الاثنين 23 ربيع الأول 1439 هـ :: 11 ديسمبر 2017 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

(2) آداب تلاوة القرآن


عناصر المادة
ملخص الدرس السابق:
تتمة لما سبق أن بدأنا فيه في آداب التلاوة، ذكرنا مجموعة من الآداب في الدرس الماضي، فنعيد تلخيصها بسرعة.
الأدب الأول: الإخلاص.
ثانيًا: أن يكون على طهارة.
ثالثًا: السواك.
رابعًا: الاستعاذة بالله من الشيطان.
خامسًا: البسملة.
سادسا: ألا يقرأه في أقل من ثلاثة أيام.
سابعًا: الترتيل.
ثامنًا: استحب بعضهم استقبال القبلة.
تاسعًا: تفخيم التلاوة وعدم قراءة الرجل بمثل صوت المرأة.
عاشرًا: الاجتماع لتلاوته ومدارسته.
وهذا ذكرنا سابقا، وما لم نذكره هو.
عناصر الدرس:
الحادي عشر: قطع القراءة عند النعاس، وكذلك التثاؤب.
الثاني عشر: تحسين الصوت به.
الثالث عشر: عدم إطالة العهد بالختمة.
الرابع عشر: ألا يجهر القارئ على الآخرين بالقرآن.
الخامس عشر: الاعتناء بالسور التي لها فضل.
السادس عشر: ألا يقرأه في الركوع والسجود.
السابع عشر: أن يصبر الذي يجد صعوبة في القراءة على تلاوته.
الثامن عشر: البكاء عند تلاوته.
التاسع عشر: أن يكون  متخشعًا في جلسته عند تلاوته، مع جواز قراءته مضطجعًا وماشيًا ومتكئًا.
العشرون: سجود التلاوة.
الحادي والعشرون: أن لا يجهر به جهرًا يؤذي الآخرين، ولا يسر به إسرارًا تامًا، بحيث يفوته أجر التلاوة والقراءة.
الثاني والعشرون: إذا خرج منه الريح وهو يتلو يتوقف عن التلاوة.
الثالث والعشرون: أن يقرأ من المصحف إذا لم يشغله عن التدبر.
نواصل ما كنا بدأنا فيه:
الوقوف عند رؤوس الآيات:
من آداب التلاوة أيضاً: الوقوف عند رؤوس الآيات، وإن تعلقت في المعنى بما بعدها؛ لأنه قد ورد في الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقطع قراءته آيةً آية: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ثم يقف: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3] ثم يقف.
إذاً، لو قرأ -مثلاً- قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4- 5]. لا يجب أن يصل، بل إن السنة أن يقف على رأس الآية وإن تعلقت في المعنى بما بعدها، لكن لا يقطع التلاوة، لا يقل: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون:4] ثم يركع، وإنما لا بد أن يتم الآية التي بعدها، لأن المعنى متعلق بها، إنما من جهة السنة في التلاوة أن يقف عند رؤوس الآي.
التدبر عند التلاوة:
السابع والعشرون: أنه يتدبر عند تلاوته، وهذا يكاد يكون أهم آداب التلاوة على الإطلاق.
والتدبر، هو الثمرة الحقيقية لتلاوة القرآن الكريم.
وهذا الموضوع يتضمن عدة أشياء:
1- أنه يُفكر في عظمة الله سبحانه وتعالى وعلوه وفضله ولطفه بخلقه، عندما أنزل علينا هذا الكتاب، وجعله لنا مفهوماً، فإن القرآن عظيم؛ لأنه كلام الله، والله عز وجل عظيم، ومع ذلك فقد جعل كلامه مفهوماً لنا نحن البشر، وإلا هو فوق طاقتنا أن نفهم، كلام الله، ولكن جعل كلامه عز وجل مفهومًا: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 40].
ولولا أنه جعله مفهوما، ولولا أنه جعله مُيسراً، ما استطعنا تلاوته، ولا حفظه، ولا فهمه؛ لأنه فوق عقولنا، لكن الله سبحانه وتعالى سهَّله وقرَّبه لنا، وجعله بلغة العرب، وهي أكمل لغات العالم.
وكذلك فإن من التدبر: أن يُحضر الإنسان في قلبه عظمة المتكلم، وهو الله سبحانه وتعالى، وكان بعض السلف، وهو عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه إذا نشر المصحف غُشي عليه، ويقول: "هو كلام ربي، هو كلام ربي". [إحياء علوم الدين: 1/281].
فتعظيم الكلام تعظيمٌ للمتكلم، وهو الله سبحانه وتعالى الذي تكلم بالقرآن حقيقةً.
وينبغي لتالي القرآن أن يستشعر عند قراءته أنه يقرأ كلام الخالق القادر الرازق الذي جميع الكون في قبضته، وتحت مشيئته، وهيمنته، وأن الخلق مترددون بين فضل الله ورحمته، ونقمته وسطوته، إن أنعم فبفضله، وإن عاقب فبعدله، وهو الذي يقول: ((هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي)). [رواه الحاكم في المستدرك: 84، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَدِ اتَّفَقَا عَلَى الاِحْتِجَاجِ بِرُوَاتِهِ، عَنْ آخِرِهِمْ إِلَى الصَّحَابَةِ"].
وكذلك مِنْ تدبر القرآن: أن يحضر قلبه، ويترك حديث النفس، قال الله تعالى-: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] أي: بجدٍ واجتهاد.
وأخذه بالجد أن يكون متجرداً عند قراءته، منصرف الهمة إلى القرآن فقط، مفرغاً لذهنه وقلبه من أي شواغل أخرى غير القرآن.
وقيل لبعض السلف: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحب إلي من القرآن حتى أحدث به نفسي".
وكان بعض السلف: إذا قرأ آيةً لم يكن قلبه فيها -يعني سها أثناء القراءة - أعادها ثانيةً. [إحياء علوم الدين: 1/281].
