الجمعة 7 ربيع الآخر 1440 هـ :: 14 ديسمبر 2018 م
مناشط الشيخ
  • يتم بث جميع البرامج عبر قناة زاد واليوتيوب والفيس بوك وتويتر وبرنامج مكسلر
  • برنامج (مجالس الأحكام)، يبث مباشرة كل ثلاثاء الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج (قيمنا) التلفزيون، يبث مباشرة كل أربعاء الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة
  • برنامج ( بصائر ) التلفزيوني، يبث مباشرة كل جمعة الساعة 9:30 مساءً بتوقيت مكة المكرمة

العدل


عناصر المادة
معنى العدل:
أمر الله تعالى بالعدل:
فضل العدل:
عدل الإنسان مع ربِّه، ومع بني جنسه:
العدل في القضاء:
جواز انتقام المظلوم من الظَّالم ولو بالدُّعاء عليه:
العدل مطلب النَّاس وهو بشارةٌ لهم في الدُّنيا قبل الآخرة:
العدل بين الزَّوجات:
العدل بين الأولاد:
العدل في تطبيق الأحكام الشَّرعية على الجميع:
العدل في البيع، والعدل في اللباس:
العدل في اتِّخاذ المواقف من الأشخاص:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
معنى العدل:
00:00:06
 فإنَّ الأخلاق أيُّها الإخوة أمرٌ من الأهمية بمكان، كما ذكرنا في الدَّرس الماضي في تعريف الأخلاق وأهميتها، وفضل صاحب الخلق، ونريد أن نفتتح إن شاء الله سلسلة الأخلاق بذكر خلقٍ عظيمٍ جدَّاً، يكاد يكون أساس الأخلاق، وللأخلاق تعلُّقٌ كبيرٌ به، ألا وهو: خُلقُ العدل، أمَّا العدل: فإنَّ العلماء رحمهم الله تعالى قد ذكروا في تعريف العدل: أنَّه ضدُّ الجور، وأنَّه الاعتدال والاستقامة والميل إلى الحقِّ، وأنَّه شرعاً: الاستقامة على طريق الحقِّ، والعدل: كلمةٌ يُراد بها التَّوسُّط في الأمور بين الإفراط والتَّفريط، فالجافي والغالي كلاهما قد جانب العدل، والعدل كذلك: هو المساواة بين التَّصرُّف وبين ما يقتضيه الحقُّ دون زيادةٍ ولا نقصانٍ، ومن أجل ذلك كان الميزان رمزاً لإقامة العدل، والعدل في اصطلاح الفقهاء له اعتبارٌ آخر: وهو استواء أحوال العدل في دينه واعتداله في أقواله وأفعاله، والعدل عند المحدِّثين: يُقال: شخصٌ عدلٌ وهو مَنْ غلبت حسناته سيئاته، وكان مرضياً في سيرته محموداً في أفعاله غير معروفٍ بما يقدح العدالة.
أمر الله تعالى بالعدل:
00:02:40
 والله قد ذكر هذا الخلق في القرآن الكريم في عدَّة آياتٍ، فمن ذلك: أنَّه آمراً به: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ [النحل:90]. وأمر رسوله ﷺ أن يعدل حتى بين الكفَّار، فقال تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [الشورى:15]. النَّبيُّ ﷺ يوضِّح أنَّه مأمورٌ من الله أن يعدل بين الكفَّار، ولذلك لما كان بين بني النَّضير وبني قريظة بعض الجور، بحيث إذا قتل واحدٌ منهم شخصاً من القبيلة الأخرى أعطوه نصف الدِّية، وإذا حصل العكس من القبيلة الأخرى قتل واحدًا من القبيلة الثَّانية أعطوه الدِّية كاملةً، فحكم النَّبيُّ ﷺ بينهم بالعدل، فساوى بينهم في الدِّية مع أنَّهم كفَّار وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ  والله قد أثنى  على طائفةٍ من خلقه، قال تعالى: وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الأعراف:181]. وذكر ابن كثيرٍ رحمه الله: أنَّ المراد بهذه الأمَّة هي أُمَّة محمدٍﷺ[تفسير ابن كثير3/516]. ولذلك تكون هذه الأمة هي الشَّاهدة على جميع الأمم يوم القيامة، فإذا أنكر قومُ نوحٍ أنَّ نوحاً أُرسل إليهم فإنَّ نوحاً يأتي بشهودٍ عدولٍ، وهم هذه الأمة يشهدون له أنَّه أُرسل إلى قومه، وكذلك فإنَّ الله قد أمر بالقسط وهو العدل في الأقوال والأفعال، وحتى مع الأعداء والخصوم والعدوِّ والصَّديق والقريب -قرابة النَّسب والرَّحم- والبعيد، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة:8]. قال ابن كثير رحمه الله: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ  أي: قوَّامين بالحقِّ لله عزَّ وجلَّ لا لأجل النَّاس والسُّمعة، وكونوا شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ  أي: بالعدل لا بالجور"[ تفسير ابن كثير3/ 62].  وقوله سبحانه: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا  الشنآن: البُغض الشَّديد، وهذه الكلمة تُعطي معنى الشَّيء المضطرب المتحرِّك في النَّفس، فهو ليس بُغضاً ساكناً، وإنَّما بُغضٌ قويٌّ متحرِّكٌ يتفاعل مع النَّاس يعمل في الصَّدر، ولا يجرمنك شنآن: بُغضٌ  وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  قال ابن كثير رحمه الله: "لا يحملنَّكم بغضُ قومٍ على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في  كُلِّ أحدٍ، صديقاً كان أو عدواً، ولهذا قال:  اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى  وأقرب: على أفعل التَّفضيل، فهل معنى ذلك أنَّ العمل بالعدل أقرب إلى التَّقوى من ترك العدل؟ يعني: أن كلاهما قريبٌ لكن العمل بالعدل أقرب؟ لا، بالتأكيد؛ لأنَّ ترك العدل ليس قريباً من التَّقوى على الإطلاق، فكيف يكون معنى الآية إذاً؟ اعدلوا هو أقرب للتَّقوى: كما قال العلماء: من باب استعمال أفعل التَّفضيل في المحلِّ الذي ليس في الجانب منه شيءٌ، فأفعل التَّفضيل تستعمل للتَّرجيح بين جانبين، لكن هنا استعملت لترجيح جانب العدل، الجانب الآخر ليس فيه شيءٌ على الإطلاق، من ذلك لا تقوى أبدا في الظُّلم وترك العدل، فالعدل هو أقرب للتَّقوى، ولهذا شواهد، مثل قوله تعالى: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا [الفرقان:24]. فهل يعني  ذلك: أنَّ أصحاب النَّار لهم مقيلٌ حسنٌ لكن أصحاب الجنَّة مقيلهم أحسن؟ لا، الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلاً، وكذلك قول بعض أمهات المؤمنين لعمر رضي الله عنه: أنت أفظُّ وأغلظُ من رسول الله ﷺ، ليس معنى هذا أنَّ الرَّسول ﷺ عنده فظاظةٌ وغلاظةٌ لكن أنت يا عمر أفظُّ منه؟ لا، وإنَّما هو من باب استعمال أفعل التَّفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيءٌ،  وكذلك قال الله : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ  معناها: أنَّ العدل مرتبطٌ بالتَّقوى ارتباطاً قوياً، وأنَّ الذي لا يتقي لا يعدل، وأن الذي يتقي هو الذي يعدل، ويقول الله عزَّ وجلَّ في آيةٍ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ [المائدة:8]. وفي آية يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135]. فهو يريد أن يذكر بالقوامة والشَّهادة: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ  ومرَّةً قال: كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ  يريد أن يبيِّن أنَّ كلاً من القوامة والشَّهادة يجب أن يكون بالعدل ويجب أن يكون لله، فإذا قمت في أيِّ قولٍ أو فعلٍ وإذا شهدت فإنَّك إذا قمت وإذا تولَّيت منصباً أو مسئوليةً، أو إذا أردت أن تشهد في شيءٍ فتذكَّر في هذين المقامين دائماً العدلَ، وأن يكون ابتغاء وجه الله، فهذان الأمران إذا تحقَّقا فإنَّ الإنسان يكون قد فاز فوزاً عظيماً، فأمر الله المؤمنين بالعدل، وأن يكون ذلك خلقاً من أخلاقهم؛ لأنَّ قوله: كُونُوا قَوَّامِينَ  القَوم العامل بالشَّيء، معناه: أنَّ هذا الأمر متمكِّنٌ منه ما يصبح قواماً بالشَّيء إلَّا إذا صار متمكِّناً من هذا، فيقال: هذا قائمٌ أو قوَّام بالعدل، معناه: أنَّه ليس أنَّه يعدل مرَّةً أو مرَّتين، فالعدل متمكِّن منه، فالعدل عنده مستمِّرٌ في أفعاله وفي أقواله كُلَّما اقتضى الحقُّ شيئاً يعمل بالعدل حتى يكون العدل سجيَّةً من سجاياه، هذا الذي أمر الله به المؤمنين، ومن الأشياء التي أمر الله فيها بالعدل: العدل بين الطَّائفتين المتحاربتين: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9].
