك.
والمناقضة تظهر في أهل البدعة أثناء النقاشات؛ لأنه ما في واحد مبتدع إلا وتتناقض أقواله، فتجده يقول شيئاً، وبعد صفحات، أو بعد مسافة زمنية يخالفه، ويأتي بشيء آخر؛ لأنه ما دام الأصل فاسداً، فتضطرب أقواله، فعليك باكتشاف المتناقضات في أقوال المبتدعة، أو المخطئين، أو الذين هم على ضلالة، وأنت تناقشهم.
وهذا ما كان يفعله علماء الإسلام في المناظرات، فمثلاً من المشهورين بمناظرات النصارى: الإمام الباقلاني -رحمه الله تعالى-، وهو من أذكياء المسلمين وعلمائهم، وكان الخليفة قد أرسله إلى النصارى لمناقشتهم، فجاءوا له بالبطريك، فاحتفى الباقلاني به، واحتفل، ورحب، وسأله أحسن سؤال، وقال له: كيف الأهل والولد؟
-طبعاً عندهم الراهب لا يمكن أن يتزوج، ولذلك هذا البابا الآن عنده زوجة أو عنده أولاد؟ وفي الفاتيكان؟ رهبانهم لا يتزوجون؛ لأنهم يعتقدون حرمة ذلك، فـالباقلاني لما جاء البطريك، احتفى به، واحتفل، ورحب به، ثم قال: كيف أهلك وأولادك؟ فعظم عليه، وعلى الحاضرين من النصارى جداً، وتغيروا، وقلبوا وجوههم، وقالوا: كيف تسأل عن أهله وأولاده؟ قال: وما تنكرون؟ قالوا: إنا ننزه هذا عن الصاحبة والولد، قال: يا هؤلاء تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحب والولد، وتربئون به عن ذلك، ولا تستعظمون لربكم عز وجل أن تضيفوا له هذه السوءة، وهذا الكلام؟ فسُقط في أيديهم، وبهتوا، وانكسروا، ولم يحيروا جواباً، أي: لم يرجعوا بجواب.
ويروى أن يهودياً قال لعلي رضي الله عنه: ما نفضتم أيديكم من تراب نبيكم حتى قلتم: منا أمير ومنكم أمير، فقال علي رضي الله عنه: وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر الذي جمده الله لموسى حتى قلتم: "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة" من الأسوأ والأعظم؟
وكذلك ما حصل في مناظرة الباقلاني للنصارى، وسؤال أحدهم، واحد من النصار سأل الباقلاني، قال: ما فعلت زوجة نبيكم؟ وما كان من أمر الإفك هذا؟
فيريد أن يطعن في عائشة رضي الله عنها.
فقال الباقلاني على البديهة مجيباً: "هما امرأتان ذكرتا بسوء -مريم وعائشة- فبرأهما الله عز وجل، وكانت عائشة ذات زوجٍ، ولم تأت بولد، وكانت مريم أتت بولد، ولم يكن لها زوج، فبهت النصراني. [انظر: البداية والنهاية: 11/403].
وذكر أن المقوقس قال لحاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- لما أرسل إليه، كيف الحرب بين محمد وبين المشركين؟
قال: سجال، يدال عليهم ويدالون عليه.
فقال المقوقس: أنبي الله يغلب؟!
فقال حاطب: وابن الله يصلب؟!
فسكت!.
ومثلما حصل أيضاً في حوار، لما استعمل عمر رضي الله عنه المغيرة بن شعبة على أهل البحرين فكرهه بعضهم، فعزله عمر رضي الله عنه، فخافوا أن يرده إليهم، فجاء الدهقان إلى قومه، فقال: نخشى أن عمر يرد المغيرة أميراً علينا، ونحن لا نريده؟ قالوا: مرنا بأمرك؟ قال: تجمعون مائة ألف درهم حتى أذهب بها إلى عمر، وأقول: إن المغيرة اختلس هذه الأموال ووضعها عندي أمانة، فجمعوا له مائة ألف درهم، وأعطوها للدهقان، فذهب إلى عمر في المدينة، وقال: يا أمير المؤمنين إن المغيرة الأمير الذي جعلته علينا اختلس مائة ألف، وسرقها من الأموال العامة، وجلعها عندي، وجئتك الآن أردها لك، اسلمك المبلغ، أنت الخيفة واتصرف؟ فدعا عمر للمغيرة، قال: ما يقول هذا؟ كذا وكذا، قال: كذب أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة، فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ قال: لا والله لأصدقنك، والله ما دفع إليَّ قليلاً ولا كثيراً، ولكن كرهناه وخشينا أن ترده علينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على -هذا الكلام- ما صنعت من الكلام الغير صحيح؟ قال: إن الخبيث كذب عليَّ، فأحببت أن أخزيه [انظر: تاريخ الإسلام: 4/121].