وهذه الصفة هي صفة حضور القلب، تتولد من استشعار عظمة المتكلم، فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يركز ذهنه فيه، ويفرغ قلبه له، كيف لو جاءته رسالة من ملكٍ عظيم، أو رئيسٍ كبير، لوجدت قلبه منشغلاً بفحوى الرسالة والكلام، ويُعيد القراءة، ويركز فيها؛ لأن الرسالة من عظيم، لو جاءته رسالة من الملك، لركزَّ فيها، وأعاد النظر، وقرأها عدة مرات، واهتم لها أشد الاهتمام، فكيف وهذه الرسالة من ملك الملوك.
ولا خير في تلاوةٍ لا تدبر فيها، كما ورد عن بعض السلف، فليتدبر، ولكن لو كان يتابع الإمام في القراءة فإنه يتدبر في الآيات التي يقرأها الإمام، وإن تعدى الإمام لآياتٍ أخرى تبعه بالتدبر، ولا يبقى في تدبر آيةٍ سابقة، والإمام يواصل القراءة في آيةٍ جديدة، لكن هو  إذا قرأ لنفسه تدبر، وإذا وجد مجالاً للتدبر في آية ما جاوزها إلى غيرها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قام ليلة بآيةٍ واحدة: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] هذه الآية جاءت في حديث أبي ذر: "قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أصبح بآية". [أخرجه النسائي: 1010، وابن ماجة: 135، وأحمد: 21425، قال العراقي: "بسند صحيح" وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه: 1110].
وقام تميم الداري ليلةً بقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21]. [السنن الكبرى للنسائي: 11833، والمعجم الكبير للطبراني: 1237].
وقام سعيد بن جبير ليلةً يردد هذه الآية: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59]. [إحياء علوم الدين: 1/282].
وقال بعضهم: "إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر". [إحياء علوم الدين: 1/282] أي: بعض ما أجد فيها يشغلني عن إتمامها والفراغ منها، حتى يطلع الفجر.
ويدخل في التدبر كذلك: أن ينظر في أفعال الله عز وجل من خلق السماوات والأرض، وخلق العرش، وأن كل شيء هالكٌ إلا وجهه، وإذا قرأ: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} [الواقعة: 63]. {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ} [الواقعة: 58]. {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ} [الواقعة: 68]. {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} [الواقعة:71] فإنه لا شك يتأمل في ذلك، وبالذات التي فيها -مثلا-: {أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس:77]؟ يعني الآيات التي فيها دعوة للتأمل والتدبر، لا بد أن يكون فيها مزيد من الاعتناء بهذا الموضوع.
وكذلك ذكر العجائب التي خلقها الله سبحانه وتعالى، ومبثوثة في آياته، وأحوال الأنبياء، كيف كذبوا، وكيف ضربوا، وقُتِلَ بعضهم، فيفهم صفة الاستغناء لله عز وجل عن الرُسل، وأنه لو شاء لأهلك من في الأرض جميعاً، وأهلك المسيح بن مريم وأمه، ولكنه سبحانه وتعالى أرسلهم ونصرهم، وهو الغني عن الرسل، لكن أرسلهم ونصرهم سبحانه وتعالى.
وإذا مرَّ بذكر المكذبين، كعادٍ وثمود، وما جرى عليهم، وكيف أهلك الله قوم شعيب، بعذاب يوم الظلة، الذي جاء من فوقهم مثل السحاب، ثم قصفهم بصواعق، أحرقتهم.
وكذلك يتأمل ما في هذا القرآن من الختم والطبع على قلوب الذين لا يفقهون ولا يعقلون، ويدعو الله ألا يكون منهم؛ لأن الذين طبع الله على قلوبهم غير موفقين ولا مؤهلين لتدبر القرآن.
ويندرج تحت التدبر التخلي عن موانع الفهم، التي تمنع الفهم، فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب، وحجب من الشيطان؛ فعميت عليهم عجائب القرآن، فصاروا لا يفهمون منه شيئا، ولا يكادون يفقهون منه شيئاً، كأنه بالنسبة لهم طلاسم.
ومن الموانع التي تمنع وتحجب الفهم: أن يكون التأمل مقصوراً على إخراج الحروف من مخارجها دون التدبر في المعاني، فيكون كل همه تجويد الحرف.
نعم، هذا يكون -أحياناً- عندما يجلس إلى شيخٍ يقرأ عليه، لكن لا يكون همه دائماً في إقامة الحروف، وينسى المعنى.
ومن الأشياء أيضاً التي تمنع الفهم: التعصب، فإن بعض الناس يقولون: لسنا بأهل للتدبر في القرآن، ذلك للأئمة، وكبار العلماء، أما نحن، نقرأ فقط ولا يجوز لنا أن نفهم، أو أن نُعمل فكرنا فيه.
ومن موانع الفهم للقرآن: الذنوب، والإصرار عليها، فإن الإنسان لو كان متصفاً بكبرٍ، أو مبتلىً بهوى، فإن ذلك يسبب ظلمة القلب وصدأه، والمرآة صدأها يمنع الصورة الجلية، فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، فكلما كانت المرآة نظيفة كانت المعاني التي تظهر في الصور أوضح، ولذلك فإن الله قال: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 8] فإذا لم يكن منيباً لم يكن القرآن له تبصرةً ولا ذكرى.
وقال الله -عز وجل-: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر:13] فالذين لا ينيبون، وليسوا في مقام الإنابة، لا يفهمون القرآن.
ومن شروط التدبر: أن يقرأ تفسيراً للقرآن، كيف يتدبر وهو لا يعرف المعنى من كلام أهل العلم؟ هل يريد أن يفهمه لوحده؟ هل هو سليم السليقة؟ هل عايش التنزيل؟
كلا.
هل هو عالم؟
كثيرٌ من الناس ليس عندهم هذه الشروط مطلقاً.