فضل العدل:
00:12:56
 فإذاً: العدل له مجالاتٌ، والكلام في الأخلاق أيُّها الإخوة: لابُدَّ أن يتطرَّق إلى المجالات والثَّمرات في كُلِّ خُلقٍ، فالمجالات والثَّمرات من مزية العدل أنَّ الجور الذي هو ضدُّ العدل لا يتسبَّب إلَّا به، فلو أنَّ لصوصاً تشارطوا فيما بينهم شرطاً فلم يراعوا العدالة فيه لم ينتظم أمرهم، يعني: لا يفلحوا في السَّرقة إذا لم يكن بينهم عدل، وكذلك من فضل العدل: أنَّ كُلَّ نفسٍ تتلذَّذ بسماعه وتتألم من ضدِّ ذلك، فلو سمعت خبراً عن فلان عدل معه فأنت تُسرُّ وترتاح وتنفرج أساريرك، وإذا سمعت عن ظلمٍ حدث على شخصٍ تلقائياً فإنَّك تشمئزُّ وتنفر وتكره وتُصاب بالوجوم لما حدث، فالعدل من أهميته ومن آثاره: أنَّ الإنسان يرتاح العادل والمعدول فيه أو معه ومن يسمع الخبر، ومن الأشياء التي تبيِّن العدل: أنَّه يسبِّب الأمن النَّفسي للشَّخص الذي يقوم به، يعدل عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما جاء المرزبان -رئيس المجوس- رآه متبذلاً لا حارس له نائماً في المسجد، فماذا قال؟ قال: عدلت فأمنت فنمت يا عمر[أدب الدنيا والدين1/170]. فالعدل يسببُّ الأمان؛ لأنَّ الشَّخص يرتاح ولا يخشى شيئاً، فكُلُّ واحدٍ يخشى على نفسه من أيِّ شيءٍ، يخشى من الظُّلم سواءً الذي هو ظلمه أو من ظلم ظالمٍ، فلو أنَّه لا يُوجد ظلمٌ سواءً منه أو من غيره؛ سيرتاح من أيِّ شيءٍ يخاف، ولذلك إقامة العدل يسبِّب الأمن، وفقدان العدل يسبِّب الخوف، فلما عدل عمرٌ رضي الله عنه في رعيته لم يعد يخشى أحداً، وحتى تأنيب الضَّمير لا يُوجد، والإنسان يقلق من أمرين: ضميرٌ يؤنِّبه ونفسٌ مضطربة، ويقلق أيضاً من أشخاصٍ ينتقمون منه، فإذا عدل فإنَّه يكون مرتاحاً غاية الرَّاحة، فلمَّا عدل عمر رضي الله عنه  في رعيته اطمأن فلم يعد يحتاج إلى شيءٍ، قال حافظ إبراهيم:
وراع صاحب كسرى أن رأى عمراً *** بين الرَّعية عطلاً وهو راعيها
وعهده بملوك الفرس أنَّ لها *** سوراً من الجند والأحراس يحمها
رآه مستغرقاً في نومه فرأى *** فيه الجلالة في أسمى معانيها
فوق الثَّرى تحت ظلِّ الدَّوح مشتملاً *** ببردةٍ كادت طول العهد يبليها
فهان في عينه ما كان يكبره *** من الأكاسر والدُّنيا بأيديها
احتقر هذا الفارسي كُلَّ ما عند الفرس لما رأى منظر عمر، فهان في عينه ما كان يكبره من الأكاسر والدُّنيا بأيديها:
وقال قولة حقٍّ أصبحت مثلاً *** وأصبح الجيل بعد الجيل يحكيها
أمِنتَ لما أقمت العدل بينهمُ *** فنمتَ نوماً قرير العين هانيها
ومن ثمرات العدل: أنَّه يُنجي يوم القيامة كما جاء في الحديث الحسن: أنَّ النَّبيَّ ﷺ  قال:  ثلاث منجيات وثلاث مهلكات، فأمَّا المنجيات: فالعدل في حالة الغضب والرِّضا، وخشية الله تعالى في السِّرِّ والعلانية،  والقصد في الغنى والفقر [رواه البيهقي6865، وقال اللألباني: "حسن لشواهده" مشكاة المصابيح5122]. فإذاً: العدل ينجو به صاحبه يوم الدِّين، والعدل الذي ينجو به صاحبه يوم الدِّين: الذي يكون في جميع الحالات سواءً غضِبَ الإنسان أو رضي؛ لأنَّ عدداً من النَّاس قد يعدلون في الأحوال العادية في حال الرِّضا، لكن في حال الغضب لا يعدلون، وبعض النَّاس إذا رضي عن فلانٍ جارَ لأجله فلا يعدل، فإذا كان الإنسان عادلاً في حال الرِّضا وفي حال الغضب استقامت أموره فيمن معه.