ولما قال ملك النصارى للباقلاني: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قال: صحيح، انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحاضرون، ومن اتفق أن نظر إلى القمر في ذلك الوقت، فقال الملك: وكيف ولم يره جميع الناس؟ -يعني: كل الناس في العالم ما رأوا انشقاق القمر-؟ قال: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعدٍ لشقوقه وحضوره -أي ليس كل الناس في العالم كانوا يتطلعون إلى القمر في ذلك الوقت- فقال الملك: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة أو قرابة؟ لأي شيءٍ يظهر لكم ولا يظهر لهم؟ ورأيتموه أنتم خاصة ولم يره بقية الناس؟
فقال الباقلاني: وهذه المائدة التي نزلت عليكم؛ هل بينك وبينها نسبة قرابة؟
فلماذا رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة، وأهل الإلحاد، واليونان جيرانكم، وهم ينكرون المائدة؟ فتحير الملك، وقال: سبحان الله!.
ثم قال القاضي الباقلاني لقسيس عندهم: ألست تزعم أن الأرض كروية؟ قال: نعم.
قال: أفتنكر أن يرى في هذا الإقليم ما لا يُرَ في إقليمٍ آخر؟ كالكسوف يرى في موضعٍ دون موضع، وكواكب السماء ترى في موضعٍ دون موضع، أم تقول: أن الكسوف يحدث لأهل الأرض كلهم؟
فقال القسيس: بل لا يراه إلا من كان في محاذاته.
قال الباقلاني: فما أنكرت من انشقاق القمر إذا كان في ناحيةٍ لا يراه إلا أهل تلك الناحية، ومن تأهب للنظر إليه، فأما من أعرض عنه، وكان في مكانٍ آخر من الأرض لا يرى القمر منها، كان عندهم نهار، أو ما بعد أن طلع القمر عندهم في ذلك الوقت، فلا يرى.
فقال: هو كما قلت، وسلم له.
على أية حال: المناظرات بين أهل الإسلام والنصارى، واليهود والمبتدعة، والمناظرات بين أهل السنة والمبتدعة كثيرة جداً، وكلها دالة على اعتنائهم بتبليغ الدعوة، وإقامة الحجة.
الغرض من الحوار، هو إقامة الحجة على الناس.
وأما الحوار بين الإخوان، فلا بد أن يكون فيه اعتناء زائد بالأدب؛ لأن الله قال: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54].
فلا يصلح أننا إذا ناقشنا كافراً ونصرانياً تأدبنا وجلسنا، نحاول في هداية الرجل، وإذا تناقشنا مع إخواننا المقربين، ارتفعت الأصوات، وهاجت العبارات، وصار الكلام بلا حساب ولا ضبط.
على أية حال: فن المناظرات هذا يحتاج إلى درسٍ خاص، لكي يتم معرفة محاصرة الخصم، وكيف يصل الإنسان إلى الإقناع، ونحو ذلك، المسألة فيها مزيد من الكلام، لكن الكلام في الحوار وليس في المناظرة.
اتخاذ الحوار في العصر الحاضر ذريعة لإزالة الفوارق العقدية:
واعلموا -أيها الإخوة- أن مسألة الحوار قد اتخذت في عصرنا ذريعة لإزالة الفوارق العقدية، وتمييع الإسلام في الأرض، تارةً باسم الحوار بين الأديان، أو الصداقة الدينية، أو الملة الإبراهيمية، ونحو ذلك، وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أهمية إزالة الفوارق العقدية من نفوس المسلمين، لا بد من تحطيم الحواجز، حتى نقبلهم، ونقبل ما يأتون به، لا بد من أن تتحطم الحواجز العقدية في نفوسنا، مثل بغضهم وكرههم، فإذا حطموا هذه الحواجز، خلاص يدخل علينا منهم كل شيء، إخوة وأبناء عم، ونحو ذلك من الكلام، فيهتمون بقضية حوار الحضارات، أو الحوار بين الأديان، فما هو مقصودهم من قضية الحوار بين الأديان؟
السعي لإزالة الفوارق والحواجز بيننا وبينهم.
وإذا زال الولاء والبراء، وزال كره الكافر والكفر، وكره اليهود والنصارى؛ لأنهم كفار؛ إذا زال هذا الحاجز، صار فيها محبة وأخوة وعلاقات حميمة، وود؛ قبلنا ما يأتي منهم من الباطل بعد ذلك، ولذلك لا بد أن نحذر من هذه المسألة حذرًا شديدًا.
ثانياً: تحدث الآن حوارات في القنوات الفضائية، يستضاف فيها أناس من المنافقين الذين يمثلون اتجاه فصل الدين عن الحياة، ويستضاف فيها أناس من المبتدعة، ويستضاف فيها أناس من أرباب الشهوات.