إذًا، كيف يتدبر وهو لا يعرف ما قاله أهل العلم في الآية.
هل يتدبر من تلقاء نفسه؟ كما حصل لبعضهم عندما مرّ بآية: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} [آل عمران: 117] قال: فهمت الصراصير، صرار الليل.
والصِر، هو البرد.
وممكن يفهم الإنسان أشياء كثيرة خطأ؛ بسبب جهله باللغة، وجهله بأسباب النزول، ونحو ذلك.
إذاً، لا يمكن أن يأتي التدبر إلا بعد قراءة التفسير، كقراءة ما جاء عن مجاهد عن ابن عباس، فإن مجاهد عرض القرآن على ابن عباس ثلاث مرات، يستوقفه عند كل آيةٍ يسأله عنها.
ومما يندرج تحت التدبر أيضاً: التخصيص: أي: أن يظن ويعتقد أنه مقصود بالخطاب، وأنه خاصٌ به، موجهٌ إليه، ليس إلى غيره، فإذا سمع قصص الأولين والأنبياء علم أنه ليس المقصود هو التسلي بالأحداث، والسمر بها، وأن يكون مأخوذا بروعة القصة وأحداثها، دون أن يكون معنياً بما فيها من العبر، وكذلك إذا سمع الوعد والوعيد، يظن نفسه مقصوداً، إذا سمع قصص الأنبياء عرف أن المقصود منها تثبيت الفؤاد، لأن الله قال: {مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120] فيتأمل في أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء، وثباتهم في الدين، وكيف نصرهم الله سبحانه وتعالى.
هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل الله -عز وجل-، نتدبرها في الصلوات، ونقف عليها، وننفذها، وكان مالك بن دينار يقول: "ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن، إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض".
وقال قتادة: "لم يجالس أحدٌ هذا القرآن إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان" قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً} [الإسراء: 82]. [إحياء علوم الدين: 1/285].
ومن التدبر: أنه إذا مرَّ بآية الرحمة سأل، وإذا مر بآية الوعيد استعاذ، فإذا مرَّ بقول الله -عز وجل-: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ} [طه: 82] أرعى سمعه لها؛ لأن ما سيأتي بعدها شروط: {لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82].
وإذا قال الله -عز وجل-: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1-2] {إِلَّا} تفطن لهؤلاء الذين ينجون من الخسارة: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] فذكر أربعة شروط.
وإذا تفطن لقوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] فكَّر في الإحسان ومقام الإحسان، وما ينبغي أن يكون عليه.
قال الحسن رحمه الله: "والله ما أصبح اليوم عبدٌ يتلو القرآن يُؤمن به إلا كثر حزنه، وقلّ فرحه، وكثر بكاؤه، وقلّ ضحكه، وكثر نصبه وشغله، وقلَّت راحته وبطالته". [إحياء علوم الدين: 1/285].
وقال وهيب: "نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئاً أرق للقلوب، ولا أشد استجلاباً للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره"[إحياء علوم الدين: 1/285].
فتأثر العبد بالتلاوة: أن يصير بصفة الآية المتلوة، فعند الوعيد وتقييد المغفرة بشروط، يتضاءل من خيفته، كأنه يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة، يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر الله -عز وجل- وأسمائه يطأطئ خضوعاً لجلاله -عز وجل-، واستشعاراً لعظمته، وعند ذكر الكفار وما يستحيل على الله -عز وجل-، كذكرهم لله -تعالى-، يعين يذكرون الله بأشياء مستحيلة على الله، مثل: أن له زوجة وأن له ولد، وهذا محال، فيكاد يغض صوته، وينكسر حياءً من قبح مقالتهم؛ كما قالت اليهود: {يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} ما معنى مغلولة؟ يعني: أن الله بخيل، لذلك قال الله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64].
ألم يقل الله -عز وجل-: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء:29]؟ لا تكن بخيلاً ولا مسرفاً، كن بين ذلك قواماً، واليهود قالوا: {يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ}.
فإذا، قرأ مثل هذه الأشياء عرف قبح مقالتهم.
وعندما يأتي ذكر الجنة ووصفها ينبعث بباطنه شوقاً إليها، وعند ذكر النار ووصفها ينبعث الخوف منه، وترتعد فرائصه، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: ((اقرأ علي؟)) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: ((نعم)) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} [النساء:41] قال: ((حسبك الآن)) فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان. [رواه البخاري: 5050].
وإذا كان الإنسان لا يتأثر بما يقرأ صار مجرد حاكٍ لا معتبر، فإذا قرأ قول الله: {قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأنعام: 15] ولم يخف، كان حاكيا، وليس خائفاً.
وإذا قرأ: {عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [الممتحنة: 4] فلم يشعر بمعاني التوكل في نفسه، فإنه يكون حاكياً، يقرأ الكلام، كأنه يبلغه دون أن يكون في نفسه له أثر.
وكذلك إذا قرأ: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا} [إبراهيم: 12] ولم يكن على حالٍ من الصبر أو العزيمة عليه، فإنه في هذه الحالة يكون عبارة عن حاكٍ، يحكي ما جرى من القصة بين الرسل وأقوامهم، ولا يكون له نصيبٌ من الأخذ بالعبرة، واستلهام هذه الحال.
والأمثلة كثيرة جدًا لهذا.
فالتدبر يحتاج إلى أشياء: معرفة عظمة المتكلم، عظمة الكلام، كيف سهله، معانيه، قراءة تفسير له، والاستشعار أنه مخاطب، وأن الخطاب موجهٌ له، وأن يتأثر أثناء الكلام بما يقرأ، ولا يكون همه -فقط- مجرد إقامة الحروف، ويتخلى عن موانع الفهم، مثل المعاصي.
فأهم قضية في آداب التلاوة، هي: التدبر، وهي الثمرة الحقيقية، وتحسين الصوت، وغير ذلك، هذه أشياء تؤدي إلى المقصود، والمقصود الأعظم هو التدبر.