عدل الإنسان مع ربِّه، ومع بني جنسه:
00:18:53
 والعدل يمكن أن يكون له جوانب، منها: عدل الإنسان مع ربِّه، وعدل الإنسان مع  غيره، وعدل الإنسان مع نفسه،  فأمَّا عدل الإنسان مع ربِّه فهو أن يعبده ولا  يشرك به شيئاً، وهذا أعظم العدل، ومن صَرفَ شيئاً من العبادة لغير الله فقد ظلم، وهو أشدُّ الظُّلم؛ لأنَّه يكون قد وقع في الشِّرك، وقد قال الله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]. ولأجل هذا كان الشِّرك ظُلماً عظيماً؛ لأنَّه جورٌ منافٍ للعدل؛ لأنَّ العدل: وضع الشِّيء في موضعه، وهذا صَرفَ العبادة لغير الله الذي هو المستحقُّ لها، أمَّا العدل مع النفس: فهو أنَّ الإنسان يحمل نفسه على ما فيه صلاحها، ويكفُّها عن القبائح، وعدل الإنسان مع غيره: أن يكون بارزاً عندما يصبح للشَّخص سلطانٌ ومسئوليةٌ، متى يكون الشَّخص مطالباً بالعدل أكثر؟ عندما يكون له سلطانٌ ومسئوليةٌ، لماذا؟ أولاً: لأنَّ الشَّخص إذا صار عنده سلطانٌ وقوةٌ صار الجور أسهل؛ لأنَّ عنده سلطانٌ وقوةٌ ونفوذٌ، والنُّفوذ والسُّلطان يدعو إلى الظُّلم وإلى البغي، فكُلَّما كبر سلطانُ الشَّخص كان ذلك أدعى للظُّلم بالنُّسبة إليه، وكذلك فإنَّ اتساع المسئولية يجعل الظُّلم  أشمل، فإذا كنت متولِّياً على اثنين وظلمت فظلمك في حدود الاثنين، وإذا كنت متولِّياً على عشرة وظلمتهم فظلمُك عمَّ العشرة، فكيف لو كنت مسئولاً عن عن ملايين؟ ولذلك قال ﷺ: سبعةٌ يظلِّهم الله في ظلِّه يوم لا ظل إلَّا ظلُّه: إمامٌ عادلٌ [رواه البخاري629]. وكذلك أخبر أنَّ دعاء الإمام العادل مستجابٌ، فأصعب الأشياء أن يتولَّى الإنسان الإمامة ويعدل، أولاً: لأنَّه يكون أقوى شخصٍ نفوذاً وسلطةً، وثانياً: أنَّ المسئولية عظيمةٌ؛ لأنَّه لن يكون مسئولاً عن عشرة ولا عشرين بل عن ملايين، ولذلك عمر رضي الله عنه كان غايةً في الحرص على ألَّا يظلم أحداً، ولو أردنا أن نستعرض بعض النَّماذج من سيرة عمر رضي الله تعالى عنه لمَّا قال: "والله لو عُثرت بغلةٌ في العراق لوجدتني مسئولاً عنها" قيل: لماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: "لأنّنا مكلَّف بإصلاح الطَّريق" فالشَّيء الذي يجعل الإنسان يعدل: تقوى الله ، فلمَّا تكون مسئوليةً عظيمةً يجب أن يُراعي العدل أكثر، وقد يحدث الواقع أن يتولَّى الشَّخص عدَّة مسئوليات، فمثلاً: مسئولية القضاء، والتَّدريس، والعالِم مع طلبة العلم، والمربي مع من يربِّيهم، فكُلُّ هذه مسئولياتٌ، إذاً: يجب عليه أن يعدل غاية العدل فيمن معه، فإذا ولَّى الإنسانَ غيرُه قالوا: ولِّيناك علينا أميراً للسَّفر، أو أمَّرناك علينا؛ فيجب أن يعدل بينهم، فهذا يقود السِّيارة ويرتاح ثُمَّ يقوم الآخر يخلفه، وهذا مرَّةً يصنع الطَّعام، فكُلُّ مَن يجيد في أيِّ جانبٍ فيعمل فيه، فلا يُلقي التَّبعات أو المهمَّات أو الأثقال على شخصٍ واحدٍ والبقية لا يعملون، أو هذا يحبُّه فيجعله مرتاحاً وهذا يكرهه أو ليس بينه وبينه تلك العلاقة فيجعل عليه الأثقال والأحمال، فبعض النَّاس إذا تولَّوا مسئولياتٍ لا يعدلون بسبب العاطفة أو الكره، يعني: ما هو الحامل من أخطاء المربين في عدم العدل؟ أنَّها ناتجةٌ لو تأملت في عدم العدل، وناتجة من حبٍّ أو بغضٍ، فلمَّا أحبَّ فلاناً أكثر مال إليه وأعطاه ميزات وأشياء على حساب الآخرين، ولما أبغض فلاناً جار وقسا وأثقل عليه، فلذلك لا بُدَّ أن يتفطَّن الإنسان لنفسه لما قال الله : وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا  والحديث يقول: والعدل في حالة الغضب والرِّضا  معناه: أنَّ المسألة يجب أن تتجرَّد عن العواطف، وتتجرَّد عن الدَّوافع النَّفسية؛ لأنَّ الدَّوافع النَّفسية النَّاتجة من الحبِّ أو البغض أو نحو ذلك، لا شكَّ أنَّها هي المسبِّبة للظُّلم، والتي تحمل الإنسان على عدم  العدل إذا استمر الإنسان عليها ولم يبال بما تؤدِّي إليه عاطفته حباً أو بغضاً؛ فإنَّه يقع في الجور والظُّلم.