السعي إلى حفظ القرآن وتكراره:
ومن آداب التلاوة أيضًا: أنه يسعى إلى حفظه وتكراره؛ لأنه أعون على التدبر؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((لَوْ جُمِعَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ مَا أَحْرَقَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ في النَّارِ)) [رواه البيهقي في شعب الإيمان: 2444، وحسنه الألباني في صحيح الجامع: 5266].
الإهاب، الجلد، والمقصود جسد الحافظ، يكون من أسباب تحريمه على النار.
تلقي القرآن عن القراء المجيدين المجودين:
ومن آدابه كذلك: أن يتلقاه عن أهل العلم المجيدين فيه، المجودين له، ولذلك أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأخذ القرآن عن أشخاصٍ معينين، فلماذا قال في الحديث الصحيح: ((خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد -فبدأ به- ومعاذ بن جبل، وأبى بن كعب، وسالم مولى أبى حذيفة)) [رواه البخاري: 3808، ومسلم: 6488، واللفظ له].
إذًا، لا يؤخذ القرآن عن أي أحد، يؤخذ عن المجيدين المجودين.
وكان هناك في الصحابة من حفظ القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث أنس في الصحيحين قال: "جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبى، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، قلت لأنس: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي" [رواه البخاري: 3810، ومسلم: 3810].
والحديث: ((استقرئوا القرآن من أربعة من ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي ومعاذ بن جبل)) الحديث في الصحيحين من رواية عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما. [رواه البخاري: 3806، ومسلم: 6492].
ولنعلم: أن المسألة ليست بالحفظ فقط، فالذين حفظوا القرآن من الصحابة معدودين، وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم؛ لأنهم كانوا لا يتجاوزون الآيات إلا بعد العمل بها، يعملون ثم يأخذون أخرى، وهكذا..
كم  مكث ابن عمر في تعلم البقرة؟
ثمان سنوات يتعلم سورة البقرة، لأجل أنهم كانوا يسعون إلى الاستفادة.
وأما موضوع تلحين القرآن، والتطريب التابع لقضية تحسين الصوت، فلا بد لنا من وقفة عند هذه المسألة: الحديث: ((زينوا القرآن بأصواتكم)) [رواه أبو داود: 1470، والنسائي: 1015، وابن ماجة: 1342، وأحمد: 18517، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب:  1449].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي موسى: ((لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود)) [رواه مسلم: 1888].
فقال أبو موسى: "لو علمت أنك تسمع لقراءتي لحبرته لك تحبيرا" [المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم: 2/384].
ف "مزامير آل داود" آل داود: هو داود نفسه، فإن العرب يقولون: آل فلان، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((اللهم صلِّ على آل أبي أوفى)) [رواه البخاري: 1497، ومسلم: 2544] والمقصود بـأبي أوفى نفسه الذي جاء بالصدقة.
"مزامير آل داود" يعني: أن الله أعطى داود صوتاً حسناً، لأن المزمار يطلق في اللغة على الآلة، ويطلق على الصوت الحسن.
ف"مزامير آل داود" يعني صوت داود الحسن.
أوتي أبو موسى نصيباً وجزءًا من جمال صوت داود عليه السلام؛ لأن داود كان إذا قرأ في الزبور أوبت معه الجبال والطير، تقف الطير في السماء تردد معه، والجبال تردد معه، من جمال صوته، وحسن تلاوته، فليس المقصود المزامير هذه الآلات الموسيقية، أو ما شابه ذلك -معاذ الله-.
ما معنى قوله: ((زينوا القرآن بأصواتكم))؟
قيل: معناه تحسين الصوت.
ما معنى: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))؟ [رواه البخاري: 7527].
يعني من لم يتحزن بهويتخشع ويتباكى به ويرفع صوته.
وقيل: يتغنى، يعني يستغني به عن غيره.
أما قضية ما يحس به بعض الناس أو يظنه (((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))؟ أن التغني من الغناء الذي هو الإفراط في التمطيط، والعبث بالمدود، فهذا ليس من المقصود الشرعي بحال.
ولذلك فإن القدر من جمال الصوت الذي يكون الإنسان به قارئاً قراءةً مؤثرة، مطلوب، وإذا زاد ووصل إلى متابعة ألحان أهل الفسق والأغاني، أو كما يفعل الآن كثير من قراء الإذاعات، على هذه النوطة الموسيقية، يقرؤون القرآن على الألحان الموسيقية، ألحان الأغاني، عندهم قواعد معروفة في الموسيقى والألحان، في الطلعات والنزلات، يمشون عليها بالضبط، فهؤلاء إذا استمعت إليهم فلا تشعر بأية خشوع، وإنما تكون مأخوذاً بجمال الصوت، أو أن تكون متقززاً من شدة التكلف.
وبعضهم كان يحضر في حفلة أم كلثوم في الصف الأول، وعليهم العمائم من أجل أن يلتقطوا اللحن؛ لكي يقرؤوا به في الإذاعة، هذا شُغل معروف عند هؤلاء القراء.
ولذلك ذم النبي -صلى الله عليه وسلم- هؤلاء ذماً عظيماً؛  أخبر أنه سيأتي في آخر الزمان قوم يقرؤونه بهذه الصفات بغايةٍ من السوء، ذمهم، وأخبر أنه يأتي أحدهم يُقدم؛ كما جاء في الحديث الصحيح: ((أَخَافُ عَلَيْكُمْ سِتًّا: إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ، وَسَفْكُ الدِّمَاءِ، وَبَيْعُ الْحُكْمِ، -أخذ الرشوة-، وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ، وَنَشْوٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ، وَكَثْرَةُ الشُّرَطِ)) والشرطة أعوان السلطان [رواه الطبراني في الكبير: 14532، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 216].
فإذًا، قوله: ((وَنَشْوٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ)) المقصود بهؤلاء الذين يتكلفون ويتابعون الألحان، ويجعلون القرآن مثل الأغاني، هؤلاء الأشخاص توعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بوعيدٍ عظيم، وأخبر أنه ربما يأتي بعضهم ويقدم في جمع القوم لا لأنه أفقههم، ولا لأنه أعلمهم، وإنما لأجل أن يتغنى لهم.
فإذًا، الغناء، والتطريب والعبث بالمدود، والزيادة في الحركات، أو التأوهات، لا شك أنه أمرٌ مذموم، وصاحبه آثم، ولما سُئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن القراءة بالألحان؟ قال: هي بدعة [لإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل، ص: 149].
وذلك لما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أنه ذكر في أشراط الساعة: "أن يتخذ القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأقرأهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم غناء". [غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب: 1/397] مثل الغناء.
فيجب أن نفرق بين تحسين القراءة، وتجميل الصوت، والخشوع والحزن، وبين أن الإنسان يشابه في قراءته أهل الفسق والأغاني، ويمطط ويتأوه، ويطلع وينزل، هذا مذموم ومحرم.
أما الترجيع الذي ورد في حديث عبد الله بن المغفل قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة يقرأ سورة الفتح، فقرأ ابن المغفل، ورجّع في قراءته" [غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب: 1/397].
وفي لفظٍ قال: "قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح في مسيرٍ له سورة الفتح على راحلته، فرجَّع في قراءته، قال معاوية بن قرة: "لولا أني أخاف أن تجتمع عليّ الناس لحكيتُ لكم قراءته" [رواه مسلم: 1889].
وفي بعض الألفاظ قال: (آآآ) [مسند ابن الجعد، ص: 171] -ثلاث ألفات متوالية-.
فهذا الذي حصل، قيل: إنه كان بسبب الراحلة؛ لأنها إذا مشت تغير صوت القارئ عليها بحسب ما تمشي عليه من الأرض -مثلا- غير الممهدة.
ما حكم أن يقصده؟
قالوا: إذا قصده -الترجيع- بدون أن يخرج بالقرآن إلى مستوى أو إلى هذه الأغاني، أو أن يزيد بالمدود، ويمطط، ويجعل الفتحة ألفاً، والضمة واواً، والكسرة ياء، والياء ياءات، والألف ألفات، فهذا هو التمطيط المذموم المحرم.
أما إذا لم يخرج بالترجيع عن ذلك، فلا بأس به، أي: اختلاف وتيرة الصوت أثناء القراءة، إذا لم يقصد بها ألحان الأغاني ولا زود الحروف والحركات وأخرجها حقيقتها، ومطط، فلا بأس أن يتغير وتيرة الصوت، لا بأس إذا لم يقصد هذه الأشياء، أو موافقة ألحان الأغاني.
تجويد القرآن:
ومن آداب التلاوة: التجويد:
والتجويد عرَّفه العلماء بأنه: إقامة الحروف، ومعرفة الوقوف.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما وصفت قراءته جاء في الحديث عن أم سلمة: أنها تنعت قراءته مفسرةً حرفاً حرفاً.
فالقراءة الصحيحة ما فيها أكل للحروف، ولا تغيير حرف بحرف، فتصبح الضاد دال إذا رققتها، أو تصبح السين صاد إذا فخمتها، أو تصبح التاء طاء إذا فخمتها، أو الطاء تاء إذا رققتها، فإذا صار الإنسان يغير صفات الحروف تغيرت الكلمة بالكلية.
كلمة فيها طاء، لو تغيرت إلى تاء، اختلفت، سين صارت صاد اختلفت.
ولذلك لا بد من معرفة صفات الحروف والإتيان بها، والتمرين على يد متقن، حتى يقرأ القرآن، ويصل إلى قراءة القرآن كما أنزل.
والغاية من علم التجويد، هي: إتقان قراءة القرآن بالنطق بحروفه.
وهذه القراءة سنة متبعة، يأخذها الآخر عن الأول، ولذلك تجد القراء لهم أسانيد يأخذ عن شيخه عن شيخ شيخه... إلى أن يصل إلى صاحب القراءة، إلى زر بن حبيش، عبد الله بن مسعود، أو إلى نافع المدني، أو نحو ذلك، من أصحاب القراءات السبع -مثلاً-.
وفرقٌ بين التجويد الذي فيه إخراج الحروف بالطريقة الصحيحة، ومعرفة الوقوف، الإتيان بالإدغام والإظهار والإقلاب والإخفاء، والهمس والروم والإشمام، ونحو ذلك مما فيه تبيين المعنى، وليس المقصود أن يأتي بقراءةٍ فيها تنفير إذا استمع إليه الشخص وجد التكلف بعينه، كما قال السخاوي في نونيته:
لاَ تَحْسَبِ التَّجْوِيدَ مَداًّ مُفْرِطاً *** أَوْ مَدَّ مَا لاَ مَدَّ فِيهِ لِوَانِ
أَوْ أَنْ تُشَدِّدَ بَعْدَ مَدٍّ هَمْزَةً  *** أَوْ أَنْ تَلُوكَ الْحَرْفَ كَالسَّكْرَانِ
أَوْ أَنْ تَفُوهَ بِهَمْزَةٍ مُتَهَوِّعاً  *** فَيَفِرَّ سَامِعُهَا مِنَ الْغَثَيَانِ
لِلْحَرْفِ مِيزَانٌ فَلاَ تَكُ طَاغِياً  *** فِيه وَلاَ تَكُ مُخْسِرَ الْمِيزَانِ
[المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز، ص: 213].
فإذًا، الذين يتكلفون ويتشددون، حتى إذا نظرت الوحد منهم عندما يتكلم، وكيف يفتح فمه، إلخ.. ثم يغلقه، لرأيت الحركات العجيبة، فهذا ليس من الإتقان والتجويد، وإنما هو تكلف وغلو، وقد نهينا عن الغلو.