العدل في القضاء:
00:26:20
 من مجالات العدل المهمَّة جداً بطبيعة الحال: العدل في القضاء، ولو كان الإنسان أميرَ المؤمنين، وقد جلس عمرٌ رضي الله عنه مع خصمه عند القاضي وهو أمير المؤمنين، وله في ذلك قصصٌ فمنها: أنَّ عمر رضي الله تعالى عنه صار بينه وبين أُبي بن كعب خصومة، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً نتحاكم إليه، فأنا لا أستطيع أن أقضي فيك وأنا أمير المؤمنين وأنت في هذه القضية أنا خصمك، فكيف أكون أنا الخصم وأنا الحكم، فجعل بينهما زيد بن ثابت، فأتياه فقال له عمر: "أتيناك لتحكم بيننا وفي بيته يُؤتى الحكم" ذهب عمر رضي الله تعالى عنه وخصمه أُبي إلى زيدٍ رضي الله عن الجميع، فلمَّا دخلا عليه وسَّع له زيدٌ في صدر فراشه، فقال: ها هنا أمير المؤمنين، فقال له عمر: "لقد جرت في الفتيا ولكن أجلسُ مع خصمي" فلجسا بين يديه فادَّعى أُبيُّ وأنكر عمر، فقال زيدٌ لأبي: أعف أميرَ المؤمنين من اليمين، فالآن البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر، معنى ذلك: هذا بيِّنُ الادِّعاء توجهت اليمين على عمر، لا بُدَّ أن يحلف، فقال زيد لأبي: أعف أميرَ  المؤمنين من اليمين وما كنت لأسألها لأحدٍ غيره، فحلف عمرٌ، ثُمَّ أقسم لا يُدرك زيدٌ القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء"[رواه البيهقي20250]. وكان للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه دار إلى جنب مسجدٍ المدينة، فقال له عمر رضي الله عنه: بِعنيها فأراد عمر أن يزيدها في المسجد، فأبى العباس أن يبيعها إيَّاه، فقال عمر: فهبها إليَّ، فأبى، قال: فوسِّعوها أنت في المسجد، فأبى، فقال عمر: لا بُدَّ لك من إحداهنَّ، فأبى عليه، فقال: خذ بيني وبينك رجلاً، فأخذ أبيَّ بن كعب رضي الله عنه، هذا هو الجمال في الصَّحابة، فلا مواقف مبنية على أشياء سابقة، فالمسألة تنتهي في لحظتها، هم بشرٌ ويحدث نزاعٌ، كُلُّ واحدٍ يظنُّ الأرض أو الشَّيء له، فهذا أُبيُّ ابن كعب كان في القصَّة الماضية خصماً والآن صار هو القاضي، عمر رضي الله  عنه ذهب مع العبَّاس إلى أُبيِّ فقال أبي لعمر: ما أرى أن تُخرجه من داره حتى ترضيه، فقال له عمر: أرأيت قضاءك هذا في كتاب الله وجدته أم سُنَّةٌ من رسول الله ﷺ؟ إلى آخر القصَّة[كنز العمَّال23095]. أنَّه ما ينزع البيت من الرَّجل، إمَّا أن يتنازل عنه بالرِّضا أو يترك هذا الموضوع، فبمثل هذا  قامت السَّماوات والأرض، وهذا الذي حصل: لمَّا أرسل النَّبيُّ ﷺ إلى اليهود عبدالله ابن رواحه، فعدل بينهم لما اعترف اليهود وقالوا: بهذا قامت السَّماوات والأرض، فلمَّا كانت العداوة بين اليهود والمسلمين لم يمنع ذلك عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه أن يعدل فيهم، ولمَّا أرسله ﷺ إلى اليهود أرادوا رشوته، ولكنَّه رضي الله عنه غضب غضباً شديداً، وقال: وأنتم أعدى أعدائي لن تحملني عدواتكم على أن أظلمكم، قالوا بهذا قامت السَّماوات والأرض[رواه أحمد14996]. ولو أنَّ القاضي عدل في حكمه لرُبَّما لم يصبح في البلد خصوماتٌ، ولذلك رُوي أنَّ أبا بكر رضي الله عنه ولَّى عمر أشياءً -يعني قضاء- ثُمَّ قضى عمر بعد ذلك سنة لم يأت إليه أحدٌ، وهذا معروفٌ في السَّلف، وهذا من الأشياء التي لا توجد الآن على الإطلاق، كانت تمرُّ المدَّة الكثيرة على القاضي لا يأتيه خصومٌ، فهذا الذي قيل: إنَّ أبا بكر لما عيَّن عمر قاضياً على المدينة مكث عمرٌ سنةً لم يختصم إليه اثنان، ولذلك: العدل في القضاء من أعظم الأشياء، وعلى أيَّة حال فإنَّه كما قلنا: العدل في المسئوليات فكُلَّما كانت المسئولية أكبر الإمام القاضي هؤلاء مسئوليتهم كبيرة، فإذا حصل العدل استتبَّ الأمن واطمأنَّت النَّفس إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[ص:26]. والقاضي مهدَّدٌ بنصوص كثيرةٍ إذا لم يعدل، وكذلك الوالي فهذان الشَّخصان من أشدِّ النَّاس مسئوليةً ومحاسبةً عند الله يوم القيامة، ولذلك يقول النَّبيُّ ﷺ: ما من أمير عشرة إلَّا يُؤتى به مغلولاً يوم القيامة حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور[رواه أحمد9570، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة2621]. والقاضي إذا عرف الحقَّ فقضى به فهو العدل عند الله، وإذا قضى بجهالة فهو في النَّار، وإذا عرف الحقَّ وجانبه وقضى بالهوى فهو في النَّار، ولذلك كان قاضيان في النَّار وقاضٍ في الجنَّة، ولرُبَّما يتمنَّى هذا يوم القيامة أنَّه لم يقض في تمرةٍ بين الرَّجلين، والإنسان إذا عدل لا يعني ذلك أنَّه لن يسلم، فإنَّ بعض النَّاس لا يعجبه العدل، فأصحاب النُّفوس المريضة حتى لو عدلت فيه وأعطيته حقَّه فما يرضي، وهنا يكون الإنسان قد أدَّى ما عليه ولا يضرُّه بعد ذلك الكلام، ولذلك النَّبيُّ ﷺأُوذي في هذا الجانب إيذاءً عظيماً، فقد جاء في الحديث الصَّحيح الذي رواه البخاري رحمه الله أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعث إليه بشيءٍ فقسَّمه بين أًربعة وقال أتألَّفهم، فقال رجلٌ: ما عدلت، فقال: يخرج من ضئضئ هذا قومٌ يمرقون من الدِّين[رواه البخاري4094]. وفي روايةٍ للبخاري: عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: بينا النَّبيُّ ﷺ يقسم ذات يوم قسماً، فقال ذو الخويصرة وهو رجلٌ من بني تميم: يا رسول الله اعدل، قال:ويلك من يعدل إذا لم أعدل[رواه البخاري 5811]. وأخبر أنَّ هذا رأس الخوارج محلوقٌ كثُّ اللحية، جاء يقول: اعدل يا محمد، فوالله هذه قسمةٌ ما أُريد بها وجه الله، يتهمُّ النَّبيَّ ﷺ بالظُّلم فهذا رأس الخوارج، فالنَّبيُّ ﷺ عدل كُلَّ العدل، أعطى ليتألَّف قلوبَ النَّاس وتركهم ناساً، وهذا جاء من غبائه وعدم احترامه للنَّبيِّ ﷺ وقال ذلك؛ لأنَّه يظنُّ بعقله المعوج أنَّه لا بُدَّ أن يساوي بين كُلِّ النَّاس، وهناك اعتباراتٌ أعطى المؤلَّفة قلوبهم؛ يتألَّفهم على الإسلام، وترك ناساً وما أعطاهم، وهذا الرَّجل المنحرف المريض عقله اعتبره ظلماً! وهذا حال الذين لا ينظرون في المصالح الشَّرعية، فيتراءى له من الخارج أنَّ هذا ظلمٌ، بينما يكون هو عينُ العدل، فلا يضرُّه ﷺ أن جاء هذا وتكلَّم عليه، فعمر رضي الله عنه أيضاً كما جاء -والقصَّة في البخاري- عيينة فقال: هيه يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر رضي الله عنه حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ بن قيس -وهو ابن أخي عيينة- قال: يا أمير المؤمنين إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه ﷺ: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ[الأعراف:199]. وإنَّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله[رواه البخاري 6856].