والتجويد ينبغي الاعتناء به، حتى يخرج إلى القرآن منه جميلاً في أدائه إياه.
وينبغي أن ينتبه بالذات من قضية اللحن الجلي الذي يغير المعنى، مثل تغير الحركات، أو تغير الحروف، لو قال: "صراط الذين أنعمتُ عليهم"، بدلاً من {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] صار المنعم هو المتكلم، بينما المنعم هو الله.
عدم قطع تلاوة القرآن من أجل الحديث مع الناس:
وكذلك من آداب التلاوة: أنه لا يقطعه لكلام الناس، بل إذا أراد أن يكلم أحداً يُنهي الآية، أو ينهي السورة، ثم يكلم.
نعم، قد يحتاج إلى كلامٍ للحاجة، فعلى الأقل ينهي الآية، فلا يرد على أحد أو يتكلم وهو في وسط الآية، أثناء الآية، بل ينتظر حتى يكمل الآية، فإذا تكلم مع واحد بكلام الدنيا، رجع فاستعاذ وشرع في القراءة مرةً أخرى، قال الحليمي: "لأن كلام الله لا ينبغي أن يؤثر عليه كلام غيره" [الإتقان: 289/289].
وأيده البيهقي بما في الصحيح: "كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا قرأ القرآن لم يتكلم، حتى يفرغ منه". [البخاري: 4526].
وكذلك لا يضحك أثناء قراءته ولا يعبث، ولا ينظر إلى ما يُلهي.
وكذلك ينبغي أن يُعلم: أن قراءة القرآن بالأعجمية لا تجوز، وليس بقرآنٍ أصلاً، وما في شيء اسمه ترجمة للقرآن؛ فالقرآن لا يمكن ترجمته أبدًا إلى أي لغة غير اللغة العربية.
من حدثك أن الكتاب ترجمة للقرآن، فكذبه ولا تصدقه؛ ما في شيء اسمه ترجمة للقرآن، في ترجمة لمعاني القرآن، يترجم المعنى، لكن ما يستطيع أحد أن يترجم ذات القرآن، ولا يستطيع أن يترجم ذات الآيات والسور، وإنما يترجم معانيها، يعني يترجم التفسير، كأنه فسره بالعربي، ثم نقله إلى لغةٍ أخرى، نقل المعنى، أما الآيات ما يمكن نقلها أصلاً إلى لغة أخرى مطلقاً، ما في لغة تستوعب معاني القرآن كاللغة العربية، فلا يمكن أن يُؤتى بالقرآن أبدا بلغةٍ أخرى.
فإذًا، الترجمة للمعاني، وليست لذات القرآن.
عدم تلاوة القرآن بالقراءات الشاذة:
ومن آداب التلاوة كذلك: ألا يقرأ الإنسان بالقراءات الشاذة، فإن هناك قراءات شاذة فيها زيادة أو نقصان.
ومعروف شروط القراءة الصحيحة معروفة:
أولاً: أن تكون نقلت بطريق التواتر.
ثانيًا: أن تكون موافقة لرسم المصحف العثماني.
ثالثًا: أن تكون مطابقة لوجهٍ من وجوه اللغة الصحيحة.
إذًا، القراءات الشاذة لا يُقرأ بها، إنما يقرأ إلا بالقراءة الصحيحة الثابتة.
ونأتي الآن إلى مسألة: ذكرنا نحن الحفظ، وتعاهد الحفظ؛ لأنه من الأمور المهمة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((استذكروا القرآن، فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها)) [رواه مسلم: 1877].
الإبل إذا ربطت، فإنها دائماً ما تحاول الشرود والهروب والتمرد، ولذلك ينبغي تعاهد القرآن؛ لأنه أشد هرباً من صدور الحفاظ من الإبل.
عدم الجدال في القرآن بالباطل:
من آداب التلاوة: عدم الجدال في القرآن بالباطل، ولذلك قال: ((اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه)) [رواه البخاري: 7365، ومسلم: 6948].
لأن البقاء يؤدي إلى التنازع، والعبث بآيات الله.
وقال صلى الله عليه وسلم: ((أما إنه لم تهلك الأمم قبلكم حتى وقعوا في مثل هذا، يضربون القرآن بعضه ببعض)) [رواه الطبراني في الكبير: ، وصححه الألباني في صحيح الجامع: : 1322].
كما جاء رجل من الخوارج إلى ابن عباس، قال: مرة يقول: لا ينطقون، ومرة يقول له: يتكلمون. كيف؟ فبين له ابن عباس: أن يوم القيامة طويل، وهو خمسون ألف سنة، في مراحل، مرحلة يتكلمون ومرحلة يُختم على أفواههم فلا ينطقون، فما في تعارض في القرآن.
ما هي مشكلة صبيغ بن عسل مع عمر بن الخطاب؟
يتتبع المشتبهات في القرآن، والأشياء التي ظاهرها في ذهنه هو التعارض، ويثير الشبهات، فضربه عمر بعراجين النخل التي أعدها له حتى سالت دماؤه على جسده، وقال: كفى يا أمير المؤمنين ذهب الذي في رأسي! [انظر: الشريعة، للآجري: 1/166].
ولذلك ما في بدع في عهد عمر، ما في ولا بدعة ظهرت في عهد عمر؛ لأنه كان شديداً على أهل البدع، ونفاه، وأمر الناس بعدم تكلميه، حتى صارت نفسه في حالة مزرية جداً، حتى كتب الوالي استرحام لعمر بشأن هذا الرجل؛ لأنه تاب، وما عاد يعيد، ولم يتكلم بشيء، ولا أثار شبهة، والناس نبذوه، وحالته النفسية سيئة جدًا.
فإذا، الجدال بالباطل في القرآن، حذَّر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال في الحديث الصحيح: ((الجدال في القرآن كفرٌ)) [رواه الحاكم في المستدرك: 2883، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 3106].