جواز انتقام المظلوم من الظَّالم ولو بالدُّعاء عليه:
00:37:44
لاويجوز للإنسان إذا اتُهم بالظُّلم أن يدعو على هذا المتَّهِم ما دام يعتقد بأنَّه محقٌّ؛ لأنَّ المظلوم إذا دعا على الظَّالم فقد انتصر، ورُبَّما يكون في  هذا نعم هو لو دعا له بالهداية يكون أحسن، لكن رُبَّما تترجَّح مصلحة في جعل هذا المتَّهِم عبرةً للنَّاس فلا يتَّهمون عادلاً، كما وقع ذلك لسعد رضي الله عنه حيث أنَّه كان مجابَ الدَّعوة، فروى جابر بن سمرة قال شكى أهل الكوفة سعداً إلى عمر رضي الله عنه فعزله واستعمل عليهم عماراً، فشكوه حتى ذكروا أنَّه لا يحسن يصلِّي، فأرسل عمر رضي الله عنه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة ولم يدع مسجداً  إلَّا سأل عنه ويثنون معروفاً، حتى دخل مسجداً لبني عبس فقام رجل منهم يُقال له أُسامة بن قتادة يُكنَّى أبا سعدة، قال: أمَّا إذا نشدتنا -يا أيُّها المستقصي المرسل من قبل الخليفة- فإنَّ سعداً كان لا يسير بالسَّرية، أي: أنَّه تاركٌ الجهاد، ولا يقسم بالسَّوية، أي: ظالمٌ في القسمة والأعطيات، ولا يعدل في القضية، لما بلغ سعداً الخبر قال: أما والله لأدعونَّ بثلاث: "اللهمَّ إن كان عبدك هذا كاذباً قام رياءً وسمعةً فأطل عمره، وأطل فقره، وعرِّضه للفتن" وكان هذا الرَّجل المسكين الذي ظلم سعداً واتهمه بغياً بعد ذلك إذا سئِل يقول: شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك الرَّاوي: "فأنا والله رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وإنَّه ليتعرَّض للجواري في الطُّرق يغمزهن"[رواه البخاري 722]. فما أقبح هذا المنظر: سقط حاجباه على عينيه من الكبر، شيبةٌ طاعن في السِّن يتعرَّض للجواري يغمزهن؛ لأنَّه قد استُجيبت فيه دعوةُ سعد: أطل عمره وأطل فقره في الشَّوارع ليس له مأوى، وكبيرٌ طاعن في السِّن وفتنه الله يغمز الجواري، وما له للنِّساء، فإذاً: على الإنسان العادل ألَّا يحزن إذا اتُهم بعدم العدل ما دام أنَّه عادلاً، ويحتسب الأجر عند الله، وإذا دعا على من ظلمه فلا بأس بذلك، خصوصاً إذا كان فيه مصلحةٌ، كأن يكون هذا الشَّخص عبرةً.
العدل مطلب النَّاس وهو بشارةٌ لهم في الدُّنيا قبل الآخرة:
00:41:14
 والإنسان العادل عدله يكون بِشرٌ له في الحياة الدُّنيا وفي الآخرة، كما دخل شابٌّ من الأنصار على عمر رضي الله عنه وهو على فراش الموت، وقيل أنَّه ابن عباس، فقال: "أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت"[رواه البخاري1328]. أنت من أوائل المسلمين فإسلامك قديمٌ؛ لأن عمر من المهاجرين "ثُمَّ استُخلفت فعدلت ثُمَّ الشَّهادة بعد هذا كُلِّه" والعدل مطلبُ ومنشدُ النَّاس كُلِّهم يريدون العدل، بل إنَّهم أحياناً غلَّفوا المطلب الذي يريدونه بأنَّهم ينشدون العدل، لكن العدل قد لا يكون في كلامهم، أو لا يكون في الشَّيء الذي ينشدونه، وقد حصل أنَّ بعض أزواج النَّبيِّ ﷺ تضايقن لما كانت الهدايا تأتي كُلُّها في يوم عائشة، لما كان المسلمون يعلمون حبَّ النَّبيِّ ﷺ  لعائشة رضي الله عنها؛ كانوا يتعمَّدون أن يقدِّموا هداياهم للنَّبيِّ ﷺ في يوم عائشة وهو في بيتها، فغضبن أمَّهات المؤمنين لماذا كُلُّ الهدايا  في يوم عائشة؟ فأرسلن للنَّبيِّ ﷺ  أمَّ سلمة من كانت عنده يريد أن يهديها لرسول الله ﷺ بعثها في أي بيت كان من بيوت نسائه، فالنَّبيُّ ﷺ ما استجاب؛ لأنَّ الناس أرادوا أن يهدوه، وهذا شأنُ المهدي ولا يتدخَّل المهدى إليه في المهدي، فالمُهدِي يريد أن يجعلها في هذا اليوم فلا يُليق أن يقول يا أيُّها النَّاس من أراد أن يهديني الهدية فعليه كيت وكيت؛ لأنَّ هذا شأن المهدي، فالنَّبيُّ ﷺ ترك ذلك وما أعلنه ولا نبَّه عليه، لم ير أنَّ في ذلك المصلحة الرَّاجحة، ثُمَّ إنهنَّ دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: إن نساءك ينشدك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلَّمته فقال: يا بنية ألَّا تحبِّين ما أحبُّ  قالت: بلى، فرجعت إليهنَّ فأخبرتهنَّ"[رواه البخاري 2442]. فقد يكون أحياناً عند الشَّخص هذا من النَّوازع النَّفسية أنَّه يطلب العدل، ولا يكون العدل فيما يطلبه، ولذلك يجب على الإنسان إذا سمع شكوى ألَّا يبادر يقول أنَّ المشتكي معه حقٌّ، وكثيرٌ من النَّاس يتأثَّرون بالمشتكي ومن سبق واشتكى أعطوه ووقفوا معه، ولذلك لا بُدَّ للإنسان أن يسمع من الطَّرف الآخر، لماذا يحصل الظُّلم فيها؟ لأنَّ الشَّخص الأول المشتكي سبق إلى نفسك وكلامه وقر في صدرك وتأثَّرت به أولاً، وتشربته نفسك وفهمه عقلك، فاستولى على المكان الفارغ، فلمَّا جاء الثَّاني فالإنسان يبرمج نفسه تلقائياً لدحض كلام الثَّاني والرَّد عليه؛ لأنَّ نفسه قد تشرَّبت الأول، وقليلٌ من النَّاس من يعطي الإنصاف في هذه القضية، فيُعامل الأول مثل الثَّاني، والذي سبق بالشَّكوى مثل الذي تأخَّر بالشَّكوى أو الذي يدافع ويرد، ولذلك المسألة تحتاج إلى مجاهدةٍ، قلنا: النَّاس ينشدون العدل ويبحثون عنه والأرض تبحث عن العدل وتتعطَّش له، ولذلك جاء في حديث عيسى ﷺ حيث قال النَّبي ﷺ: والله لينزلنَّ ابن مريم حكماً عادلاً، فليكسرنَّ الصَّليب وليقتلنَّ الخنزير وليضعنَّ الجزية  لا يقبل إلأ إسلاماً أو قتل  ولتتركنَّ القلاص فلا يسعى عليها  من كثرة المال النَّاس لا يحتاجون إلى المال ولتذهبنَّ الشَّحناء والتَّباغض والتَّحاسُّد، وليدعنَّ إلى المال فلا يقبله أحدٌ [رواه مسلم 155]. إذاً: العدل سببُ رخاء عامٍ في الأرض،  وكذلك المهدي فق أخبر النَّبيُّ ﷺ كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله:  لا تقوم السَّاعة حتى يملك رجلٌ من أهل بيتي أجلى أقنى يملأ الأرض عدلاً كما مُلئت قبله ظلماً يكون سبع سنين [رواه أحمد 11146، قال شعيب الأرنؤوط: "صحيح دون قوله: ((يكون سبع سنين))].