وقال: ((المراء في القرآن كفرٌ)) [رواه أبو داود: 4605، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 6687].
ونهى عن الجدال في القرآن، وقال: ((لا تجادلوا في القرآن، فإن جدالا في القرآن كفرٌ)) [رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: 2400، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 7223].
فلا ينبغي أن تُجعل آيات الله قضية للجدل.
أنواع هجر القرآن:
وليحذر قارئ القرآن من هجره، والهجر أنواع؛ كما ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- أنواع الهجر:
أولاً: هجر سماعه.
ثانياً: هجر العمل به.
ثالثاً: هجر تحكيمه، والتحاكم إليه.
رابعاً: هجر تدبره وتفهمه.
خامساً: هجر الاستشفاء والتداوي به [انظر: الفوائد، ص: 82].
فهذه أنواع الهجر: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} [الفرقان:30].
أحكام سجود التلاوة:
أحكام سجود التلاوة، قال المؤلف: "ويجلس ويسلم ولا يتشهد" يجلس وجوباً، لكنه جلوس لا ذكر فيه -بعد الرفع من سجدة التلاوة- إلا شيئاً واحداً هو السلام مرةً عن يمينه، ولهذا قال: "يسلم ولا يتشهد" فصار السجود فيه تكبيرٌ قبله، وتكبيرٌ بعده، وجلوسٌ وتسليم، وليس فيه تشهد؛ لأن التشهد إنما ورد في الصلاة، ولكن السنة تدل على أنه ليس فيه تكبيرٌ عند الرفع ولا سلام، إلا إذا كان في صلاة -يعني هذا كلام موجود في كتب الفقه- قضية التكبير عند الرفع والسلام، لكن ما ورد في السنة الرفع، تكبيرٌ عند الرفع، وما ورد السلام، إلا إذا كان في صلاة، فإنه يجب أن يكبر إذا سجد ويكبر إذا رفع، لأنه إذا كان في صلاة ثبت لها أحكام الصلاة قولاً واحداً.
وذكرنا حديثاً: كان يكبر عند كل خفضٍ ورفع" [رواه البخاري: 787، والترمذي: 253، والنسائي: 1083].
وفي الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام، تيسير الفقه، الجامع للاختيارات الفقيهة لشيخ الإسلام: من مجموع ما سبق يظهر أن ما قاله شيخ الإسلام رحمه الله من أنه لا تحريم لسجود التلاوة -أي: لا يوجد لها تكبيرة إحرام- "ولا سلام" وهو مذهب الحنفية والمالكية، غير أن ابن تيمية يرى أنه يكبر لسجود التلاوة تكبيرة واحدة فقط.
واختار شيخ الإسلام: أنه يجوز سجود التلاوة بغير طهارة. [انظر: الاختيارات الفقهية، ص: 424].
لكن يقيد الجواز بوجود العذر الداعي إليه، وهو ظاهر قوله، لكن هي بشروطٍ أفضل -أي: سجدة التلاوة- ولا ينبغي أن يُخل بها إلا لعذر، وعلى هذا فاختياره لعدم الوضوء لسجود التلاوة ليس على إطلاقه.
وجاء في حديث عكرمة عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس" [رواه البخاري: 1071].
والحديث ترجم له البخاري: "باب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء. وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يسجد على غير وضوء [صحيح البخاري: 2/51].
وقال ابن حجر في الجمع بين رواية: أنه سجد على طهارة، وبين ما فعله، بأنه أراد بقوله: "طاهر" أي: الطهارة الكبرى، والثاني: أنه سجد على غير طهارة في حال الضرورة [انظر: فتح الباري: 2/554].
أما في حال الاختيار فإنه يتوضأ.
فإذًا، قول جمهور العلماء: أنه يتوضأ لسجود التلاوة.
ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى عدم وجوب الوضوء عند العذر، أنه سمعَ فسجد، سمع السجدة وكان غير متوضئ، فسجد.
إذا، ما ورد في السنة في غير الصلاة، التكبيرة الثانية والتسليم، وإنما ورد أنه يكبر للسجود ويرفع فقط، وفي الصلاة يكبر عند السجود، ويرفع فقط.
خارج الصلاة يكبر عند السجود ويرفع فقط، وداخل الصلاة يكبر عند السجود، ويكبر عند الرفع منه.
هناك أشياء تتعلق بالمصحف، لا علاقة لها بالتلاوة، مثل احترام المصحف، وأن لا يضع فوقه أشياء، ولا يتوسده، ولا ينام عليه، ولا يُسافر به إلى أرض العدو.
عدم استعمال القرآن في غير ما أنزل من أجله:
ومما يمكن أن يقال أيضاً في موضوع آداب التلاوة: عدم استعمال القرآن في غير ما أنزل فيه، كالذين يقول إذا أراد الطعام: {آتِنَا غَدَاءنَا} [الكهف: 62]، ونحو ذلك، فهذا إذا قصد، فهذا فهي بدعة، أو أنه لا يتكلم إلا بالقرآن، فهذا بدعة، قال في المغني: "لا يجوز أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام" [المغني: 6/240] يعني كلما أراد أن يتكلم بكلمة أتى بشيء من القرآن.
تضمين القرآن في الكلام والشعر:
من المسائل أيضًا: جواز تضمينه في الكلام والشعر إذا قصدَ مصلحةً شرعية، فلو قال واحد: ما حكم أن تجعل آية شطر بيت؟ أو أن يجعلها في خطبة؟ يضمنها ويستشهد؟
يعني لو واحد تكلم -لنفترض- عن التبرج والسفور، ونحو ذلك، وذكر مفاسده، ثم ذكر كثرة الواقعين فيه، وذكر قلة الغيرة، وذكر الآيات، ثم قال: {فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً} [النساء: 78].
هذا الاقتباس من القرآن، فإذا ما جاء على سبيل العبث، لا بأس به.