لنتحدث الآن عن شيءٍ من جوانب العدل ومجالاته، وقد ذكرنا قضية الإمامة وقضية القضاء، وقلنا: أنَّ العدل مطلوبٌ جدَّاً عندما يكون هناك ولاية ومسئولية يتولَّى الإنسان منصباً أو مسئوليةً، أشار إلى ذلك النَّبيُّ ﷺ  مبيِّناً فضيلة العادل ومكانته يوم الدِّين، كما في الحديث الصَّحيح الذي رواه مسلم رحمه الله، عن زهير قال: قال رسول الله ﷺ: إنَّ المقسطين عند الله على منابرٍ من نور، عن يمين الرَّحمن عزَّ وجلَّ وكلتا يديه يمينٌ، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا [رواه مسلم 1827]. فالعدل في الحكم في الأهل وفي الولايات قال: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا  فميزة العادل يوم القيامة، وهذا الذي يجعل الإنسان يحرص على العدل أنَّه على منبرٍ من نورٍ، أولاً: المنبر شيءٌ مرتفعٌ يراه  النَّاس وهذه مزيةٌ، ثانياً: أنَّ هذا المنبر من نورٍ، ثالثاً: أنَّ الجهة التي يكون فيها هذا الشَّخص جهةٌ فاضلةٌ وهي جهة اليمين، يقول: عن يمين الرَّحمن عزَّ وجلَّ من هؤلاء الأشخاص الذين على المنابر: الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما  ولوا.
العدل بين الزَّوجات:
00:49:11
 ومن المجالات العظيمة في العدل: العدل بين الزَّوجات؛ لأنَّ الله أمر بالعدل وأنَّ الإنسان إذا لم يكن يستطيع أن يعدل فلا يعدِّد الزَّوجات ولا يتزوَّجن بأكثر من واحدةٍ، فالعدل شرطٌ لتعدُّد الزَّوجات، وكثيرٌ من الذين يتزوَّجون أكثر من واحدة لا يعدلون، والعدل المطلوب في الزَّوجة أساساً: في المبيت والنَّفقة، فإذا بات عند هذه ليلةً يبيت عند الأخرى التي بعدها وهكذا، وليس المقصود العدل في الوطء، يعني: إذا وطئ هذه الليلة فيجب أن يطأ الثَّانية في الليلة التي بعدها، ليس هذا واجباً لكن المبيت هو الواجب؛ لأنَّ النَّفس قد تنشط لوطء هذه ولا تنشط لوطء الأخرى، لكن هذا لا يكون على إطلاقه، بمعنى: أنَّه لا يطأ هذه أبداً، وكُلُّ الوطء لتلك، لا  فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ [النساء:129]. ولذلك الشَّريعة أوجبت على الرَّجل حدَّاً معيَّناً لا يجوز أن يتأخَّر فيه عن وطء زوجته، وبعض العلماء قالوا: أربعة أشهر، وبعضهم قالوا غير ذلك، والصَّحيح أنَّه يختلف باختلاف الأحوال، فالزَّوجات يتفاوتن في الحاجة إلى الوطء للعفَّة، فهذه قد يعفُّها أن توطأ كُلَّ أسبوع، وأُخرى يعفُّها أن تُوطأ كُلَّ شهرٍ، وإذا زاد عن ذلك فسدت، فالزَّوج هو الذي يراعي هذه المسألة، فالشَّاهد أنَّا كنَّا نتحدَّث عن العدل بين الزَّوجات في المبيت، والنَّفقة التي ليس لها سببٌ  يجب أن يعدل فيها، فمثلاً: العيدية فكُلُّهنَّ سواء في سببها، وهو قدوم العيد، فيجب أن يسوِّي بينهنَّ، فإذا أعطى هذه مائة فيعطي الأخرى مائة، وإذا ما أعطاها المائة أو أعطاها أقلَّ فهو ظالمٌ وغير عادل، لم يستعمل العدل الشَّرعي، وليس مطلوباً كذلك في العدل بين الزَّوجات: العدل في المحبة القلبية؛ لأنَّه شيءٌ لا يملكه الإنسان، ولذلك فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كما قالت عائشة في الترمذي والحديث صحيحٌ: "أنَّه كان يقسِّم بين نسائه، فيعدل ويقول: اللهمَّ هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك [رواه أبو داود 2136، وضعف الألباني في ضعيف أبي داود 467]. وهو ما في القلب من الحبِّ والمودَّة، من عدله في قصصه ﷺ في عدله بين زوجاته ما رواه البخاري رحمه الله والنَّسائي واللفظ للنَّسائي عن أنس قال: كان النَّبيُّ ﷺ عند إحدى أمهات المؤمنين وهي عائشة، فأرسلت أخرى بقصعةٍ فيها طعامٌ وكانت الأخرى تجيد الطَّبخة، فعائشة غارت فضربت يد الرَّسول فسقطت القصعة فانكسرت، فأخذ النَّبيُّ ﷺ الكسرتين فضمَّ إحداهما على الأخرى فجعل يجمع فيها الطَّعام ويقول:غارت أمُّكم كلوا[رواه النسائي 8903، وابن ماجه 1889، وصححه الألباني في صحيح وضعيف ابن ماجه 2334]. أمُّنا أمُّ المؤمنين، فأكلوا فأمسك حتى جاءت بقصعتها التي في بيتها فدفع القصعة الصَّحيحة إلى الرَّسول ليوصلها إلى صاحبة القصعة المكسورة، وترك المكسورة في بيت التي كسرتها، فهذا من عدله ﷺ  بين زوجاته، توجَّه إليًّ رجلٌ بسؤالٍ فقال: أنا عندي زوجتان إذا ذهبنا مشوارٍ فجنب السَّائق مكانٌ لشخص واحد، فهل أضع الكبيرة فيه أو الأولى أو مَن؟ فأفتاني الشَّيخ عبد العزيز قال: كُلُّهم وراء، فإذاً: الإنسان يجب أن يعدل حتى في الأشياء الدَّقيقة، بعض النَّاس لما يتركون العدل تنشأ المشكلات، واسأل أيَّ واحدٍ عنده أكثر من زوجة يعاني من مشكلاتٍ فنسبةٌ كبيرةٌ منهم سبب المشكلات التي يعان منها: عدم عدله بين زوجاته، ولو أنَّه عدل ما تفاقمت هذه المشكلات، الغيرة موجودةٌ لكن ما الذي يقضي على الغيرة أو يعالج الغيرة؟ العدل، وعندما لا يوجد عدلٌ لا توجد راحة لا في الدُّنيا ولا في الآخرة، ولذلك قال ﷺ: إذا كان عند الرَّجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقُّه ساقط [رواه الترمذي1141، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 1141].
العدل بين الأولاد:
00:54:51
 وننتقل للعدل بين الأولاد، فالعدل بين الأولاد من المجالات العظيمة للعدل، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: "باب الهبة للولد وإذا أعطى بعض ولده شيئاً لم يجز حتى يعدل بينهم ويعطي الآخرين مثله ولا يشهد عليه" وقال النَّبيُّ ﷺ: اعدلوا بين أولادكم في العطيَّة [صحيح البخاري2/913]. فقد حدثت قصَّةٌ مشهورةٌ للنُّعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو على المنبر، يقول القصة وهو على المنبر، قال: أعطاني أبي عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ، قالت: اذهب وأشهد الرَّسول ﷺ، فأتى رسولَ الله ﷺ فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً، انظر عدل المرأة هذه، فالولد من عمرة وله أولاد من غيرها، فلمَّا أعطى ولده من عمرة قالت عمرة: أشهد النَّبيَّ ﷺ: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطيةً فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله، قال: أعطيت سائر ولدك مثل هذا  قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم  قال: فرجع فردَّ عطيته[رواه البخاري 2447]. فأيُّ عطيةٍ ليس لها سبب يجب أن يعدل فيها بين الأولاد جميعاً، قال بعض العلماء: الذَّكر مثل الأنثى، وقال بعض العلماء: للذَّكر مثل حظ الانثيين كما رجَّح ذلك ابن القيم رحمه الله، ونصره في شرحه على أبي داود، فالعيديَّات مثلاً: إذا أعطى الولد مائةً فيعطي الذَّكر مائة ويعطي الذُّكور الآخرين كُلَّهم مائةً، ويعطي الإناث كُلَّهن خمسين مثلاً، ولا يجوز له أن يفاوت في العطية إلَّا لسببٍ: كأن يكون بأحد الأولاد شيءٌ لم يقم بالآخر، فهذا عليه دينٌ والآخر ليس عليه دين فأعطى هذا مالاً ليُسدِّد دينه، أو هذا مريضٌ يحتاج نفقات علاج وذاك لا يحتاج، أو هذا يحتاج إلى نفقات دراسة وثمن كتب وكراريس أكثر، ثُمَّ هو يُعطي كُلَّ واحدٍ بحسب ظروفه، أو هذا مثلاً: طالب ثانوي فنفقاته الدِّراسية أكثر من طالب في أول ابتدائي، وهذ ولدٌ لعبته بخمسة ريال مثلاً، وهذا ولدٌ في سادس يحتاج إلى لعبة قد تكون بمائةٍ وخمسين، فإذاً يعدل فيعطي كُلَّ واحدٍ ما يحتاج إليه، ولو صار الصَّغير هذا في سن الكبير ينوي أن يعطيه مثلما أعطي الكبير، ولو أنَّه أعطى الكبير يقود السيارة؛ لأنَّ الأب صار يحتاج إلى من يوصل أهله إلى مكانٍ، فهذا الولد يوصلهم فيجعل السَّيارة باسم الأب، وهذا يقود بها أهله وإخوانه تنفيذاً للعدل ومقتضاه،  والسَّلف رحمهم كانوا يعدلون حتى في القبل، فإذا قبَّل هذا قبلةً قبَّل الآخر قبلةً، فلا يقبِّل هذا عشراً وهذا واحدةً، فيعدلون حتى في القبلات ولذلك تستقيم حال الأولاد، وانظر في أحوال الأبناء الذين يعقُّون آباءهم؛ تجد أنَّ من الأسباب العظيمة: عدم العدل، وأنَّ الأب كان ظالماً، كان يفضِّل بعضهم على بعض في الأعطيات وفي البرِّ وفي الصِّلة  وفي العطف وفي الحنان، قد تدعو الحاجة إلى تخصيص بعض الأولاد بعنايةٍ خاصَّةٍ مثل أن يكون حافظاً أو أن يكون مقبلاً على العلم فيعلِّمه ويحفِّظه، وذاك يكون صاحب صنعةٍ أو مهنةٍ أو حرفةٍ مثلاً، أو يجيد الطَّعان ومهارات القتال، فيكون مثلاً هذا أحوج إلى ما عند الأب من العلم إذا كان الأب عالماً فهذا من الحكمة، ولهذا يولِّيه اهتمامه؛ لأنَّه أقبل محلَّه أو حفظه أو فهمه، فهذا لا يجانب العدل بل هو من الحكمة.
وكذلك قبل أن ننسى لو سألتكم عن اسم الصَّحابي الذي أرسله النَّبيُّ ﷺ لليهود ليخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم ليرشوه ليرفق بهم ويقلِّل من المقدار فهذا الصَّحابي هو الصَّحيح اسمه عبد الله بن رواحة وليس زيد الذي قال لهم لما عرضوا عليه الرَّشوة: والله قد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إليَّ وهو النَّبيِّ ﷺ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، يعني: أنتم يا أيُّها اليهود أنتم أبغض إليَّ من ألف قردٍ وخنزير، وما يحملني حبي إيَّاه أي: النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام وبغضي لكم على ألَّا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السَّماوات والأرض.
العدل في تطبيق الأحكام الشَّرعية على الجميع:
01:01:24
 ومن مجالات العدل: العدل في تطبيق الأحكام الشَّرعية على الجميع، ولذلك النَّبيُّ ﷺ  لما استعارت  امرأةٌ على ألسنة أناس يعرفون وهي لا تعرف حليَّاً فباعته وأخذ ثمنه فأكلته، فكانت تستعير وتجحد العارية فهذه تنزل منزلة السَّارق والحكم عليها بقطع يدها، فثارت قريشٌ ففزعوا إلى أسامة لتوسَّط عند رسول الله ﷺ، فتلَّون وجه النَّبيِّ ﷺ وغضب غضباً شديداً، واعتلا المنبر وأثنى على الله ثُمَّ قال: أمَّا بعد: فإنَّما هلك النَّاس كان قبلهم أنَّهم كانوا إذا سرق الشَّريف فيهم تركوه وإذا سرق الضَّعيف فيهم أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفسُ محمدٍ بيده لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها  ثُمَّ قطع يد المخزومية، ثُمَّ تابت المخزومية وصلح حالها[رواه البخاري 4053]. وهنا مسألةٌ مهمَّة جداً: وهي أنَّ النَّاس لا يعرفون العدل بدون شريعة، ولذلك قوانين الجاهلية هذه تتخبَّط ويتخبَّطون ويعدِّلون القوانين كُلَّ فترةٍ، يكتشفون ثغرات ومشكلات فيعدِّلون القوانين؛ لأنَّ الميزان لا يمكن أن يهتدي إليه البشر وحدهم، الميزان الذي  على أساسه يعدل ويحكم، ولذلك الشَّريعة جنَّبتنا كُلَّ هذه التُّرَّهات، فقد أنزل الله الميزان بالقسط ليحكم بين النَّاس ويحكم به بين الناس، فمثلاً: نسبة المواريث محدَّدة في الشَّريعة ولا نحتاج إلى قوانين وضعيَّة ولا يعتمد على أهواء النَّاس فيها، فلو قلت لعشرة أشخاص: كُلُّ واحدٍ يعطيني رأيه في توزيع التَّركة من غير دينٍ، فيتخبَّطون وكُلٌّ منهم يرى مصلحة ويرى أنَّ هذا أحقُّ، وهذا أكثر وهذا يأخذ وهذا لا يأخذ، ولذلك من النِّعم العظيمة على المسلمين: أنَّ الله جاءنا بشريعةٍ العدل فيها معروف، كذلك العدل في معاقبة المعتدي، قال الله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل:126]. فبعض النَّاس قد يقع عليه الظُّلم فيذهب  فيقوم على الآخر فيظلمه بزيادة عقوبة أكثر مما عوقب به، والله يقول: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ .
العدل في البيع، والعدل في اللباس:
01:04:08
 العدل في الميزان وهذا للإنسان البائع، فالنَّبيُّ ﷺ قال للوزَّان: زن وأرجح [رواه أبو داود 3338، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود3336]. كذلك العدل في كتابة الدَّين: فالله عزَّ وجلَّ يقول: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ يعني: بالقسط، والحقُّ لا يجور في الكتابة على أحدٍ لا يكتب إلَّا ما اتفقوا عليه من غير زيادةٍ ولانقصانٍ، فإذا كان الذي عليه الحقُّ سفيهاً أو ضعيفاً لا يستطيع أن يتكلَّم ولا يبيِّن أو صغيراً أو مجنوناً أو جاهلاً فوليُّه يملل بالعدل، فإذاً: حتى كتابة الدِّيون والأشياء بالعدل، لماذا سمُّوه كاتب العدل في المحكمة؟ لأنَّ هذا ينبغي أن يكون يكتب بالعدل، فما أعظم المسئولية، فالعدل في كُلِّ شيءٍ حتى في الملابس التي تلبسها، ذكر العلماء أنَّ من آداب اللِّباس: أن يعدل بين أطراف جسده  في اللباس، فلا يلبس في يدٍ كُمَّاً وأخرى من غير كُمٍّ، ومن الأسباب التي ذكروها في النَّهي عن المشي بالنَّعل الواحدة، قالوا: حتى لا يخرج عن حدِّ الاعتدال في المشية، وقالوا: حتى لا يتعثَّر أو يسقط، وممَّا قالوه: حتى يعدل بين أعضائه في اللِّباس، فلا يمشي بنعلٍ واحدةٍ ولو انقطع نعلٌ خلع الجميع، فإمَّا أن يصلحهما ويمشي بهما أو يخلعهما جميعاً يعدل بين أعضاءه في اللِّباس، وهذا هو من العدل بين الأعضاء، ولعلَّ الرَّاجح فيها والله أعلم: عدَّةُ أسباب، منها: هذا الذي تقدَّم، وأنَّ الشَّيطان يمشي بالنَّعل الواحدة، كما ثبت بذلك الحديث فيكون النَّهيُ عن التَّشبُّه بالشَّيطان.
العدل في اتِّخاذ المواقف من الأشخاص:
01:06:21
 والعدل في القول وفي الحكم على الأشخاص: من أعظم المجالات التي يجب أن يكون العدل واضحاً فيها -ولذلك سنخصُّ هذا الموضوع بشيءٍ من الاهتمام- التَّثبُّت قبل الحكم على الشَّخص، والعدل في اتِّخاذ المواقف من الأشخاص  له خطوات: التَّثبُّت من الأمر قبل الحكم على الشَّخص، فالنَّبيُّ ﷺ لما أخطأ حاطبٌ رضي الله عنه فأول شيءٍ تثبَّت من الخطأ، وأمرهم أن يذهبوا إلى روضة خاخ ويأتوا بالرِّسالة، فجاءت الرِّسالة ثبت الدَّليل على حاطبٍ أنَّه راسل الكفَّار، ثُمَّ العدل في تبين أسباب الخطأ، قلنا: إنَّ من مجالات العدل العظيمة: اتِّخاذ المواقف من الأشخاص إذا أخطؤوا بناءً على أيِّ شيءٍ إذا كنت عادلاً؟ أولاً: تتأكَّد من الخطأ أنَّه فعلاً قد أخطأ، فقد لا يكون أخطأ والظَّنُّ لا يغني من الحق شيئاً. ثانياً: أنَّك تتحرَّى في السَّبب الباعث على الخطأ، فقد يكون للرَّجل شيءٌ من العذر  يخفِّف حاله. وكذلك الخطوة الثَّالثة: جمع حسناته وسيئاته، فتنظر بحسنات الرَّجل الأخرى، هو صحيحٌ أخطأ لكن قد يكون له حسناتٌ كثيرةٌ، فلو غمر خطأه فيها اغتفر، وقد يكون إنسانٌ مسيءٌ فيكون خطأه مما يؤاخذ به بشدِّة، فإذاً: لا بُدَّ أن نعدل في الأقوال وتقويم المواقف والأشخاص والحكم عليهم، وأهل الجرح والتَّعديل من العلماء كان لهم قصبُ السَّبق  في هذا المجال، فنشهد للمحسن بإحسانه وللمسيء بإساءته، ولو كان عدواً لا يجعلنا ننكر إحسانه أو حسناته، وإذا كان صديقٌ نتغاضى عن سيئاته  لا نعامل الناس بميزان واحد، بل لا بُدَّ أن نُعامل النَّاس بميزانٍ واحدٍ، والإنسان بطبعه ظلومٌ جهولٌ، وإذا لم يحمل الأمانة ولم يعدل كما أمر الله أدَّى ذلك إلى ظلمٍ عظيمٍ بين النَّاس، وهذا الموضوع أيُّها الإخوة موضوعٌ طويلٌ ومتشعِّب، وانظروا الآن مثلاً: المدير إذا لم يعدل بين الموظفين، فيعطي لهذا إجازة بكُلِّ سهولة والآخر لا يعطيه إجازة لو يموت، وهذا يعطيه زيادةً بكُلِّ سهولةٍ وذاك لا يعطيه الزِّيادة وهو يستحقُّها، وكذلك المدرِّس ينجح هذا الطَّالب بسهولةٍ وذاك قد يظلمه ويبخسه حقَّه في الدَّرجات، وهذا يعطيه وقتاً زيادةً للإجابة، وهذا يأخذ منه الورقة مباشرةً وهذا يجبر له الكسر ويعطيه درجاتٍ وذاك لا يعطيه إلَّا على الوزن؛ فهذا ظلمٌ يجب أن يعامل الجميع معاملةً واحدةً، فأنت ترى أنَّ هذا الموضوع في الإمامة وفي القضاء وفي التَّدريس وفي الإدارة وفي الحياة الزَّوجية،وكا  الأب بين الأولاد؛ فإنَّ هذا موضوعٌ خطيرٌ وحسَّاسٌ للغاية، وأنَّ الخطأ فيه هو الذي يسبِّب الظُّلم العظيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلَّى الله على نبيِّنا محمد،وعلى آله وصحبه أجمعين.