كما لو قال بعضهم: وهناك فتنٌ كثيرة، وعمت المسلمين، ويحاول كثيرٌ منهم الخروج منها، ولكن {مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} [إبراهيم: 21] فهذه جزء من آية، فإذا كان مقصده شرعيًا، فلا بأس بذلك.
مسائل متفرقة متعلقة بتلاوة القرآن:
وبالنسبة لقراءة القرآن للماشي والراكب والمضطجع والسائر في الطريق، فلا بأس بذلك.
والقراءة في الحمّام لا تجوز، الذي فيه مكان قضاء الحاجة، ومكان الاغتسال الحمامات القديمة، قال بعض العلماء: "وتكره القراءة في الحمام؛ لأنه مكان تكشف فيه العورات" هنا في الحمامات القديمة التي هي معدة للاغتسال.
أما القراءة في السوق، ففيها تفصيل، فإن كان يقصد تنبيههم برفع صوته بذلك ووعظهم، فلا بأس. وذكر ابن عقيل في كتاب: "الفنون" حواراً في الموضوع، قال في آخره: ولعل أهل السوق يسمعون النهي عن مراباةٍ أو معصية، فيتركونها، أما إذا قرأه في السوق للتسول -مثلاً- أو لغرض آخر غير شرعي، فإنه لا يجوز [انظر: الآداب الشرعية: 2/401].
وبالنسبة لحديث: "الحال المرتحل" الذي أخرجه الترمذي فهو حديثٌ ضعيف [انظر الحديث في الترمذي: 2948، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1834].
والمقصود به: أن القارئ إذا انتهى من ختمة شرع في الختمة التي بعدها مباشرةً، حتى يعطيه حماساً لإكمال الختمة، لو ختم وانتهى وما أكمل، ربما يقول: الحمد لله أنا ختمت، فلا يُشرع في الختمة الجديدة إلا بعد فترة، فتفتر همته، فلذلك قالوا: إذا انتهى من ختمة يشرع في الختمة التي بعدها مباشرة ولو كانت آيات قليلة من سورة البقرة، فما حكم ذلك؟
حديث: "الحال المرتحل" حديثٌ غير صحيح، لم يثبت، قال الترمذي: "حديثٌ غريب"، ثم رواه عن زرارة مرسلًا، ثم قال: "هذا عندي أصح" فالحديث ضعيف [انظر الحديث في الترمذي: 2948، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة: 1834].
إذا اعتقد الإنسان أنه سنة أنه إذا ختم أن يشرع في الختمة الثانية ويقرأ الفاتحة وخمس آيات من البقرة على ما عينه بعضهم، فهذه تصبح بدعة، وهذا رأي الإمام أحمد -رحمه الله-؛ لأنه ما نص.
لكن لو أنه شرع في ختمة جديدة من باب أن يحفز نفسه على المواصلة في القراءة، فلا بأس بذلك، إذا ما اعتقد أنه سنة، ولا يعين آيات معينة، مثلاً يدخل في الختمة الجديدة بآيتين، بثلاث، بعشر، بعشرين، لا يعين شيئاً معيناً بالدخول في الختمة الجديدة.
وبالنسبة لاجتماع بعض الناس للقراءة في بعض المساجد في بعض البلدان يختمون، كل واحد يمسك جزء، أو بطريقة الإدارة، هذا يقرأ، وهذا يقرأ، وهذا يقرأ، فينهون سورة، واليوم الذي بعده، وهكذا.. إلى أن يختموا المصحف؛ فهذه طريقة الإدارة فيها خلاف بين العلماء ذكرناه، وبعضهم أجازها، وبعضهم قال: هي بدعة، وبعضهم قال: مكروهة.
وقد ذكرنا في الدرس الماضي أنه: إذا كانت للتعليم، أو للتحفيظ، فلا بأس، لكن الذي ورد عن الصحابة أنهم كانوا إذا اجتمعوا أمروا واحداً أن يقرأ، واستمع الباقون.
وبالنسبة إذا كان في الصيف استحب بعض أهل العلم أن يختم في النهار، وإذا كان في الشتاء أن يختم في الليل، لماذا؟
حتى يبتدأ بالختمة الجديدة؛ لأنه إذا انتهى في الليل، فمثلاً: أنهاها بعد المغرب، والليل طويل، في السحر يقول: أشرع، يتحمس أن يشرع في الختمة الجديدة،  في الصيف إذا ختمه في النهار، والنهار طويل، يقول: ليس معقولاً أن أجلس كل النهار هذا ما أقرأ شيء، فيشرع في الختمة الجديدة.
ولكن هذا -طبعًا- بدون دليل استحباب من أهل العلم، لأجل التحميس، أو  التشجيع أن يبدأ بختمة جديدة.
حكم افتتاح الحفلات بقراءة آيات من القرآن:
بالنسبة لموضوع افتتاح الحفلات بقراءة القرآن، وهو أمرٌ مشهورٌ، متعارف عليه، وشائع، فلا شك أنه ليس من طريقة السلف أنهم إذا اجتمعوا لأمور مهمة، كإنفاذ جيش، أو اختيار خليفة، ونحو ذلك، أمروا واحداً أن يقرأ القرآن في بداية الاجتماع، فلا شك أن قضية افتتاح الحفلات في القرآن ليست من طريقة السلف، لكن إن فُعلت أحياناً دون المواظبة عليه، من باب تذكير الحاضرين -مثلاً- دون المواظبة عليها، وليس كل حفلة نفتتحها بالقرآن، فلا بأس بذلك.
وكذلك إذا كان المجتمع ليس من المجتمعات التي فيها خلط اللهو بالجد، والحق بالباطل، فيكون القرآن كنوع من التلبيس والتغطية، لما يدور بعد ذلك من منكرات.
هذا ما تيسر جمعه في موضوع آداب التلاوة.
وفي الدرس القادم -إن شاء الله- نبدأ في آداب المشي.